ربِّ هب لي هُدى وأطلق لساني
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
ربِّ هب لي هُدى وأطلق لسانيوأنر خاطري وثبت جناني
ملهمَ النفسَ بالتقَى خيرَ مسرىلمفازاتِ نورِكَ الرَّباني
كُن معيني إن أعجزتني القوافيونصيري في ساميات المعاني
أنتَ قصدي وغايتي ورجائيمالكَ الملكِ مُبدِعَ الأكوانِ
يا جلالاً عَمَّ الوجودَ بلُطفٍوسالمٍ ورحمةٍ وحنانِ
واقتداراً أحاط بالكون علماًنظَمَت عِقدَهُ يَدُ الإتقانِ
وجمالاً في كلِّ شيءٍ تجلَّىسبَّحـ الحسن فيه للرحمنِ
جَلَّ شأن الإله ربِّ البراياخالقِ الخلقِ دائمِ الإحسانِ
واحدٌ قاهرٌ سميعٌ بصيرٌعالم الغيبِ صاحب السلطانِ
حكمٌ عادلٌ لطيفٌ خبيرٌنافذُ الأمرِ واسعُ الغُفرانِ
قابضٌ باسطٌ قويٌّ عزيزٌمُرسِلُ الغيثِ مُقسِطُ الميزانِ
واجدٌ ماجدٌ حليمٌ كريمٌترقب الخلقَ عينهُ كل آنِ
يعلم السرَّ في الصدورِ وأخفىوإليه سَيُحشَرُ الثقلانِ
ظاهرٌ باطنٌ قريبٌ مجيبٌنعمَ من فازَ منه بالرضوانِ
واعدُ المتقين جناتِ عدنٍولمن خاف ربهُ جنَّتَانِ
منعمٌ وارثٌ عليٌّ عظيمباعثُ الخلق بين إنسٍ وجانِ
كلُّ مَن في الوجودِ للِّهِ عبدٌوإلى الله مرجعُ الإنسان
إن يوماً تطوى السمواتُ فيهكلُّ حيٍّ إلا المهيمنَ فانِ
يوم تهوى الأفلاكُ من كلِّ بُرجٍآفلاتٍ ويجمعُ النيرانِ
وتدكُّ الأرض انهياراً ويقضىكلُّ أمرٍ ويسجد الخافقانِ
صيحةٌ تجعلُ الرواسي عهناًتنسفُ الأرضَ بين قاصٍ ودانِ
وتدوى أخرى فيحيا رفاتٌضمَّهُ التربُ من قديمِ الزمانِ
نخرتهُ يدُ البلى وهشيمابعثرته الرياحُ في الوديان
من على رجعِهِ كأول خلقٍقادرٌ غير فاطرِ الإنسانِ
كان غُصناً غضاً فتياً رطيباًلم يفكر في الرمسِ والأكفانِ
هيمنته على الثرى خُيلاءزينتها وساوِسُ الشيطانِ
سوف يُدعى إلى قيامٍ رهيبٍأنكرتهُ حماقَةُ الطغيانِ
يوم تجرى الأجساد للحشر حيرىبين لُجّ وقسطَل من دخانِ
يومَ يدعو كل امرئ رب نفسيوينادي الحسابُ آنَ أواني
في ذُهولِ المأخوذِ لم تدرِ نفسٌلنعيم تُساقُ أم لهوانِ
موقٌ حاشدٌ وحشرٌ مهيبٌقد أحاطته ألسُنُ النيرانِ
يقذف الرعب في القلوبِ ارتجافاًوالمساوى تَمُرُّ بالأذهانِ
يجمع الخلقَ منذ أول نفسٍوافت الأرضَ من رياضِ الجنانِ
لم يغيب عن عرضهِ فردٍصمهُ الروحُ من بني الإنسانِ
هذه الساعةُ الرهيبةُ فانظريا ابن حواءَ آيةَ الرحمنِ
قد تجلت مصداقَ ذكر حكيمجاء للناس بالهدى والبيانِ
أرسلته للعالمين سلاماًرحمةُ اللَه واسع الغفرانِ
خُلِقَ الناسُ للبقاءِ وهذىآيةُ البعثِ أصدقُ البرهانِ
كلُّ فردٍ في الحشرِ لا بُدَّ يلقىجنةَ الخلدِ أو لظى النيرانِ
إن يكن صَدَّقَ الكتابَ فامنٌوسلامٌ ورحمةٌ وتهاني
والذي أنكر القيامةَ كبراًوعلواً هوى مع الشيطانِ
سوف يلقى العذابَ من كلذِ صَوبٍويُعاني عواقبَ الطغيانِ
ظُلماتٌ تعثرَ الخلقُ فيهاكالفراش المبثوث في الكُثبَانِ
أو كسيلٍ من الجرادِ خصَمٍقذفتها الأحداثُ كالطوفانِ
رجفةٌ دكتِ الجبالَ فألقتحملَها الأرض واختفى النيرانِ
صدقَ الوعدُ فانظروا كيف تمَّتآيةُ البعث أيها الثقلانِ
باغتتكم والنفس تمرح سكىبين غناءِ روضةٍ وأغاني
ساقها الطيشُ لارتكاب المعاصيفأطاعت غوايةَ الشيطانِ
حببَ الفسقَ والفجورَ إليهاورماها في كاذباتِ الأماني
أفسح المالَ للفسادِ مجالابين كأس الطلا ودلِّ الغواني
فتنتكم أموالكم فكفرتموارتكبتم ما ليس في الحسبانِ
خدعتكم بسحرِها أمُّ دفرٍوسبتكم بحسنها الفتانِ
فشغلتم عن الحقيقةِ جهلاًوانصرفتم إلى المتاع الفاني
وعميتم عن الهدى وانطلقتمفي مهاوى الفجور والعصيانِ
وكفرتم بأنعمِ اللَه حتىنبذتكم مراحمُ الغفرانِ
فإلى الموقف الرهيب هلمواقد بعثتم إلى المصير الثاني
ها هي الأرض أخرجتكم لتجزىكلُّ نفس ما قدَّم الأصغرانِ
إن تكونوا مصدقينَ فأمنٌوسلامٌ ورحمةٌ في حنانِ
أو تكونوا مكذبين فويلمن عذابٍ ونقمةٍ وهوانِ
كل نفس يُغنى لها فيه شأنٌعن سواها وأينَ يهربُ جان
يوم لا تملكُ النفوسُ انتصاراًوله الأمر وحدَهُ كلَّ آنِ
كل فرد له كتابٌ شهيدسجلت فيه صادقاتُ البيانِ
قولها الحقُّ بالذي قدَّمَتهُطَوعَ شيطانِها يَدُ الإنسانِ
لم يُغادِر صغيرةً ما حواهاقدرةٌ نزهَت عن النسيان
كل شيء غيرُ البديعِ ظلامٌوهوَ نورُ الآفاقِ والأكوانِ
حلقَت هيبةٌ فأشرقَ نورٌواعتلى العدلُ كفةَ الميزانِ
وتلا الذِّكرَ خلفَهُم شهداءٌباركتهم مراحم الغفرانِ
تلكمُ الجنةُ التي قد وُعِدتُمأدخلُوها في غبطةٍ وأمانِ
قد صبرتم مصدقين ففزتُمبخلودٍ في عالياتِ الجنانِ
فسلامٌ أهلَ اليمينِ عليكُمكلُّ من في النعيمِ يُهدى التهاني
جنة الخُلدِ زُيِّنَت فأقيمواومع الحقِّ لا تضيعُ الأماني
سَيِّدُ الخَلقِ بينكم فاضَ نوراًوجلالاً مع الرضى الرباني
أشرفُ المرسلين قدراً وجاهاًعبقريُّ النُّهى عظيم الجنانِ
خَصَّهـ اللَه بالشفاعةِ عطفاًوحناناً على بني الإنسانِ
صلوات الإله تحبوك دوماًيا نبيَّ الإسلامِ والإيمانِ
بين رهبٍ وذلةٍ وخشوعٍخفَقَ القلبُ خفقةَ الحيرانِ
وبدا الهَولُ والنواظرُ حسرىزائعاتٌ في رجفةِ الولهانِ
وجثا الناسُ كلهم في خضوعٍإذا تجلع مهابة الرحمنِ
وقفَ العبدُ في رحابِ إلهٍنافذِ الأمرِ قاهرِ السُّلطانِ
لم يغب عنه في السمواتِ شيءوعليمٌ بما جنى الثقلانِ
ملأَ الأرضَ والسماءَ وجوداًخالق الكون لم يغب عن مكانِ
أبديٌّ يدبِّرُ الأمرَ فرداًسرمديُّ الجلالِ والسلطان
بين حرفين كلما شاءَ يقضىمطلق الحُكمِ لم يُشاركه ثان
قدرةٌ أحصَتِ الخلائق عدّامنذ أوفى على الثرى الوالدان
رحمةٌ عَمَّ رزقها كُلَّ حَيٍّجَلَّ وهَّابُها عن النسيانِ
خبرة أبدعت محاسِنَ خلقٍفي جلالٍ من دِقَّةِ الإتقانِ
فيضُ علمٍ ما ذَرَّةٌ عنه غابتفي جميع الآفاقِ والأكوانِ
مَلِكٌ يرقُبُ الخلائقَ جمعاًويديرُ الأفلاكَ في الدورانِ
يبسُطُ الرزق للذي ساءَ جوداًوهو أدرى بالخيرِ للإِنسانِ
يرسل الماءَ فوق جرداء مَيتٍفيردُّ الحياةَ للوديانِ
فتموج الأرض اهتزازاً وتربوثم تبدو في سُندسٍ فتان
تخرجُ الحبَّ والثمارَ وتزهوفلي عقيقٍ ولؤلؤٍ وجمانِ
روحاتُ النسيم تحمل عبقاًمن أريجِ الزهورِ والريحانِ
كل شيءٍ يسبحُ اللَه حمداًكي يؤدى فرائض الشُّكرانِ
نِعَمٌ ساقَها المهيمنُ للناس فحمداً للمنعِمِ المَّنانِ
أعجزَ الخَلقَ عدُّها فتعالىباسطُ الرزقِ دائمُ الإحسان
فاطرُ الأرضِ والسمواتِ فَردٌصاحبُ الطولِ في عُلُوِّ الشَّانِ
عالمُ الغيبِ والشهادةِ نُورٌيملأ الكونَ فيضُهُ الرَّباني
نافذُ الأمرِ في جميع البرايامُطلَقُ الحكمِ لم يشاركه ثانِ
غافرُ الذنبِ قابلُ التوبِ ملكٌجلَّ تشبيهه عن الحدثانِ
كاشِفُ الضُّرِّ والبلاءِ مجيبٌدعوةَ الوامقِ الحزينِ العاني
في دياجي الظلام يَرحمُ دمعاًأمطرتهُ قهراً صروفُ الزمانِ
ويجير الملهوفَ من هَولِ كَربٍدَبَّرَتهُ مظالمُ الإنسانِ
ويمدُّ المظلومَ منه بِنَصرٍويسوقُ الظَّلُومَ للنيرانِ
أحكَمُ الحاكمين كَنزُ العطاياأرحمُ الراحمينَ رحبُ الحنانِ
واهبُ العَزمَ للضعيفِ ليَقوىولمن خافَ مُنعِمٌ بالأمانِ
واسعُ الحِلمِ لا يعجِّلُ بَطشاًخَيرُ أهلٍ للعفوِ والغُفرانِ
يُمهِلُ الظالمينَ حتى إذا ماشاءَ ذاقوا عواقبَ الطغيانِ
لم يَدَع ذَرَّةً تَمُرُّ هَباءًفي طريقِ الأعمالِ للإنسانِ
كل نفسٍ سيقَت إلى الخيرِ تلقىأعظمَ الأجرِ في عُلا الرِّضوانِ
والتي قادها إلى الشرِّ طيشٌسوفَ تجزى بما جنتهُ اليدانِ
جامعُ الناسِ والموازينِ قِسطٌيومَ لم تجدِ زَفرَةُ الندمانِ
أيُّ ويلٍ إذا الموازينُ خفَّتوزفيرُ الجحيمِ في ثوَرانِ
واستشاطت غضباءَ وهي تُدوىفي زئيرٍ يروحُ بالآذانِ
فزعٌ يملأُ الفؤادَ ارتجافاًحين تبدو ذاتُ الشَّوى للعيانِ
من حميمٍ تنسابُ فيها سيولٌفي جحيمٍ وظُلمَةٍ من دُخانِ
وهوى المجرِمونَ بين رعودٍأطلقتها زوابعُ النيرانِ
فَهَلُمُّوا يا مَن ظلمتم وجُرتُموكفرتم بالواحدِ الدَّيَّانِ
إن هذا تصديقُ ما قد كذَبتُموأطعتُم غوايةَ الشيطانِ
