طَــربــتُ لرؤيــا أشــرَقــت فــاضــمـحـلَّتِ

الشاعر: أبو الفضل الوليد · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر أبو الفضل الوليد، من العصر الحديث، وتقع في 248 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف التاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

طَــربــتُ لرؤيــا أشــرَقــت فــاضــمـحـلَّتِ — وقـــلبـــي لهــا طــورٌ عــليــهِ تــجــلّتِ

فــمــا زلتُ أهــوى خــلوةً وســكــيــنــةً — لِتَــمــثــيــلِ رؤيــا دونـهـا كـلُّ رُؤيـةِ

فــأُغــمِــضُ أجــفـانـي وأشـتـاقُ أن أرى — بــروحــي جــمــالاً لا أراه بـمُـقـلتـي

فـروحـي مـع الأرواحِ فـي دارِ أنـسِهـا — وجـسـمـي مـع الأجـسـامِ في دارِ وحشتي

غــريــبٌ أنــا بــيــنَ الذيــن أُحِــبُّهــم — وأُبــغِــضُهــم والمــوتُ آخــرُ غُــربــتــي

الى المـــلإ الأعـــلى أحــنُّ لأنــنــي — عــن المــلإ الأدنــى أُنــزّهُ رفــعـتـي

لقــد جــمَـحـت نـفـسـي فـرُضـتُ جـمـاحَهـا — فــلانــت ودانــت لي بــقـطـعِ الأعـنّـة

ولكـــنّهـــا تــهــفــو إلى هــفــواتِهــا — إذا هـاجَهـا فـي الحـربِ لمـعُ الأسـنّة

فــأردعُهـا بـالصـبـرِ والحـلمِ والرِضـا — وفــيــهــا خــمــارٌ زائلٌ بــعــدَ سَـكـرة

وبــيــن عِـراكِ الحـقِّ والبـطـلِ أذعَـنـت — لنــهــي نُهــاهــا إذ عَــنـت فـاطـمـأنَّت

تــجــرّدتُ عــن كــلِّ المــذاهــبِ نـاظـراً — إلى الديــنِ والتــاريــخِ والبَــشَـريـة

فـــلم أرَ إلا زخـــرفـــاً وخـــديـــعـــةً — وذلك رأيــــي بــــعــــد طــــولِ الرَّويَّة

تــولّهــتُ مَــشــغــوفـاً بـمـا هـو بـاطـنٌ — مــن الحُـسـنِ حـتـى فـزتُ مـنـهُ بـنـظـرة

فــأنّــى لمــثــلي أن يــرى مـا رأيـتُهُ — ومــن ليـلةِ المـعـراجِ تُـشـتـقُّ ليـلتـي

جـــنـــانـــي عـــليـــهِ ضـــيِّقــٌ ومــقــصِّرٌ — بــيـانـي لديـهِ فـهـو فـوقَ الطـبـيـعـة

فــيــاليــتــنــي عــيٌّ يُــفــكِّرُ صــامـتـاً — ويـا ليـتَـنـي مـا كـنتُ ذاكي القريحة

إذن لاكـتَـفـى قـلبـي بـذكـرى نـعـيـمهِ — ومـا هَـزّنـي شِـعـري المـذيـبُ لمـهـجـتي

فــــلا شــــرفٌ فـــوقَ الذي نـــلتُهُ ولا — كـــلامٌ لوَصـــفِ النَّعـــمـــةِ العــلويــة

تـشـوّقـتُ حـتـى زارنـي الطـيـفُ مـؤنـساً — وأشـــرَقَ نـــورُ الطّــلعــةِ النَــبــويّــة

قـديـمـانِ شـوقـي والهـوى غـيـرَ أنـنـي — جَــلوتُ دُجــى شــكّـي بـصـبـحِ الحـقـيـقـة

فــقــلبــي وعـيـنـي مَـطـلعـانِ لنـورهـا — ومــا أطــلعَ الأنــوارِ غــيـرُ الدُّجـنَّة

وفـي غـفـوَتـي أو غفلتي جاءني الهُدى — وكـانـت عـلى غـيـبُـوبـةِ النـومِ يقظتي

تــبــلّجَ حــلمـي كـالصـبـاحِ مـن الدُّجـى — فـــنّـــورَ قـــلبـــي للضــيــاءِ كــنــورة

فـأصـبـحـتُ بين الطّيبِ والنورِ لا أعي — وطــارت شــعــاعــاً مُهــجــتــي للأشـعـة

فــكـم مـن شـعـاعٍ ذرَّ كـالسّهـمِ نـافـذاً — فــتــحــتُ له قــلبـاً غـدا كـالكـنـانـة

فـــيـــا لكِ رؤيــا نــوّرت كــلَّ ظــلمــةٍ — ويـــا لك ريّـــاً عــطّــرَت كــلَّ نــســمــة

ألا ليـــتَ عـــمــري كــلَّهُ كــان ليــلةً — ويـــا ليـــتــنــي فــي ليــلةٍ أبــديــة

فــليــلةُ ســعــدي قــد رأيــتُ ظـلامَهـا — ضــيــاءً وفــي آفــاقــهــا ألفُ نــجـمـة

فــوالله لا أدري مــصـابـيـحُ تـلكَ أم — صَــبــائحُ جــيــلٍ جُــمِّعــَت فــي صـبـيـحـة

أُعـــاهِـــدُ ربـــي أن أُصـــلِّي مُــســلِّمــاً — عـلى أحـمـدَ المـخـتـارِ مـن خـيـرِ أُمّـة

هـــدانـــي هــواهــا ثــم حــبّــبَ شــرعُهُ — إليَّ فــصَــحَّتــ مــثــلَ حــبــي عـقـيـدتـي

