أطــلّ صــبـاح العـيـد فـي الشـرق يـسـمـع
الشاعر: معروف الرصافي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة رومانسية
هذه القصيدة من شعر معروف الرصافي، من العصر الحديث، وتقع في 83 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين، وغرضها قصيدة رومانسية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أطــلّ صــبـاح العـيـد فـي الشـرق يـسـمـع — ضــجــيــجـاً بـه الأفـراح تَـمـضـي وتَـرجـع
صــبــاح بــه تــبــدي المَــســرةُ شــمـسَهـا — وليــــس لهــــا إلا التـــوهـــمَ مـــطـــلع
صـبـاح بـه يـخـتـال بـالوَشْـي ذو الغـنـى — ويُـــعـــوِز ذا الإعـــدام طِـــمْــرٌ مــرقّــع
صـــبـــاح بــه يــكــســو الغــنــيّ وليــده — ثـيـابـاً لهـا يـبـكـي اليـتـيـم المـضـيَّع
صــبــاح بــه تــغــدو الحــلائل بـالحـلى — وتَـــرفَـــضّ مـــن عـــيــن الأرامــل أدمــع
ألا ليــت يــوم العــيــد لا كــان أنــه — يـــجـــدّد للمـــحـــزون حــزنــاً فــيَــجــزَع
يــريــنــا ســروراً بــيــن حــزن وإنــمــا — بــــه الحــــزن جـــدّ والســـرور تَـــصَـــنُّع
فــمــن بـؤسـاء النـاس فـي يـوم عـيـدهـم — نـــحـــوسٌ بــهــا وجــه المــســرّة أســفــع
قــد ابــيــضَ وجــه العـيـد لكـنّ بـؤسـهـم — رمــى نُــكَــتــاً ســوداً بــه فــهــو أبـقـع
خــرجـت بـعـيـد النـحـر صـبـحـاً فـلاح لي — مـــســـارح للأضـــداد فـــيـــهـــنّ مــرتــع
خــرجــت وقــرص الشــمــس قــد ذَرّ شـارقـاً — تـــرى النـــور ســـيّـــالاً بــه يــتــدفّــع
هــي الشــمــس خَــوْ قــد أطــلّت مُــصــيـخـة — عــلى الأرض مــن افــق العــلا تــتـطـلّع
كـــأن تـــفـــاريـــق الأشـــعـــة حــولهــا — عــــلى الأفـــق مُـــرخـــاةً ذوائبُ أربـــع
ولمــا بــدت حــمــراء أيــقــنــت أنــهــا — بـــهـــا خـــجـــل مــمــا تــراه وتــســمــع
فــرُحــت وراحــت تــرســل النـور سـاطـعـاً — وســـرت وســـارت فـــي العـــلا تــتــرفّــع
بــحــيــث تــســيــر النــاس كــلٌ لِوِجــهــةٍ — فــــهــــذا عــــلى رِســــل وذلك مُــــســــرع
وبـــعـــض له أنـــف أشـــمُّ مـــن الغـــنــى — وبـــعـــض له أنـــف مـــن الفــقــر أجــدع
وفــي الحــيّ مــزمــار لمُــشــجـي نَـعِـيـره — غــدا الطــبــل فــي درادابـه يـتـقـعـقـع
فــجــئت وجــوفَ الطــبــل يــرغــو وحــوله — شـــبـــاب وولدان عـــليـــه تـــجـــمــعــوا
لقــد وقــفــوا والطــبــل يــهـتـزّ صـوتـه — فـــتـــهـــتـــزّ بــالأبــدان ســوق وأكــرُع
تــرى مَــيْــعــة الأطـراب والطـبـل هـادر — تـــفـــيــض وفــي أعــصــابــهــم تــتــمــيَّع
