ربِّ هب لي هُدى وأطلق لساني

الشاعر: إسماعيل صبري · البحر: الخفيف · الغرض: قصيدة دينية

هذه القصيدة من شعر إسماعيل صبري، من العصر الحديث، وتقع في 951 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة دينية.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

ربِّ هب لي هُدى وأطلق لساني ... وأنر خاطري وثبت جناني

ملهمَ النفسَ بالتقَى خيرَ مسرى ... لمــــفــــازاتِ نــــورِكَ الرَّبــــانــــي

كُن معيني إن أعجزتني القوافي ... ونصيري في ساميات المعاني

أنتَ قصدي وغايتي ورجائي ... مالكَ الملكِ مُبدِعَ الأكوانِ

يا جلالاً عَمَّ الوجودَ بلُطفٍ ... وســــــالمٍ ورحـــــمـــــةٍ وحـــــنـــــانِ

واقتداراً أحاط بالكون علماً ... نظَمَت عِقدَهُ يَدُ الإتقانِ

وجمالاً في كلِّ شيءٍ تجلَّى ... سبَّحـــ الحسن فيه للرحمنِ

جَــــلَّ شــــأن الإله ربِّ البرايا ... خــــالقِ الخــــلقِ دائمِ الإحسانِ

واحدٌ قاهرٌ سميعٌ بصيرٌ ... عالم الغيبِ صاحب السلطانِ

حكمٌ عادلٌ لطيفٌ خبيرٌ ... نافذُ الأمرِ واسعُ الغُفرانِ

قــــابــــضٌ بــــاسطٌ قويٌّ عزيزٌ ... مُرسِلُ الغيثِ مُقسِطُ الميزانِ

واجــــدٌ ماجدٌ حليمٌ كريمٌ ... ترقب الخلقَ عينهُ كل آنِ

يعلم السرَّ في الصدورِ وأخفى ... وإليــــه سَيُحشَرُ الثقلانِ

ظاهرٌ باطنٌ قريبٌ مجيبٌ ... نعمَ من فازَ منه بالرضوانِ

واعدُ المتقين جناتِ عدنٍ ... ولمـــــن خـــــاف ربـــــهُ جـــــنَّتــــَانِ

مــــنــــعــــمٌ وارثٌ عليٌّ عظيم ... باعثُ الخلق بين إنسٍ وجانِ

كلُّ مَن في الوجودِ للِّهِ عبدٌ ... وإلى الله مــــرجــــعُ الإنــــســــان

إن يوماً تطوى السمواتُ فيه ... كلُّ حيٍّ إلا المهيمنَ فانِ

يوم تهوى الأفلاكُ من كلِّ بُرجٍ ... آفــــلاتٍ ويــــجــــمــــعُ النيرانِ

وتدكُّ الأرض انهياراً ويقضى ... كلُّ أمرٍ ويسجد الخافقانِ

صيحةٌ تجعلُ الرواسي عهناً ... تنسفُ الأرضَ بين قاصٍ ودانِ

وتدوى أخرى فيحيا رفاتٌ ... ضمَّهُ التربُ من قديمِ الزمانِ

نخرتهُ يدُ البلى وهشيما ... بعثرته الرياحُ في الوديان

مــــن عــــلى رجــــعِهِ كــــأول خــــلقٍ ... قادرٌ غير فاطرِ الإنسانِ

كان غُصناً غضاً فتياً رطيباً ... لم يفكر في الرمسِ والأكفانِ

هيمنته على الثرى خُيلاء ... زينتها وساوِسُ الشيطانِ

سوف يُدعى إلى قيامٍ رهيبٍ ... أنكرتهُ حماقَةُ الطغيانِ

يوم تجرى الأجساد للحشر حيرى ... بين لُجّ وقسطَل من دخانِ

يومَ يدعو كل امرئ رب نفسي ... ويــــنادي الحسابُ آنَ أواني

في ذُهولِ المأخوذِ لم تدرِ نفسٌ ... لنــــعــــيــــم تُــــساقُ أم لهوانِ

موقٌ حاشدٌ وحشرٌ مهيبٌ ... قد أحاطته ألسُنُ النيرانِ

يقذف الرعب في القلوبِ ارتجافاً ... والمساوى تَمُرُّ بالأذهانِ

يجمع الخلقَ منذ أول نفسٍ ... وافت الأرضَ من رياضِ الجنانِ