فــمــن قــومُهُ قــومــي أديــنُ بــديـنـهِ — لأنــي أرى الاســلامَ روحَ العــروبــة

تــوسّــلتُ بــالقـربـى إليـه فـلم تـضـع — لدى العــربــيّ الهــاشــمــيّ شـفـاعـتـي

فــشــرّفــنــي بـعـد العـروبـةِ بـالهُـدى — وفــضّــلنــي بــيــن الورى لقــرابــتــي

وأنـــعـــمَ بــالرؤيــا عــليَّ وطــالمــا — تــصــبّــت فــؤادَ الصــبِّ مـنـذُ الصـبـوّة

وأهــــدى إليّ النــــيّــــراتِ وإنـــمـــا — هِــدايــتُهُ فــي الحــلمِ أغــلى هَــديّــة

فـــبـــعــدَ الذي شــاهــدتُهُ مُــتــشــهِّداً — غـدا المـلأ الأعـلى شـهـودَ شـهـادتـي

تــفــتّــقَ ليــلي زهــرةً حــولَ مَـضـجـعـي — وشــقَّ حِــجــابَ الغـيـبِ نـورُ البـصـيـرة

فــأبــصــرتُ جــنــاتٍ تــمــيـلُ غـصـونُهـا — وأنــهــارُهــا تــجــري لبــردٍ ونــضــرة

وفــي البــابِ رضــوانٌ تــشــرّفَ حـارسـاً — عــليــهِ مــن الدّيــبــاجِ أَفــخــرُ حــلّة

فــحــيــيــتُهُ مــســتــأنــســاً بــلبـاسـهِ — وقـــلتُ بـــأحـــلى لهـــجـــةٍ مُـــضــريّــة

ســـلامٌ عـــلى جــنــاتِ عَــدنٍ وأهــلِهــا — أنــا عــربــيٌّ مــثــلُهــم ذو صَــبــابــة

فــقــال عــلى الآتــي ســلامُ مــحــمــدٍ — لكَ الخـيـرُ يـا ابـنَ الأُمةِ اليعربية

أمـانـاً وأمـنـاً فـادخُـلِ الخلدَ خالداً — وحـمـداً عـلى حـسـنِ الهُـدى والسـلامـة

هـــنـــالِكَ جـــنـــاتٌ حَـــوَت كـــلَّ طــيّــبٍ — وطَـــــيِّبـــــةٍ للصــــالحــــيــــن أُعِــــدَّت

مــشــى مــؤمــنٌ فـيـهـا ومـؤمـنـةٌ مـعـاً — رفــيــقَــي نــعــيــمٍ خــالدَيـنِ لغـبـطـة

وطـافـت بـهـا الأمـلاكُ مـن كـل جـانبٍ — صــفــوفــاً وأفـواجـاً لذي العـرش خـرّت

وحــفَّتــ بــه جــنــداً تــغـطـي وُجُـوهَهـا — بـــأجـــنـــحـــةٍ وَرديّـــةٍ زَنـــبـــقـــيّــة

ولكـــنّهـــا لم تـــذوِ قـــطُّ ولم تــحــل — لديــمــومــةٍ فــي النــضـرةِ القُـدُسـيـة

فــســقــيــاً لجــنــاتٍ يــدومُ ربــيـعُهـا — ويـــخـــلُدُ أهــلوهــا لرغــدٍ ونــعــمــة

مـــقـــاعِـــدُهُـــم خــزٌّ وعــاجٌ ولبــسُهُــم — حَـــريـــرٌ عــليــهِ كــلُّ وشــيٍ وســبــغــة

وتــحــديـثُهُـم هـمـسٌ وتـسـبـيـحُهـم صـدىً — وتــســليــمُهــم تــنـعـيـمُ صـوتٍ ولفـظـة

فــحــيَّيــتُهــم مُـسـتـبـشـراً فـتَـبـسّـمـوا — وردّوا فــأحــيــانــي جــمـالُ التـحـيّـة

وقــالوا ســلامـاً فـاشـربـنَّ رَحـيـقَـنـا — حـــلالاً وهـــذا عــهــدُ أهــلِ المــودّة

يَـطـوفُ بـهـا الوالدانُ والحورُ بيننا — بـــأكـــوابِ درٍّ أو قـــواريـــر فـــضّـــة

شــربــتُ ولم أنــطــق وقــاراً وإِنّــمــا — تــمــطّــقــت كــي ألتــذَّ أطــيــبَ رَشـفـة

فـمـا أعـذَبَ الكـأس التـي قـد شربتُها — فـكـان بـهـا سـكـري الذي مـنـه صَحوتي

وأصــبــحَ فــي نــفــسـي جـمـالٌ عَـشِـقـتُهُ — كـمـالاً يُـريـنـي الطّـيـفَ مـن كلِّ صورة

وفـي الأُفـقِ الأسنى على عَرشهِ استوى — إلهُ الورى ذو القـــــدرةِ الأزليـــــة

غـــمـــامــةُ عــليّــيــنَ تــحــجــبُ نــورَهُ — تـــرفَّعـــَ ربُّ العــرشِ عــن كــلِّ هــيــئة

وإذ كــنــتُ مَــســلوبَ القـوى مـتـحـيِّراً — ســمِــعــتُ نــديّـاً مـن خـلالِ الغـمـامـة

فــمــلتُ إلى ذيــالكَ الصــوتِ ســاجــداً — وقــد خَــرّتِ الأطــوادُ مــثـلي لخـشـيـة