كلُّ حظٍّ وكلُّ فوزٍ عظيمٍللذي نال رُجحَةَ الميزانِ
باتباعِ الهُدوى وتَركِ المعاصيوالتَّغاضي عن المتاعِ الفاني
خالف النَّفسَ بينَ عزمٍ وصَبرٍومَضاءٍ وعِفَّةٍ وأَمَانِ
وأطاعَ الإلهَ طاعةَ عبدٍقَرَّبَتهُ مَثُوبَةُ الشُّكرانِ
للذين اتقوا أُعِدَّت قصورٌعالياتٌ في خالداتِ الجِنانِ
والفراديسُ زُيِّنَت ببدورٍكاللآلي ما بين حورٍ حسانِ
وبدارِ النعيمِ صُفَّتـ بيوتٌمن كريمِ الياقوتِ والمرجانِ
غُرَفٌ تحت زهرِها الماء يجرىمن نُضارٍ ومن نعيمِ الجُمانِ
تتجلى على الأرائكِ فيهاحورُ عينٍ من كاعباتٍ قِيانِ
وعليهنَّ طافَ وِلدانُ خُلدٍبشرابِ الأعنابِ والرمانِ
في أباريقَ من لُجَينٍ شَذَاهاعَرفُ مِسكٍ ونفحةُ الرَّيحان
وعلى الجانبين صُفَّتـ عروشٌسُرُرٌ حَولَها القطوفُ الدواني
رصَّعَتها يَدُ العطاءِ بِدُرٍّفوقَ وَشيٍ من نادرِ العقيانش
إن فيها من النعيمِ متاعاًجعل المتقين في مهرجان
أرضها سُندُسٌ يُغطِّيهِ زَهرٌينشر الطيب في رِياضِ الجِنانِ
رِيحُها عاطرٌ يفيضُ عبيراًحيث مالَ النسيمُ بالأغصانِ
فوق فيحائَها وتحت الدواليفي مروجِ الكافورِ والأُقحوانِ
دفَّقَت أنهرٌ وفاضت عُيونٌباركت نَبعَها يدُ الرَّحمنِ
من سُلافٍ ومن معينِ عُيونٌتتهادى الأنهارُ كالخيزرانِ
ثم تجرى أخرى بِدَرٍّ طَهورٍلم يُلَوَّث بفاسد الأدرانِ
بين طيبِ الزهورِ تجرى الهُوَينىأنهرُ الشُّهدِ في فَسيحِ الجنانِ
لم يُشَبَّهـ نعيمهُ بنعيمٍكان أشهى أُمنيةَ الإنسانِ
نورها دائمٌ فلا ليلَ فيهايانعاتُ المروجِ والأفنان
إن فيها ما تشتهي كلُّ نفسٍوجَناها أيان تدعون دانٍ
كلُّ شيءٍ في جنةِ الخلدِ غَضٌّورطيبٌ ويانعٌ كل آنِ
كيف تدنو يَدُ البِلَى من جناهاوالذي في الخلودِ ليس بِفَانِ
كلُّ وصفٍ مهما تسامى خَيَالافي نعيمِ الفردوسِ غيرُ العيانِ
رَحمَةُ اللَهِ قد أفاضت عليهاسابغاتٍ من أنعمِ الرضوانِ
وأعدّت هذا النعيمَ جزاءًلسعيدٍ قد فاز بالغفرانِ
يا نعيم الجنات رحِّبـ وباركوتقدم بعاطراتِ التهاني
وابتسِم يا جمالُ واهتف سلاماًوتألَّق في الحورِ والوِلدانِ
ها هُمُ الأتقياءُ حَلُّوا كراماًبين فَيضٍ من الرضى والأماني
يا عبادَ الرحمنِ ها قد بلغتمفاشكروا من هدى إلى الإيمانِ
مالكَ المُلكِ إنَّ وَعدَكَ حَقٌّمَن له الحمدُ غيره كلَّ آنِ
كل شيءٍ يُسَبِّحُ اللَه حَمداًأبدَ الدهرِ خيفةَ الرحمنِ
خالقُ الخلقش من ضياءٍ ونارٍوترابٍ في رافةٍ وحنانِ
عَرشُهُ الأرضُ والسماءُ قريبٌلم يَغِب فيضُ نورِهِ عن مكانِ
صانعٌ مُبدِعٌ عليمٌ خبيرٌبالغٌ صنعُهُ ذُرَى الإتقانِ
كلُّ حيٍّ إلى علاهُ مدينٌبالغوالي من أنعمِ الإحسانِ
خلقَ الشمسَ في السماءِ سراجاًوحياةً للعالم الحيواني
تملأُ الأرضَ كلَّ يوم ضياءًووهيجاً كلفحَةِ النيران
تحمِلُ الغيثَ من أجاجٍ خضمٍثم تعلو بذرِّهِ كالدخانِ
فوقَ متنِ الهواءِ يعلو جليداًطودَ ماس في صفحةٍ من جمانِ
شاءَ للأرضِ أن تموتَ وتحياحكمةٌ جددت قوَى العُمرانِ
كلما أجدبت سقاها سحابٌبمعينٍ من غيثهِ الهتَّانِ
هكذا ثمَّ للحياةِ نظامٌيجعلُ الجسمَ يانعَ الريعانِ
إن للشمسِ في العناصرِ سرّاًفهي روحُ الحياةِ للأبدانِ
لو خبا نورها عن الأرض صارتبلقعاً قد خلا من السكان
قدرةٌ حيرت عقولَ البراياغاب إدراكها عن الأذهانِ
أبدعتها يد المهيمِن رفقاًوحناناً على بني الإنسانِ
ملهمُ النفسِ والتدابيرُ تجرىمحكماتٍ في عالم الأكوانِ
فاز من بالتقى أطاع ووفىوالذي ضَلَّ باء بالخسرانِ
أنزلَ النورَ رحمةً وسلاماوشفاءً في محكمِ القرآنِ
جاء بالحقِّ هادياً وبشيراًونذيراً للشارِدِ الغفلانِ
فاضَ علماً بالوحى صدر نبيٍّعبقري النهى فصيح اللسانِ
خيرُ نفسٍ حلت بأشرف جسمخاتمُ المُرسلينَ فخرُ الزَّمانِ
أحمدُ المجتبى شفيعُ البراياهادمُ الكفرِ شائدُ الإيمانِ
جاهَدَ المشركينَ بالسيفِ حتىدمَّرَ الحقَّ دولةَ الأوثانِ
أيها الناسُ آمنوا وأطيعواواذكروا اللَه خيفةً كل آنِ
سبحوه مستغفرين وتوبواواستعيذوا به من الشيطانِ
طهروا النفسَ باجتناب المعاصيواستزيدوا هدياً من القرآنِ
واتقوا اللَه رهبةً واشكروهأن هداكم لنعمةِ الإيمانِ
واستقيموا فهوَ الرقيبُ عليكمومحالٌ أن يختفى عنه جاني
واسلكوا للهدى أعفَّ سبيلٍوتفانوا في طاعة الرحمن
واطلبوا الرزقَ طيباً وحلالاواحفظوه بالبر والإحسانِ
واجعلوا العدلَ إن حكمتم شعاراًواذكروا بطشَ صاحِب السُّلطانِ
وتواصوا بالحقِّ واسعوا كراماًواستعينوا بالصبرِ والإيمانِ
يا ابنَ حواءَ قد خُلِقتَ ضعيفاًوحليفاً للسهوِ والنسيانِ
خدعتكَ الدنيا فأقبلتَ تلهوطائرَ اللب غارقاً في الأماني
قادكَ الجهلُ فارتكبتَ الخطاياوتزودتَ بالمتاع الفاني
وتخبَّطتَ في دياجي حياةٍكنتَ فيها فريسةَ الشيطانِ
يا ابن حواءَ كيف تنقادُ أعمىكيف تنسى عُقبَى المصيرِ الثاني
كيف تصبو إلى الملاهي وترضىيا ابنَ حواءَ وقفةَ النَّدمانِ
قد فقدتَ النُّهى طروباً تُغَنَّىبين كأس الطِّلا ودَلِّ الغواني
لم تفكر في غيرِ دنياكَ يوماًآمِناً من تَقَلُّبِ الأزمانِ
ينقضي العمرُ والشبابُ يُوَلِّيبين حالِ الوسنانِ واليقظانِ
سِنَةٌ كلُّها الحياةُ وصحوٌفي دياجي القبورِ والأكفانِ
يوقظ النفسَ بين حربٍ وكَربٍفي جحيمٍ من زفرةِ الندمانِ
إيه يا نفسُ قد تغافلت جتىسكنَ اللهو منك غدرَ الزمانِ
لا اعتذارٌ ولا شفيعٌ يُرَجَّىهكذا فاجرعي كؤوسَ الهوانِ
فترة الأرض في الحياة اختبارٌفيه يُجزى المطيعُ بالإحسانِ
وبدارِ البقاءِ تخلُدُ نفسٌفي نعيمٍ أوفي لظى النيرانِ
تنقلُ النفسُ من حياةٍ لأخرىإذ ينادي الحِمامُ آن أواني
إنه الموتُ لم يَدَع أيَّ حيٍّفالبرايا جمعاً به سِيَّانِ
فإذا جاء أمرهُ لم يُؤخَّروإذا حُمَّ فالمقدَّرُ دانِ
ضجعةُ الموتِ رقدةٌ يُفقد الإنسانُفيها ويسكنُ الخافقانِ
فهو بابٌ يجتازه كلُّ حيٍّوهو كأسٌ لا بدَّ للظمآنِ
يا ابن حواء دع غرورَكَ واعلمأن من عَفَّ عاش في اطمئنانِ
خالِفِ النفسَ واجتنب كلَّ شرٍّوتباعَد عن حَمأةِ العُدوانِ
وافعل الخيرَ ما استطعتَ وأصلحوتسابق في البِرِّ والإحسانِ
واتقِ اللَه إنه خيرُ زادٍللذي رامَ خالدَ البُنيانِ
وتواضع واصفح وسامح كريماًواجعلِ الحِلمَ زائدَ الوُجدانِ
وتوكَّلـ على المهيمنِ واصبرواذكرِ الموتَ بين آنٍ وآنِ
إنَّ كيدَ الشيطانِ يفتِكُ فتكابضِعافِ العقولِ والإيمانِ
فتنةٌ تملأُ العيونَ جمالاًوانطلاقٌ في كاذباتِ الأماني
خادعٌ ماكرٌ عدُوٌّ لدودٌشر نفس شقَّتـ عصا العصيانِ
لا تُطِع كيدَهُ وخالِفهُ حتَّىلا تُنَزَّل عليكما لعنتان
يا ابن حواءَ باطلٌ كل شيءٍزينتهُ مظاهرُ الهذيانِ
جِسمُكَ الغضُّ هيكلٌّ من تُرابٍسَوفَ يَبلَى على يدِ الحدثانِ
يتوارى تحت الثَّرى بعدَ حينٍحيث يغدو فريسَةَ الدِّيدانِ
وهشيما عظامُهُ تتداعَىوإلى التُّربِ مرجعُ الإنسانِ
كلُّ جسمٍ مَشَى على الأرض فيهاهي ترب وهو الوليدُ الفاني
أخرجَتهُ يشقى وخجلى طوَتهُفهي أُمٌّ لكن بغيرِ قِرانِ
إنَّ هذي دنياكَ فاحذر أذاهاوتجنَّبـ مَصارعَ الأزمانِ
هي أفعى في ثوبِ حسناءَ تَسعىبجمالٍ مبرَّجٍ فَتَّانِ
تنشبُ النابَ في الذي نالَ منهاواستمالته مغرياتُ الحِسانِ
والذي كان لهوهُ بالأفاعيكي ينجو من وثبةِ الثعبانِ
هكذا الدهر صفوهُ مستحيلٌغرضٌ للهمومِ والأحزانِ
ماصفا الدهرُ نِصفَ يومٍ لنفسٍمتعتها الدنيا بأقصى الأماني
من هناءٍ إلى شقاءٍ وذُلٍّومن العزِّ للأَسى والهَوانِ
إن هذا كيدُ الليالي فحسبييا ابنَ حواءَ من صروف الزمان
يا ابن حواءَ باطلٌ كل شيءٍزينتهُ مطامعُ الهذيانِ
فالجمالُ الذي سَبَاكَ خيالٌوالأمانيُّ خدعةُ الشيطانِ
هَذِّبِ النفسَ لا تطع ما تمَنَّتوتمسَّكـ بشرعَةِ القرآنِ
وتفكر في صُنعِ ربِّكَ يبدولكَ نورٌ من فيضهِ الرباني
واذكر اللَه ما خلوتَ كثيراًفهو أزكى ما يكتبُ الملكانِ
وأخشهُ إن لهوتَ فهوَ رقيبٌوقريبٌ للقلبِ والشريانِ
لا تقل إن خلوتَ إني وحيدٌفمع اللَه أنت في كلِّ آنِ