لم يــــغيب عن عرضهِ فردٍ ... صمهُ الروحُ من بني الإنسانِ

هذه الساعةُ الرهيبةُ فانظر ... يا ابن حواءَ آيةَ الرحمنِ

قد تجلت مصداقَ ذكر حكيم ... جاء للناس بالهدى والبيانِ

أرسلته للعالمين سلاماً ... رحــــمةُ اللَه واسع الغفرانِ

خُــــلِقَ النــــاسُ للبــــقاءِ وهذى ... آيةُ البعثِ أصدقُ البرهانِ

كلُّ فردٍ في الحشرِ لا بُدَّ يلقى ... جنةَ الخلدِ أو لظى النيرانِ

إن يكن صَدَّقَ الكتابَ فامنٌ ... وســــلامٌ ورحــــمــــةٌ وتــــهــــانــــي

والذي أنكر القيامةَ كبراً ... وعــــلواً هــــوى مع الشيطانِ

سوف يلقى العذابَ من كلذِ صَوبٍ ... ويُعاني عواقبَ الطغيانِ

ظُلماتٌ تعثرَ الخلقُ فيها ... كالفراش المبثوث في الكُثبَانِ

أو كسيلٍ من الجرادِ خصَمٍ ... قذفتها الأحداثُ كالطوفانِ

رجفةٌ دكتِ الجبالَ فألقت ... حملَها الأرض واختفى النيرانِ

صدقَ الوعدُ فانظروا كيف تمَّت ... آيةُ البعث أيها الثقلانِ

باغتتكم والنفس تمرح سكى ... بين غناءِ روضةٍ وأغاني

ساقها الطيشُ لارتكاب المعاصي ... فأطاعت غوايةَ الشيطانِ

حببَ الفسقَ والفجورَ إليها ... ورماها في كاذباتِ الأماني

أفسح المالَ للفسادِ مجالا ... بين كأس الطلا ودلِّ الغواني

فتنتكم أموالكم فكفرتم ... وارتكبتم ما ليس في الحسبانِ

خدعتكم بسحرِها أمُّ دفرٍ ... وسبتكم بحسنها الفتانِ

فشغلتم عن الحقيقةِ جهلاً ... وانصرفتم إلى المتاع الفاني

وعميتم عن الهدى وانطلقتم ... في مهاوى الفجور والعصيانِ

وكفرتم بأنعمِ اللَه حتى ... نبذتكم مراحمُ الغفرانِ

فإلى الموقف الرهيب هلموا ... قد بعثتم إلى المصير الثاني

ها هي الأرض أخرجتكم لتجزى ... كلُّ نفس ما قدَّم الأصغرانِ

إن تكونوا مصدقينَ فأمنٌ ... وســــلامٌ ورحــــمــــةٌ فــــي حنانِ

أو تكونوا مكذبين فويل ... مــــن عــــذابٍ ونــــقــــمةٍ وهوانِ

كل نفس يُغنى لها فيه شأنٌ ... عن سواها وأينَ يهربُ جان

يوم لا تملكُ النفوسُ انتصاراً ... وله الأمـــــــر وحـــــــدَهُ كــــــلَّ آنِ

كــــل فرد له كتابٌ شهيد ... سجلت فيه صادقاتُ البيانِ

قولها الحقُّ بالذي قدَّمَتهُ ... طَوعَ شيطانِها يَدُ الإنسانِ

لم يُغادِر صغيرةً ما حواها ... قدرةٌ نزهَت عن النسيان

كل شيء غيرُ البديعِ ظلامٌ ... وهــــوَ نــــورُ الآفاقِ والأكوانِ

حلقَت هيبةٌ فأشرقَ نورٌ ... واعتلى العدلُ كفةَ الميزانِ

وتلا الذِّكرَ خلفَهُم شهداءٌ ... باركتهم مراحم الغفرانِ

تلكمُ الجنةُ التي قد وُعِدتُم ... أدخلُوها في غبطةٍ وأمانِ

قد صبرتم مصدقين ففزتُم ... بخلودٍ في عالياتِ الجنانِ

فسلامٌ أهلَ اليمينِ عليكُم ... كلُّ من في النعيمِ يُهدى التهاني

جنة الخُلدِ زُيِّنَت فأقيموا ... ومع الحقِّ لا تضيعُ الأماني

سَيِّدُ الخَلقِ بينكم فاضَ نوراً ... وجلالاً مع الرضى الرباني

أشرفُ المرسلين قدراً وجاهاً ... عبقريُّ النُّهى عظيم الجنانِ