فــقــالَ وفــي ألفــاظـه الرعـدُ قـاصـفٌ — دعــوتُــكَ فــاســمــع أنـتَ صـاحـبُ دعـوة

وكــن مــنــذراً بــيــنَ الورى ومـبـشِّراً — وبــلِّغ جــمــيــعَ المــسـلمـيـنَ وصـيّـتـي

وأضــرم لهــم نـاريـنِ للحـربِ والهـدى — وقــلبُــكَ فــي ديــجــورهـم كـالمـنـارة

وأنـشـد مـن الشـعـر الحـمـاسـيِّ رامياً — عــلى كــلِّ قــلبٍ مــن جــمـارِ الحـمـيّـة

فــشِــعــرُكَ وحــيٌ مــنــزلٌ فــي جــهــالةٍ — كــمــا أُنـزلَ القـرآنُ فـي الجـاهـليّـة

تــشــجــع وآمــن يــا وليــدُ فـأنـتَ لي — رســولٌ وفــي الإبـلاغِ فـضـلُ الرسـالة

أنـا المـصطفى المبعوثُ للحقِّ والهدى — وقــد صــحّــفـوا فـي مِـصـحـفـي كـلَّ آيـة

هـو الديـنُ والفـرقـانُ بـالحـقِّ مُـنـزَلٌ — لإصــلاحِ دنــيــاهــم ومَــنــعِ الدنـيّـة

وإن لم يــكــن مــنــهُ صــلاحُ شـؤونِهـم — فـــذاك لجـــهـــلٍ حـــائلٍ دونَ حــكــمــة

فـقـل يـا عـبـادَ الله جـاروا خصومَكم — بـتَـوسـيـع ديـنـي أو بـتـطـبـيـق سـنتي

دعــوا عَــرضـاً مـنـهُ عـلى حـفـظِ جـوهـرٍ — يُــطــابــق لخــيــرٍ مُـقـتـضـى كـلِّ حـالة

وللديـنِ والدنـيـا اعـملوا وتنافسوا — ليُـحـمـدَ فـي الداريـنِ حـسـن المـغـبّـة

فـــقـــوّتُـــكـــم مـــنـــهُ وقُــوتُهُ بــكــم — فــلوذوا مــن الدنــيـا بـسـورٍ وسـورة

لقــد عــزّ إذ كــنــتُــم رجــالاً أعــزةً — وفــي ذِلِّكــم قــد بــاتَ رهــنَ المــذلّة

فـعـودوا إلى عـهـد الفتوحِ التي بها — بَــنــيـتـم عـلى الإسـلامِ أضـخـمَ دولة

ومــــا قــــوةُ الاســـلامِ إلا بـــدولةٍ — خـــلافـــيّــةٍ بــالمــســلمــيــنَ قــويــة

فــقـل لجـمـيـعِ المـسـلمـيـنَ تـجـمّـعـوا — وصــونــوا وقــارَ الدولة الهـاشـمـيـة

دعـتـكُـم رؤومـاً فـاسـتـجـيبوا دعاءَها — تــمــوتــوا لحــقٍّ أو تــعـيـشـوا لعـزَّة

أمــــا لرســــولِ اللهِ حــــقٌّ وحـــرمـــةٌ — ومـــن آلهِ المـــدلي بــأظــهــرِ حــجــة

لأُمَّتــِهِ الفـضـلُ العـمـيـمُ عـلى الورى — بــنــشـرِ الهُـدى مـن صـفـحـةٍ وصـحـيـفـة

عـلى السـيـفِ والقـرآنِ سـالت دمـاؤها — لتــثــبــيــتِ مــلكٍ شــيّــدتــهُ بــشــدّة

قـد اسـتَـبـسـلت واسـتشهدَت في جهادِها — ومـــا رَجـــعــت إلا بــفــيــءٍ وجــزيــة

بَــنــت دولةً للمــســلمــيــنَ بــهـامِهـا — وأكــبــادِهــا مــا بـيـن فـتـحٍ ونـصـرة

لهــم مــهَّدَت فــي كــلِّ قُــطــرٍ ومَــعـشـرٍ — سـبـيـلَ الغـنـى والحـكـمِ والعـبـقـرية

بِــمـيـراثِهـا قـد مـتّـعـتـهـم ولم تـزَل — مـــجـــدّدَةً فـــيـــهــم لعــهــدِ وعــهــدة

ســـلالةُ إســـمــاعــيــلَ خــيــرُ ســلالةٍ — فــمــنــهـا رسـولُ اللهِ خـيـرُ البـريّـة

لهـــا حـــقُّ ســـلطـــانٍ وحـــقُّ خـــلافــةٍ — ومــــا نــــوزِعَــــت إلا لنـــزغٍ وشـــرَّة

فـلا تـنـقـضـوا عَهـدَ النـبـيِّ وعـهـدَها — وكــونــوا أمــام اللهِ أهــلَ المـبـرّةِ

يــجــود عــليــكــم بــالعــروبــة مـنـةً — وفــي شــرعــة الإســلام أكــبــر مـنـةِ

هــي الشــرفُ الأعـلى لكـم فـتـشـرَّفـوا — بـــأطـــهـــرِ آيـــات وأشـــرفِ نـــســبــة

عـلى العـربِ إرسـالُ الوفـودِ تـتـابعاً — إلى كــل قُــطــرٍ فـيـه مـن أهـلِ مـلّتـي

ليــســتــطـلعـوا أحـوالهـم ويُـثـبّـتـوا — لســانــي وديــنـي بـعـد ضـعـفٍ وعـجـمـة

فــيــشــرف كــلُّ المــســلمــيـنَ تـعـرُّبـاً — كــمــا شـرفـوا بـالشّـرعـةِ الأحـمـديـة