إن عينَ الإلهِ ما غاب عنهاأيُّ حيٍّ في عالمِ الأكوانِ
ترقبُ الخَلقَ في جلالٍ وحلمٍواقتدارٍ ورحمةٍ وحنانِ
أين منها المفرُّ يا نفسُ سيريفي طريقِ الهُدى والاطمئنانِ
قدِّمي الخيرَ ما استطعتِ وتوبيوأطيعي أوامرَ الرحمنِ
يا ابنَ حواءَ أنت اللَه عبدٌوعلى العبدِ واجبُ الشُّكرانِ
كيف تنسى فضلَ الإلهِ وتمشيمطمئناً في غبطةٍ وأمانِ
لم تفكر في غيرِ لهوٍ يؤدّىيا ضعيفَ النُّهى إلى الخسرانِ
قد دعاك الشيطان فانقدتَ تهوىفي ضلالِ الغرور والعصيانِ
تنكِرُ الحقَّ والهُدَى كبرياءًمستحقاً لنقمةِ النكرانِ
إن مثوى المستكبرين خلودٌفي زفيرِ الجحيمِ والنيرانِ
أيها الأحمقُ الجهولُ تدبَّرأو تُعاقَب بالطَّردِ والحِرمانِ
هل لِهَذا الوُجُودِ غيرُ إلهٍواحدٍ في العُلا وفي السُّلطانِ
أمره الأمر لم يُشبَّهـ بشيءٍمطلقُ الحُكمُ مبدعُ الأكوانِ
دَبَّرَ الأمرَ في السماءِ بِصُنعٍغايةٍ في الجَلال والإتقانِ
رَتَّبَ النَّجمَ والبروجَ وأَوحىللنِّظامِ العجيبِ بالدورانِ
سابحاتٍ تشقُّ جوفَ فضاءِبين مَهوى الثَّرَى إلى كيوانِ
خاطفاتِ الأبصارِ كالبرق تسرىفي مدارِ الجَوزاءِ والميزان
قدرةُ اللَهِ سَيَّرَتها وحفظاًزوَّدتها بنورها الرباني
من بدورٍ كواكبٍ وشموسٍسَبَّحَت في العُلا عظيمَ الشانِ
تقطع الأفقَ في سلامٍ وأمنٍلاحظتها عنايةُ الرحمنِ
سَبَّحَ النَّجمُ في السماء يؤدِّيواجبَ الحمدِ ما بدا الملوانِ
تَمَّ أمرُ السماءِ سبحانَ ربيإذ بناها قويةَ البنيانِ
خَلَقَ الأرضَ جذوة من شهابٍلارتباطِ الأفلاكِ بالأكوانِ
ودحاها من بعد ذلك دَحياًوَهَبَ الأرضَ سرعةَ الدورانِ
ثم أوحى للبدر أن خُذ مداراًحول سيَّارِها وسِر في أمانِ
ومن الشمس خُذ ضياءكَ فاعكِسهُ عليها للسَّارِبِ الوجلانِ
إن للبدرِ في خُطاهُ بروجاًتتجلى في وجهِهِ كلَّ آنِ
هو يجري وكوكب الشمس يجريوعلى الأرض يشرف الكوكبانِ
آيةُ الشمسِ في النهارِ ضياءٌوحياةٌ لعالمِ الحَيوانِ
وإذا الليلُ ألبَسَ الأرضَ سِتراًمن دياجي الظلام كالطـَّيلسانِ
ظَهَرَ البَدرُ في السماء فألقىصفحةَ النور من سيولِ الجُمانِ
نورهُ يملأ القلوبَ انشراحاًويمدُّ النباتَ بالألوانِ
إن هذا النظامَ صنعُ إلهٍمالكِ المُلكِ واحدٍ منَّانِ
خَلَقَ الشمسَ رحمةً وحناناًلبقاءِ الحياةِ في عنفوانِ
وأفاضت يَدُ العطاءِ على الأرضِ غيوثاً من خَيرِها الهتَّانِ
بعد تقديرِ قُوتِها أودعتهاما يُنَمِّيـ جواهر الوالدانِ
سَخَّرَ الماءَ والهواءَ فراتاًوعليلا فوق الثرى يجريانِ
جعل اللَّيلَ والنهارَ لباساًومعاشاً كلاهما آيتانِ
جعل الشمسَ في النهارِ عَرُوساًتتجلى في إمرةِ السُّلطانِ
وأَحَلَّ البدرَ المنيرَ مليكاًمشرفاً في الدُّجى على الأكوانِ
إن للنيِّرينِ أكبر فضلٍألبَسَ الأرضَ حُلةَ العمرانِ
كلُّ هذا آلاءُ ربٍّ قديرٍسخرتها رُحماهُ للإنسانِ
ذلك الهيكلُ المفضَّلُ عقلاًوذكاءً عن سائر الحيوانِ
كَرَّمَ اللَهُ خَلقَهُ واصطفاهوحباه مَواهِبَ العِرفانِ
يا بني الأرضِ إنَّ للهِ مُلكاًواسعَ الأفق بين قاصٍ ودانِ
تعلمُ الأرضُ والسماءُ مداهُفي سُمُوِّ الجَلالِ والسلطانِ
قبضةُ اللَهِ تجمعُ الأرضَ في يمناهتُطوى مسارحُ الدورانِ
هي ذات البروج سبعٌ طباقٌكلَّ يوم بديعها في شانِ
رفعت سمكها بغيرِ عمادقوةُ القاهرِ العزيزِ الباني
عِزَّةٌ تجعلُ القلوبَ سُجوداًفي خُشوع من هَيبَةِ الديَّانِ
حكمةٌ دَبَّرَ المهيمنُ فيهاما خبا نورُهُ عن الإنسانِ
تتراءى غير الذي أبرمتهوتُنافى ما قد بدا للعيانِ
شاءَها الخالقُ الحكيمُ فتمَّتطِبقَ ما في صحائفِ الأكوانِ
إنما اليُسرُ ما أرادَ وقدماًخُطَّ في اللوحِ ما انطوى في الجَنانِ
خِبرةٌ أتقنَ المصوِّرُ فيهاما توارى عن عبقريِّ البيانِ
أبدَعَت خَلقَ كلِّ شيءٍ وأوحَتفيه سرّاً من غيثها الربَّاني
آيةُ الصانِعِ العليمِ أمدَّتكلَّ حيٍّ ما بين إنسٍ وجانِ
لم تَدَع كائناً بغيرِ حنانٍمن لدنها أكرم به من حنانِ
هيبةٌ خرَّتِ الجبالُ لديهاساجداتٍ وكبرَ المشرقانِ
وتجلَّت على الوجودِ جمالاًكلُّ شيءٍ مسبحٌ بلسانِ
حضرة تجمعُ العوالمُ طُرّاًتحت نبراسِ نورِها الرَّباني
كلُّ ما في الوجود بينَ يديهايطلبُ العفوَ والرضى كلَّ آنِ
نظرةٌ ملؤها الحنوُّ وحلمٌفي اقتدارٍ وهيبةٌ في أمانِ
رأفةٌ عمتِ البرايا ولطفٌقدستهُ للحمدِ سبعٌ مثانِ
سَجَدَ الكونُ للمهيمنِ شكراًوجلالاً وكبَّرَ الخافقان
يُخرِجُ الميتَ من سلالةِ حيٍوكذا الحيَّ من رميمٍ فانِ
يبعث الخلق من دياجي قبورٍهشمتها تقلباتُ الزمانِ
بعثرت ما بها العوادي وقدماًأورثتها البلى يدُ الحدثانِ
يأمر الشمسَ بالطوافِ مع البدرجميعاً في دورةٍ يسبحانِ
يجعل الماء من أجاج معيناًرحمةً بالنباتِ والحيوانِ
يُرسِلُ الغيثَ هاطلا في الروابيفتعجُّ الأنهارُ بالفيضانِ
عاصفاتُ الرياحِ بالأمرِ تجرىفتميدُ الأغصانُ بالأغصانِ
تتثنى ملقحاتٍ فجلَّتقدرةُ الخالقِ العليِّ الشانِ
من بطون الثرى يباركُ ماءًيحملُ الطيباتِ للعبدانِ
زوَّدَتهُ النُّعمَى عناصرَ شتىوأمدت به جنى النعمانِ
من عبيرٍ ومن أريجٍ زكىيعبق الزهرُ مُشرِقَ الألوانِ
سكرٌ منعشٌ وشهدٌ شهيٌّوسلافٌ من طاهرات الدِّنانِ
نِعَمٌ أبدعَ المصوِّرُ فيهاما تناءى عن فطنةِ الإنسانِ
ثُمَّ أوحى ربُّ الوجودِ إليهاملهمات أعيت علوم البيانِ
نسجَ العنكبوتُ أوهنَ بيتٍشاده في الوجودِ أبرعُ بانِ
وإلى النحلِ أن أعدى بيوتاًفي أعالي الربا وفي الأفنانِ
واطلبي القوتَ بين ماءٍ وزهرٍمن ثمارٍ بديعةِ الألوانِ
واقتفى بلسَم الدواءِ ورُدِّيه شفاءً شهداً إلى الأبدانِ
وإلى النملِ عالمِ الفطنةِ الجدِّورمزِ النشاطِ والإتقانِ
أمهرُ الباحثين في الأرض شعباًوحليفُ النظامِ والعُمرانِ
يعملُ النملُ دائباً وصبوراًفوقَ إدراكِ فطنةِ الحيوانِ
ملهماتٌ قد حُيَّرَ العقلُ فيهاأكسبت فَهمَهُ قُوَى العِرفانِ
في بطون الثرى يُعدُّ بيوتاًمحكماتِ الساحاتِ والجُدرانِ
حولَ جدرانها بنى حُجُراتٍشاهداتٍ بخبرةِ الفنانِ
صالحاتٍ لحفظِ ما ادَّخرَتهُجاهداتٍ بحاثةَ الوديانِ
جامعاتِ الأقواتِ من كلِّ فجٍّما ثناها عن عزمِها ما تعانى
غُرَفٌ أبدعَ المهندسُ فيهاأحكمَ الوضع كي تدومَ المباني
قاهراتٌ يد البلى ومحالٌأن يكيلَ الأذى لها العابثانِ
إن للنملِ في الحياةِ خلالاًميزتهٌ عن عالَمِ الحيوانِ
عاملٌ ماهرٌ مطيعٌ صبورٌصادقُ العزمِ مخلصُ الإيمانِ
أممٌ مثلت أدقَّ نظامٍلحياةِ الشعوبِ في العُمرَانِ
يتقى البردَ في الشتاءِ فيبقىبين دفءٍ ومطعَمٍ في أمانِ
وإذا ما الربيع أذَّن يسعىطالب الرِّزقِ جاهداً غيرَ وانِ
إن وحى الإلهامِ أفضى إلى النملِ بسِرٍّ من نفحةِ الكتمانِ
يعرفُ الجوَّ والأعاصيرُ فيهسارياتٌ ما بين آنٍ وآنِ
من رياحٍ ومن سيولٍ ونارٍلاتقاء الأذى قبيلَ الأوانِ
عالمُ النملِ آية الجدِّ في الأرض فسبحان مُلهِم الحيوان
أودَعَ البحرَ رحمَةً منه رزقاًبارك اللَه مرتعَ الحيتانِ
سابحاتُ الأسماكِ تكثرُ ذكرَاللَه فيه ما سبحَ الجاريانِ
أكلٌ طيبٌ طريٌّ شهيٌّفيه شتى الأنواعِ والألوانِ
وحليٌّ تألقَت لامعاتٍبين أصدافها كلمحِ الحسانِ
لؤلؤٌ نادِرٌ ودُرٌّ يتيمٌوعقودٌ من فاتِنِ المُرجانِ
نعمٌ ساقها الخضَمُّ إلى الناسِ بأمرٍ من مُبدعِ الأكوانِ
أممُ الطيرِ أكثرُ الخلقِ حمداًما سهَت لحظةً عن الشكرانِ
ما تبدى نورٌ وغشى ظلامٌومع الكون كبرَ المشرقانِ
إذ تهادى النسيمُ يحملُ شَدواًرجعته الآفاقُ بالألحانِ
سبَّحَ الطيرُ فيه رباً رحيماقد تجلى باللطفِ والإحسانِ
واحدٌ منعمٌ حليمٌ كريمٌغامرُ الخلقِ بالنَّدى والحنانِ
يزرقُ الطيرَ أينما حلَّتِ الطيرُبأقصى القفارِ والوديانِ
عالمُ الطيرِ في الوجود عجابٌفهو رمزٌ للشاكرِ اليقظانِ
ولكلٍّ في علمِ الأرضِ نفعٌتلك آلاءُ قدرةِ الرحمنِ
من رسول قد جاء بلقيسَ يدعوربة التاج ربة الصولجانِ
أمن الجنِّ أم من الإنس لا بلكان هذا من عالم الطيرانِ
