أيها الناس أنتم الفُقراءُ
الشاعر: إسماعيل صبري · البحر: الخفيف
هذه القصيدة من شعر إسماعيل صبري، من العصر الحديث، وتقع في 563 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أيها الناس أنتم الفُقراءُ ... فاذكروا من له الغِنَى والبقاءُ
لا تعيشوا في الأرضِ ظُلماً وبغياً ... واتقُوا اللَه إنكم ضُعَفَاء
واستعينوا باللَه في كلِّ أمرٍ ... أكرم الخلقِ عنده الأتقياء
لا يغرَّنَّكُم نعيمُ حياةٍ ... ورخــــــاءٌ وصِــــــحَّةــــــٌ وهَــــــنَــــــاء
إنما العُمرُ لَمحَةٌ فَمَماتٌ ... فــــســــكــــونٌ فــــحفرةٌ ظلماء
ملكُ الموتِ يفتقي كلَّ حَيٍّ ... في أوانٍ قد آنَ فيه الفَنَاء
يترك الجِسمَ هامِداً ليت شعري ... أنــــعــــيمٌ يَضُمُّهُ أم شقاء
كـــــلُّ نـــــجـــــمٍ مُهـــــدَّدٌ بــــأفــــولٍ ... ولنـــــــــورِ الإلهِ دام الضِّيـــــــــاء
كلُّ شيءٍ غير البديع ظلامٌ ... واستصاءت بنوره الأشياء
يا بني الأرضِ إنَّ للهِ مُلكاً ... تــــعلمُ الأرضُ قدرَهُ والسماء
إنَّ ربّاً يُديرُ مُلكاً كهذا ... قادِرٌ دائماً على ما يشاء
حــــارتِ الخَــــلقُ فــــي تَصَوُّرِ ذاتِ ... بين حرفينِ أمرُها والقضاء
مـــــالِكَ المُـــــلكِ إنَّ وعـــــدكَ حـــــقٌّ ... من لهُ الحمدُ غيرُه والثناء
تَرجُفُ الأرضُ والجبالُ ويقضى ... كــــلُّ أمرٍ ويستكِنُّ الهواء
وتمورُ السماءُ موراً ويهوى ... كــــلُّ نــــجــــمٍ وتَــــفزَعُ الأرجاء
حــــلَّقَــــت رهــــبةٌ وَسادَ سُكُونٌ ... وانـــــجـــــلَت قــــدرةٌ وآنَ الوفــــاءُ
كلُّ حيٍّ إلا المهيمنُ فانٍ ... صاحِ سُبحانَ من له الكبرياء
دَنَتِ الساعَةُ الرهيبة لمَّا ... جــــاء أشــــراطُهــــا وحُقَّ الجزاء
وعلت صيحةٌ تجمَّعَ منها ... بـــــاليـــــاتُ الرُّفــــاتِ والأشــــلاءِ
دَكَّتـــــِ الأرضَ والجـــــبــــالَ وهَــــدَّت ... كــــلَّ طَــــودٍ مُريعَةٌ بَطشاء
صَيَّرتَ شامِخَ الرواسخِ عِهناً ... وتنحَّتــ عن حملها الجَرداء
ألقَتِ الأرضُ ما بها وتخَلَّت ... وتداعت عن أفقِها الصَّمَّاء
هالها الروعُ فاستحالت هَبَاءً ... غــــيَّرَ الصَّدعُ حالها والفَنَاء
وانشقاقاً ذاتُ البروجِ ترامت ... فتوارت أقمارُها الزَّهراء
ثم غابت نجومُها واكفَهَرَّت ... واختفى نُورُها وزالَ البَهاء
إنَّ هذا يومُ الحِسابِ فطاشت ... يا بني الأرضِ مُقلَةٌ عمياء
يــــوم لا ينفعُ ابن آدم إلا ... حــــســــنــــاتٌ تــــقــــدّمَــــت ووفــــاء
يوم يدعو كل امرئٍ ربِّ نفسي ... وتـــــفـــــرُّ الأبــــاءُ والأبــــنــــاء
يــــوم يَلتفُّ كلُّ ساقٍ بساقٍ ... ويُساقُ الضعافُ والاقوياء
يوم لا ينفعُ المسيء اعتذارٌ ... عــــن ذُنُــــوبٍ ويــــدلهــــمُّ البــــلاء
يومُ حَشرٍ حوى البرايا جميعاً ... شاخصاتٍ أبصارها فزعاء
يومُ فصلٍ تبلى السرائرُ فيه ... حـــــائراتٌ مـــــن هــــولِهِ هَــــلعــــاء
يومَ لا تملكُ النفوس انتصاراً ... وله الأمـــــرُ وحـــــدَهُ والقــــضــــاء
كلُّ نفسٍ يُغنى لها فيه شأنٌ ... عن سِواها ولا يُفيدُ الفداء
كــــلُّ نفسٍ لها لسانٌ وعينٌ ... وفــــــؤادٌ وكــــــلهــــــا رقـــــبـــــاء
ثـــــــم أيـــــــدٍ وأجُـــــــلٌ وجـــــــلودٌ ... تنطِقُ الحقَّ أنهم شهداء
يهرَعُ الناسُ منذُ أولِ خلقٍ ... واجــــفــــاتٌ قُــــلوبُهــــا حــــيــــراءُ
بعثرتها القبورُ تجري سراعاً ... أفزعتها من نومِها الدَّهماء
ماجتِ الأرضُ تحت أقدامِ خَلقٍ ... كجرادٍ يضيقُ عنه الفضاء
مُدَّتِ الأرضُ كي تُوَفى جُموعاً ... فوقَهُم تُمطِرُ العذابَ السماء
يا بني الأرض تلك وقفَةُ حشرٍ ... يا ابنَ حواءَ أنتَ صِينٌ وماءُ
كــــلُّ فَــــردٍ له كــــتــــابٌ قــــديــــمٌ ... سجلت فيه رحمةٌ أو بلاء
لم يُغادِر صغيرةً ما حواها ... قــــدرةُ اللَه مــــن له مــــايشاء
كلُّ من مَدَّ للكتابِ يميناً ... ضَمَّهُ الأمنُ والرِّضا والهناء
وله قــــالت التــــهــــانــــي ســــلامٌ ... وبَدا العفوُ باسِماً والعطاء
وَيحَ مَن كان حَظُّهُ بشِمالٍ ... هالَهُ الخِزيُ خيفةً والعناء
صاح فيه صوتُ العذابِ وَعيداً ... قد تنحَّى عن مُقاتيكَ الغِطاء
انظُرِ النارَ كيف تُزجى سعيراً ... وعــــقــــابُ المُكَذِّبينَ الشِّواء
قبضَةُ اللَهِ تجمعُ الأرضَ جمعاً ... وبيمنى البديعِ تُطوى السماءُ
قــــــــدرةُ اللَهِ حَـــــــيَّرَت كـــــــلَّ لُبٍّ ... فتفانَت في كنهها الأنبياء
قُــــــــوَّةُ اللَهِ أذهَـــــــلَت كـــــــلَّ لُبٍّ ... فتفانت في وصفِها العُلَماء
حكمةُ اللَهِ أحكمت كلَّ أمرٍ ... فاستنارت بِرُوحِها الحُكَمَاء
خِبرَةُ اللَهِ اتقنت كلَّ شيء ... فتبارَت في مدحِها الشُّعراء
رحــــمــــةُ اللَه أدركــــت كلَّ خَلقٍ ... فتلاشى في عدِّها الإحصاء
إن عـــــلمَ الإلهِ عـــــلمٌ قـــــديـــــمٌ ... بـــــخـــــلودٍ له يــــدومُ البــــقــــاءُ
وصفاتٌ تنزَّهَت عن شريكٍ ... فتسامت من حُسنِها الاسماء
نافِذُ الأمرِ في جميعِ البرايا ... عالمُ الغيبِ عرشُهُ العلياء
كلُّ مَن في الوجودِ للّهِ عبدٌ ... ودوامــــاً إليه يَسري الدُّعاء
كلُّ شيءٍ يُسبِّحُ اللَه حمداً ... أبدَ الدهرِ كي يدومَ الثناءُ
وبِـــــنُـــــورِ الإله أشــــرقــــت الأر ... ضُ وجــــاءَ النبيونَ والشُّهداء
وقضى الحقُّ بينهم حُكمَ عدلٍ ... وبـــــوعـــــدِ الإلهِ تـــــمَّ الرِّضـــــاء
يا نبيونَ تلك جَنَّاتُ عدنٍ ... فادخلوها وكبرى يا سماء
هذه الجنةُ التي قد وُعدِتُم ... شَهـــــدَ اللَه أنـــــكـــــم أمـــــنــــاء
دارُ خُلدٍ جزاءُ ما قد صبرتُم ... تلك عُقبى الجهادِ يا أنبياء
سَيِّدُ الخلقِ بينكم يتهادى ... بجبينٍ يفيضُ منه الضياء
أشرفُ المُرسلينَ قدراً وجاهاً ... خيرُ بدرٍ قد أنجبت حَوَّاء
خَــــصَّهــــُ اللَه بالشفاعةِ لمَّا ... أذِنَ الحــــقُّ واستجيبَ النِّداء
أولَ الداخــــليــــنَ جَــــنَّاــــتِ عَــــدنٍ ... لكَ نـــــفـــــسٌ أبـــــيـــــةٌ شَـــــمـــــاءُ