أبـى اللهُ أن يـسـتـظـهـرَ الآيَ مـؤمـنٌ — ويـبـقـى عـلى مـا فـيـهِ مـن أعـجـمـيـة

فـــلا مـــؤمــنٌ إلا الذي هــو مــعــربٌ — وهـــذا كـــتـــابُ اللهِ بـــالعــربــيــة

لقـد حـانَ أن يَـسـتَـعـربـوا ويُـعـرّبـوا — بــنــيــهــم وأهـليـهـم لإتـمـامِ وحـدة

فــتــوحــيـدُهـم للنـطـقِ والمـلكِ واجـبٌ — كـــتـــوحـــيـــدِهــم للهِ أو للخــلافــة

فــلا لغــةٌ للمــســلمــيــنَ سـوى التـي — بـــهـــا نُـــزّلَ القـــرآنُ للأفــضــليــة

ولا رايـــةٌ إلا التـــي طــلعــت لهــم — مُــبــشِّرةً بــالعــتــقِ بــعــد العـبـودة

بــهــا أشــرَقــت بــطــحــاءُ مــكـةَ حـرةً — وقــد ظــلّلت أرضــي وقــومـي وعـتـرتـي

هـي الرايـةُ العـربـاءُ تـخـفـقُ للهـدى — وللمـجـدِ فـوقَ الحـصنِ أو في الكتيبة

مــــبـــاركـــةً كـــانـــت فـــللّهِ درُّهـــا — ودرُّ الألى سـاروا بـهـا فـي الطليعة

رأوا تـحـتـهـا الأحرام واللهَ فوقها — فـــقـــالوا لمــلكٍ ظــلُّهــا أو لجــنــة

فــمــن يــبــغِ إرضــائي ومــرضــاةَ رَبّهِ — يـسـلّم عـليـهـا شـاخـصـاً نـحـو قـبـلتي

بــراءٌ أنــا مــن مــســتــظــلٍّ بــرايــةٍ — عـــليـــهــا لطــوخٌ مــن دمــاءٍ زكــيّــة

فـمـهـمـا يـكـن حـكـمُ الأجـانـب عادلاً — يـخُـن ديـنَهُ الراضـي بـحـكـم الفـرنجة

فــأجــراً لمــشــهــومٍ تــكــاره صـابـراً — وخــزيــاً لمــولى الدولةِ الأجـنـبـيـة

ألا يـا بـنـي الإسـلامِ كونوا عصابةً — فـــــلا قـــــوةٌ إلا بــــحــــبٍ وإلفــــة

ولا قـدرةٌ بـعـد الشـتـاتِ عـلى العدى — بــغــيـرِ اتـحـادٍ فـيـهِ تـوحـيـدُ غـايـة

لكــم دولةٌ فــي الشــرقِ عـاصـمـةٌ لهـا — دمـــشـــقُ التــي عــزّت بــمــلك أمــيّــة

وعــاصــمــة الأخــرى مــديــنــة جـوهـرٍ — لتــجــمــيــعِ أفــريــقـيَّةـِ المـسـلمـيّـة

وبــيــنــهــمــا القـلزمُّ يـفـتـحُ تـرعـةً — كـــهـــمـــزةِ وصـــلٍ بــالبــوارجِ غــصّــت

يــجــوس العـدى كـثـراً خـلالَ ديـاركـم — ويــغــزونـكـم عـزلاً عـلى حـيـن غـفـلة

ولم تُـغـنـهـم أمـوالكـم عـن نـفـوسـكم — فـزجّـوا بـنـيـكـم عـنـوةً فـي الكـريهة

تــذودون عـن أوطـانـهـم فـي حـروبـهـم — وأولادكــم فــيــهــا جـزورُ الذبـيـحـة

وأوطــانُــكــم مــغــصــوبـةٌ مـسـتـبـاحـةٌ — مـــوطـــأةُ المـــثـــوى لعــلجٍ وعــلجــة

لدولتِهــــم أمــــوالكــــم ودمـــاؤكـــم — وأنـــتـــم بـــلا مـــلكٍ ومـــالٍ وعـــدَّة

أليـس عـظـيـمـاً أن تـمـوتـوا لأجـلهـم — وأن يــقــتــلوكــم فــي مــواطــن جـمّـة

فــهــل مــن حـيـاةٍ فـي القـصـاصِ لغُـفَّلٍ — وهــل نــهــضــةٌ فــيــهـا إقـالةُ عـثـرة

لكــم مــن بــلايــاكــم بــلاءٌ وعـبـرةٌ — فـــمـــن عِـــلةٍ أشـــفــت شــفــاءٌ لعــلّة

خـذوا مـن أعـاديـكـم وعـنـهـم سلاحَهم — بــه تــكــشــفــوا أســرارَ فـنٍّ وصـنـعـة

ولا تـقـحـمـوا قـذّافـةَ النارِ بالظُبى — فــقــد سَـخـرت مـن بـأسِـكـم والبـسـالة

ويـومَ التـفـانـي تعتدون كما اعتدوا — وإن يــخــدعــوكــم تـأخـذوهـم بـخـدعـة

تُــنــال المــعـالي بـاجـتـهـادٍ وقـدرةٍ — وكـــل مُـــجـــدٍّ واجـــدٌ بــعــد خــيــبــة

فـعَـبّـوا لهـم طـامـي الضـفـافِ عرمرماً — كــــتــــائبُه للحــــربِ والســـلمِ صُـــفَّت

ورصّــوا كــبــنــيــانٍ فــخــيــمٍ صُـفـوفَهُ — لكـي تُـرهِـبـوا الأعداءَ من غيرِ حملة