هدهدٌ قد أحاطَ علماً بما لميعلمِ العاهِلُ العظيمُ الشانِ
ملكٌ يأمر الرياحَ فتجريونبيٌّ دانَت له الثقلانِ
خُهُ اللَه منطقَ الطير لمَّانالَ مُلكاً غنَّى به النيرانِ
إنَّ يوماً تفقدَ الطيرَ فيهفجرُ مُلكٍ قد ساسه تاجانِ
تاجٌ بلقيسَ تاج قامعةِ الجنِّ وذاتِ الجلال والسلطانِ
وسليمانُ ربُّ أكبر مُلكٍجمعَ الخلقَ بين إنسٍ وجانِ
وقف الطائر الضعيفُ ذليلافي انكسارٍ ورجفَةٍ وهوانِ
يرتجى العَفوَ والمليكُ غضوبٌويدُ البطشِ سُخطُها منه دانِ
لم تبرئهُ غير أنباءِ قومٍقد تمادوا في الكُفرِ والعِصيانِ
عبدوا الشمسَ عاكفين عليهاواستجابوا لدعوةِ الشيطانِ
حكمتهم بلقيسُ في جبروتٍقبل أن تهتدي إلى الإيمانِ
وأتاها نورُ الهدايةِ لمارأتِ الحقَّ ساطعُ البُرهانِ
واستقرت وعرشها بين أيديمن تغنى بملكهِ الماضيانِ
ملكُ المشرقين برّاً وبحراًأينما حلَّ حلَّقُ الفرقدانِ
رحلةُ الهدهدِ الأمين إليهاأيقظت أهلها من الهذيانِ
أنقذتهم من الهلاكِ فكانتآيةَ النورِ في جبينِ الزمانِ
أممُ الطيرِ تذكرُ اللَه دوماًضارِعاتٍ بالحمدِ والشُّكرانِ
بين أوكارِها وبين الدواليوأعالي الرُّبا وفي الأفنانِ
عاطرات التسبيح في الكونِ تسريسريانَ الأرواحِ في الأبدانِ
تملا الأرضَ والسمواتِ حَمداًشاكراتٍ للواحدِ الديَّانِ
جلَّ من أمطرَ الخلائقَ رزقاًوتعالى مدبرُ الأكوانِ
كلُّ حيٍّ يمشي على الأرضِ هوناًلمدينٌ بالشكرِ للديانِ
في بطونِ الثرى وغاب الفيافيزاحفاتٍ ملأنَ كلَّ مكانِ
أعجبَ الخلقَ صُنعَهُ وحياةٌدقةٌ أعجزت قُوَى الإمكانِ
عالمَ الذرِّ والبعوضِ شهودٌباقتدارِ المحيطِ بالأكوانِ
كل هذي الأحياء تسبح في الكونِ فيبدو من سبحها عالمانِ
عالمٌ زائِلٌ مداهُ قصيرٌومقامٌ مداه ليس بفانِ
تلك دنيا الفناء دارُ اختيارٍخادعٌ حسنها كذوب الأماني
ما تقضت حتى تلاها خلودٌأبدىُّ الحياة ليس بفانِ
تلك دارُ البقاءِ سيقَت إليهاكلُّ نفسٍ في عزَّةٍ أو هَوانِ
كلُّ شيءٍ فوق البسيطة تُربٌمنه صيغت هياكلُ الابدانِ
ولكلٍّ عمرٌ إذا تمَّ يذوىثم يبلى على ممرِّ الزمانِ
من هشيمٍ ومن رُفاتٍ عظامٍبعثرت ذرَّها يدُ الحدثانِ
طبقاتٍ تكدَّسَت فوق بعضٍفي بطونِ الوهادِ والوديانِ
ودفين على بقايا دفينفي ظلام عنه اختفى النيرانِ
وقبور ضاقت بأشلاءٍ خلقٍمن قديمِ الآبادِ والأزمانِ
كلُّ جسمٍ يَدُ البِلَى حَوَّلَتهُمن رُفاتٍ تُرباً كذرِّ الدُّخانِ
من على عدِّ ذرها ذو اقتدارٍغيرُ ربِّ الصراطِ والميزانِ
باعثِ الخلقِ في قيامٍ رهيبٍوالسمواتُ وردةٌ كالدهانِ
ستقومُ الأجسادُ من عالمِ الذرِّسراعاً لم تختلط ذرتانِ
قدرةٌ أودعَ المهيمن فيهاما تناءى علماً عن الأذهانِ
علمه قد أحاط بالكون قدماًقبل خلقِ الأرواحِ والجسمانِ
خطَّ في اللوحِما أراد ولمايبد للنور هيكلُ الإنسانِ
من سعيدٍ ومن شقيٍّ قضاءًقدرته إرادة الرحمنِ
كل شيءٍ أحصاه علماً وعداًفي إمامٍ مفصلِ التبيانِ
في مروج الغابات تحت شعارٍمن كثيفِ الظلالِ والأغصانِ
وبجوفِ الأحراشِ بين سُدُولٍمن شباكِ الجذوعِ والسيقانِ
يسكنُ الوحشُ هادئاً في كهوفٍآمناتٍ من وطأةِ الإنسانِ
لم تنلها يد الأذى وبرفقٍلاحظتها عنايةُ الرحمنِ
بين آجامها تروحُ وتغدوضارياتُ السباعِ في اطمئنانِ
في عرينِ الأُسودِ كلُّ هزبرٍفي فيافيهِ صاحبُ السلطانِ
ضيغمٌ باسلٌ رهيبٌ مهيبٌملكٌ قاد دولة الحيوانِ
قوةٌ زانها حناناً وعلماخلقُ الفيصلِ الجريء ا لجنانِ
عالمُ الوحشِ من نمورٍ وفهدٍوذئابٍ وأرقمٍ أفعوانِ
تلك أكالة اللحوم افتراساًواقتناصاً في فجعة النهمان
يملأُ البيد حولها راتعاتٌمن بهيم الآرامِ والغُزلانِ
آمناتٍ شر انقضاض الضواريسارياتٍ في العشب والغدرانِ
تأكلُ العشبَ وهو ينسجُ لحماًوينمى عظامها بالدِّهانِ
إن أجسامها مصانعُ للحمِ تغذى غذوَ السمانِ
مزقتها شراهةُ الوحشِ ظُلماًفأبيدت على مرورِ الزمانِ
حفظتها وقاية اللَه لطفاًوسلاماً من ثورةِ العدوانِ
لاحظتها عينُ العنايةِ حتىيحفظَ الأمنُ دولةَ العُمرانِ
في بقاعٍ يدومُ فيها صِراعٌيصبغُ الأرضَ بالنجيعِ القاني
لو تبارت فيها الضواري لأخلَتأرضَ قيعانِها من السُّكانِ
هل يجيرُ الضعيفَ غيرُ قويٍّأو يحسُّ الجبروتَ غيرُ الجبانِ
يملأُ الوحشُ رهبةَ الغابِ ذُعراًشرُّ نفسٍ تميلُ للعدوانِ
شرسٌ يسفكُ الدماءَ ويُردىباغتيالٍ مستضعفَ الحيوانِ
خلقَ الله رحمةً بالضحاياحارساً باسلاً جريء الجنانِ
فيصلاً يقهرُ الوحوش جميعاًلا يبالي بمرهفٍ أو يماني
قوةٌ أكسبت مليك الضواريأسدَ الغابِ هيبةَ السلطانِ
ضيغماً قاهراً وليثاً هصوراًخير ملكٍ في دولةِ الحيوانِ
خصهُ اللَه بالبسالةِ والنبلِ مهيباً جِوارُهُ في أمانِ
لا يجاريه في المباراة خصمٌومحالٌ يفرُّ من ميدانِ
ثابتُ العزمِ في خطاهُ وقوراًيتهادى في خفةٍ واتزانِ
نظرةٌ ملؤها الرزانة والحلمُ وقلبٌ يحبوهُ فيضَ الحنانِ
وزئيرٌ كالرعدِ قد رجعتهجنبات الآجامِ والوديانِ
يقذفُ الرعبَ في قلوبِ الضواريلتولي عن ساكنِ القيعانِ
جعل اللَه سطوةَ الليثِ أمناًوسلاماً في صالح العُمرانِ
حارسٌ ساهرٌ قويٌّ أمينٌملكُ الوحشِ حاملُ الصولجان
يا ابن حواءَ كيف تلهيكَ دنياكَ عن الحقِّ بعد هذا البيانِ
كيف تنسى أن الإله سميعٌوبصيرٌ يراك في كلِّ آنِ
كيف تنسى ذكر الرقيب وتمشىفي ظلامٍ من غفلةِ النسيانِ
تنفق العمرَ في الضلالةِ تلهومستجيباً لدعوةِ الشيطانِ
زينت جندهُ إليك المعاصيفتخبطت في دياجي الأماني
أنكرت نفسكَ الضعيفةُ فضلاًللرقيب المهيمنِ الرحمنِ
وضللت الهُدى فأعماكَ طيشٌوغروراً جاهرتَ بالعصيانِ
لم تر النورَ وهو في كل شيءٍيتجلى ولستَ بالوسنانِ
أيها الغافلُ الأثيمُ تذكرقدرةَ الخالقِ الجليل الشانِ
كيف سوَّت منك البنان ولمَّاتكُ شيئاً في ذكريات الزمانِ
فأفاضت يَدُ المُصَوِّرِ حُسناًأبدعَتهُ براعةُ الإتقانِ
ألبستكَ النعمى بأحسنِ خلقٍوحبتكَ الآلاءِ بالإحسانِ
نطفةً كنتَ في الظلامِ جنيناًثم طِفلاً مطهرَ الأردانِ
فغلاماً غضَّ الشباب فتيامن ربيع الحياةِ في ريعانِ
يصعدُ العمر سلماً في سراجٍمن نشاطٍ وقوةٍ ومرانِ
ثم يخبو سراجُهُ حين يُمسيفي مشيبٍ مهدمِ الأركانِ
دبَّ شيخاً على العصا في اكتئابٍسابح الذهنِ في دُجى الأحزانِ
طاردته الهمومُ يبكي شباباًكان حُلماً في خادعاتِ الأماني
يتمنى لو كان يرجعُ يوماًحاسرَ القلبِ من فَوَاتِ الاوانِ
أنهكَ الضعف هيكلاً هشمتهروعة البين وانتقامِ الزمانِ
شبحٌ أشمط تقوسَ ظهراًفي انحناءِ عيناه غائرتانِ
يسمع الأرض وهي تدعوه هياأيها الهيكلُ الرميمُ الفاني
آن للترب أن يضمك فانظركيف تطوى صحيفة الإنسانِ
ها هو القبرُ مستقرك حتىصحوة الناس للمصير الثاني
ضجعة الموت رقدةٌ يتوارى الجسمُ فيها عن أعين الحدثانِ
يا ابن حواءَ باطلٌ كلُّ شيءلم تؤيدهُ دعوةُ الإيمانِ
أنزل الحقُّ دعوةَ الحقِّ نوراًوشفاءً في محكماتِ البيانِ
فصلتها آياتُ ذكرٍ حكيمٍمن كلامِ المهيمنِ الرحمنِ
خير داعٍ إلى الهدى بينتهللبرايا شرائعُ القرآنِ
إنه من لدهن حكيم عليمٍجاء حَقَّا بمعجزاتِ البيانِ
حضنته عينُ العناية حتىلم تُبدل حرفاً يَدُ الإنسانِ
أبدَ الدهرِ سوف يبقى كريماًحُجَّةَ المهتدين طول الزمانِ
بدلَ العابثون توراةَ موسىوتمادوا في الظلمِ والعدوانِ
عغضبَ اللَه والكليم عليهمحيث باؤووا بالخزي والخسرانِ
وبسفرِ المسيحِ إنجيلِ عيسىحَرَّفَ المفترون آيَ البيانِ
غيرَ الإفكُ حجَّةَ الحقِّ مكراًوتعدى جهلاً على الأديانِ
ويحض يوم الأحزابِ عهد النصارىإذ أحسَّ المسيحُ بالعدوانِ
يوم قال المسيح من أنصاريوهو يدعو للرشدِ والإيمانِ
دَبَّرَ الآثمونَ كيداً ولكنأحبطَ اللَه فتنةَ الشيطانِ
كان صلبُ المسيح من قوم موسىليس إلا ضرباً من الهذيانِ
ضل كيدُ اليهود إذ سوف تمحوآيةُ الحقِّ ظلمةَ البهتانِ
صورَ اللَه للمسيح شبيهاًحين قاموا بعرضهِ للعيانِ
هكذا يُصهَرُ النضارُ ليصفووبهذا تمت له آيتانِ