فــقــد كــانـت الأفـراح تـفـتـح بـابـهـا — لمــن كـان حـول الطـبـل والطـبـل يـقـرع
وقــفــت أجــيــل الطــرف فــيـهـم فـراغـي — هـــنـــاك صـــبـــيّ بــيــنــهــم مــتــرعــرع
صــبــيّ صــبــيــح الوجــه أســمــر شــاحــب — نــحــيـف المـبـانـي أدعـج العـيـن أنـزع
يَــزيِــن حــجــاجَــيْه اتــســاع جــبــيــنــه — وفــي عــيــنــه بــرق الفَــطــانــة يـلمـع
عــليــه دريــس يَــعــضِــر اليُــتــم رُدْنــه — فــيــقــطــرُ فــقــر مــن حــواشـيـه مُـدقـع
يُــــليــــح بـــوجـــه للكـــآبـــة فـــوقـــه — غُــبــار بــه هــبّــت مــن اليــتــم زَعــزَع
عـلى كـثـر قـرع الطـبـل تـلقـاه واجـمـاً — كــأن لم يــكــن للطــبــل ثَــمــةَ مَــقــرع
كــأن هــديــر الطــبــل يــقــرع ســمــعــه — فـــلم يُـــلْفِ رجــعــاً للجــواب فــيــرجــع
يــردّ ابــتــســام الواقــفــيــن بــحـسـرة — تـــكـــاد لهـــا أحـــشـــاؤه تـــتـــقـــطــع
ويــرســل مــن عــيــنــيــه نــظـرة مُـجـهِـشٍ — ومــا هـو بـالبـاكـي ولا العـيـن تـدمـع
له رجـــفـــة تـــنـــتـــابـــه وهــو واقــف — عــلى جــانــب والجــوّ بــالبــرد يــلســع
يـرى حـوله الكـاسـيـن مـن حـيـث لم يجد — عـــلى البَـــرد مــن بُــرد بــه يــتــلفّــع
فـكـان ابـتـسـام القـوة كـالثـلج قارساً — لدى حـــســـرات مــنــه الكــجــمــر تَــلذَع
فـــلمـــا شـــجـــانـــي حـــاله وأفـــزّنـــي — وقـــــفـــــت وكـــــلّي مَـــــجْــــزَع وتَــــوَجُّع
ورحـــت أعـــاطــيــه الحَــنــان بــنــظــرة — كــمــا راح يــرنــو العــابـد المـتـخـشِّع
وأفـــتـــح طــرفــي مُــشــبَــعــاً بــتــعــطُّف — فــيــرتــد طــرفــي وهـو بـالحـزن مـشـبـع
هـــنـــاك عــلى مــهــل تــقــدمــت نــحــوه — وقـــلت بـــلطـــف قـــول مـــن يـــتـــضـــرّع
أيا ابن أخي من أنت ما اسمك ما الذي — عــراك فــلم تــفــرح فــهــل أنــت مُـوجـع
فـــهـــبّ أمـــامـــي مـــن رُقـــاد وُجــومــه — كــمــا هــبّ مــزعــوبَ والجَـنَـان المـهـجِّع
وأعـــرض عـــنّـــي بـــعـــد نـــظــرة يــائس — رواح ولم يـــنـــبِــس إلى حــيــث يــهْــرَع
فــعــقّــبــتــه مــســتــطــلعــاً طِـلْع أمـره — عـلى البُـعـد أقـفـو الأثـر مـنـه وأتبع
وبــيــنــاه مــاش حــيــث قـد رُحـت خـلفـه — أدِبّ دبـــيـــب الشـــيـــخ طـــوراً وأســـرع
لمـــحـــت عـــلى بُـــعـــد اشـــارة صــاحــب — يــنــادي أن ارْجـع وهـو بـالثـوب مُـلمِـع
فـــأومـــأت أن ذكـــرتـــه مــوعــداً لنــا — وقــلت له اذهــب وانــتــظــر فــســأرجِــع