صـــــلواتُ الإلهِ تَـــــرعَــــاكَ دَومــــاً ... يا ابنَ عَدنانَ بارَكتكَ السماء
سيقَ أهلُ التُّقى لدارِ نعيمٍ ... يتهادونَ حيثُ حلَّ الهناءُ
تــــتلقاهُم الملائكُ بُشرى ... باسماتٍ وجوهُها سمحاء
وزان أبوابها وميضُ الدراري ... تتسامى أنوارُها الزهراءُ
تــــلك دارُ الذين نالوا بحقٍّ ... أجرَ إيمانهم فنعمَ الجزاءَ
آمنُوا بالكتاب لمَّاــ أتاهم ... وأطاعوا الرسولَ نعمَ الوفاء
صدقَ الوعدُ فادخلوا بسلامٍ ... دارَ خلدٍ يطيبُ فيها البقاء
إنَّ فيها ما تشتهي كلُّ نفسٍ ... قــــدرَ اللَه أن لها ما تشاء
حُــــورُ عــــيــــن كــــأنهن اللآلي ... كــــاعــــبــــاتٌ قــــدودهنَّ الضِّياء
يتسابقنَ حولَ زهرٍ وماءٍ ... لاعباتٌ يزينهنَّ البهاء
راتــــعاتٌ على بساطٍ بديعٍ ... تــــتــــرامى أطرافُه الخضراء
تـــــتـــــوارى خــــلف الدوالي دلالاً ... تتثنى أعطافُها الحسناء
ثــــم يُهرَعَن للقصورِ حُسَاةً ... مــــــن رحــــــيـــــقٍ مـــــزاجُهُ السَّراء
حيثُ يلقين أهلها في نعيمٍ ... وســــرورٍ بــــهم أحاطَ الهناء
تتجلى على الأرائكِ بِشراً ... وابتهاجاً عيونها حَوراء
وعــــليــــهم تَطُوفُ ولدانُ خُلدٍ ... بـــــكـــــؤُوسٍ كــــي يــــدومَ الصَّفــــاء
إن للجنَّةِ البهيجةِ وصفاً ... فَوقَ ما قد تخيلَ الشُّعراء
ظلُّها دائمٌ فلا ليلَ فيها ... عاطِراتٌ رياضها الفيحاء
فوقَ أغصانها العنادِلُ تَشدُو ... وعــــليــــهــــا تُــــرَفرِفُ الوَرقاء
وتفيضُ الأنهارُ شهداً مصفى ... حيث تجري من تحتها رغداء
ثــــم تجري أخرى بدرٍّ شهيٍّ ... لم تغير من طعمه الأجواء
وبخمرٍ كالأرى تنسابُ أخرى ... ريحُها المسكُ رُوحُها نشواء
إنَّ دار الفردوسِ كانت مآباً ... خيرَ دارٍ يَحظى بها الأتقياء
أدخُلُوها قد بارَكَ اللَهُ فيها ... في خُلودٍ لا يعتريه فناءُ
فانعمُوا واهنأوا وطيبوا نُفوساً ... عــــلمَ اللَهُ أنــــكــــم حُــــنــــفــــاء
رحمةُ اللَهِ قد تجَلَّت عليكم ... فاشكرُوا من لَهُ الرِّضا والبَقَاء
ثم سيقَ الكفارُ نحوَ جحيمٍ ... يستغيثونَ حيثُ حلَّ البلاء
ووقودُ السعيرِ زاد اشتعالاً ... واستشاطت من غيظها الرمضاء
ثم هاجت دارُ الجحيمِ وماجَت ... تــــقذفُ الرُّعبَ والقُلوبُ هَواء
في زفيرٍ كالرعدِ تندكُّ منهُ ... هامةُ الشُّمِّ والذرَا الشَّمخاء
وشهيقٍ ينقضُّ من كلِّ فجٍّ ... رجَّعــــَتــــهُ مــــن هَــــولِهِ الأرجــــاء
شرراً كالجمالةِ الصُّفرِ ترمى ... مثلهُ القصرُ بئسُ ذاكَ التواء
تلك نارُ الشَّوى التي في لظاها ... يسحبُ المجرمونَ والأشقياء
إن حُـــــرَّاســـــهـــــا غـــــلاظٌ شــــدادٌ ... يتفانون طاعةً أقوياء
ما الحديدُ الشديدُ أعظمَ بأساً ... من قلوبٍ لهم براها القَضَاء
حول أبوابها الصواعقُ دَوَّت ... مُرعِداتٍ صيحاتُها فزعاء
أدخلوها تطايرَ الهولُ فيها ... فــــاغِرَاتٌ أفواهُها غضباء
سُراياتُ اللهيبِ تنسابُ منها ... ويريح السَّمُومِ يَجري الهَواء
من حميمٍ تفيضُ فيها عُيُونٌ ... وبماءٍ كالمهلِ يَجري السِّقاء
إن هـــــذا شـــــرابُ كـــــلِّ أثـــــيــــمٍ ... منه تُشوى الوُجوهُ والأمعاء
وطــــــعـــــامٌ ذُو غُـــــصَّةـــــٍ وعـــــذابٌ ... منه تُكوى الجِباهُ والأحشاء
إنَّ دارَ الجحيمِ شَرٌّ مكاناً ... لعــــصــــيٍّ طــــاشــــت به الأهواء
ما جنود الشيطانِ إلا غواةٌ ... قد أطعتم أهواءُهُم يا رِعاء
شاغلتكم بغيِّها فعميتم ... عن طريقِ الهُدى وعزَّ الدواء
إن هذا الشيطانَ كان عَدُوَّا ... منذ وافَت من خُلدِها حوَّاء
قد سلكتم سُبلَ الضلالةِ جَهلاً ... وتركتم ما أنزلَتهُ السماء
أيها الظالمونَ ذُوقُوا نكالاً ... إن هـــــذا جـــــزاءُ قــــومٍ أســــاؤوا
فتنتكم أموالُكُم وبنوُكُم ... وظلمتم فحُقَّ هذا البلاء
وكفرتم بأنعُمِ اللَهِ حتى ... حَلَّقَ الموتُ فوقكم والفَناء
إن هذا تصديقُ ما قد كفرتم ... إن صبرتم أو إن جزعتم سواء
فَهَلُمُّوا إلى الجحيم جميعاً ... لا اعتذارٌ لكم ولا شُفَعاء
إن فيها العذابَ من كلِّ نوعٍ ... وعليها الملائكُ الرُّقباء
قد أطاعوا الرحمنَ في كلِّ أمرٍ ... وبأمر العزيز يجري القضاء
دَرَكــــاتٌ ســــبــــعٌ طِــــبــــاقٌ عــــذابٌ ... لا ظليلٌ بها يُحيطُ القضاء
كلُّ مَن في العذابِ يَستَصرخُ المو ... تَ وهيهاتَ يُستجابَ النِّداء
وهــــبــــاءً يــــضــــيعُ كلُّ تَمَنٍّ ... حيثُ حلَّ الخلودُ زالَ الفَناء
لا مماتٌ بها يُهَوِّنُ كَرباً ... أوعـــــذابٌ مُـــــخَـــــفَّفـــــٌ أو رجــــاء
كلما أنضج الحريقُ جُلوداً ... بَدَّلَ اللَهُ غيرَها ما يشاء
إن هذا جزاءُ ما قد صنعتم ... وعلى العدلِ قام هذا الجزاء
يا ابنَ حواءَ قد قضى اللَه أمراً ... وبحُكمٍ عدلٍ تجلَّى القبضاءُ
ها هي الأرضُ وُفَّيت ما استحقت ... وتُوَفَّى بمثل هذا السماء
قد تسامى عرضُ القديرِ جلالاً ... فاستضاءت بنوره الأرجاء
حــــوله حَــــفَّتـــ الملائكُ تَتلُو ... أحسن الذِّكرِ كي يَعُمَّ الرِّضاء
لا يــــمــــلُّونَ لحظةً من دُعاءٍ ... هُــــم عَبيدٌ لربِهم أوفياء
مجدُوا اللَه بالثناءِ دواماً ... حملَ العرضَ منهم الأكفاء
هم جنودُ المهيمنِ المتعالي ... مظهرُ البطشِ منهمُ الأقوياء
رُكَّعاً سُجَّداً قياماً قُعُوداً ... من توالى تسبيحهم سُعَداء
عمَّ نُورُ الإلهِ سَبعاً طِباقاً ... فـــــتـــــلاشــــت أمــــامَهُ الأضــــواء
وسع كُرسِيُّهُ السمواتُ والأر ... ضُ جــــمــــيــــعــــاً وفاضتِ الآلاء
حقهُ المُولَعُون باللَهِ حُبّاً ... وحـــــبـــــاهُ الأئمــــةُ الأُمــــنــــاء
وتدلَّى الوحيُ الأمينُ ابتهالاً ... يا قديراً يا مَن له ما يشاء
اسفَرَت هيبةٌ فأشرقَ عدلٌ ... وتـــــجـــــلَّى عَــــفــــوٌ وعــــمَّ رِضــــاء
يا عبادَ الرحمن بُشراكمُ اليو ... مَُ خلودٌ يدومُ فيه الهناء
وسلامٌ لكم بما قد أطعتم ... شــــهــــدَ اللَه أنــــكــــم رُحَــــمــــاء
فإلى الجنةِ الفسيحةِ سِيرُوا ... قد وُعِدتُم بها وتَمَّ الوفاء