أرضُ كوني على المسيح حراماًفهو سرٌّ من العُلا الرَّباني
سوف يرقى إلى السموات حياًجسداً فيه سبح الأطهرانِ
رفعَ اللهُ رحمةً منه عيسىقبسَ النورِ في عيونِ الزمانِ
بعد رفعِ المسيح ضَلَّت يهودٌكلُّ حزبٍ بدا لهم في بيانِ
وتفشَّتـ فوضى أدارت رحاهافتنةُ العابثينَ بالأديانِ
خيمت ظلمةٌ تحجبَ فيهامن سنا الرُشدِ والهدى كوكبانِ
ظلَّ ديجورُها المضللُ حيناًفي سعيرٍ مُؤَجَّجِ النيرانِ
خبطَ عشواءَ يضرِبُ الناسُ فيهبين حالِ الوسنانِ واليقظانِ
إن كيدَ الشيطان كان ضعيفاًوهو يدعو للشرِّ والعصيانِ
يوقع الناس خادعاً وكذوباًفي شباك من مغرياتِ الأماني
يدفعُ النفس للفجورِ فتشقىوالملذاتُ طعمةُ النيرانِ
ما انقضت فترةُ التخبطِ حتىأعلن الصبحُ دعوةَ الإيمانِ
وتبدى نورُ اليقين بأفقٍصدعته زلازلُ الهذيانِ
ونجلت شمسُ الهداية لماأرسلتها مشيئة الرحمنِ
بيناتٌ من الهدى فصلتهامحكمات الآيات في الفرقانِ
ساقها الروحُ للأمين ليبنيما تداعى من طاهرِ البنيانِ
فاض بالذكر صدرُ أحمدَ نوراًسيدِ الخلقِ صفوةِ الإنسانِ
خاتمِ الأنبياءِ خيرِ بشيرٍحصنته الآلاءُ بالقرآنِ
كان يدعو إلى الهدى في خشوعطاهرَ النفسِ صادقَ الإيمانِ
أنفقَ العمرَ في الجهادِ لتعلودعوةُ الحقِّ غفلةَ البُطلانِ
فأحلَّ الدينَ الحنيف مقاماًكان مجدَ الأجيالِ والأزمانِ
إنَّ دين الإسلام ذخرٌ سيبقىابدَ الدهرِ ثابتَ الأركانِ
أنزلتهُ السماءُ للناسِ نوراًقد قضته إرادةُ الديانِ
يُرشدُ النفسَ أينَ تبنى ليبقىما أقامتهُ خالدَ البُنيانش
دعوةُ الحقِّ في كتابٍ كريمٍأعجزَ الخلقَ ما حوى من بيانِ
سيَّرَت آيةُ الجبالِ وأحيَتسمعَ من ماتَ من بني الإنسانِ
لفظهُ محكمٌ غنيٌّ فصيحٌعربيُّ المبنى جزيلُ المعاني
فاض مجداً بلاغةً وتسامىفي جلالٍ له انحنى الثقلانِ
إنه من لدُن حكيمٍ عليمٍمعجز الرأي حجةٌ في البيانِ
لم يُبَدَّل من آيهِ أيُّ حَرفٍهكذا شاءَ فاطِرُ الإنسانِ
راقبته عينُ العنايةِ حفظًوأنارت به فؤاد الزمانِ
هو باقٍ كما تنزلَ حتىيبعث الخلقُ للمصير الثاني
لم يغادر من الشرائع شيئاًوهو سرُّ الرقي والعُمرانِ
جاء نوراً للعالمين سلاماًمنقذاً من حماقةِ الطغيانِ
ناسخاً قبله لتوراة موسىولسفرِ المسيح بعد زمانِ
معلناً للضياء دعوةَ صبحٍأشرقت شمسهُ على الأكوانِ
كان نبراسُهُ على الأفقِ طهمُرسلاً نورَ دعوةِ الإيمانِ
خيرَ داعٍ إلى الهدى أرسلتهرحمةُ الواحد العظيم الحنانِ
صفوةُ الأنبياءِ بدرُ قريشٍأحمدُ المصطفى رفيعَ الشانِ
وعليه صلَّى الإلهُ فأكرمبحبيب العلا وحيد الزمانِ
هاشميٌّ أسرى به الحقُّ ليلاًوبمرآهُ كبرَ المسجدانِ
بين حقلٍ من الملائكِ صلىفي جلالٍ من نعمة الرضوانِ
سردةُ المنتهى وقد كان منهاقاب قوسينِ سارعت لاحتضانِ
خطوةٌ نالها شفيعُ البرايالم ينلها من النبيينَ ثانِ
أعرقُ الخلقِ رتبةً ومقاماًخيرُ نفسٍ ما شاغلتها الأماني
جوهرٌ خالصٌ يتيمٌ نقيٌّفاض لألاؤُهُ على الأكوانِ
خُلِقَت رُوحُهُ الشريفةُ نوراًقبل خلقِ المريخِ والميزانِ
من كطه صلَّت عليه البراياأيدتهُ السماءُ بالقرآنِ
عن شديد القوى تلقَّنَ علماًأكبرتهُ مداركُ العِرفانِ
خصَّهُ اللَه بالرضى واجتباهُوحباهُ فصاحةَ التبيانِ
جاء للناس منقذاً من عذابٍكان هولاً لو حلَّ بالأبدانِ
ظلَّ يهدى إلى صراطٍ سوىويُعاني من الأذى ما يعاني
جاهدَ المشركين حتى هداهموأبيدت عبادةُ الأوثانِ
فوق أنقاضِ جهلهم كان يبنىفي ثباتٍ دعائمَ الإيمانِ
بين صحبٍ مصدقين كرامٍجاهدوا مخلصين للرحمنِ
جاربوا الكفرَ والضلالةَ حتىطهروا الأرض من أذى الكهانش
وتجلى الدينُ الحنيف وعمَّتشمسُهُ الارضَ فازدهى المشرِقانِ
سبَّحَ الكونُ رَبَّهُ في خُشوعٍوخضوعٍ وكَبَّرَ النيرانِ
وتسامَت كنفحةِ المسكِ تسريصلواتٌ تزكو بكلِّ لسانِ
حاملاٍ إلى النبيِّ سلاماًلم يُكَرَّم به رسولٌ ثانِ
كبرى يابُدُورُ من كلِّ بُرجٍوابعثي النور مشرقاً بالأماني
نعمةُ اللَهِ بابنِ حواءَ تمَّتافتزَوَّد من حكمةِ القرآنِ
يا ابن حواءَ أنت غِرٌّ خصيمٌوجمالُ الدنيا مَتاعٌ فانِ
ساقَكَ الطيشُ فانطلقت جهولاًلم تفكر في واجبِ الإنسانِ
فتهالكتَ في اقتناصِ الملاهيمستفزاً شراهةَ الحيوانِ
تستحلَّ الحرامَ غيرَ مبالٍبعوادي تقلباتِ الزمانِ
وتبيجُ الفجورَ نشوانَ تهوىفي دياجي الفساد والعصيانِ
وكأنَّ الشيطانَ غاويكَ ألقىبين عينيك خلةَ النسيانِ
فاستبقت الخطى تجوبُ ظلاماًفيه قادتك لذةُ النشوانِ
طائرَ اللبِّ سابحاً في خيالٍعن مخازيكَ مغمضَ الأجفانِ
أحمقٌ أرعنٌ شقيٌّ ظلومٌدنيويُّ الهوى كذوبُ الأماني
لم تفكر في غير لهوكَ يوماًبين خمرٍ وبين غيدٍ حسانِ
وليالٍ سبتكَ فيها عيونٌخادعاتٌ بسحرها الفتَّانِ
قد أعَدَّ الشيطان فيها شباكاًمحكماتٍ من كيدِ الخوَّانِ
سلبتك النهى فقادك أعمىفي طريقٍ مُهَدَّمِ البنيانِ
زينتهُ للغافلين الملاهيوأحاطته خادعاتُ الأماني
مغرياتُ الأهواءِ تلعبُ دَوراًكادَ فيه الشيطانُ للإنسانِ
أيها الغافلُ الجهُولُ تنبَّهوتيقظ من غفلةِ الوسنانِ
سنةٌ كلها حياتكَ مهماطالَ عهدُ اتصالها بالزمانِ
أيها الأحمق الظلومُ تدبَّرواكبح النفس عن هوى العصيانِ
كلُّ شيءٍ تصبو إليه خيالٌوسنىُّ الأفراح فيه ثوانِ
أيها الجاحدُ الكنودُ تذكركيف سواكَ خالقُ الأكوانِ
دع ملاهيكَ ساعةً وتفكرفي جلالِ المهيمنِ الرحمنِ
أينَ منه المفرُّ وهوَ محيطٌبالبرايا جمعاءَ في كلِّ آنِ
حاضرٌ شاهدٌ سميعٌ بصيرٌما نأى فيضُ نورهِ عن مكانِ
أينما كنت فالإلهُ قريبٌعالمٌ سرَّ ما انطوى في الجنانِ
كلُّ جسمٍ ينامُ إلا شهيداًيذكرُ اللَه خافقاً بلسانِ
إنه القلبُ يا ابنَ آدمَ فاعجبلملاكٍ قد حلَّ في شيطانِ
صلةُ النورِ بين عبدٍ وربِّنعمةٌ ساقها عظيمُ الحنانِ
لم تغب لحظةً عن الذكرِ نجوىأصغريه فؤادهِ واللسانِ
كلُّ شيءٍ مشى على الأرض حياًأو نما في مراتب الحيوانِ
أمم أودعَ المهيمنُ فيهاملهماتٍ من فيضهِ الربَّاني
شاكراتٍ لأنعمِ اللَهِ دوماًذاكراتٍ آلاءَهُ كلَّ آنِ
ألسُنٌ سبحت بذكرِ إلهٍخالقِ رازقٍ عظيمِ الحنانِ
تلك شتى عوالمِ الأرضِ إلاعالمَ الظُّلَمِ عالمَ الإنسانِ
نسى اللَه وهو نشوانُ يلهوبين كأسِ الطلا ودَلِّ الغواني
فتنته الدنيا وألهاهُ غاوٍأبعدَ الرشدَ عن مدى العرفانِ
زينَ الفسقَ والفجورَ وأملىكلَّ كيدٍ يدعو إلى العصيانِ
هيأَ النفسَ لارتكابِ المعاصيفاستباحت رذيلةَ العدوانِ
من أطاع الشيطانَ لا بدَّ يلقىفي الحياتين زفرةَ الندمانِ
تتقضى دنياه يوماً فيوماًبين حالِ الوَسنانِ واليقظانِ
زخرفٌ خادعٌ وصفوٌ كذُوبومتاع مهما تفاخرَ فانِ
مشرقاتٌ أعارَها الوَهمُ ثوباًمن جمالٍ طلاؤه من دُخَانِ
مرَ طيفاً كلمحة البرقِ يسريفي قرونٍ مرت كمرِّ الثواني
إنه العمرُ يا ابن آدم مهماطال يقضى في غفوةِ الوسنانِ
يختمُ العمرُ بالردى وهو كأسٌلم تُغَيَّبـ عن وردها شفتانِ
فإذا حُمَّ لامَردَّ لأمرٍقد قضاهُ المحيطُ بالأكوانِ
خَطَّ في اللوحِ ما قضى للبرايامن قديم الآبادِ والأزمانِ
يثبتُ اللَه ما يشاءُ ويمحووبأمِّ الكتابِ أصلُ البيانِ
هكذا كنتَ يا ابن آدم نوراًقد تجلى في الجدي والسرطانِ
قدرةٌ أعجزَ التفكرُ فيهاألمعَ النابهين في العرفانِ
قدرةُ الواحدِ المنزهِ حقَّاًعن شبيهٍ وعن حُدودِ المكانِ
صاحبُ الأمرِ وحدهُ في وجودٍما به ذرةٌ بغيرِ لسانِ
تملأُ الأرض والسموات حمداًشاكراتٍ لأنعمِ الرحمنِ
إن ذكرَ الإلهِ يُرسِلُ نوراًفي قلوبٍ تفيضُ بالإيمانِ
أكثرت ذكرَ ربها فاطمأنتوسيحظى المطيعُ بالغفرانِ
يا ابن حواءَ من رعاكَ جنيناًمطمئناً في عزلةٍ وأمانِ
وتولاكَ بالعناية طفلاًحافظاً وافياً عظيمَ الحنانِ
وأمدَّ الشبابَ منكَ بعزمٍقد تجلى في نضرةِ الريعانِ
وإذا ما ضعفتَ أولاكَ نُعمىتتوالى بالفضلِ والإحسانِ
تلك آلاؤه وقد صِرتَ شيخاًأوهنَت عظمَهُ صُروفُ الزمانِ
عمَّ فياضُ رزقهِ كلَّ حيٍّضمَّهُ الروحُ بين قاصٍ ودانِ