وعُـــدت فـــأبـــصـــرت الصــبــيَّ مُــعــرِّجــاً — ليـــدخـــل داراً بــابــهــا مُــتَــضــعــضِــع
فـــلمـــا أتـــيـــت الدار بــعــد دخــوله — وقــمــت حِــيــالَ البــاب والبــاب مُـرجَـع
دنَـــوت إلى بـــاب الدُوَيـــرة مـــطــرقــاً — وأصـــغـــيـــت لا عـــن ريــبــة أتــســمّــع
ســـمـــعـــت بـــكـــاءً ذا نـــشــيــج مُــردَّد — تـــكـــاد له صُـــمّ الصـــفـــا تـــتـــصـــدّع
فــحِــرت وعــيــنــي تــرمـق البـاب خـلسـةً — وللنــفــس فــي كــشـف الحـقـيـقـة مَـطـمَـع
أأرجِـــــع أدراجـــــي ولم أك عــــارفــــاً — جَــليّــة هــذا الأمــر أم كــيــف أصــنــع
فــمــرّت عــجــوز فــي الطــريــق وخـلفَهـا — فـــتـــاةٌ يُـــغـــشّـــيـــهــا ازارٌ وبُــرقُــع
تــعــرّضــتــهــا مــســتــوقــفـاً وسـألتـهـا — عــن الأســم قــالت إنــنــي أنــا بَــوْزَع
فــأدنــيـتـهـا مـنـي وقـلت لهـا اسـمـعـي — حــنــانَــيْــك مـا هـذا الحـنـيـن المُـرجَّع
فـــــقـــــالت وأنّـــــتْ أنّهً عـــــن تَــــنَهُّد — وفــي الوجــه مــنــهــا للتــعـجُّبـ مَـوْضـع
أيــا ابــنـيَ مـا يَـعْـنـيـك مـن نَـوح أيِّم — لهــا مــن رزايــا الدهــر قــلب مُــفــجَّع
فــقــلت لهــا إنــي امــرؤ لا يَهُــمّــنــي — ســـوى مـــن له قـــلب كـــقـــلبـــي مُــروَّع
وإنّــــي وإن جــــارت عـــليّ مـــواطـــنـــي — فــــؤادي عــــلى قُــــطّــــانــــهـــنّ مُـــوَزّع
أبـــوزع مُـــنّـــي عـــمـــركِ الله بـــالذي — ســـألتُ فـــقـــد كـــادت حـــشـــاي تَــمَــزَّع
فــقــالت أعــن هـذي التـي طـال نـحـبُهـا — ســـألتَ فـــعـــنـــدي شــرح مــا تــتــوقّــع
ألا أنــهــا ســلمــى تــعــيــســةُ مــعـشـرٍ — مــن الصِــيــد أقـوت دراهـم فـهـي بَـلقَـع
وصــارعــهــم بــالمــوت حــتــى أبــادهــم — مـــن الدهـــر عَـــجّـــارٌ شـــديـــد مُــصــرِّع
قــلم يــبــق إلا زوجــهــا وشــقــيــقـهـا — خــــليــــل وأمـــا الآخـــرون فـــودَّعـــوا
ولم يَــلبَــث المــقـدور أن غـال زوجـهـا — ســعــيــداً فــأودى وهــي إذ ذاك مُــرضِــع
فــربّــى ابــنــهــا ســعـداً وقـام بـأمـره — أخــوهــا إلى أن كــاد يــقَــوى ويَــضْــلع
فــأذهــب عــنــه الخــالَ دهــرٌ غَــشَــمْـشَـمٌ — بــمــا يُــوجِــع الأيــتـام مُـغـرىً ومُـولَع
جَــرَت هَــنَــةٌ مــنـهـا عـلى خـاله انـطـوى — بــقــلب رئيــس الشــرطــة الحـقـدُ أجـمـع
فـــزجّ بـــه فــي الســجــن بــعــد تَــجَــرُّم — عــليــه بــجُــرم مــا له فــيــه مَــصــنَــع
عـــزاه إلى إيـــقـــاعـــه مُــوقــعــاً بــه — ومـا هـو يـا ابـن القـوم للجـرم مـوقـع