فتعالى الهُتافُ من كلِّ صَوبٍ ... جــــاوَبَــــتــــهُ الآفاقُ والأرجاء
فأفاضَ العَطاءَ حَمداً وَشُكراً ... للذي المُــــلك مُــــلكُهُ والبــــقــــاء
أيها الناسُ إن هذا بيانٌ ... أنزلته الشريعةُ السمحاء
جــــاء بــــالحقِّ للقلوبِ ضياءً ... فتلاشت من نوره الظَّلماء
لم يُغادر من الشرائع شيئاً ... حارَ في فهمِ كُنهها البُلغاء
جاءكم بالهدى كتابٌ كريمٌ ... عربيُّ البيانِ فيه الدواء
إنه من لَدثن حكيمٍ عليمٍ ... مُــــحــــكماتٌ آياتُهُ عَصماء
عاطِرُ الذكرِ للقلوبِ شِفاءٌ ... أعجزَ الخلق لفظهُ الوَضَّاء
إنَّ هذا القرآن يكفيه فخراً ... أنه رحمةٌ قضتها السماء
فاض نوراً بالوحي صدرُ نبيٍّ ... من قُريشٍ عزَّت به الأنبياء
ورســــولٍ للرُّســــلِ جاء خِتاماً ... وبــــشــــيرٍ دانَت له العلياء
جاء برداً للعالمين سلاماً ... كنزُ علمٍ عليه طابَ الثناء
كافحَ الكُفرَ والضلالة حتى ... شادَ حِصنَ الهدى وتَمَّ البِناء
وأقام الدِّينَ الحنيفَ وباتَت ... خــــافِــــقاتٍ أعلامُهُ الخضراء
آيةُ الحقِّ قد تجلَّت عليكم ... وبنورِ الإسلامِ تَمَّ الهناء
أيــــهــــا النــــاس إن هذا بلاغٌ ... فــــصلت فيه رحمةٌ أوبلاء
إن دَنا الخيرُ فالماءُ صباحٌ ... أو دنا الشَّرُّ فالصباحُ المَساء
إنَّ هذا الحديثَ أحسنَ ذِكرى ... كلُّ نَفسٍ يحلو لها ما تشاء
أيها الظالمون قد شاغلتكم ... وغرتكم بطيشها الأهواء
فأجبَتم نداءَها واتبعتم ... شهواتٍ يفرُّ منها الحياء
وضربتم بشرعةِ الحقِّ عرضاً ... فاشمأزَّت نُفُوسها العلياء
وملكتم سُبلَ الضلالة جَهلاً ... فخبا النورُ واستحالَ الضِّياء
وعميتم عن الهُدى ومُحالٌ ... أن ترى النُّورَ مُقلَةٌ عَمياء
واندفعتمُ إلى المعاصي سُكارى ... وارتكبتُم ما فاضَ منه الإِناء
واتبعتم أهواءَ غاوٍ مُضِلِّ ... زيــــنَ الشــــرَّ مــــكــــرُهُ والدهــــاءُ
حبَّبَ اللهوَ والفسادَ إليكُم ... وحدتكُم جنودُهُ الأشقياء
فركبتم غمارَ برٍ خضَمٍّ ... هــــائجــــاتٌ أمــــواجُهُ الظَّلــــمــــاء
ما خراتٌ عبابهُ سُفُنُ اللَّه ... وِ رَمــــاهــــا أنــــي أرادَ الهــــوَاء
حملتكم إلى ضلالٍ بعيدٍ ... تتلاشى أحلامُهُ الحمقَاء
فَمُلِئتُم من الحياةِ غرُوراً ... زَيَّنــــَتــــهُ لديــــكــــمُ الخــــيــــلاء
تــــتــــوارَونَ في النَّزاهةِ والصِّد ... قِ كما يستُرُ الإناءَ الطِّلاء
وتقيمون للنفاقِ صُروحاً ... شيدتها المطامِعُ الجوفَاء
وتبيجونَ للخمورِ مجالاً ... ما أبيحَت من أجلِهِ الصهباء
قد تناهى فقيه الفُجُورُ وأضحى ... والغــــوانــــي عــــقــــولهن هواء
وسلبتم به عقول الغواني ... منه يبكي ويستغيثُ الحيا
فقضيتم على العفاف ووجهٌ ... زال منه الحياءُ زالَ الماء
إنما الطُّهرُ للنُّفوسِ جمالٌ ... فإذا ضاعَ زال عنها البَهَاء
سَهَّلــــَ المــــالُ كلَّ غيٍّ لديكُم ... فلهوتُم به فَحُمَّ القَضَاء
إنما المالُ قُوَّةٌ فتنتكُم ... فضحكتم وراحَ يبكى الوَفاء
إنهُ للنفوسِ خَيرُ اختبارٍ ... فهو للناس رحمةٌ أو بلاء
حكمةُ المالِ أن يُبرَّ يتيمٌ ... وتُــــوَفَّى حــــقوقَها الأقرباء
وتُــــــــؤدى للوالديــــــــن فُــــــــرُوضٌ ... واجــــبــــاتٌ بــــها يدومُ الولاء
وتَعُمَّ الخيراتُ كلَّ فقيرٍ ... دهمتهُ بشرِّها النكباء
إن للمُحسنِين أحسَنَ ذِكرى ... يشهدُ الدهرُ أنهم رُحماء
خُلِقَ المالُ للفضيلةِ ذُخراً ... وسلاحاً تَسمُو به العلياء
فأساتُم فيه التصرفَ حتّضى ... نفدَ المالُ ثُمَّ ماتَ الرَّجاء
ذَهبَ المال حين كنتم سكارى ... وصحوتم وقد عفا الإغواء
قد رفعتم عن الحياءِ قناعاً ... وغفوتم حتى اختفى ذا الغطاء
أيــــهــــا الجاحدون فضل إلهٍ ... شملتكم من حلمهِ النعماء
كيف يعصي الضعيف أمر قويٍ ... قــــاهــــرٍ عــــادلٍ له مــــا يشاء
كم أباحت نفوسكم لكم الش ... ر وكيف استطيرَ هذا البلاء
أتخذتم عند المهيمن عهداً ... أم نسيتم من عنده السراء
أم جهلتم بأنكم من ترابٍ ... قاصراتٌ أحلامكم أغبياء
خدعتكم بسحرها أم دفرٍ ... جرعتكم سمومها الرقطاء
واستمالت عقولكم فجننتم ... خاتلتكم من طبعها الإواء
إن فيها من الفواتن طيفاً ... مــــنــــذ جــــاءت لآدم الأســــمــــاء
فهي مجبولةٌ على الغدر لا تحفظ ... عــــهــــداً وليــــس فيها وفاء
كلُّ دمعٍ منها يسيلُ عليها ... وتولى إذا تصعد الحوباء
دائماً تستردُّ ما تهبُّ الدن ... يا كأن كان خُدعةً ذا العطاء
وعــــجــــيبٌ أمٌّ بغير حليلٍ ... عشقتها أبناؤها التعساء
ولدتهم ومتعتهم قليلاً ... ثــــم أرغــــت كــــأنــــهــــم أعــــداء
فطوتهم في جوفها واطمأنت ... خشية العارِ أن يقالَ بغاء
أيها الناسُ باطلٌ كلُّ شيء ... زينته بكيدها الهيفاء
فالجمالُ الذي سباكم خيالٌ ... زائلٌ فــــوقــــه يحومُ الفناء
كلُّ بيتٍ يبلى على الدهر ما عمَّ ... رَ مــــهــــما تفننَ البناء
ونعيمُ الدنيا الذي نالَ منكم ... ما تقضَّى حتى تلاهُ العَناء
تعب الناصحونَ طوعاً وكرهاً ... وملالاً أعيى الطبيب الدواء
لو نظرتم إلى الحقيقة يوماً ... ما سهوتم حتى ادلهم البلاءُ
خُــــلِقَ النــــاسُ للبقاءِ وجهلٌ ... بعد هذي الحياةِ يفنى البقاء
سِنَةٌ كلُّها الحياة وصحوٌ ... فارقَ العينَ بعدَهُ الإغفاء
أرجَــــعَ الســــمــــعَ للأَصَمِّ وصارت ... تحسنُ النطقَ ألسنٌ خرساء
وأعاد الضياءَ للعينِ حتى ... أبصرَت منه أعينٌ عمياء
ثم رَدَّ المسلوبَ من كلِّ جسمٍ ... عـــــذَّبـــــتــــهُ الأمــــراضُ والأدواء
إنما عيشُكُم مَنَامٌ قصيرٌ ... فيه تشقى وتسعدُ الأحياء
وكذا العمرُ والسنونَ خيالٌ ... تتهادى كما يمرُّ الهواء
تــــتــــراءى لكــــم طــــوالاً ولكــــن ... لو عقلتم لزالَ هذا الخفاء
ينقضي العمرُ بين عُسرٍ ويُسرٍ ... حُلوُهُ المرُّ والهناءُ الشَّقاء
كلُّ من أطلقَ البصيرةَ بحثاً ... يــــتــــســــاوى ســــرورهُ والبُكاء
فاسألوا من قضى ثمانين عاماً ... كــــيف مرَّت وكيف زال الرُّواء