يا ابن حواءَ من أماتَ وأحياواقتداراً أحاط بالأكوانِ
يبعثُ الأرضَ كل عامٍ فتحيابعد موتٍ بهيجةَ الأغصانِ
تنبت الحبَّ والثمارَ وتزهوفي بساطٍ مرصعِ الألوانِ
يمزج الماء وهو يجري حثيثاًفي جذوع النباتِ بالأدهانِ
كلُّ شربٍ له مذاقٌ وطعمٌقدرةٌ أعجزت قُوى التبيانِ
فيضُ علمِ الحكيم ربِّ البراياما بدا نُورُ سِرِّهِ في جنانِ
لم يدع ذَرَّةً على الأرض إلاضمَّها علمُهُ بأجلى بيانِ
مالكُ الملكِ نافِذُ الأمرِ فَردٌكلَّ يومٍ سلطانُهُ في شانِ
خلقَ الموتَ والحياةَ لتجزىطيباتُ الأعمالِ بالإحسانِ
وينالُ القصاصَ كلُّ أثيمٍلم يصدِّق بدعوة الإيمانِ
كلُّ شيءٍ خلا من الماءِ ميتٌفهو سرٌّ الحياةِ للأبدانِ
أطلقَ الريحَ زعزعاً ورخاءًوجنوباً وشمألاً تجريانِ
منعشاتٍ لوافحاً تتهادىحيثُ مالَ النسيمُ بالأغصانِ
وهبَ الشمسَ قُوَّةً فأضاءَتفي فجاجاتِ عالمِ الدورانِ
ترسلُ النورَ من بعيدٍ مداهابشُعاعٍ يفيضُ في الأكوانِ
يملأُ الأرضَ بهجةً وحياةًوينمى عناصِرَ الأبدانِ
تلك أُمُّ القُوَى وما الأرضُ غلاجمعُ ذَرٍّ من جُرمِها النيرانِ
هي أُمٌّ والأرضُ للشمسِ بنتٌوبسرِّ التكوينِ تتصِلانِ
جذبتها يَدُ الأمومةِ حتىلم تهدد بطارئِ الحدثانِ
وهي تهوى كالبرقِ حتى استقرتفي نِظامٍ للجدي والسرطانِ
واستوت في مدارِها وهي تجريوعليها قد أشرقَ النيرانِ
أطفأ اللَه سطحها ودحاهاوحباها الأوتادَ من صفوانِ
دارتِ الأرضُ في اتزانٍ وأمنٍوجمالٍ يحفُّها القمرانِ
تم للشمسِ في السماءِ نظامٌأبدعت سيرَهُ يدُ الإتقانِ
يجمعُ الأرض فيه والبدر يجرييملأُ الليلَ لألأ من جمانِ
عالمُ الشمسِ أبدعُ الخلقِ صُنعاًسخرتهُ الآلاءُ للإنسانِ
ولدَ الليلَ والنهارَ وأجرى الماءَ غيثاً من هاطلٍ هتَّانِ
وأمدَّ النبتَ البهيجَ بروحٍأكسبتهُ الحياةَ في عُنفُوانِ
وأطارَ الرياحَ من كلِّ فَجٍّكي يَعُمَّ الهواءُ كلَّ مكانِ
وأبادَ الوهيجُ كلَّ كريهٍمن خبيِ الأدرانِ والديدانِ
طهَّرَ الأرضَ والذي دَبَّ فيهاوأمدَّ الحياةَ بالريعانِ
لو توارت اشعَّةُ الشمسِ عَبدٌسيرتهُ إرادةُ الرحمنِ
هو يَربُو عن كوكبِ الأرضِ جِرماًفوقَ عَدِّ المليونَ في الحُسبانِ
شَقَّ جَوفَ السماءِ كالبرقِ يجريفي مَدارٍ يَحُدُّهُ الأبعدانِ
يا ابن حواءَ أمُّكَ الأرضَ أدَّتطاعَةَ العَبدِ للندا الرباني
جاءت الأرضُ والسمواتُ طَوعاًحين نادى مسيرُ الأكوانِ
سابحات الأفلاكِ في كلِّ بُرجٍتذكرُ اللَه خيفَةً كلَّ آنِ
سيرتها يدُ العنايةِ لُطفاًوحبتها بفيضها النوراني
باسمِ ربِّ السماءِ كالبرقِ تجريكلُّ نجمٍ يدورُ في حسبانِ
قُدرَةُ الخالقِ العليمِ تعالىكلَّ يومٍ تدبيرهُ في شان
فلكٌ دائرٌ بأبهى نظامٍرتبت عِقدَهُ يدُ الرحمنِ
شاكراتٌ أجرامهُ فضلَ ربٍّقد حباها باللطفِ والإحسانِ
صانعٌ مبدعٌ عليمٌ حكيمٌمعجزٌ وصفُهُ قوي العرفانِ
حاضرٌ شاهدٌ سميعٌ بصيرٌومحالٌ إدرامهُ بالعيانِ
لم يُكيف ولم يشبه بمثلٍأبديٌّ لما يغب عن مكانِ
كان فرداً ولم يكن ثم شيءٌتم خلقاً في عالم الأكوانِ
بدأَ الخلقَ والعوالم ذَرّاًوالسموات شادها من دُخانِ
رافعاً سمكها بغيرِ عمادٍجلَّ شأناً وعزَّةً خيرُ بانِ
زينتها كواكبٌ لامعاتٌمن شموسٍ ومن بُدُورٍ حسانِ
كالدراري تطوفُ في كلِّ بُرجٍفي اتزانٍ من شرعةِ الدورانِ
سارياتٍ ثوابتٍ مشرقاتٍسابحاتٍ في الحوتِ والسرطانِ
تلك سَبعٌ محلقاتٌ طبقاٌقد تقضى في صنعها يومانِ
وإلى الأرض وهي جرداءُ قحلٌأرسل الماءَ فالتقى البحرانِ
من أجاجٍ أجرى فُراتاً معيناًمن أعالي الرُبى إلى الوديانِ
أنزلتهُ من السماءِ سُيولٌماطِراتٌ من سلسلٍ هتانِ
صَيَّرَ التُربَ وهو ينسابُ طيناًكي تسوى عناصرُ الحيوانِ
وبمر الهواءِ دبَّتـ حياةٌحرَّكت فيه دولةَ الديدانِ
أكسبتها أشعةُ الشمسِ دفئاًونمواً ونفحةً من دهانِ
آيةُ الشمسِ في الوُجودِ حياةٌوعلى الأرضِ آيةُ العمرانِ
دبَّ فوقَ الثرى عوالِمُ شتَّىونما النبتُ وارفَ الأغصانِ
وببطنِ الثرى أعدت كنوزٌأودعت ما بها يدُ الحنانِ
من فحومٍ ومعدنٍ وعيونٍمفعماتٍ بالزيتِ والأدهانِ
وعقاقيرَ من جواهرَ أعيافهم إدراكها قوي الأذهانِ
حضرتها يدُ الحكيم لتحياسالماتٍ عوالمُ الحيوانِ
خبرةُ الواحدِ المحيطِ جلالاًبجميع الأفلاكِ والأكوانِ
أودعَ الأرض رحمةً منه رزقاًوحباها الأقواتَ بيضَ الأماني
كلُّ جسمٍ نما على الأرض بحيالو تولته نضرةُ الريعانِ
وأديمُ الأرض التي هُوَ منهافيه تسري عناصرُ الأبدانِ
لم يغبِ عنصر عن الأرضِ مهماعزَّ بعداً عن عالمِ الإمكانِ
تم للأرضِ أمرُها حيث باتتخيرَ مهدٍ لدولةِ الإنسانِ
بارَكَ اللَه ما بها وعليهاباسطُ الرزقِ مقسطُ الميزانِ
من كربِّ العُلا تفرَّدَ حُكماًلم يغب نور ذاته عن مكانِ
بين حرفينِ كلما شاءَ يقضىوله النَّجمُ والثرى يسجدانِ
كلُّ حيٍّ قد ضمَّهُ الروحُ عبدٌفي نظامِ الملكوتِ للرحمنِ
صاحبِ الطولِ في جلالٍ ومُلكٍأزليٍّ مهيمنٍ صمداني
لم يشبه ولم يماثله شيءمالكُ الملك لم يشاركه ثانِ
مُطلَقُ الحكم لا مَرَدَّ لامرٍمن لدنهُ جرى به حرفانِ
أمرُهُ الأمرُ بين كافٍ ونونٍقدرٌ نافِذٌ بغير توانِ
إنه من لدن حكيمٍ خبيرٍواحدُ الطولِ في قُوى السلطانِ
واهبُ النورِ للذين اتقوهُومحيطٌ بالجهرِ والكتمانِ
قاهرٌ قادرٌ على كلِّ شيءٍواسعُ العفو لم يُعَجِّلـ بجانِ
كلُّ هذا في اللوحِ بادئَ بدءٍقبل ضمٍّ للأرواحِ للجسمانِ
سجلتهُ يَدُ القضاءِ نفاذاًلم يُؤَخَّر عن المدى والمكانِ
لم يغادِر نفساً على الأرضِ إلاضَمَّ أطوارَها دقيقُ البيانِ
سُنَّةُ الخالِقِ العظيمِ تَجَلَّتكلَّ يومٍ أقدارُهُ في شانِ
لو أجاجُ البحارِ صارَ مِداداًوأمدَّ البحارَ سبعٌ دوانِ
نفدَ الماءُ قبل أن تتقضىكلماتُ المحيط ربِّ البيانِ
فيضُ برٍّ على الخلائقِ أسدىسابغاتٍ من غيثهِ الهتَّانِ
نعمةُ اللَهِ لا تعدُّ وحاشاأن تنالَ الإحصاءَ في الحسبانِ
منعمٌ يمنحُ البرايا جميعاًطيباتِ الحياةِ للعمرانِ
رازقٌ محسنٌ رؤوفٌ رحيمٌكلُّ شيءٍ لديهِ طوع البنانِ
كلُّ من في الوجود من كائناتٍيتبارى في الحمدِ والشكرانِ
صيحةُ القهرِ تجعلُ الوُلدَ شيباًوتغيضُ الجنينَ قبل الأوانِ
وتهدُّ القلوبَ ذُعراً وهولاًوَبَريقُ الأبصار في لمعانش
موقفٌ يورثُ الذهولَ عسيرٌملأَ الرعبُ فيه كل مكانِ
زائغاتٌ فيه النواظرُ حيرىوسيولث الرحضاءِ كالطوفانِ
ليسَ للظالمين فيه نصيرٌأو مجيرٌ من ألسنِ النيرانِ
لا فداءٌ من كربه أو شفيعٌيدرأ الويلَ وهو رأىُ العيانِ
خشعَ الصوتُ غصةً فهو همسٌومشى الخوفُ بين إنسٍ وجانِ
وانكساراً في ذلةِ العبدِ أضحىكلُّ فردٍ في حضرةِ السلطان
ملكٌ قادرٌ قويٌّ عزيزٌنافذُ الأمرِ واهبُ الغُفرانِ
هيبةٌ ترجفُ العوالم منهاوجلالٌ أحاطَ بالأكوانِ
واقتدارٌ أطاعهُ كلُّ حيٍّونفوذٌ يقضي بغيرِ توانِ
حكمهُ الحكمُ لا يبدلُ لفظٌسجلتهُ مهما نأى الشفتانِ
ذرهُ يملأُ الهواءَ وجوداًوصداهُ يجوبُ كلَّ مكانِ
أبدَ الدهرِ لفظهُ سوف يحياليزكى ما سطَّرَ الكاتبانِ
أينَ منه المفردُّ وهو شهيدٌسوف يُدلي بما جنتهُ اليدانِ
حلقت رهبةٌ وسادَ خشوعٌواستطارت بواعثُ النسيانِ
وتلقت أعمالها كلُّ نفسٍبين خوفٍ ورجفةٍ وهوانِ
إن هذا يومُ الوعيد وهذيساعةُ الفصلِ أيها الثقلانِ
باغتتكم مصداقَ قولٍ حكيمجاءَ حقاً في محكماتِ البيانِ
كلُّ من أنكرَ القيامةَ كبراًوجحوداً هوى إلى النيرانِ
بئسَ مثواهُ في الجحيمِ وعدلاًسوف يلقى عواقبَ الكفرانِ
وسيصلى السعيرَ في أصفادٍأثقلتها الأغلالُ للأذقانِ
دركاتٌ سبعٌ طباقُ عذابٍمن جحيمٍ وهاجةِ الأركانِ
سارياتُ السمومِ تنسابُ فيهاوسيولُ الحميمِ في غليانِ
يوم يُدعى هل امتلأتِ وتدعوربِّ زدني من طعمةِ الإنسانِ
من كربِّ العُلا يديرُ نظاماًيشملُ الكونَ بين قاصٍ ودانِ
ملكٌ عرشُهُ السموات والأرضُ رقيبٌ على الورى كلَّ آنِ
حولَ أرجائِهِ الملائكُ صُفَّتهم جُنودُ المهيمن الرحمنِ
رُكعاً سجداً قياماً قعوداًكلُّ سربٍ مسبحٌ بلسانِ