خَصَّهــ اللَه بالشفاعةِ عطفاً ... وحناناً على بني الإنسانِ

صــــلوات الإله تحبوك دوماً ... يا نبيَّ الإسلامِ والإيمانِ

بـــــيـــــن رهـــــبٍ وذلةٍ وخـــــشــــوعٍ ... خفَقَ القلبُ خفقةَ الحيرانِ

وبدا الهَولُ والنواظرُ حسرى ... زائعــــاتٌ في رجفةِ الولهانِ

وجثا الناسُ كلهم في خضوعٍ ... إذا تجلع مهابة الرحمنِ

وقــــفَ العــــبــــدُ في رحابِ إلهٍ ... نافذِ الأمرِ قاهرِ السُّلطانِ

لم يغب عنه في السمواتِ شيء ... وعليمٌ بما جنى الثقلانِ

مــــلأَ الأرضَ والســــماءَ وجوداً ... خالق الكون لم يغب عن مكانِ

أبـــــديٌّ يـــــدبِّرُ الأمـــــرَ فـــــرداً ... ســــرمــــديُّ الجــــلالِ والسلطان

بين حرفين كلما شاءَ يقضى ... مطلق الحُكمِ لم يُشاركه ثان

قــــدرةٌ أحــــصَــــتِ الخلائق عدّا ... منذ أوفى على الثرى الوالدان

رحــــمةٌ عَمَّ رزقها كُلَّ حَيٍّ ... جَلَّ وهَّابُها عن النسيانِ

خبرة أبدعت محاسِنَ خلقٍ ... في جلالٍ من دِقَّةِ الإتقانِ

فيضُ علمٍ ما ذَرَّةٌ عنه غابت ... في جميع الآفاقِ والأكوانِ

مَلِكٌ يرقُبُ الخلائقَ جمعاً ... ويديرُ الأفلاكَ في الدورانِ

يبسُطُ الرزق للذي ساءَ جوداً ... وهو أدرى بالخيرِ للإِنسانِ

يرسل الماءَ فوق جرداء مَيتٍ ... فـــــيـــــردُّ الحــــيــــاةَ للوديــــانِ

فتموج الأرض اهتزازاً وتربو ... ثم تبدو في سُندسٍ فتان

تخرجُ الحبَّ والثمارَ وتزهو ... فــــلي عــــقيقٍ ولؤلؤٍ وجمانِ

روحاتُ النسيم تحمل عبقاً ... من أريجِ الزهورِ والريحانِ

كل شيءٍ يسبحُ اللَه حمداً ... كـــــي يـــــؤدى فــــرائض الشُّكــــرانِ

نِعَمٌ ساقَها المهيمنُ للنا ... س فحمداً للمنعِمِ المَّنانِ

أعجزَ الخَلقَ عدُّها فتعالى ... بــــاســــطُ الرزقِ دائمُ الإحسان

فاطرُ الأرضِ والسمواتِ فَردٌ ... صاحبُ الطولِ في عُلُوِّ الشَّانِ

عالمُ الغيبِ والشهادةِ نُورٌ ... يملأ الكونَ فيضُهُ الرَّباني

نافذُ الأمرِ في جميع البرايا ... مُطلَقُ الحكمِ لم يشاركه ثانِ

غافرُ الذنبِ قابلُ التوبِ ملكٌ ... جلَّ تشبيهه عن الحدثانِ

كاشِفُ الضُّرِّ والبلاءِ مجيبٌ ... دعوةَ الوامقِ الحزينِ العاني

في دياجي الظلام يَرحمُ دمعاً ... أمطرتهُ قهراً صروفُ الزمانِ

ويجير الملهوفَ من هَولِ كَربٍ ... دَبَّرَتـــــهُ مـــــظــــالمُ الإنــــســــانِ

ويمدُّ المظلومَ منه بِنَصرٍ ... ويــــســــوقُ الظَّلــــُومَ للنــــيــــرانِ

أحكَمُ الحاكمين كَنزُ العطايا ... أرحمُ الراحمينَ رحبُ الحنانِ

واهبُ العَزمَ للضعيفِ ليَقوى ... ولمن خافَ مُنعِمٌ بالأمانِ

واسعُ الحِلمِ لا يعجِّلُ بَطشاً ... خَيرُ أهلٍ للعفوِ والغُفرانِ

يُمهِلُ الظالمينَ حتى إذا ما ... شاءَ ذاقوا عواقبَ الطغيانِ

لم يَـــــدَع ذَرَّةً تَـــــمُــــرُّ هَــــبــــاءً ... في طريقِ الأعمالِ للإنسانِ