ولكـــنّ غـــدر الحـــاقـــديـــن رمـــى بــه — إلى السـجـن فهو اليوم في السجن مُودَع
فـــحُـــقّ لســـلمـــى أن تــنــوح فــإنــهــا — مــن العــيــش ســمّــاً نــاقــعــاً تــتـجـرَّع
فــلا غــرو مــن أم اليــتــيـم إذا غـدت — ضـحـى العـيـد يُـبْـكـيـها اليتيم المُضيَّع
فــــعُــــدت وقـــلبـــي جـــازع مـــتـــوجّـــع — وقـــلت وعـــيــنــي ثَــرّة الدمــع تَهــمَــع
ألا ليــت يــوم العــيــد لا كــان أنــه — يـــجـــدّد للمـــحـــزون حــزنــاً فــيَــجــزِع
وجــئت إلى مــيــعــادنــا عــنـد صـاحـبـي — وقـــد ضـــمّه والصـــحـــبَ نــادٍ ومَــجــمَــع
فــأطــلعــتــهـم طِـلع اليـتـيـم فـأفّـفـوا — وخــبّــرتــهــم حــال الســجــيــن فـرَجَّعـوا
فــقـلت دعـوا التـأفـيـف فـالعـار لاصـق — بـكـم واتـركـوا التـرجـيع فالأمر أفظع
ألســنـا الأُلى كـانـت قـديـمـاً بـلادنـا — بـــأرجـــائهــا نــور العــدالة يــســطــع
فـمـا بـالنـا نـسـتـقـبـل الضـيم بالرضا — ونــعــنــو لحــكــم الجــائريــن ونَــخْـضَـع
شــربــنــا حــمــيــم الذُلِّ مــلُّ بُـطـونـنـا — ولا نــحــن نــشــكــوه ولا نــحـن نَـيْـجَـع
فــلو أن عَــيْــر الحــيّ يــشــرب مــثـلنـا — هـــوانـــاً لأمـــســـى قــالســاً يــتــعــوَّع
نــهــوضــاً إلى الغــرّ الصُــراح بــعـزمـة — تـــخِـــرّ لمــرمــاهــا الطُــغــاة وتــركــع
ألا فـاكـتُـبـوا صـكّ النـهوض إلى العلا — فــــإنّــــي عــــلى مـــوتـــي بـــه لمُـــوَقِّع
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التوهم: تَوَهَّمَ يَتَوَهَّمُ تَوَهُّمًا :- الشيءَ: تخيّله؛ يتوهّم الرسام ما يرسمه في ذهنه ثم ينقله إلى اللّوحة. -: ظنّ؛ توهّم أنه مريض. - الخيرَ فيه: توسَّمه.
- اليتيم: اليَتِيمُ : الصغيرُ الفاقد الأبِ من الإنسان والأمّ من الحيوان فأمّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ.-: كل فرد يَعِزُّ نظيرهُ؛ بيت من الشِّعر يَتيمٌ ج أَيْتَامْ ويَتَامَى وَيتَمَة وَيتَائِمُ وميتمة.
- بالوشي: وشي: الْجَوْهَرِيُّ: الوَشْيُ مِنَ الثِّيَابِ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ وِشاء عَلَى فَعْلٍ وفِعالٍ. ابْنُ سِيدَهْ: الوَشْيُ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ يَكُونُ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ؛ قَالَ الأَسود بْنُ يَعْفُرَ: حَمَتْها رِماحُ الحَرْبِ، …
- تصنع: تَصَنَّعَ يَتَصَنَّعُ تَصَنُّعاً : - الشَّخصُ: تكلَّف وأظهر ما ليس فيه؛ تَصَنَّعَ التَّواضعَ وهو ليس بالمتواضع. - في كلامه: تَقَعَّر؛ يتصنّع في نظم الشعر وفي إلقائه. - تِ البلادُ: صارت صناعية فكثرت فيها المصانع.