لستُ أدرى كيف انقضى وكأني ... فــــي مــــنــــامٍ أحــــلامُهُ فَزعاء
كنتُ بالأمسِ لاهياً بالتصابي ... لا أبالي مهما أحاط الشقاء
ففقدتَ الشبابَ حين دعاني ... شَيبُ راسي واللحيةُ البيضاء
إنما اللحظةُ التي أنا فيها ... هي عيشي وليكفني ذا العزاء
ما الحياةُ الدنيا سوى دارِ لهوٍ ... تتقضَّى متى توارى الضِّياء
أو كسوقٍ قد هُدِّدَت بانفضاضٍ ... سوف ينفضُّ بَيعُها والشِّراء
رابحاتٌ قُوَى الفطانةِ فيها ... خاسراتٌ من جهلِها الأغبياء
يُنقَلُ الناسُ من حياةٍ لأُخرى ... قَدرَ أعمالهم يكونُ الجزاء
تلك دارٌ تدومُ فيها حياةٌ ... حيثُ في هذه البِلَى وَالتَّواء
خُـــــلِقَ المـــــوتُ بــــيــــن دارٍ ودارٍ ... ضُجعةً بعدها يكونُ الثَّوَاء
فهو بابٌ يجتازه كلُّ حيٍّ ... وهو كأسٌ فيه البرايا سَواء
أيــــها الناس إن هذي لذكرى ... وعظاتٌ جاءت بها الأنبياء
أتريدونَ بعد هذا بلاغاً ... فصلَتهُ الشرائع السمحاء
أينَ من عمروا وشادوا وسادُوا ... اين عُمرانُهُم واين البِناء
أين من زَيَّنُوا العُرُوشَ جمالاً ... أين تيجانهم وأين البهاء
أين من عَزَّ مُلكُهُم وتسامى ... أين سُلطانهم واين العلاء
أين من كافحوا المصاعِبَ حتى ... ذَلَّلوهــــــا وأيــــــن ذاك الدَّهــــــاء
أين من دَمَّروا الحُصونَ ببأسٍ ... من حديدٍ وأين تلك الدِّماء
أين من سابَقُوا الرياحَ بخيلٍ ... صافِناتٍ تهابُها الهَيجاء
أين من جالدُوا الزَّمانَ بِصَبرٍ ... أين من صاولتهم النَّكباء
أين من شيَّدُوا الهياكِلَ حُبّاً ... واحتراماً لها فَعَزَّ البِناء
أين من هَدَّمُوا المَعَابدَ ظُلماً ... وعُتُوّاً وأين من قد أساءوا
أين من خَرَّبُوا المدائنَ جَباً ... رين بل أين تِلكم الأشلاء
أين من جاهدوا وماتوا كراماً ... أين إقدامهم وأين المَضاء
أين من كان همهم جمعُ مالٍ ... أيــــن أمــــوالهــــم وأيــــن الثَّراء
أين من أصلحوا فأحيوا نفوساً ... أوشكَت تستميلها الأهواء
اين من أوقفوا الحياةَ لنصحٍ ... أيــــن إيمانُهم واين النِّداء
أين من حاربوا النفوسَ بِزُهدٍ ... أين تقواهم وأين الوَفاء
أين من أُرسِلُوا لجمعِ شُعوبٍ ... مزَّقتها الأديانُ والخُلطاء
لم يضره مُرُّ الأذى وبصبرٍ ... واصلوا الهدى نعمتِ الأنبياء
رفــــعَ اللَه ثَــــمَّ إدريــــسَ حَــــيّــــاً ... حيُ أضحت مكانَهُ العلياء
أين شيخُ الطُّوفانِ من بعدِ يأسٍ ... صَنَعَ الفُلكَ حينَ حلَّ البَلاءُ
أنقذته وأهلَهُ وهي تجري ... بــــيــــن موجٍ جبالُهُ الدأماء
بــــركــــاتُ الإله يــــا نوحَ حلَّت ... قُضِي الأمر أقلعي يا سماء
هدأ الروعُ بعد أن قيلَ بعداً ... ونجا الرَّكبُ حين غيضَ الماء
أين هُودٌ وقد دعا قومَ عادٍ ... فعصوهُ فحلَّ فيهم وباء
وثمودُ الذين قد أخذتهم ... صيحةُ القهرِ وفقَ ما قد أساءوا
ناقةُ اللَه أنكروها وظلماً ... عقروها فحقَّتـــ النكباء
أين من حطَّمــ الهياكلَ حتَّى ... فارقتها أصنامها الصمَّاء
أوقدوا النارَ فاستحالت هباءً ... ومحالٌ تذوقها الأنبياء
إنما النارُ للعصاةِ عذابٌ ... وهي للمشركين بئسَ الجزاء
نارُ كوني على خليلي برداً ... وسلاماً وفي السلام الوقاء
وأرادوا كيداً فزادوا خساراً ... حيثُ شاءً القديرُ بالخزي باءوا
يا أبا الخلقِ والرسالةُ وحيٌ ... ويـــــقـــــيــــنٌ ومــــلةٌ وابــــتــــلاء
أنــــت خــــلفت ثم آلهة القو ... مِ جُـــــذاذاً وهـــــم لديـــــك ســـــواء
بعد أَن سِيلَ كلُّهم هَل يُرَجُّو ... نَ طعاماً وهل يُجيبُ الفَضَاء
وَرَميتَ الكبيرَ منهُم بِجُرمٍ ... هو فينا المحجةُ البَيضاء
ثم أوقفَتهُم لديه حيارى ... يتمارَونَ حين ضَلَّ المِراء
يَومَ لم تخشَ غيرَ ربِّكَ قَهَّا ... راً ولم ينتقصكَ طينٌ وماء
بل تقدمتَ والنواظِرُ حَسرَى ... ورفَعتَ التوحيدَ وهو اللِّوَاء
ثم لم تعتَصِم بأجنحَةِ الرُّوحِ ... وللطيرِ في الجحيم انطِواء
فتأبيتَ عن سوى اللَه غوثاً ... يا رسولاً يرادَ منه شِواء
وبها كنتَ أمَّةً قانتاً للّهِ ... واللَه فـــــي يـــــديــــهِ العَــــطــــاء
واهبُ الشيخِ بعد ضَعفٍ وبأس ... فـــــلذَاتٍ نـــــعــــمَّتــــِ الأبــــنــــاء
ثم لما أريتَ منهم ذبيحاً ... قُــــمــــتَ لله ثُمَّ سِيقَ الفِداء
أين مَن واصلَ البُكاء حزيناً ... فتوارى عن مُقلتيهِ الضِّياءُ
يوم جاءوهُ بالقميصِ عِشاءً ... وعــــليــــه للإفكِ تجري دماء
وادَّعُوا كاذبينَ أنَّ أخاهم ... خانَهُ الذئبُ واعتراهم بُكاء
قال بل سَوَّلت نفوسكم الكَي ... دَ فـــــصَـــــبــــرٌ ورحــــمــــةٌ ورجــــاء
كَظَمَ الغيظَ بالتصبُّرِ دهراً ... وإلى اللَهِ حــــقَّ منه التِجاء
ودعا اللَه والهاً مستغيثاً ... خاشِعاً قانتاً فحلّض الرِّضاء
يا أبا الغائبِ العزيزِ سلامٌ ... بعد طُولِ الفِراقِ آنَ اللِّقاء
حين ردُّوا قميصَ يوسُفَ فارتَ ... دَّ بصيراً وزال عنه العَناء
وابن يعقوبَ إذ رأى الشمسَ والبَد ... رَ مـــــنـــــامـــــاً وللرؤَى فـــــيــــاءُ
وبـــــمـــــرآهــــا رأى أحــــدَ العَــــش ... ر ومــــــجــــــلاهُ كــــــوكــــــب لألاء
سُــــجَّداً كــــلُّهــــم له وهــــو عبدٌ ... ذُبحت عنه سخلةٌ عجفاء
وتــــجــــلَّت كــــأنــــها فَلَقُ الصُّب ... حِ لسبطِ الذَّبيح فيها رجاء
ونهاهُ عن الإباحةِ بالسِّرِّ ... وفــــي الصُّبــــحِ للدُّجــــى إفــــشــــاءُ
هكذا يجتبيك ربُّكَ بالتَّأ ... ويلِ واللَهُ فاعلٌ ما يشاء
ورأَوهُ أحَـــــبَّ مـــــنـــــهـــــم إليــــه ... فأسرُّوا كيداً وضاع الإخاء
ورأَوا قـــــتـــــلهُ فــــقــــال أخــــوهُ ... إنما القتل سُبَّةٌ شَنعاء
قال ألقوهُ في غيابةِ هذا الجُذ ... بِّ حتى يقصيهِ عنه الدِّلاء
وإذا بــــيــــعَ مــــرَّتــــيــــنِ نبيٌّ ... ورســــولٌ كَفَى الأُباةَ الإباء
كلُّ ضَرَّاءَ تَرجُفُ النفسُ منها ... هــــي بــــالصبر والتُّقى سَرَّاء
يا صبياً رأى الكواكب في النو ... مِ سجوداً يَشِعُّ منها الضِّياء
حكمةُ اللَه في القضاءِ فأكرِم ... بـــــصَـــــبُـــــورٍ تـــــحــــوطُهُ الأرزاء