فــلا مــنــعــةٌ إلا بــجــيــشٍ مــنــظّــمٍ — يـــجـــمّــعُ أبــنــاءَ البــلادِ كــإخــوة

هـو الجـيـشُ يـمـشـي فـيـلقاً تلوَ فيلقٍ — لحــوطِ الضـواحـي أو لخـوضِ الوقـيـعـة

فــيـالقُ أعـطـتـهـا الرعـودُ قـصـيـفَهـا — وقــد كَــمَــنَــت فــي مــدفــعٍ وقــذيـفـة

إذا الخصمُ أبزى تدفعُ الضيمَ والأذى — مـــدافـــعُ شــدّتــهــا القــيــونُ لشــدة

بـنـاتُ المـنـايـا تـلكَ فاعتصموا بها — فــلا أمــنَ إلا مــن بــنـات المـنـيـة

فــمــن سَـكـبـهـا تـسـكـابُ نـارٍ وجـلمـدٍ — لخــــيــــرِ دفـــاعٍ دون حـــقٍّ وحـــرمـــة

فــكــم رغــبــوتٍ كــان مــن رهــبـوتِهـا — لدن خــشــعـت أبـصـارُ أهـل القـطـيـعـة

هي الخيلُ معقودٌ بها الخيرُ فانفروا — عــلى كــل مــحــبــوسٍ بـعـيـدِ الإغـارة

خِـفـافاً إلى الجلّى ثقالاً على العدى — إذا الخــيــلُ بــعـد المـدفـعـيّـةِ كـرَّت

مــنــاصــلُ حــبــسٍ أو مــقــانــبُ غــزوةٍ — مــداعـيـقُ تـعـدو تـحـتَ فـرسـانِ جـمـرة

ومــا الحــربُ إلا خــدعــةٌ فـتـربّـصـوا — لخـــتـــلٍ وقـــتـــلٍ فـــي غـــرارٍ وغــرة

لقــد كــتـبَ اللهُ القـتـالَ فـجـاهـدِوا — لأجـــرٍ ومـــجـــدٍ أو لعـــزٍّ ومـــنـــعــة

قِــتــالُ العــدى فــرضٌ عـلى كـل مـسـلمٍ — وإنــي بــريــءٌ مــن فـتـى غـيـر مُـصـلت

أكــبّــوا عــلى حـمـلِ السـلاح تـمـرُّنـاً — فــإن تــمـرسـوا يـصـبـح كـلهـوٍ وعـادة

تــجــنــدكــم طــوعــاً وكــرهــاً فـرضـتُهُ — فـكـونـوا جـنـوداً بُـسَّلـاً فـي الحداثة

ولا تـطـلبـوا الإعـفاءَ من غيرِ مانعٍ — لكــم شــرفٌ بــالخــدمــةِ العــســكـريـة

فـهـل كـان إلا بـالبـعـوثِ انـتـصاركم — وأوّلُ بـــعـــثٍ كـــان بـــعـــث أُســـامــة

ورثــتــم عـن الأجـدادِ مـجـداً مـؤثـلاً — وقـد فـتـحـوا الدنـيـا لديني وسُلطتي

ألا يــزدهــيــكـم ذكـرهـم فـي حـقـارةٍ — تــغــضّــون عــنــهــا كــلَّ عــيــنٍ قـذيّـة

فــأيــنَ المـغـازي والفـتـوحُ تـرومُهـا — جـــنـــودٌ وقـــوادٌ شـــدادُ المـــريـــرة

مـضـى زمـنُ العـليـاءِ والبـأسِ والندى — لصــعــلكــةٍ شــوهــاءَ بــعــدَ البـطـولة

بــأبـطـاله المـسـتـشـهـديـن تـشـبـهـوا — ورجُّوا له عــوداً بــصــدقِ العــزيــمــة

وفــوقَ الجــواري المــنـشـآت تـدرّبـوا — عـلى الخـوضِ فـي عـرضِ البحارِ الخِضمّة

وشــدوا عــلى أمــواجــهــا وتـقـحّـمـوا — عــبــابــاً وإعــصــاراً لغــنــمٍ وسـطـوةٍ

فــمــا خــوضُــكــم فــي لجـةٍ بـأشـدَّ مـن — تــعَــسُّفــِكــم فــي مــهــمــهٍ وتــنــوفــة

فــللرمــلِ كــالتــيــهــور آلٌ ومــوجــةٌ — وريـــحٌ فـــذو رحـــلٍ كـــربِّ ســفــيــنــة

عــلى قــتــبٍ أو هــوجــلٍ طــلَبُ العــلى — وإحــرازُهــا مــن نــاقــةٍ أو سـفـيـنـة

فـفـي البـحـر مـجـرى للشـعـوب ومـكـسبٌ — بــتـحـصـيـنِ ثـغـرٍ أو بـتـحـصـيـل ثـروة

فـمـن يـقـطـعِ الصـحـراءَ والرمـل عالجٌ — تــخُــض خــيــضــةَ الرومـيّ خـضـراءَ لجّـة

ويــكــبــحُ مــن كـلِّ البـحـور جـمـاحَهـا — إذا أزبَـــدَت أمـــواجُهــا واكــفــهــرّت

ويــصــنــع أســطــولا كــثــيـرٌ سـفـيـنُه — لصـــدِّ مـــغـــارٍ أو لنـــقـــلِ تـــجــارة

فــفــي ذلك الجــاهِ العــظــيــمِ لأمــةٍ — تـــوجّه ركـــبـــانـــاً إلى كــلِّ فــرضــة

وأسـطـولهـا المـرصـوفُ يـحـمـي ثغورَها — فــتــأمــنُ فــي أمـلاكِهـا فـتـحَ ثـغـرة

