إنـــي لأحـــكـــام القـــضـــاء مـــلم
الشاعر: أرسانيوس الفاخوري · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر أرسانيوس الفاخوري، من العصر الحديث، وتقع في 89 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
إنـــي لأحـــكـــام القـــضـــاء مـــلم — ولســان حــالي بــالهــوى مــتــكــلم
ظــبــيٌ أرى قــدمـي بـسـعـي فـي هـوا — هُ قـــد أراقَ دمـــي لأنـــي مـــغــرمُ
قــد افــتـنَ العـشـاق بـاهـي حـسـنـه — فــالحــســن فــيــه جـوهـرٌ لا يـعـدم
أنــوارهُ للعــيــن قــد راقــت كـمـا — قـــد راق بـــدرٌ فــي ليــالٍ تُــظــلم
لا عــيــب فــيـه سـوى جـمـال بـاهـر — تُــزرى بــه الاقــمـار ثـم الأنـجـم
ابـن البـتـولة مـريـم وابـن العلى — ويـسـوع يـدعـى ذا الوليـد الأعـظم
فـي الغـار مـولودا بـدا وهو القد — يــم فــأرضــعــتـه مـن حـليـب مـريـم
وله المــلانــك فــي ذراه بــخـدمـة — فــــمُهــــللٌ ومــــســــبــــحٌ ومـــرنـــم
حــاز الســنـا فـي بـيـت لحـم مـذودٌ — إذ نـام فـي ذو السـنـا المـتـجـنـم
ظـــبـــيٌ أغــنّ يــزورنــا وبــلطــفــه — نــلنــا النــجــا وبـحـمـده نـتـرّنـم
لولا تـــأنـــســهُ لمــا خــلص الورى — بـل لم يـنـل مـجـد السـما المتألّم
حـمـل النسيم كتابهُ الحاوي السلا — م لنــا بــمــســك مـن يـديـه يـخـتّـم
فـــهـــو إلهٌ كــائنٌ أبــدا وإنــســا — نٌ مـــعـــا لا يــعــتــريــه تــقــسّــم
حــســنُ الطــبــاع كــريـمـةٌ أخـلاقـه — ربٌّ قــــديــــرٌ كــــامـــلٌ مـــتـــكـــرم
فـــيـــه قــنــوم واحــد اعــنــي إله — يــاً بــذا الديــنُ القــويــم يـعـلّم
هـذا الجـميل وبالجميل أتى البرا — يـا خـلقـهُ البـاهي الجميل المنعم
طـــفـــلٌ بـــهـــيٌّ ثــغــرهُ مــتــبــتــم — نـــجـــلٌ عـــليٌّ قـــدرهُ مـــتـــعـــظّـــم
رشـــأٌ ظـــريـــفٌ ظـــرفـــهُ هـــو دائمٌ — والظــرف فــي رشــا يــزولُ ويــعــدَمُ
بـــبـــهــائه مــتــوحّــدٌ بــطــبــاعــه — مـــتـــكـــمّـــلٌ لكــمــالهِ مــســتــلزم
ولطــيــف جــســم لطــفــهُ مــســتـغـربٌ — وظــريــف شــكــل ظــرفــه مــتــحــكــم
نــفـس الجـمـال جـمـالُ نـفـس مـتـيّـم — لكــمــال كــلّ العــاشــقــيـن مـتـمّـم
باهي السنا كلّ المنى معطي الهنا — نـافـي العـنـا كنزُ الغنا والمكرمُ
فـهـو الضـيـا والعالمُ القدسي وال — خــيــراتُ جــمــع والنــدى والأنـعُـم
طــفــلٌ وشــيــخٌ فــي فــعــال صـبـائهِ — والكـــلّ فـــي أمــر له مــســتــســلم