إن زَوجَ العــــزيــــزِ أوســــعُ عُــــذراً ... فيكَ والنفسُ صَرصَرٌ هَوجاء
إذ رأت مشهد النبوَّةِ نوراً ... زانـــــه مـــــنـــــكَ مـــــظــــهــــرٌ وَضَّا
وعــــزيزٌ على القلوبِ التَّجَنِّي ... هل عن الحُسنِ تَذهَلُ الحَسناء
غير أن الحياءَ أدنى إلى الإِف ... كِ وهــــذا لتُستَرَ الفَحشاء
حينَ هامَت وحين هَمَّتـ رأَينا ... كَ وفــــيَّاــــً ودُونَــــكَ الأَوفــــيــــاء
نفسُها سَوَّلَت وأسباطُنا أَن ... نُــــفــــسُهــــم ســــوَّلَت وَهَذا بلاء
وكفى نِسوَةَ المدينةِ عُذراً ... في خِضابٍ تسيل منه الدِّماء
حَسَمُوا فتنةَ الجمالِ بِسِجنٍ ... ضَــــمَّ من كُلُّ أهلِهِ أنبياء
بيع بَيعَ الرقيق مِن بَعدِ رُؤيا ... وإلى السِّجــــنِ سيقَ وهو بَرَاء
وبرؤيا النديم صادف عَهداً ... بــــدأ الوعــــظُ فــــيه والإلقاء
قال ما تَعبدُونَ إلا خيالاً ... قــــلَّدَتــــهُ وشــــاحَهــــا الأَسماء
وبرؤيا العزيزِ حطَّمَ أصفا ... د البــــــلايـــــا فـــــزالت اللأواء
ودعـــــوهُ وللبـــــرئ احـــــتـــــكــــامٌ ... واحــــتــــجــــاجٌ وهــــكذا البُراء
قال ما بلهنَّ قطَّعن ايديه ... نَّ مــــن قــــبــــلُ أيــــهــــا الوُزَراء
قالت الآن حصحص الحقُّ إني ... أنـــــــا راودتـــــــه وقُــــــدَّ الرداء
ليسَ لي أن أخُونَ بالغَيبِ عَهداً ... ثورةُ النَّفسِ في ابنِ آدمَ دَاء
هي نَفسي وما أُبُرِّئُ نفسي ... إنما النفسث لومُها إغراء
فتلقوه طاهر اليَدِ والذَّي ... لِ ولاحـــــت بـــــأُفـــــقِهِ الجَـــــوزَاء
وأحلَّتهُ عند ذي العرش حَقّا ... مقعدَ الصدقِ نفسهُ العصماء
واجتباه لنفسه وخليقٌ ... بابن يعقوبَ عندها الاجتباء
هكذا يُصهَرُ النُّضَارُ ليصفو ... والبلايا يتمُّ فيها الصفاء
أينَ من قاوَمَ البَلاءَ بصبرٍ ... وثـــــبـــــاتٍ ولم يُـــــفِـــــدهُ الدَّوَاء
مسَّهُ الضُّرُّ وانبرى الداءُ يَفرى ... جسمَ طَودٍ فانهارَ هذا البناء
صيَّرَتهُ يد النحولِ خيالاً ... وتعدَّى على الصبورِ البَلاء
إيه أيوبَ قد بَرَتكَ سِقامٌ ... كاد يدعوك لو جَزِعتَ الثَّواء
كلَّما ازدادَ كربُهُ زادَ صبراً ... هَـــــزَمَ الدَّاءَ حَـــــمــــدُهُ والثَّنــــاء
كــــشــــفَ اللَه ضرَّه حين عادَت ... لرميمِ العظام تجري الدِّماء
أينَ مَن قال أهل مدينَ أوفَوا ... واتّقُوا اللَه مَن لَهُ ما يَشَاء
فَتَوَلَّوا عنه وقالوا ضعيفٌ ... أنتَ فينا وهم هُمُ الضُّعَفَاء
وأصرُّوا على العِنادِ عُتُوّاً ... أنتَ فينا وهُم هُمُ الضُّعفاء
وأهانوا شعيبَ بئست نفوسٌ ... قادها الكفرُ والعمى والرِّياء
فاستحقُّوا العذابَ لما تعالوا ... كبرياءً وحلَّ فيهم شقاء
أين موسى من جاءَ فرعون طفلاً ... تَرقُبَ النجمَ عينهُ النجلاءُ
أودعَ اليــــمَّ خَــــوفَ بــــطــــشٍ عَــــدُوٍّ ... وتولَّى مهدَ الكليمِ الماء
أكرموهُ إذ قيلَ قُرَّةُ عينٍ ... تَمَّ حَقّاً ما قدرَته السماء
إن فرعونَ قد طغى وتعالى ... بئسَ عهدٌ أُبيحَ فيه الدماء
آلُ فرعونَ عَذَّبُوا قومَ موسى ... فاستجارت رجالُهم والنِّساء
ودعوا ربَّهُم فأرسل سيفاً ... كان حِصناً عَزَّت به الأبرياء
عَزَّ قدراً في قصر فرعونَ حتى ... إذ بدا الرُّشدُ دَبَّتــ البَغضاء
ثم لما آتاه حُكماً وعِلماً ... واستوى حين فاضت الآلاء
بات في مِصرَ للمليك ظهيراً ... وتــــوارت أمــــامــــه الأقــــويــــاء
وأتى القومَ يرقُبُ الأمن فيهم ... فالتقتهُ الجناية النَّكراء
فــــدعــــا ربَّهــــُ فــــأولاهُ عَفواً ... نعمةً منه واستجيبَ الدعاء
جاءَهُ مُؤمنٌ المدينةِ يسعى ... حذَرَ الموتِ هكذا النُّصحاء
فَرَّ يعدو تلقاءَ مدينً خوفاً ... خشية الغدرِ يوم تمَّ العداء
وعـــــلى مـــــائهِ تـــــزاحـــــمَ قــــومٌ ... وعــــن الوردِ أبــــعــــدَ الضُّعفاء
ما لبنتي شُعيبَ عنه تذودا ... نِ انكساراً إذ هَزَّ موسى الوفاء
في مضاءٍ كعزمةِ الليثِ وَفَّى ... وســــقــــى واتَّقَى وحقَّ الثناء
ودعاه شعيبُ يجزيه أجراً ... وهو من موقِفِ الأجيرِ بَرَاء
فالتقى عندها نبيانِ شيخٌ ... وفــــتىٌّ فنعمَ هذا اللِّقاء
هذه صفوةُ العزيزةُ فاهنأ ... زانها الطُّهرُ والوفاء والحياء
بعد عشرٍ سعى فآنسَ ناراً ... ما رآها حتى تعالى النِّداء
إخلع النَّعلَ واستمِع ما يُوحى ... وتجلَّد لا تضطَرب باهواء
جانِبَ الطُّورِ كلَّم اللَه موسى ... واجتباهُ وفاضتِ النَّعماءُ
قال ألقِ العصا فأدبرَ خَوفاً ... قِيلَ خُذها تجد بها ما تشاء
وَتَبَدَّت بيضاءَ من غيرِ سُوءٍ ... يَــــدُ مــــوسى وأيَّدتهُ السماء
آلَ فرعونَ قد أتاكم رسولٌ ... فأطيعوه أو يحيقَ البلاء
قــــال فــــرعونُ إنَّ هذا لَسِحرٌ ... ثم طارت بالساحر الانباء
حين ألقى عصاهُ خرُّوا جميعاً ... سُجَّداً واعتلَت ضُحاها ذُكاء
شَهِــــدَ الكــــلُّ أنَّ مــــوســــى رســــولٌ ... وتَــــوَلَّت فرعونَهُم كبرياء
فــــتمادى وجندهُ في ضلالٍ ... وغوتهم بطيشها الخَيلاء
أدرك البحرَ قبل أن يُدرِكُوهُ ... وهوى بالعصا فَشُقَّ الماء
واقتفاهُ عوفرنُ والجندُ سعياً ... كان قبراً لهم وتَمَّ الجزاء
إنَّ قارون كان من قومِ موسى ... غَــــرَّهُ الجــــاهُ والمُنى والثَّراء
أينَ ما حازَ من كُنوزٍ ومالٍ ... خَبَّأتها في جوفِها الجرداء
كلُّ من يفترى ينالُ جزاءً ... ويــــحَ قــــارونَ هَــــدَّهُ الافتراء
دَبَّرَت نفسُهُ الخبيثةُ كَيداً ... وعلى الحقِّ لا يفوزُ المِراء
واعتدى ظالماً غويّاً كذوباً ... واستفزَّت عُتُوَّهُ كِبرياء
فرَماهُ القضاءُ منه بخَسفٍ ... عِــــبرَةً للذينَ عاثوا وَرَاءُوا
أينَ جالُوتُ من تعاظَمَ بأساً ... أرضَعَتهُ لبانَها الهَيجاء
أوقَدَ النارَ ثم شادَ حُصوناً ... لجيوشٍ ضاقت بها البَيداء
ما تمادى جالوتُ في الظُّلمِ حتى ... أمر اللَه قومَ موسى فجاءوا
كان طالوتُ قد تَملَّكَ فيهم ... وهو بَدنٌ وكلُّهمن ضُعفاء
قادهم مُرغَمينَ نحو الضواري ... جــــيــــشُ جــــالوتَ صخرةٌ صَمَّاس