بـــدارعـــةٍ فـــولاذُهـــا حــرشــفٌ لهــا — رســت قــلعــةً تــمــشــي إلى دكِّ قـلعـة

وغـــواصـــةٍ تــحــتَ المــيــاهِ تــســلّلت — ونــسّــافــةٍ فــوقَ المــيــاهِ اســبـكـرّت

بــوارجُ أســطــولٍ إذا مــا تــزَحــزَحَــت — تُــزَعــزِعُ أركــانَ الحـصـونِ المـنـيـعـة

فــأعــظِــم بــشــعــبٍ مــسـتـقـلّ سـفـيـنُهُ — يــتــيــهُ دلالاً بــيــن مـرسـىً وغَـمـرة

فـــرادى وأزواجـــاً يـــســـيــرُ كــأنــه — عـصـائبُ طـيـرٍ فـي البـحـورِ المـحـيـطة

لقــد كـان هـمُّ المـلكِ ضـبـطَ ثـغـوركـم — لدفــعِ التــعــدّي أو لنــفــعِ الرعـيّـة

ومــن خــلفــائي للأســاطــيــل نــجــدةٌ — لغـــزوِ بـــلادٍ أو لفـــتـــحِ جـــزيـــرة

فـأربـى عـلى كـلِّ السـفـيـنِ سـفـيـنُـكـم — وبـــرّز تـــبـــريـــزاً بـــبـــأسِ وجــرأة

ولاذت أســاطــيــلُ الفــرنــجِ بـمـخـبـإٍ — وقــد حُــطِــمَــت ألواحُهــا شــرَّ كــســرة

لأســطــولكــم كــانــت طــرائد هـالهـا — ضــراءُ ليــوثٍ بــحــرُهــا كــالعــريـنـة

ولمــا تــراجــعــتــم كــسـالى تـدرّأوا — وشــدوا عـليـكـم فـي أسـاطـيـل ضـخـمـة

فـكـيـفَ لكـم أن تـدفـعـوهـا بـمـثـلِهـا — وقــد كــبّـلوكـم بـالقـيـودِ الثـقـيـلة

سَـبَـقـتُـم وكـانـوا لاحـقـيـنَ فـشـمّـروا — ونـمـتـم فـللسـاعـيـنَ حـسـنُ النـتـيـجة

نـتـيـجـةُ سـعـي الرومِ تـلكَ فـهـل لكـم — بــهــا عــبــرةٌ أو أسـوةٌ بـعـد يـقـظـة

خــذوا خــولاً مــنــهــم لدارِ صــنـاعـةٍ — وعــنــهـم خـذوا إتـقـان عـلمٍ ومـهـنـة

وشــيــدوا عــلى أشـكـالهـم ومـثـالهـم — بـــوارجَ فـــوقَ اليــمِّ مــثــل الأئمــة

يـــزكّـــي لهـــا أمـــواله كــلُّ مــســلمٍ — فــيــبـقـى لهُ فـي اللوحِ أجـرٌ بـلوحـة

بــوارجُهــم مــنـهـا المـداخـنُ أشـرفـت — مــنــابــر تُــلقــي وعـظـةً بـعـدَ وعـظـة

أمــا قــرعــت أســمــاعـكـم بـصـعـاقِهـا — ونــيــرانُهــا أجّــت أجــيــجــاً فــعـجّـت

فــلولا الأسـاطـيـلُ التـي بـجـنـودهـم — أجـازت إليـكـم مـا مُـنـيـتـم بـنـكـبـة

ولا دنّــسـوا أرضـاً ولا سـفـكـوا دمـاً — ولا غــصــبــوا إرثــاً بــأيـدٍ أثـيـمـة

فـــلا دارَ للإســـلامِ إلا تـــهـــدمــت — ولا قـــلبَ إلا ذابَ مـــن حـــرِّ لوعـــة

كــذا هـدمـوا مـلكـي فـمـن ذا يـردُّهـم — إذا أزمـعـوا تـهـديـمَ قـبـري وكـعبتي

أمــا فــي نــفـوسِ المـسـلمـيـنَ حـمـيـةٌ — لتــطــهـيـرِ أحـرامـي وحـفـظِ الأمـانـة

عـليـكم يمينُ اللهِ إن تألفوا الكرى — وإن تــشــعــروا فـي النـائبـات بـلذّة

فـمـا كـان مـولاكـم ولا كـنـتُ راضـياً — بــغــيــرِ جـهـادٍ فـيـهِ نـيـلُ الشـهـادة

تـنـادوا وثوروا واستميتوا لتنقذوا — ديــاراً مــن الاسـلامِ فـي كـلّ قـبـضـة

لئن ثــبــتــت أقــدامــكــم ونـفـوسـكـم — رجــعــتـم إلى اليـرمـوكِ والقـادسـيـة

فـبـالصبرِ والتقوى ظهرتم على العدى — ومــا الصــبــرُ إلا عــنــد أولِ صـدمـة

إذا لم يَــعُــد للمـسـلمـيـنَ سـفـيـنُهـم — وأســطــولهــم لا يـأمـلوا عـودَ صـولة

مــرافــئهــم مــفــتــوحــةٌ وثــغــووهــم — مـــعـــرّضـــةٌ للغـــزو مــن كــلِّ وجــهــة

ومـا الثـغـرُ مـن أرضٍ سـوى بـابِ منزلٍ — فــإن لم يُــصَــن يــولج بــدونِ وليـجـة

وإن وطــأتــه الخــيــلُ والرجْـلُ وطّـأت — قــواعــدَ ليــســت بــعــدَهُ بــحــصــيـنـة