عـيـنـاه مـثـلُ حـمـامـتـيـن على مجا — ري المـاء نـحـو هـيـامـنـا مـتـوسّـم
نــجــلٌ حــبــيــبٌ أبــيــضٌ بــل أشـقـرٌ — وبـــيـــاضـــهُ لســـواد قــلب يــعــدم
فـــســـنـــاؤهُ مـــتـــكـــرّمٌ وضــيــاؤهُ — مـــتـــصـــرمٌ وســـخـــاؤهُ مـــتــعــظّــم
صــيــغـت يـداه مـن سـبـيـكـة عـسـجـد — فـي مـضـجـع النـرديـن يـومـاً يـنـعم
تـحـكـي ضـفـائرهُ سـعـوفَ النـخـل بـل — مـثـل الغـراب سـوادُهـال المـتـفـحم
فـــرعٌ بـــه يـــشـــفــي لصــبٍّ قــلبــهُ — وعــداهُ مــن تــصــحــيــفــهِ تــتـهـزّم
ويــروقُ مـنـه العـيـنَ مـطـلعُ فـرقـه — والصــبــح يــحـلو ثـغـرهُ إذ يـبـسـمُ
شــفــتــاهُ مــرّاً تــقــطــران وحـلقـهُ — حــلوٌ يـروقُ العـيـن مـنـه المـبـسـم
جــاء الســنـا فـالليـل مـاط أزارهُ — وافـى الهـنا ونأى الشقاءُ المسئمُ
فـي الأرض ضـاءَ ضـيـاؤهُ فهو الضيا — وبــه اســتــضــا كــلّ الأنــام وآدم
للمـعـشـر بـن العرب والعجم الضيا — ءُ هــداهـمُ وعـن الضـلالة أحـجـمـوا
وبــه العــروسـةٌ رنّـمـت بـنـشـيـدهـا — عــقــد المــديــح بــدرَ لفـظٍ تـنـظـمُ
عــنــقــود كــافــور حـبـيـبـي عـرفـهُ — قــد عــرّف الدنــيــا وفــيـه تـنـعـم
مـا روضـةٌ فـاقـت شـذاً يـومـا بـأطي — بَ مــن شــذاً مــنــه يــنــمّ ويــعـظـم
لو شــمّهُ الأعــمــى لأبـصـر نـاظـراً — والطــيــب مــنــه لكــل جــرح بـلسـم
وإذا عــلى مــيــت صــبــاه تـنـسّـمَـت — فـبـذا النـسـيم يكادُ يحيا المعدمُ
فـــتـــخـــال جـــســمــا آلشــاعٌ مــسّهُ — فــتـبـارك اللَه المـعـيـد المـحـكـم
ظــبــيٌ حــبـيـبـي فـهـو لي وأنـا له — وبــنــار حــبّ فــي الهــوى اتــضــرّم
قـل أيـنَ تـرقـد في الظهيرة قائلا — أم أيــن تــرعــى جــائلاً لا اعــلم
إنّ المــحــبــة أصــفــعـتـنـي للنـوى — وأذابـــنـــي شـــوقٌ إليـــه مــســقــمُ
وإذا رأيـتـم مـن لهُ نـفـسـي حـيـيت — صــفــوا له مـا بـي عـسـى لي يـرحـمُ
فـإذا الحـبيب دنا برئتُ من الجوى — وإذا الوصـالُ بـدا فـيـبرا المغرمُ
وهــو الســنــا للصــحـب طـرّاً مـرشـد — والنـــار للأعـــداء ســـال مـــعــدمُ
أجــمــال وجــهٍ أم ســنـا قـمـر بـدا — مــنــه عــلى أهــل الهــوى يـتـحـكّـمُ
بـــدرٌ مـــحـــلّ الحـــب مــنــي مــالكٌ — وعــلامــة التــمــليــك فـيـه تـوسـم
وبــحــبــه اســتــولى عــلى أجــزائه — فــإدا بــجــمــلتــه له لا يــقــســمُ
فــالحــب والتــمـليـك مـنـه والولا — هــو مــغـنـمٌ هـو مـغـنـمٌ هـو مـغـنـم