أظلمَ الجوُّ حين ماجَت جيوشٌ ... وبَــــدَا الرُّعــــبُ وادلهَمَّ البلاءُ
صالَ جالوتُ حين آنَسَ ضَعفاً ... وتمَشَّتــ في جيشِهِ الكبرياء
أذهَلَ الخوفُ جيشَ أبناءِ إسرا ... ئيلَ أو كاد فيه يخفى الهواء
صاحَ طالوتُ بينهم لا تخافوا ... كم ضعيفٍ دانَت له الأقوياء
وانبرى كالحُسامِ يطلبُ خَصماً ... لا يُباريهِ في الوَفَى قُرَنَاء
رحمةُ اللَه أرسلت خلفَ طالو ... تَ غُلاماً قد عزَّزتهُ السماء
كــــان هــــذا داودُ ســــابــــعَ رَهــــطٍ ... أيــــنــــما حلَّ زالت النَّكباء
رفع النصرَ حين صَالَ لِوَاءً ... وكَــــسَاهُ ثَوبَ الجلالِ الضِّياء
لم يُرَوِّعهُ بَأسَ خَصمٍ عَنيدٍ ... وجِيادٌ ماجَت بها الصَّحراء
فَتَمَشَّى كاللَّيثِ يطلبُ قُوتاً ... ثــــم نادى جالوت آن الفَنَاء
ورمــــاهُ فَخَرَّ يَهوي صَريعاً ... وترامى على العَدُوِّ القضاء
سَبَّحَ اللَه وهو يرمي حَصَاهُ ... جاوَبَتهُ القِفَارُ والارجاء
نَزَلَ الهَولُ واقتفتهم جُنُودٌ ... لم يَــــرَوهــــا وســــالت الرُّحضَاء
تَمَّ نصرُ الضَّعيفِ حينَ تجلَّت ... قُوَّةُ اللَهِ واستقامَ البِناء
أيــــنَ داوُدَ مــــن أنــــابَ بِــــقَــــلبٍ ... خَشيَةَ اللَهِ حَلَّ فيه الحياء
وأقام الصلاةَ خَمسينَ عاماً ... لم يَشُب حُسنَ صِدقِها إعياء
حَولَهُ أوَّبَت جميعُ الرَّواسي ... ثــــمَّ حَــــنَّتــــ لصــــوتِهِ الشَّمخاء
وكذا الطيرُ جاوَبَتهُ بشدوٍ ... رجَّعَت حُسنَ شَدوِها الأرجَاء
وألنَّاــــ لَهُ الحديدَ أن أعمَل ... ســـــابـــــغـــــاتٍ هـــــي الدُّروعُ رداء
أينَ من سُخَّرَت لَهُ الجِنُّ والإِن ... سُ وَغَـــــنَّتـــــ بِــــمُــــلكِهِ الجَــــوزَاءُ
يأمُرُ الريح حَيثما شاءَ تَجري ... مَــــــلِكٌ صَــــــدرُ تـــــاجِهِ الزَّهـــــراء
زاده اللَهُ مَنطِقَ الطَّيرِ عِلماً ... وتــــبــــاهــــت بِــــمُلكِهِ الشُّعَراء
وَرِثَ المُــــلكَ عــــن أبــــيه وملكٌ ... شاده الحمدُ طاب فيه الثناء
يا ابن دَاوُدَ قَد ظَفِرتَ بحُكمٍ ... كم تمَنَّتـــ مَنَالَهُ الأَكفاء
كنتَ في الأرض خيرَ من حازَ ملكاً ... يا سليمانُ تمَّ فيه العطاء
أيــــنَ ذُو النُّون إذ تَــــوَلاّهُ كَــــربٌ ... فامتطى الفُلكَ حين طابَ الهواء
وقف الفلكُ بَغتَةً حين قالوا ... أيها القومن ساهِمُوا أوتُساوُّوا
قَــــدَّرَ اللَهُ أن يــــونــــس يُــــجــــزَى ... لاخــــتــــبــــارٍ وآن هذا الجزاء
فرموهُ في اليَمِّ والحوتُ يجري ... ســــاقَهُ الوَحــــيُ رحــــمــــةً والنِّداء
ظَلَّ في بَطنِهِ يُسَبِّحُ حتى ... أمــــر اللَه أن يَــــزُولَ العَــــنَــــاء
فَــــرَّجَ اللَهُ كَــــربَ يــــونس عَدلاً ... وبــــهــــذا تَــــمَّ الرِّضا والصَّفاء
أينَ من قال لا تذرني فرداً ... وَهنَ العَظمُ واصمحَلَّ البِنَاء
يا سميع الدُّعاءِ هَب لي وَليّاً ... يَرِثُ النور كي يدوم الضِّياء
هَدِّئ الروعَ وابتهج زكريا ... يا كفيلَ العذارٍ آن الوفاء
رحمةُ اللَه أكرمتك بيحيى ... نالَ حُكماً ما نالَهُ أبناء
ظلَّ حَيّاً من كلَّمَ الناسَ في المَه ... دِ وطِفلاً وعظَّمَتهُ السماءُ
خــــيــــرُ رُوحٍ حَــــلَّت بــــأطهَرِ أُمٍّ ... شَهِــــــدَ اللَه أنــــــهــــــا عــــــذراء
جاءها الوحي فاستعاذت بِرَبِّ ال ... ناس منه ودَبَّ فيها الحياء
قــــال إنــــي رســــولُ ربِّكــــِ حَقّاً ... فاحملي النُّورَ نِعمَ هذا العطاء
فتوارت به مكاناً قصيّاً ... وأضاءت محرابها الزَّهراء
وأتاها المَخاضُ إذ تتناجى ... ليتني مِتُّ أو دعاني الثَّوَاء
وضعتهُ والجِذعُ يحنو عليها ... واستنارت بوضعِها الارجاء
إيه أمي لا تحزَني واحمليني ... سوف يبدو لِلقومِ هذا الضِّياء
فَأَتَت قومَها به وهي خَجلى ... فَــــرَمَــــوهــــا بأنَّ هذا بِغاء
أُختَ هارونَ كيف تَرضينَ هذا ... آلُ عِــــمران كلُّهُم أتقياء
إن هذا بَيتُ العفافِ قديماً ... كنتِ نَذراً فكيف ضاع الوفاء
فأشارت إليه فاهتزَّ عيسى ... وتجَلَّى على المسيحِ الإباء
بُوغِتَ القومُ إذ تكلَّمَ في المَه ... دِ صَــــبــــيّــــاً وَخَيَّمَ الإصغاء
قال إنِّيـــ عَبدٌ لِرَبِّ البرايا ... أرسلتني بالبيناتِ السماء
حَمَلتني أمِّيــ كما شاءَ ربِّي ... فهي أُمٌّ ما شابهتها نِساء
أحسَنَ اللَهُ نَبتها واجتباها ... وحباها الرِّضا فَنِعمَ العطاء
واصطفاها على النساءِ جميعاً ... آيـــــةُ الطُّهـــــرِ دُرَّةٌ عَـــــصـــــمــــاء
آمَنَ الكلُّ بابن مَريمَ حَقّاً ... أمطرَتهم في عهدهِ الآلاء
كان يدعو إلى الصلاة وجيهاً ... فتفانت في حُبِّهــ الأوفياء
منه جاءت بالخارِقات عِظَاتٌ ... حدثتنا عن صدقِها الأنباءُ
طالما أبرأَ المسيحُ وأحيا ... حكمةُ اللَه نالَها مَن يشاء
سألوه أنزل علينا طعاماً ... عــــلمَ اللَه مــــا أصرُّوا وشاءوا
قال عيسى اللَّهُمَّ أنزِل علينا ... ما أرادوا حتى يَتِمَّ الوَفاء
فَرِحَ القومُ حين قالَ بَشيرٌ ... إيهِ يا قوم قد أُجيبَ الدعاء
وتـــــوالى نـــــزولُهـــــا فـــــي أوانٍ ... كان عيداً لهم وزال المِراء
ظَلَّ يدعةو عيسى بن مريمَ فيهم ... للهُدَى ناصحاً فسادَ الوَلاء
بئسَ قومٌ كالُوا لعيسى عداءً ... علمَ اللَه كيدَ مَن قد أساءوا
رفَعَ اللَه رحمةً منه عيسى ... أكرمي الضيفَ رَحِّبي يا سماء
من كُنوزِ اليقينِ بَدرُ قُرَيشٍ ... أحمدُ المُصطَفى عليه الثناء
خاتَمُ المُرسَلينَ من بَشَّرتنا ... قبل ميلادهِ به الأنبياء
أرسلَته للعالمين سلاماً ... رحمةُ اللَهِ واصطفاهُ العَلاء
ورُقيّا أسرى به الحقُّ ليلاً ... فــــأعَــــزَّت مــــن شــــأنِهِ الإســــراء
وبــــفــــضلِ الإلهِ أحرز مجداً ... لم تَحُز بعضَ قدرِهِ الأكفاء
وتــــدانَــــت له الصِّعــــابُ وأضحى ... يتسامى إلى السماءِ البِناء
وأنار القلوبَ بالهدى حتى ... عَمَّ نورُ الهُدى وسادَ الضِّياء
وأقام الدِّينَ الحنيفَ بِسَيفٍ ... كُتِبَ النصرُ فوقه والمَضَاء