ذكرهُ يملأُ الوجودَ جلالاًأزليٌّ مطمئنٌ للجنانِ
سبحَ اللَه كل شيءٍ لتبقىفي دوامٍ فريضة الشكرانِ
جلَّ شأنُ القدير رَبِّ البراياخير هادٍ لنعمةِ الإيمانِ
وارث الارض والسماءِ جميعاًيوم نادى القضاءُ آنَ أواني
قولُهُ الحقُّ إذ يقول اخشونيولمن خاف نقمتي جنتانِ
يا ابن حواءَ يا صريعَ الملاهييا مجيباً لدعوةِ الشيطانِ
يا جهولاً حملتَ نفسكَ إثماًباتباعِ الهوى وخدعِ الأماني
وسبتكَ الدنيا وغرَّكَ منهاما تبدى من زخرفٍ فتَّانِ
قادكَ الحمقُ للضلالةِ أعمىفتدهورت في مهاوي الهوانِ
وتفانيت في الملذاتِ حتَّىساقكَ الطيشُ للطلا والغواني
فتهالكتَ في ارتكاب المعاصيخالي البال من صروفِ الزمانِ
تسهرُ الليلَ في سرورٍ وأنسٍبين كأس وقينةٍ وأغاني
مشبعاً يا ظلوم مطمعَ نفسأشعلت نارها وعودُ الأماني
زينَ الشرّ حولها كل شيءفتمادَت في اللهو والعصيانِ
لا ترى النورَ إذ تحجبَ عنهاوهي تهوى في ظلمةِ الطغيانِ
إنها النفسُ يا ابن آدمَ فانظركيف باتت فريسةَ الشيطانِ
ما دعاها إلى الغواية إلاسرُّ إعراضها عن الإيمانِ
يا ابن حواءَ إنما العيشُ نومٌكلُّ شيءٍ يبدو لعينيك فانِ
وتماديكَ في غروركَ جهلٌفتيقظ من غفلةِ الوسنانِ
واخشَ عينَ الرقيبِ فهوَ شهيدٌليس يخفى عليه سرٌّ لجاني
أينما كنتَ يا ابن آدمَ فاعلمأن ربَّ الوجودِ نورُ المكانِ
لو حوتك الجوزاءُ أو أعماقٌمن بطونِ الثرى أو القطبانِ
أو تسترت تحت لجٍّ خضمٍفي كهوفِ الأصدافِ والحيتانِ
يا سليلَ الترابِ أنت ضعيفٌكن مع اللَه تحفظَ بالغفرانِ
أيها الناسُ إن هذا بيانٌفضلتهُ شرائعُ الإيمانِ
أرسلتهُ للعالمين سلاماًرحمةُ الواحدِ العظيم الحنانِ
في كتابٍ أياتُهُ محكماتٌمن كلامِ المهيمنِ الرحمنِ
جاء هدياً مبشراً ونذيراًصادقَ الوعدِ واضحَ التبيانِ
يجعل العرفَ للعبادِ شعاراًويوصى بالعدلِ والإحسانِ
وعن البغي والفواحش ينهىكي تقوى دعائمُ العمرانِ
وبنارِ الجحيم جاء نذيراًوبشيراً بخالدات الجنانِ
إنه الحقُّ من عليمٍ حكيمٍقد أعزَّ الإسلامَ بالقرآنِ
كنزُ علمٍ آياته بيناتٌفاض نوراً بسامياتِ البيانِ
زاخرٌ بالهدى كتابٌ منيرٌعربيُّ المبنى جزيلُ المعاني
أنزلتهُ السماءُ للناس بشرىحين شاءت إرادةُ الرحمنِ
أن يبيد الدين الحنيف ضلالاًولدته عبادة الأوثانِ
لقن الوحي آيه لنبيعز قدراً عن سائرِ الإنسانِ
خيرُ روحٍ حلت بأشرفِ جسمٍعبقري النهى عظيم الجنانِ
هلل الكون إذا تلألأَ فيهِنورُ طهَ وكبرَ المشرقانِ
خاتم المرسلينَ خيرُ حنيفٍرفعَ الدينَ فوقَ هامِ الزمانِ
أحمدُ المصطفى عليه يُصَلَّىكل حيٍّ في عالم الأكوانِ
جاءه الوحي بالرسالةِ لماحرفَ المفسدون في الأديانِ
وعلى الناس نعمةُ اللَه تمتحين وافى الأمينُ بالفُرقانِ
إن دينَ الإسلامِ خيرُ صراطٍيُرشِدُ النفسَ للمصيرِ الثاني
أيها الناس خالفوا غيَّ نفسٍشاغلتها وساوسُ الشيطانِ
طهروها من الرذيلة حتىتنقذوها من ثورةِ العصيانِ
حاربوها بالطيباتِ عساهاتتوارى عن مفزعاتِ الأماني
حذروها عين الرقيب لكي ماتذكر اللضه خيفةً كلَّ آنِ
عودُوها على الفضيلة حتىتتحلَّى بالسابقاتِ الحسانِ
ألبسوها من طاعة اللَه نوراًفيه تبقى سعيدةً في أمانِ
زودوها التقوى فإن جناهاخيرُ زادٍ للمنهلِ النفساني
ذكروها أن الحسابَ عسيرٌلو تمادت في اللهوِ والعصيانِ
وجمالُ الدنيا الذي يستبيهايتلاشى مهما بدا كالدخانِ
سنواتُ الأعمار تجري سراعاًكمنامٍ يمرّ مرَّ الواني
ساخراتٌ أيامها من ظلومٍلم يفكر في يقظةِ الندمانِ
ضاحكاتٌ والمغرياتُ تناديما صفا الدهر نصفَ يومٍ لهاني
كل عمرِ مهما تراءى طويلاًكان حُلماً في جولةِ الوسنانِ
صحوةٌ أيقظَ الحقيقة منهاملكُ الموتِ في حلولِ الأواني
دهَمَ النفسَ حين حُمَّ قضاءٌوهي تهوى في ظلمةِ الطغيانِ
خلفَ الجسم في سكونٍ ورهبٍوطواهُ في وحشةِ الأكفانِ
وإلى الرمسِ حيث واراهُ تربٌفيه أمسى فريسةَ الديدانِ
فاخرات يد البلى في عظامٍحوّلتها ذراً يد الحدثانِ
حكمةُ الموتِ في الوجودِ انتقالٌكلُّ جسمٍ يضمهُ عالمانِ
عالمُ الظلمةِ القصيرُ مداهُوخلودٌ في العالمِ النوراني
أيها الناسُ للبقاءِ خلقتُهمومقام الخلودُ ليس بِفانِ
كلُّ جسمٍ بعدَ البلى سوفَ يحيايومَ عرضِ الصراطِ والميزانِ
وتوفى ما قدمَت كلُّ نفسٍبين خوفٍ ورجفةٍ وأمانٍ
حصحص الحقُّ والموازينُ قسطٌوالمخازي تمثلت للعيانِ
وعيونُ الجحيمِ من كل فجٍّمرسلاتٌ لوامِعَ النيرانِ
في زفيرٍ كقاصفِ الرعدِ يجريفي دوى يروعُ كلَّ جنانِ
لهبٌ يخطف النواظِرَ رُعباًوأزيزٌ يجوبُ كلَّ مكانِ
حَولَ حشدٍ تكدَّسَ الخلقُ فيهكالفراشِ المبثوثِ في القيعانِ
وسيولُ الرحضاءِ تنسابُ مهلاًكحميمِ السعيرِ في غليانِ
وقدَةُ الحشرِ ضاعفَت كلَّ كربٍمرّ بالقلبِ والنهى واللسانِ
هذه الساعةُ التي قد وعدتمصدقَ الوعدُ أيها الثقلانِ
موقٌف للحسابِ لا ريبَ فيهلم يغيب عن حشدهِ أصغرانِ
كم أفاضَ التنزيلُ عنه بياناًواعد المؤمنين خلدَ الجنانِ
أيها الناس من رعاكم حليماًوحباكم بالعفو والإحسانِ
وأفاضت أيديه أكبر نعمىشملتكم في رحمةٍ وحنانِ
غيرُ نورِ الوجودِ ربِّ البراياخالق الخلقِ فاطِرِ الأكوانِ
باعثِ العالمين في ملوكتٍوحده فيه صاحبُ السلطانِ
من رُفاتِ تكدست في قبورٍأورثتها البلى يد الحدثانِ
ناشطاتٍ تقومُ بعدَ رقودٍكان يطوى الأحقابَ في الأكفانِ
كجرادٍ يفرُّ من أجداثٍيملأ البيدَ بين قاصٍ ودانِ
ضاقت الأرض عن جموعِ سُيولٍسابحاتٍ في لجةٍ الندمانِ
كشفَ الموقفَ الرهيبُ غطاءًكان يغشى محاجرَ الوسنانِ
أسدلتهُ حماقةُ الجهلِ كبراًوعتوّاً وشدهُ الغاويانِ
إنه الحمقُ فانظروا كيف تهوىعن ربا الظلمِ رايةُ العصيانِ
أيها الناسُ قد بعثتم وعدلاًقد تلاشت سفاهةُ النكرانِ
وعميتم عن الهداية حتىنبذتكم مراحِمُ الغفرانِ
فقضيتم دنياكم في ضلالٍمستجيبين دعوةَ الشيطانِ
قضى الأمر وانتهى كل شيءوتجلى ما أغفل الناظران
فهلموا إلى الحساب وحاشاأن يرى الظلم نفسهُ في مكانِ
إن تكونوا مصدقين فأمنٌوسلامٌ وجنةٌ وتهاني
أو تكونوا مكذبين فأنتموالشياطين طعمةُ النيرانِ
أيها الناس ما خلقتم لتحيواكدوابٍ تفنى بمرِّ الزمانِ
بل حبتكم مواهبٌ وعقولٌفضلتكم عن سائر الحيوانِ
نعمةُ اللَه حين تمت عليكمزودتكم بالعلمِ والعرفانِ
كرمَ اللَه خلقكم ورعاكموهداكمُ للبر والإحسانِ
كلُّ نفسٍ تخشى الإله ستمشييوم هولِ الخرُوجِ في اطمئنانِ
لقيتها الدنيَا قريرةَ عينٍوبخُلدِ الأخرى لها جنَّتَانِ
حلقَ الرعبُ والمليكُ يُنادِيها وعيدي والويلُ من سلطاني
يا عُصَاةَ الرحمنِ حَلَّ بلائيكيف ينجو من نقمتي من عصاني
ما جنودَ الشيطانِ إلا غواةٌابعدوكُم عن طاعَتي وحناني
لا فداءٌ ولا شفيعٌ يُرَجَّىإنهُ الفصل أيُّهَا الثَّقَلانِ
واقتداري وعزَّتي وجلاليسوفَ يُجزى المسيءُ بالحرمانِ
إنَّ عفوي ينالُه كُلُّ عبدٍكان يخشى بطشي ولا ينساني
أيُّها المحسنون هذا نعيميقد وُعِدتم به وذا غُفراني
فَهَلُموا إلى فراديس خُلدٍفي قُصورٍ أعدَّها رضواني
وسلامٌ لكم بما صدَّقتُموصبرتم على كروبِ الزَّمانِ
إن هذا وعدي وقد تمَّ وعديوجزاءُ الإحسانِ بالإحسانِ
فهنيئاً لكم نعمتم وفُزتُميا عبادي بالحمدِ والشُّكرانِ
أيها الناسُ حاربوا النفسَ زُهداًيتجلى اليقينُ ملءَ العيانِ
وأشتروا الخلدِ بامتهانِ متاعٍعرضيٍّ مهما ترَفَّهَ فانِ
طهِّروا القلبَ من بذورِ الخطاياوازرعوا فيه زهرةَ الإيمانِ
واجعلوا الذكرَ زادَه فهوَ نُورٌفيه يسعى إلى الرضا الرباني
واعملوا الطيباتِ ما جاءَ فجرٌبجديدٍ وما بدا النيرانِ
واسلكوا للهدى صراطاً سوياتأمَن النفسُ زفرَةَ الندمانِ
زوِّدوها التقى فيخبو سراجٌأشعلتهُ حماقَة الهذيَانِ
واملئوا القَلبَ رحمةً ويقيناتُبعِدُه عن غلظةِ النَّهمَانِ
إنما الطُّهرِ للنفوس جمالٌفإذا ضاعَ ضيعتها الأماني
واضربوا الأرضَ بالخرافاتِ وابنُواللحياتين أثبتَتَ البُنيانِ
واقصروا في الخطا وغنُّوا وتُوبواتأمنوا في القيام عضَّ البنانِ