لوصـــاله اهـــوى البــكــا وفــنــاءَ — عـيـن بـل أجـود بـمـا مـلكـت وأكرمُ
له انــثــرُ الدمـع السـخـيّ تـشـوُّقـاً — درّاً وفــي ســلك الهــوى لهُ انــظــمُ
فـهـو المـسـيـح النـاصـريّ المـشتهي — والنــصــر يــؤتــى مـن إليـه يـقـدمُ
خــتــم العــتـيـقـة شـرعـهُ ومـجـيـئهُ — للأنــبــيــاء وقــولهــم هـو مـخـتـمُ
حــمــلٌ فــدا كــل الأنــام بــذبـحـه — فــســمــا حــنـوّا والفـدى ذاك الدمُ
قـد مـات طـوعـاً بـالصـليـب مـعـلّقـاً — ونـــجـــا بــذاك المــوت حــقّــا آدم
وبـفـصـحـه نـجـت الأنـام كـمـا نـجا — فــي فـصـح مـوسـى شـعـبـهُ المـتـظـلم
بــقــيــامــه وصـعـوده فـتـح السـمـا — لاهـــوتـــهُ للمـــعـــجــزات مــتــمّــم
ربٌّ تــــســـامـــى رأفـــةً فـــمـــذكـــر — نــعـمـاهُ ذاك البـحـرُ سـوف القـلزمُ
أنــعــامــهُ عــم العــفــاة مــعـزيّـا — وجــمــيــعــهــم عـادوا بـعـزّ يـعـظـم
سـاوى المـلائك بـالطـهارة والتقى — وعـــليـــهـــم بـــكــرامــة مــتــقــدم
مــولى تــعــيّــن مـن أبـيـه حـاكـمـاً — للنــاس أجــمــعــهـم يـديـن ويـحـكـم
قـاس رحـيـم فـي القـضـا يـقـسو على — الأشـرار أمّـا التـائبـيـن فـيـرحـم
مـنـه النـدا عـم الأنـام بـاسـرهـم — كـالسـيـل والمـزن النـدى والمـعصم
بــالامـس ثـمّ اليـوم ثـمّ غـدا نـدا — هُ فـــائضٌ أبـــدا لهــم لا يــحــســمُ
فـالحـلم والاشـفـاقُ والغـفـران مر — حــمــةٌ بــه فــيــنــالهـا مـن يـنـدمُ
كــم يــرحــق الصــديـق حـيـن بـلائه — والمــعــتــدي مـن رحـمـة كـم يـحـرم
يـجـزي الفـضـيـل بـفـضـله ثم الأثي — م بــإثــمــه يــومــا بــحـكـم يـجـزم
لا يـمـنـع العـافـي الصـديق وصاله — بـل يـمـنـع العـاتـي العـدوّ ويـصرم
بــالمــن قــطـعـا لا يـشـيـن نـوالهُ — بــل مــن زحــام عُــفـاتـه لا يـسـأم
كـــــفٌّ واعـــــطــــاءٌ وجــــودٌ فــــائقٌ — بـــحـــرٌ وأمـــواجٌ وســـيــلٌ مــفــعــم
يــا ســائليــن اســتــعـطـفـوهُ بـأمّه — مـجـرى النـدى وبـها تجينا الانعم
فـيـهَ الشـفـيـقـة والمـحـبّة والرجا — والخــيــرُ والانـعـامُ ثـمّ المـغـنـم
احــســانــهــا عــمّ البـرايـا كـلهـا — أبــوابــهــا مــن قـاصـديـهـا تـزحـم
يـا عـاشـقـيـن هـي الشـفـاء لجرحكم — وطــلا هــواهــا حــســوه هــو مـرهـمُ
تـــســـمــو بــإحــســان ســمــوّ تــرأف — وتــغـيـث عـبـدا فـي حـمـاهـا يـخـدمُ
فــتــقــدّمــوا وتــلطـفّـوا وتـوسّـلوا — واسـتـعطفوا واستغفروا واسترحموا
يــا رب نــفــســي انّهــا فــي حـاجـة — فــســخـاك فـي حـاجـاتـهـا هـو أعـلم