وأعـــــزَّ الإســـــلامَ رغـــــم أُنُـــــوفٍ ... خَيَّمَ الكُفرُ حَولَها والعَداء
رَدَّ كَيدَ العَدُوِّ شرقاً وغرباص ... بــــجــــيــــوشٍ رجالُها أوفياء
عَزَّزَتهُم من السماءِ جنودٌ ... لا يُبالونَ بالوَغى أقوياء
طاردوا المشركين من كلِّ صَوبٍ ... فتفشَّى في الكافرين الفَنَاء
وَعَدَ المؤمنين جَنَّاتِ عَدنٍ ... فَــــتَــــمَــــنَّوا لو أنــــهم شُهداء
جاهدوا طائعينَ أمرَ نَبيٍّ ... كم تفانت في حُبِّهِ أتقياء
شَــــرَّفَ اللَه قــــدرهُ واجــــتــــبــــاهُ ... فــــأضــــاءت بِــــنُــــورِهِ العَلياء
جــــعــــل اللَهُ نــــورَهُ بَــــدءَ خَــــلقٍ ... وعلى نورِهِ سَعى الحُنفَاء
رفــــع اللَه ذِكــــرَهُ واصــــطــــفــــاهُ ... وحَبَاهُ من الكريمِ العطاء
جــــاءَهُ الوَحــــيُ بــــالرِّســــالةِ لمَّا ... تمَّ ميقاتُها وحانَ الوَفاء
كان للناسِ هادياً وبشيراً ... ونذيراً لِمَن عَصَوهُ فباءوا
كان في الأرضِ والسمواتِ عيداً ... يـــــوم مـــــيـــــلاده وَعَـــــمَّ النِّداء
كَبِّري يا بُدُورُ من كلِّ بُرجٍ ... واملئي الأرض رحمةٍ يا سماء
ها هو النورُ يا شُمُوسُ تجلىذ ... فانظروا كيف تسطَعُ الأضواء
سَيِّدُ العالمينَ خيرُ بَشيرٍ ... قد أقرَّت ببعثِهِ الأنبياء
كوكبُ الفاتحين أشرَفُ بَدرٍ ... صافحت سَيفَ نصرِهِ الجَوزاء
أول الخــــلقِ رُتــــبَةً ومقاماً ... خاتَمُ الرُّسلِ نورُها الوَضَّاء
خيرُ رُوحٍ حلَّت بأشرفِ جسمٍ ... لم يُعادِلُهُ في الوجودِ نَقَاء
جَـــــوهـــــرٌ خــــالِصٌ تــــلألأ نــــوراً ... لم بُماثِلهُ في السَّناءِ صَفَاء
رحمةٌ ساقَها المهيمنُ للنَّا ... سِ دَواءً فــــكــــان مــــنه الشِّفاء
أحمد المُجتبى شفيعُ البرايا ... يوم يَشتَدُّ كَربُها والعَنَاء
جامِعُ الأنبياءِ تحت لِوَاءٍ ... رفعتهُ يمينُهُ السَّمحاء
قائدُ المُتَّقين نحو خُلودٍ ... لم يُشَبَّهـــ نعيمُهُ والهناءُ
صاحبُ الحَوضِ في فَسيحاتِ عَدنٍ ... يـــــوم يـــــحــــلو وُرُودُهُ والسِّقــــاء
أمــــرَ اللَهُ أن تُــــصَــــلَّى عــــليــــه ... ســـــــائرُ الكـــــــائنــــــاتِ والآلاء
ثم باتت فرضاً على كلِّ نَفسٍ ... تتناجى بذكرها الأوفياء
يا ضياءَ الأبصارِ يا بَدرَ كَونٍ ... أبــــديٍّ نــــجُــــومه الأنبياء
يا شِفاءَ القلوبِ من كل داءٍ ... يا طبيباً ما غابَ عنه الدواء
يا مُنيرَ العقولِ في ظُلمةِ الجه ... لِ ســـــــــلامٌ ورحـــــــــمــــــــةٌ وولاء
يا رجاءَ العيونِ في كلِّ آنٍ ... يا عظيمَ النُّهى عليك الثناء
يا مُجيرَ النفوسِ من كَربِ يومٍ ... يُفقِدُ الرُّشدَ هَولُهُ والبلاء
يا سِراجَ الهُدى عليك صلاةٌ ... وســــلامٌ يَــــعُــــمُّ مــــنهُ الرِّضاء
كلُّ نفسٍ لا بُدَّ ذائقَةُ المَو ... تِ يقينا متى دعاها الفَناء
سُنَّةُ اللَهِ في جميع البرايا ... وَنَــــفــــاذٌ لمــــا أراد القــــضــــاء
إنما الحيُّ يا ابنَ آدم فَردٌ ... لم يُنازِعُهُ ما قضَى شُرَكاء
واحِـــــدٌ لم يَـــــلد قَــــويٌّ عــــزيــــزٌ ... نافِذُ الأمرِ صانِعٌ ما يشاء
عالمُ الغيبِ لم يُماثِله شيءٌ ... وله وحـــــدَهُ العُـــــلا والبــــقــــاء
أيها الناسُ خالِفُوا طيشَ نفسٍ ... صرفتها عن الهدى الأهواء
واتركوا اللَّهوَ ما استطعتم فعارٌ ... أن تولى في غيِّها الحَوباء
واعملوا الطيِّباتِ ما لاحَ فجرٌ ... إنَّ للطــــيــــباتِ نعمَ الجزاء
واصنعوا الخيرَ للحياتينِ حتى ... تأمَنَ النفسُ إن تدانى القضاء
واستعينوا بالصبر في كلِّ خطبٍ ... فهو للنفسِ والفؤادِ الدواء
أنفِقُوا المالَ في المبرَّاتِ حتى ... لم يُهَــــدِّدهُ بالنَّفادِ الفَناءُ
واطلبوا الرِّزقَ طيِّباً وحلالاً ... فإذا طابَ عَزَّ منه البِناء
وأقيموا الصلاةَ للهِ فَرضاً ... فهي للقلبِ واليقينِ الضِّياء
وهي تهدى إلى العفاف وتنهى ... كلَّ نفسٍ طاشَت بها الفَحشاء
وأقيموا الميزانَ بالقسطِ حتى ... لا يقولَ الكِرامُ ضاع الوفاء
واجعلوا البِرَّ والزكاةَ شَفيعاً ... يوم تجرى بالموقِفِ الرُّحَضاء
وأَتِمُّوا شهرَ الصيامِ قياماً ... إنَّ قـــــــــرآنَ فـــــــــجــــــــرِهِ لألاء
وأقيموا مناسِكَ الحجِّ سعياً ... حول بَيتٍ عِمادُهُ العلياء
حَـــــرَمٌ طـــــاهــــرٌ ورُكــــنٌ شــــريــــفٌ ... وحـــــطـــــيـــــمٌ وكـــــعــــبــــةٌ ولِوَاء
واتَّقوا اللَه في الضعيفينِ عطفاً ... وحناناً نعمَّتِ الرُّحَماء
وأغيثوا الملهُوفَ جوداً وحلماً ... واطمئِنُّوا فلا يضيعُ الجزاء
واكظموا الغيظَ واصفحوا عن مُسيءٍ ... واذكروا عَدلَ من له الكبرياء
وأطيعوا أوامرَ اللَه حُبّاً ... واتقوا يوم لا يفيدُ الفِداء
واحذروا الشِّركَ فالهيمن فَردٌ ... لا شـــــبـــــيــــهٌ له ولا شُــــرَكــــاء
قادرٌ قاهرٌ سميعٌ بصيرٌ ... خالقُ الخلقِ فاعلٌ ما يشاء
واقصرُوا في الخطا وسيروا الهُوَينا ... فمع العَدو تعثرُ الشَّهباء
واغضُضُوا الطَّرفَ فالعيونُ شُهودٌ ... واكبحوا النفسَ فالكمالُ الحَياء
واجعلوا حِليةَ التواضع تاجاً ... واحذروا أن تغرَّكثم كبرياء
وازرعوا اليوم تحصدوا بعد حينٍ ... وابتَنُوا حيث لا يزولُ البِنَاء
وصِلُوا العهدَ بالوفاءِ دَوَاماص ... فمن الظلمِ أن يموتَ الوَفاء
واجعلوا العدلَ إن حكَمتُم شِعَاراً ... وانصروا الحقَّ يستحقَّ الثناء
واذكــــروا المــــوتَ بين آنٍ وآنٍ ... فهو وِردٌ تجتازُهُ الأحياء
أين كنتم يُدرِككُمُ الموتُ حتى ... لو حَوَتكم في بُرجِها الجَوزاءُ
سارِعُوا للهدى وعِفُّوا وتُوبُوا ... واهدموا إفكَ ما ادَّعى الادعياء
واتقُوا النارَ دار كلِّ أثيمٍ ... فهي مثوى من أنكرت حواء
يوم يُدعى هل امتلأتِ وتدعو ... بــــزفــــيــــرٍ إليَّ يا أشقِيَاء
وادرأوا النفسَ عن سُمومِ الأفاعي ... فهَوَى النفسِ حَيَّةٌ رَقطاء
بــــادِرُوا بالسُّجودِ لله شُكراً ... وأطيعوهُ فالنعيمُ الجزاء
أيها الناسُ لا تُعِيرُوا استِماعاً ... لِهراءٍ مما ادَّعَى الاغبياء
واضربوا الأرضَ بالخُرافاتِ وامشُوا ... مطمئنينَ حيث شاءَ القضاء