فــمــا عــصـمَ الأمـصـارَ إلا ثـغـورُهـا — إذا اعـتـصـمَ الأسـطـولُ فـيـهـا لعصمة

ســواحــلكــم خــيـرُ السـواحـلِ مـوقـعـاً — ولكــنّهــا ليــســت بــكــم ذات قــيـمـة

فــلمــا خَــلت أيــامُ أمــجــادكـم خَـلت — وللرومِ فــيــهــا رغــبــةٌ بـعـد رهـبـة

فـهَـمّـوا بـهـا واسـتَـمـلَكـوهـا رخـيـصةً — ومـــا رَخِـــصـــت إلا لرخـــصِ المــروءة

فــلو أنــهــا كــانــت سـواحـلَ أرضـهـم — لشــادوا عــليــهــا ألفَ بــرجٍ وعـقـوة

وصــفّــوا بــهـا أسـطـولهـم مـتـلاصـقـاً — كـــأســـوارِ فـــولاذٍ قـــبـــالة عَـــدوة

فـــمـــا صــدّ أعــداءً ولا ســدَّ ثــغــرةً — ســوى بــارجــاتٍ كــالبــروجِ اشــمـخـرّت

تــقــذّفُ نــيــرانَ الجــحــيـمِ بـطـونُهـا — إذا فـــغَـــرت فــوهــاتِهــا وازبــأرّ‍ت

وتــرفُــلُ مــن فــولاذِهــا وحــديــدهــا — بـــأمـــتـــنِ درعٍ أو بـــأشــرفِ لبــســة

وبـعـد اقـتـدارٍ فـي المـلاحةِ أقدموا — عـــلى طـــيــرانٍ تــم مــن دون طــيــرة

وطـيـروا نـسـوراً فـي مـنـاطـيـدَ حـلّقت — فـــنُـــفِّرَتِ الأطـــيـــارُ والجـــنُّ فـــرّت

فــإمّــا لتــحـليـقٍ يـكـون اصـطـعـادُهـا — وإمّــــا لتــــدويــــمٍ وإمّــــا لرحــــلة

فــمــنـهـا امـتـنـاعٌ وانـتـفـاعٌ لدولةٍ — تـرى فـي الطـبـاقِ السـبـعِ أرحب حَلبة

ومـــن عـــلوِ طـــيـــارٍ وطــيــارةٍ لهــا — تُــجــرِّرُ ذيــلَ المــجــدِ فــوقَ المـجـرّة

تـردّى ابـنُ فـرنـاسٍ وقـد طـارَ مـخـطراً — وأودى كـــذاك الجـــوهــريُّ بــســقــطــة

بــذلك بــاهـوا واقـتـفـوا أثـريـهـمـا — فـمـا انـتَـحـلت فـضـلَ التـقـدّمِ نـحلتي

فـدونَ المـعـالي مـيـتـةٌ تـرفَـعُ الفتى — وكــم خــطــرٍ دون الأمــورِ الخــطـيـرة

لقــد كــان مــنــكــم كـلُّ سـاعٍ وسـابـقٍ — وفــي كــلِّ مــضــمــارٍ لكــم بـدءُ جـولة

ولكــن عــلى الإهـمـالِ ضـاعَ فـعـالكـم — فــهــلا لحــقــتــم بــاهــتـمـامٍ وهـمـة

لكــم فــضــلُ إبــداعٍ وللغــيــرِ نـفـعُهُ — فــبـالجـهـدِ والتـجـريـبِ إتـمـامُ خـطـة

تــوافــوا إلى تــاريــخـكـم وتـأمـلوا — عـسـى أن تـروا خـيـراً بـذكـرى وعـبرة

عــلى حــقِّ دنـيـاكـم حـقـيـقـةُ ديـنـكـم — وإنّ رجـــالَ العـــلم أهــلُ الهــدايــة

جـمـيـلٌ بـكـم إكـرامـهـم واحـتـرامـهـم — وقـد أطـلعـوا نـورَ الهـدى والشـريعة

فـــروحـــي وروحُ الله فــي كــلِّ عــالمٍ — عـلى وجـهـهِ سـيـمـى التُّقـى والفـضيلة

ومـن فـيـهِ أو عـيـنـيـه مـبـعـثُ عـلمـهِ — ومــن جــبــهــةٍ وضّــاحــةٍ مــســتــنـيـرة

خـذوا العـلم عـن كـل الشـعـوب إضافةً — إلى مــا وضــعـتـم مـن عـلومٍ صـحـيـحـة

وكــونــوا عـليـهِ عـاكـفـيـن تـنـافـسـاً — وبــاروا الألى فـازوا بـأكـبـرِ حـصـة

وصــيـروا جـمـيـعـاً عـالمـيـنَ وعـلّمـوا — بــنــيــكــم بــتــرغــيــبٍ وحــضٍّ وغـيـرة

فـــعـــن كـــلِّ أمـــيٍّ يـــصـــدُّ نــبــيُّكــم — وقــد جــاء أمــيّــاً لصــدقِ النــبــوءة

طــلابـاً ولو فـي الصـيـنِ للعـلمِ إِنـه — يـــوفّـــقُ بــيــن الديــنِ والمــدنــيــة

إذا عــم أدنــى الشــعــب صـارَ سـراتُهُ — مــلوكــاً وألفــى ســادةً مــن أشــابــة

بـه الجـوهـر الأعـلى يـصـانُ ويُـجـتلى — ولولاهُ كـان المـرءُ مـثـلَ البـهـيـمـة

ســواءٌ جــمــيــعُ النـاسِ خـلقـاً وصـورة — ولا فــضــلَ إلا فــضــلُ عــلمٍ وفــطـنـة