بـــلواي شـــدّت ازر مـــرّ حـــاقــنــي — نــعــمــاك حــلّت طــعـمـهُ يـا مـنـعـمُ
فـالبـدر مـن أنـوار وجـهـك اهـدنـي — ســبــلَ الخـلاص أيـا سـراجـاً يـضـرم
إنــــي إلى صــــلةٍ لأحـــوج كـــالذي — عــدنــي وصــلنــي يـا سـخـيّـا يـكـرمُ
ولك الثـنـا والشـكـرُ من كل الورى — والحـمـد يـهـدي القـلب مـني والفم
وإليــك خــذنــي غــيـر مـأمـور وفـي — ربـع العـلى البـاهـي بـخـدركَ أخدم
والدرّ انـــظـــمــهُ بــه للمــدح فــي — عــليـاكَ والفـم بـالنـظـيـم يـدمـدمُ
يــشـدو بـه ثـغـر المـلائك مـجـريـاً — صــوتــا رخــيـمـاً بـالمـديـح يـنـغـم
ويــروق صــدح بــلابــل فــي عــرشــه — بــنــشــيــد تــسـبـيـح بـلفـظ يـنـظـم
وعـليّ سـدل الرحـمـة اسـدل مـنـعـما — ولك الثــنـا فـمـن البـلايـا اسـلم
حـسـن الخـتـام أنا الرقيق فارتجي — انــعــم بـه يـا خـيـر مـولى يـنـعـم
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- افتن: افْتَنَّ يفْتَنُّ افْتِناناً : ــ في الحديث أو الكتابة: اتَّبع فيهما فنوناً وأساليب جديدة؛ افتن الأديب في صوغ عباراته. ــ في العمل: أبدى مهارة فيه؛ افتن الرسام في مزج الأَلوان. ــ في الخصومة: توسَّع فيها وشقَّقها.
- الغار: (غَارَ) الْغَيْنُ وَالْأَلِفُ وَالرَّاءُ. وَالْأَلْفُ فِي هَذَا الْبَابِ لَا تَكُونُ إِلَّا مُبْدَلَةً. فَالْغَارُ: نَبَاتٌ طَيِّبٌ. قَالَ: رُبَّ نَارٍ بِتُّ أَرْمُقُهَا ... تَقْضَمُ الْهِنْدِيَّ وَالْغَارَا وَالْغَارُ: …
- باهر: البَاهِرُ : فا.-: النور الغامر؛ ضوء باهر-: البارع الفائق؛ كانت أعمال المازني صفحة باهرة قي سجل الأدب.-: المحيّر المدهش ؛ نجح في الامتحان نجاحا باهراً.-: فائق الجمال؛ البدر في اكتماله باهرٌ للناظر.
- باهي: البَاهِي [بهو]: فا.- الخالي من البيوت لا متاع فيه؛ وجدت البيت باهِياً مهجوراً.
- بسعي: سَعى الرجل يَسْعى سَعْياً، أي عدا، وكذلك إذا عمل وكسب. وكل من ولى شيئا على قوم فهو ساعٍ عليهم، وأكثر ما يقال ذلك في وُلاةِ الصَدقة. يقال: سَعى عليها، أي عمل عليها ؛ وهم السُعاةُ. قال الشاعر [[عمرو بن العداء الكلبى.]] : ( …
- تظلم: تظَلَّم يتَظَلَّمُ تَظَلُّماً : شكا الظلمَ، أي الجور؛ تظلَّم من رئيسه في العمل / تظلَّم الشعبُ طويلاً، أي احتمل الظلم / تظلّمه حقَّه، أَي غَصَبه إياه.
- حليب: الحَلِيبُ : اللبن المحلوب.-: شراب التمر/ دم حليب، أي طريٌّ سقط جريحا وما زاد دمه حليبا.
- ذراه: الذُّرأَةُ : أوَّل ما يبدو من الشَّيْب؛ بدت الذُّرأة في شعر رأسه.