واستعيذوا باللَه من شَرِّ غاوٍ ... وَمُضِلٍّ قد أنذرته السماء
قد عَصَى اللَه في السُّجودِ فَصُبَّت ... لَعــــنَــــةُ اللَه فــــوقه والبلاء
قال رَبِّ انظرني حتى تُوَافى ... من دَياجي أجداثِها الأشلاء
يوم تجري الأجسادُ للحَشرِ حَيرَى ... وَيُــــنادِى القضاءُ آنَ الوَفاء
إِبقَ حتى مِيقَاتِ يومٍ عَبُوسٍ ... قَمطَريرٍ أهوَالُهُ صَعقَاء
حــــارِبــــوهُ بــــالصالحاتِ وَأَدُّوا ... كلَّ فَرضٍ يدعو إليه العَلاء
واتركوا الحمرَ فهي أكبرُ رجسٍ ... زَيَّنــــَتــــهُ جُــــنُــــودُهُ الأغوِياء
سَهَّلَت للنفوسِ كلَّ المَعاصي ... تحت إغرائها جَنَى الأشقياء
لَقَّبُوها أُمَّ الخبائث قِدماص ... حيث مالَت بالنفسِ زال الحَياء
وادفعوا بالعفافِ كلَّ حرامٍ ... بَــــيَّنَتهُ الشريعةُ الغَرَّاء
وانشروا العِلمَ والفضيلةَ حتى ... تَتَوارى الرذيلةُ الحمقاء
واقطعوا دابِرَ الفُجُورِ وَإِلاَّ ... تتمشَّى مع الدَّمِ الفَحشاء
وابذلوا النفسَ في صيانةِ عرضٍ ... كي يُوارى عن العيونِ البغاءُ
واجعلوا الصِّدقَ والأمانة نوراً ... فيه تمشون حين يخبو الضياء
وامنعوا بالتُّقى مطامعَ نفسٍ ... تسبيها بمكرها الأهواء
طهروها من الذنوب عساها ... تمنح العفو يوم تطوى السماء
وتفانوا في صنعِ كلِّ جميلٍ ... إنما المكرماتُ نعمَ العطاء
وتواصوا بالحقِّ واسعوا كراماً ... واطلبوا العفو يكتنفكم رضاء
واملؤا القلبَ رحمةً وحناناً ... ويقيناً إيمانُهُ لا يرُاء
واشتروا الخلدَ باجتنابِ الخطايا ... صحوةُ العيشِ لمحةٌ فالتواء
يا ابن حواءَ قد خُلِقتَ ضعيفاً ... فــــإلامَ الجــــهالةُ الحمقاء
جسمكَ الغَضُّ هيكلٌ من تُرابٍ ... هيمنتهُ على الثرى الخُيلاء
سوف يبلى مهما حبتهُ الأماني ... خاضعاتٍ وماجَ منه الهواء
واثقتهُ الأسُودُ براً وبحراً ... والتقتهُ الموانِعُ الشماء
وبكته العيون شرقاً وغرباً ... ورثـــــتـــــه الأئمــــةُ الشــــعــــراء
وتدانت له المطالبُ سعياً ... واستنارت حياتُهُ الرَّغداء
وأتاحت له المعالي كنوزاً ... لم تهبها لغيره العلياء
وأعــــدت له المــــواهبُ حُكماً ... ما استطاعت بلوغه الحكماء
وتمشَّتـــ له المصاعب طَوعاً ... حين طارت بملكِهِ الأنباء
ينعمُ الجسمُ بالحياة قليلاً ... ثم يدعوهُ بعد ذاك الفَنَاء
فَــــــيُــــــلَبِّيــــــ نـــــداءَهُ وتـــــولى ... عنه تلك النضارةُ الحسناء
ويُوارى عن العيون ويبلى ... وهشيماً تضمُّهُ الغبراءُ
إنما النفسُ للخودِ فحسبي ... يا ابنَ حَوَّاءَ يوم يدنو القضاء
موقفٌ حاشدٌ وحشرٌ رهيبٌ ... وقــــــيـــــامٌ أهـــــوالُهُ فَـــــزعـــــاء
يجمَعُ الخلقَ كلَّ قاصٍ ودانٍ ... منذ عاشت على الثرى حَوَّاء
فادَّرِع ما يقيكَ هولَ عذابٍ ... وادَّخِر ما يَفِرُّ منه البَلاء
إنَّ تــــقــــوى الإلهِ أكــــبرُ ذُخرٍ ... وهي كنزٌ لا يعتريهِ الفَنَاء
أيــــهــــا النــــاسُ هــــذه بَيِّنَاتٌ ... وعظاتٌ قامت لها الخُطباء
أوقَفَ النفسَ والنفيسَ عليها ... عـــــلمـــــاءٌ أئمَّةـــــٌ أنـــــبــــيــــاء
فخذوها ملءَ اليقينِ ووفُّوا ... ما أُمِرتُم به يَحشلُّ الرِّضاء
هــــا هــــو العــــقل رائدٌ فذرُوه ... يتخيَّر لحظِّكم ما يشاء
إن تكونوا مُصَدِّقين فأَمنٌ ... ونــــعــــيــــمٌ ورحــــمــــةٌ وهــــنــــاء
أو تكونوا مُكَذذشبينَ فوَيلٌ ... وعـــــذابٌ ونـــــقـــــمـــــةٌ وشــــقــــاء
فاسلُكُوا ما حلا لكم من طريقٍ ... خَــــيــــرُهُ النُّورُ شَــــرُّهُ الظَّلماء
لا يرى الظالمون فيه سبيلاً ... وبِنُورِ الهُدَى يَرَى الأتقياء
فاستقيموا وآمِنُوا وأَطِيعُوا ... يَهدشكُم رَبِّكُم ويَحلُو الثناء
واعبُدُوا اللضه مخلصينَ تَنَالُوا ... أجرَ إيمانِكُم وَتَرضَى السماء
واذكــــروهُ وســــبِّحــــُوه كــــثيراً ... مــــا تَــــغَشَّى دُجىً ولاحَ ضِياء
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الفقراء: قرأ: القُرآن: التَّنْزِيلُ الْعَزِيزُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ عَلَى مَا هُوَ أَبْسَطُ مِنْهُ لشَرفه. قَرَأَهُ يَقْرَؤُهُ ويَقْرُؤُهُ، الأَخيرة عَنِ الزَّجَّاجِ، قَرْءاً وقِراءَةً وقُرآناً، الأُولى عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، فَهُو … (لسان العرب)
- تعيشوا: عيش: العَيْشُ: الحياةُ، عاشَ يَعِيش عَيْشاً وعِيشَةً ومَعِيشاً ومَعاشاً وعَيْشُوشةً. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: كلُّ وَاحِدٍ مِنْ قَوْلِهِ مَعاشاً ومَعِيشاً يصْلُح أَن يَكُونَ مَصْدَرًا وأَن يَكُونَ اسْمًا مِثْلُ مَعابٍ ومَعِ … (لسان العرب)
- فاذكروا: ذكر: الذِّكْرُ: الحِفْظُ لِلشَّيْءِ تَذْكُرُه. والذِّكْرُ أَيضاً: الشَّيْءُ يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ. والذِّكْرُ: جَرْيُ الشَّيْءِ عَلَى لِسَانِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَن الدِّكْرَ لُغَةٌ فِي الذِّكْرِ، ذَكَرَهُ يَذْكُرُه … (لسان العرب)
- فسكون: سكن: السُّكُونُ: ضِدُّ الْحَرَكَةِ. سَكَنَ الشيءُ يَسْكُنُ سُكوناً إِذَا ذَهَبَتْ حَرَكَتُهُ، وأَسْكَنه هو وسَكَّنه غَيْرُهُ تَسْكيناً. وَكُلُّ مَا هَدَأَ فَقَدْ سَكَن كَالرِّيحِ والحَرّ وَالْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وسَك … (لسان العرب)
- فممات: فمم: فُمَّ: لُغَةٌ فِي ثُمَّ، وَقِيلَ: فَاءَ فُمَّ بَدَلٌ مِنْ ثَاءِ ثُمَّ. يُقَالُ: رأَيت عَمراً فُمَّ زَيْدًا وَثُمَّ زَيْدًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. التَّهْذِيبُ: الْفَرَّاءُ قبَّلها فِي فُمّها وثُمِّها. الْفَرَّاءُ: يُقَا … (لسان العرب)
- مهدد: هدد: الهَدُّ: الهَدْمُ الشَّدِيدُ وَالْكَسْرُ كحائِط يُهَدُّ بمرَّة فَيَنْهَدِم؛ هَدَّه يَهُدُّه هَدًّا وهُدُودا؛ قَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ: فَلَوْ كَانَ مَا بِي بالجِبال لَهَدَّها، ... وإِن كَانَ فِي الدُّنيا شَدِيداً هدُ … (لسان العرب)