أُريــدُ لكــم مــلكــاً يــجــمِّعـ شـمـلَكـم — وتـــوحـــيـــدَ أوطـــانٍ ونــطــقَ روايــة

بــمــدرســةٍ فــيــكــم تــجـاورُ جـامـعـاً — ومـــعـــرفـــةٍ مـــقـــرونـــةٍ بــعــبــادة

هـنـا انـقـطع الصوتُ الرهيبُ وقد وعى — فـــؤادي كـــلامَ الحــقّ والحــقُّ إِمَّتــي

فـأجـفـلتُ مـرتـاعـاً من الصمتِ وانجلت — غــيــابــةُ نــومــي عــن رســومٍ جــليــة

أفــقــتُ وفــي عــيــنــيَّ أُنــسٌ وبــهـجـةٌ — وفــي أذُنــي والقــلب أعــذبُ نــغــمــة

ولكـــنَّ رؤيـــاي المــنــيــرةَ أظــلمــت — فــأعــقــبــنــي حــزنــاً زوالُ المـسـرّة

فــيــا حــبّــذا جــنــاتُ خــلدٍ تــحـجَّبـَت — وفــي خَــلدي مِــنـهـا تـصـاويـرُ بـهـجـة

شــمــمــتُ شــذاهــا ثـم شـمـتُ سـنـاءهـا — فـشـمـي وشـيـمـي مـنـهـمـا حـسـنُ شيمتي

لبـــانٌ وكـــافـــورٌ ومـــســكٌ وعــنــبــرٌ — ثــراهـا الذي فـيـه حـلا مـسـح لمـتـي

ونـفـحُ النـعـامـى فـيـه نـفـحُ طـيوبها — إذا رفــرفــت أفــنــانُهــا وارجــحــنَّت

وقــلبــي له مــنــهــا رفــيـقٌ يـهـيـجُه — حــفــيــفٌ حــكـى تـرنـيـمَ شـادٍ وقـيـنـة

غـنـاءُ الهـوى فـيـهِ الغِـنى عن مُخارقٍ — وعــن مَــعــبــدٍ فــالصــبُّ ذو أريــحـيّـة

فـكـم مـنـيـةٍ فـيـهـا اشـتـيـاقُ مـنـيّـةٍ — وأغـــنـــيـــةٍ عـــن جــسِّ عــودٍ غــنــيــة

إذا مـا تـلاقـى الحـسُّ والجـسُّ أسـفرت — مــحــاســنُ حــلّت فــي الضــمــيـرِ وجـلّت

فـــكـــلُّ طــروبٍ فــيــهِ أوتــارُ مُــزهــرٍ — تــرنُّ لإنــبــاضِ البــنــانِ الخــفــيــة

ومـا الطـربُ الأعـلى سـوى مـا تـبينه — ســـجـــيّـــةُ نـــفــسٍ مــزدهــاةٍ شــجــيــة

نَــعِـمـتُ بـإغـفـائي وقـد كـنـتُ سـاهـراً — فــحــبــت إلى الهــيــمـانِ آخـرُ غـفـوة

أحــنُّ إلى الجـنّـاتِ فـي وحـشـةِ النـوى — وأصــبــو إلى أطــيــافِ حــلمٍ وبُــرهــة

شــربــتُ حــمــيَّاــ الخــالديــنَ تـرفُّعـاً — ونــزَّهــتُ عــن دنـيـايَ نـفـسـي بـنـزهـة

وطــيّــبـتُ بـالطـوبـى فـؤادي فـلم أزَل — أشــمّ مــن الفــردوسِ أطــيــبَ نــفــحــة

وفــي الشــعــر ريــحــانٌ وراحٌ وكـوثـرٌ — فـــمـــا فـــيَّ مـــن ريٍّ وريَّاـــ لأمَّتـــي

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • بقطع: قطع: القَطْعُ: إِبانةُ بَعْضِ أَجزاء الجِرْمِ مِنْ بعضٍ فَصْلًا. قَطَعَه يَقْطَعُه قَطْعاً وقَطِيعةً وقُطوعاً؛ قَالَ: فَمَا بَرِحَتْ، حَتَّى اسْتبانَ سُقَابُهَا ... قُطُوعاً لِمَحْبُوكٍ مِنَ اللِّيفِ حادِرِ والقَطْعُ: مَ …
  • جماحها: الجُمَّاحُ : سهمٌ بلا نصل مدوَّرُ الرّأس؛ بالجُمّاح يتعلّم الناسُ الرَّميَ.-: سهمٌ أو قصبة يُجعل على رأسها طينٌ ليرمى بها الطيرُ.
  • رؤيا: الرُّؤْيَا [رأي]: ما يراه النَّائم في منامه لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَّقِّ ج رُؤىً.
  • طور: طور: الطَّوْرُ: التارَةُ، تَقُولُ: طَوْراً بَعْدَ طَوْرٍ أَي تَارَةً بَعْدَ تَارَةٍ؛ وَقَالَ الشَّاعِرُ فِي وَصْفِ السَّلِيم: تُراجِعُه طَوْراً وطَوْراً تُطَلِّقُ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ: تُطَلِّقُه طَوْراً وطَوْ …

قصائد ذات صلة

  • وطني الشام فهل فيهِ حِمى
  • الملك للعرب
  • يا حبذا وطن يضم تلاديا
  • لا يشفق الغازي على مغزوه
  • هلا تفاخر يا فتى وتباهي
  • لهفي على أرض بها الطليان
  • يا مصر فيك النيل والأهرام
  • إن لم يكن وطن الفتى كالغيل