وأزيحوا عن العُيونِ ستاراًأسدلتهُ أصابعُ الشيطانِ
أيها الناس لا تطيعوا عدواًشنَّ حرباً على بني الإنسانِ
لم يطع في السجودِ أمرَ إلهٍمالك المُلكِ أمرُه حَرفَانِ
كلُّ من في السماءِ والأرضِ عَبدٌللبديعِ المُهيمنِ الرحمنِ
أيُّ مقتٍ لمن تمرَّدَ كبراًواستفزَّتهُ حمأَةُ العصيانِ
أغضبَ اللَه إذ أبى أن يلبيأمرَ ربِّ العُلا عظيمِ الشانِ
يا عبادي اسجدوا لآدمَ إنِّيخالقٌ منهُ عالمِ الإنسانِ
سجدَ الكُلُّ طائعاً في خُضوعٍوتسامى التقديسُ للرحَمَنِ
وتأتَّى عن السجودِ شَقيٌّضللتهُ حماقَةُ الطُّغيانِ
ملأت الشرُّ نفسهُ كبرياءًباءَ منها بالخزي والخسرانِ
إيهِ إبليسُ لعنةُ اللَهِ حلتيا رحيماً خسئتَ من شيطانِ
كيفَ تنجو من نقمتي وعقابيأيُّ عبدٍ يَفِرُّ من سُلطاني
قال ربِّيـ ذرني لميقاتِ يومٍفي ضحاهُ سيحشرُ الثقلانِ
سوف يغوى أبناءَ آدمُ مَكريواختيالا يُطغيهُمُ شيطاني
وأبُثُّ الفسادَ فيهم وكيدييُلبِسُ الرشدَ طلسَمَ النسيانِ
وأوُّزُ النفوسَ أزّاً فتهوىفي حضيضِ من مهلكاتِ التفاني
سابحاتٍ في ظُلمَةٍ من خيالٍغارِقاتٍ في لُجَّةِ الهَذَيانِ
سوف تبقى كما تمنيتَ حتىيومِ فصلٍ ما بين إنسٍ وجانِ
يوم عرضي لمن خلقتُ ولمَّالم يُبدَّل ما أخرجَت شفتانِ
وأدعُ إبليسُ ما استطعتَ وغَرِّرمن أطاعَتكَ نفسُهُ بالأماني
ها سعيري وزمهريري يدعولعذابِ الحريقِ من قد عصاني
يوم أدعو هَلِ امتلأتِ وغيظاًتتبدَّى في ثورةِ الغضبانِ
وتنادى غضباءَ هل من مزيدكيف تنسى وقودها نيراني
أيها الظالمُ المكذِّبُ هَيَّاها جحيمي خُلوٌ من السكانِ
ذا سعيري مؤججٌ وحميميلعصاةِ الرحمنِ ينتظرانِ
فهلموا إلى يا من كفرتمما أشدَّ العذابَ في أحضاني
آن إبليسُ أن أذيقَكَ هوليفي عذابٍ لما يُهيَّأـ لثانِ
يا سجيني آنَ القصاصُ وهذاوعدُ ربِّيـ حَقّاً لأول جاني
يا عدوَّ الإنسانِ قد كنتَ حرباًأعلنتها حماقةُ الطغيانِ
كنتَ تدعو إلى الضلالِ وتسعىفي انتشارِ الفسادِ والعِصيانِ
كم تربَّصتَ بابنِ آدم حتىنَبَذَتهُ مراحِمُ الغُفرَانِ
ونصبتَ الشباكَ كيداً ومكراًكي تضلله عن هدى الإيمانِ
قُضى الأمرُ وانتهى كلُّ شيءٍدبرتهُ مكائدُ الشيطانِ
ذُق أشدَّ العذابِ يا شرَّ غاوٍأبعدَ النورَ عن بني الإنسانِ
يا رجيم الدارينِ بئسَ خلودٌصدقت فيه آيةُ الرحمنِ
يا ابن حواءَ ما خُلِقتَ لتحياكحياةِ الأنعامِ والحيوانِ
أنتَ بالعقلِ قد بلغتَ مكاناًعبقرياً أكرم به من مكانِ
صَوَّرَ اللَه فيك أحسنَ خلقٍأبدعت صُنعَهُ يدُ الرحمنِ
وأمَدَّ الفؤادَ فيكَ بنورٍجعل الخارقاتِ طَوعَ البنانِ
كلُّ شيءٍ مُسَخَّرٌ لك كيماتتسامى دعائمُ العُمرانِ
يا ابن حواءَ أنت أكثر خلقٍغَمَرتهُ الآلاءُ بالإحسانِ
كَرّضمتكَ النعمى وأولئكَ فضلاًأيدتهُ مواهبُ العِرفانِ
فاشكرِ المُنعمَ الرحيمَ وسبِّحفي خشوعٍ بحمدِهِ كلَّ آنِ
واذكرِ الموتَ فهو أحسنَ ذكرىتنفعُ الناسَ يوم عَضِّ البَنَانِ
واجعلِ اللَه وَحدَهُ لك مولىوتزوَّد من حكمةِ القرآنِ
تقضِ دُنياكَ ما حييتَ سعيداًوبخُلدِ الأخرى لها جنَّتَانِ
إن هذا الفوزُ العظيمُ فكَبِّرباسمِ رَبٍّ هَداكَ للإيمانِ
حكمِ العقل يا ابن آدم واحذَرمن أضاليل فِتنةِ الشيطانِ
لا تُطِعهُ وتتخذهُ وَلِيّاًفهو يدعو للشِّركِ بالرحمنِ
يَطبَعُ الشَّرَّ في النفوسِ ويمليكلَّ غَيٍّ للشركِ بالرحمنِ
إن هذا الطاغوتَ شرُّ لَعينٍمن ألدِّ الأعداءِ للإنسانِ
أيها الناسُ قد أتاكم كِتابٌناطِقٌ بالهُدى فَصيحُ البيانِ
بَيَّنَ الرُّشدَ والضَّلالَ بَشيراًونذيراً يَدعُو إلى الإيمانِ
يَبعَثُ النُّورَ في القلوبِ فَيَهدىمن يَشاءُ المحيطُ بالأكوان
والذي صُمَّ قَلبُه ظلَّ أعمىلا يرى النُّورَ وهو مِلءُ المكانِ
بيِّناتٌ قد فَصَّلَت كلَّ شيءٍأمَرَتكُم بالعَدلِ والإحسانِ
ونهتكُم عن الخبائثِ والمُنكرِ تلكم دسائسُ الشيطانشِ
أيُّ فَوزٍ لِمَن أطاعَ ولَبَّىدعوةَ الحقِّ ثابتَ الأركانِ
طاهِرَ النفسِ من جميع المعاصيمُؤمنَ القَلبِ صادقَ الإيمانِ
يَسمَعُ الذِّكرَ وهويُتلى فيجثوساجِداً باكياً من القُرآنِ
بين وَعدٍ مُبَشِّرٍ بِنَعيمٍفي فَرادِيسَ خالداتِ الجِنانِ
وَوَعيدٍ مُصَوِّرٍ لعذابٍيُفقِدُ الرُّشدَ في لَظَى النِّيرانِ
من تَوَلَّى ولم يَخَف من وعيدٍأيُّ مَقتٍ يَرَى وهَولٍ يُعاني
خَدَعَتهُ الدُّنيا فأعرَضَ يلهوفي نعيمٍ من المَتَاعِ الفاني
من أراد الدُّنيا تَبَوَّأَ منهاكلَّ ما يشتهي ونالَ الأماني
دارُ لَهوٍ طاشت بعقلِ جَهُولٍمنه مَدَّت للمُوبقاتِ يَدَانِ
مُلِئَت نفسُهُ الخبيثةُ شَرّاًفتمادى في الكُفرِ والعِصيانِ
أنكَرَ البعثَ والقيامةَ حتّضىدهمتهُ لفائفُ الأكفانِ
أودعته الدنيا بُطُونَ ثراهافتوارى عن أعينِ الحدثانِ
أيها الناسُ آمِنُوا وأطيعواواتقُوا اللَه قبلَ فوتِ الأوانِ
ما الحياةُ الدُّنيا التي فَتَنَتكموسبتكم بالمُغرياتِ الحِسانِ
غَيرُ يَومٍ أحلامُهُ سابحاتٌبين مَوجِ السُّرُورِ والأحزانِ
سَنَواتُ الأعمارِ كالبرقِ تجريمُسرِعاتٍ كأنَّهُنَّ ثَوانِ
فَترَةُ العَيشِ في الحياةِ اختبارٌللنعيمِ المُقيمِ أو للهوانِ
فاعمَلُوا الطِّيباتِ تأمن نُفُوسٌيَومَ عرضِ الأعمالِ عَضَّ البَنانِ
واطلُبوا الرِّزقَ ما حييتمُ حلالاًواستعينوا بالصبرِ والإيمانِ
واسلكوا للصلحِ خيرَ سبيلٍمه تبدُو مفازَةُ الرِّضوَانِ
واضرِبُوا الأرضَ بالخُرافاتِ وامشواصَوبَ نورِ اليقينِ في اطمئنانِ
وازرعوا اليومَ تحصدوا بعد حينٍواستزيدوا من خالدِ البُنيانِ
واهجُروا الخمرَ فهيَ أكبرُ رجسٍمُفسد الرُّوحِ مُتلِفِ الأبدانِ
تَسلُبُ الرُّشدَ من نُهى محتسيهاحين تسرى في الحسِّ كالأفعوانِ
لَقَّبُوها أمَّ الخبائثِ حقّاًفهي أقوى حبائل الشيطانِ
وأقيموا الصلاةَ للهِ شُكراًواذكُروه في السِّرِّ والإعلانِ
سَبِّحُوا اللَهَ بُكرَةً وأصيلاًفي سجودٍ ما ضَوَّأَ المَشرِقانِ
وأعيرُوا خلقَ السمواتِ فيضاًمن صفاءَ الإدراكِ والإمعانِ
فكِّرُوا خاشعينَ في مَلَكُوتٍأبدعَت في دِقَّةِ الإتقانِ
سارياتٌ حَيَّرَ العقُولَ نِظاماًلم يشبه في دِقَّةِ الإتقانِ
سارياتٌ فراقدٌ وشموسٌخاطفاتُ الأبصار قاصٍ ودانِ
سابحاتٌ كلٌّ يشقُّ مداراًفي فضاءِ الآفاقِ والاكوانِ
مَلَكُوتٌ فيه العوالمُ تَجريآمناتٍ طوارئ الحدَثَانِ
لاحظَتها عَينُ الرَّقيبِ لتبقىما أرادت مشيئةُ الرَّحَمنِ
فإذا جاءَ وَعدُه تتوارىآفلاتٍ ويختفى النَّيِّرانِ
إنَّهـ الفصلُ بين دُنيا وأخرىأعلنتهُ على الورى صَيحَتانِ
إن عيشَ الدُّنيا وإن طالَ يومٌفيه تمَّتـ صحيفةُ الإنسانِ
طائرٌ ناطقٌ كتابٌ شهيدٌسُجِّلَت فيه صادقاتُ البَيانِ
عَزَّزَت صِدق شهادةُ أيدٍوجُلُودٍ وأعينٍ ولسانِ
فاخشوا اللَه واتقوه تَقُوموامن دياجي أجداثكم في أمانِ
يَومَ يَهتزُّ منكِبُ الأرضِ رُعباًوالسمواتُ وردةٌ كالدهانِ
يَومَ لا تملك النفوسُ فِدَاءأو فِراراً مما ترى وتُعاني
وله الأمرُ وَحدَه في جُمُوعٍتسألُ العفوَ بين إنسٍ وَجَانِ
حُكمهُ الفَصلُ في مصيرِ عَبيدٍإلدارِ الجحيمِ أم للجنانِ
فاز بالخلدِ في فسيحاتِ عَدنٍمن هَداهُ الرَّحمنُ للإِيمانِ
وأضَلَّ السبيلَ من تَاهَ كِبراًوعُتُوّاً وخادَعَتهُ الأماني
وإذا تمَّ في المشيئةِ أمرٌلم يُبَدَّل ما سَجَّلـ الحَرفانِ
آيةُ النورِ بيَّنَت كلَّ شيءٍوكفى الآن أيها الثقلانِ
ما سعيدُ الدارينِ يا نفسُ إلامن تفانى في طاعةِ الرَّحمَنِ
والشَّقيُّ الملعونُ دنيا وأُخرىكل غِرٍّ هَوَى مع الشيطانِ
يا إلهَ الوجُودِ نُعماكَ عمَّتكلَّ حيٍّ في سائِرِ الأكوانِ
عن القصيدة
هذه القصيدة من شعر إسماعيل صبري، من العصر الحديث، وتقع في ٩٥١ بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف النون، وهي قصيدة دينية.
بحر الخفيف: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن · قصائد أخرى رويّها النون
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.