كل نفسٍ سيقَت إلى الخيرِ تلقى ... أعظمَ الأجرِ في عُلا الرِّضوانِ

والتي قادها إلى الشرِّ طيشٌ ... سوفَ تجزى بما جنتهُ اليدانِ

جامعُ الناسِ والموازينِ قِسطٌ ... يومَ لم تجدِ زَفرَةُ الندمانِ

أيُّ ويــــلٍ إذا المــــوازينُ خفَّت ... وزفيرُ الجحيمِ في ثوَرانِ

واستشاطت غضباءَ وهي تُدوى ... فـــــي زئيـــــرٍ يـــــروحُ بـــــالآذانِ

فزعٌ يملأُ الفؤادَ ارتجافاً ... حين تبدو ذاتُ الشَّوى للعيانِ

من حميمٍ تنسابُ فيها سيولٌ ... في جحيمٍ وظُلمَةٍ من دُخانِ

وهوى المجرِمونَ بين رعودٍ ... أطلقتها زوابعُ النيرانِ

فَهَلُمُّوا يا مَن ظلمتم وجُرتُم ... وكفرتم بالواحدِ الدَّيَّانِ

إن هذا تصديقُ ما قد كذَبتُم ... وأطعتُم غوايةَ الشيطانِ

كــــلُّ حــــظٍّ وكــــلُّ فوزٍ عظيمٍ ... للذي نــــال رُجــــحَــــةَ الميزانِ

باتباعِ الهُدوى وتَركِ المعاصي ... والتَّغاضي عن المتاعِ الفاني

خالف النَّفسَ بينَ عزمٍ وصَبرٍ ... ومَــــــضــــــاءٍ وعِــــــفَّةـــــٍ وأَمَـــــانِ

وأطــــاعَ الإلهَ طــــاعــــةَ عــــبــــدٍ ... قَــــرَّبَتهُ مَثُوبَةُ الشُّكرانِ

للذين اتقوا أُعِدَّت قصورٌ ... عالياتٌ في خالداتِ الجِنانِ

والفــــراديــــسُ زُيِّنــــَت بــــبــــدورٍ ... كاللآلي ما بين حورٍ حسانِ

وبدارِ النعيمِ صُفَّتــ بيوتٌ ... من كريمِ الياقوتِ والمرجانِ

غُرَفٌ تحت زهرِها الماء يجرى ... من نُضارٍ ومن نعيمِ الجُمانِ

تتجلى على الأرائكِ فيها ... حورُ عينٍ من كاعباتٍ قِيانِ

وعــــليــــهــــنَّ طــــافَ وِلدانُ خُــــلدٍ ... بــــشــــرابِ الأعــــنابِ والرمانِ

في أباريقَ من لُجَينٍ شَذَاها ... عَرفُ مِسكٍ ونفحةُ الرَّيحان

وعلى الجانبين صُفَّتــ عروشٌ ... سُرُرٌ حَولَها القطوفُ الدواني

رصَّعَتها يَدُ العطاءِ بِدُرٍّ ... فوقَ وَشيٍ من نادرِ العقيانش

إن فيها من النعيمِ متاعاً ... جعل المتقين في مهرجان

أرضها سُندُسٌ يُغطِّيهِ زَهرٌ ... ينشر الطيب في رِياضِ الجِنانِ

رِيحُها عاطرٌ يفيضُ عبيراً ... حيث مالَ النسيمُ بالأغصانِ

فوق فيحائَها وتحت الدوالي ... في مروجِ الكافورِ والأُقحوانِ

دفَّقَت أنهرٌ وفاضت عُيونٌ ... باركت نَبعَها يدُ الرَّحمنِ

من سُلافٍ ومن معينِ عُيونٌ ... تتهادى الأنهارُ كالخيزرانِ

ثم تجرى أخرى بِدَرٍّ طَهورٍ ... لم يُـــــلَوَّث بـــــفــــاســــد الأدرانِ

بين طيبِ الزهورِ تجرى الهُوَينى ... أنهرُ الشُّهدِ في فَسيحِ الجنانِ

لم يُشَبَّهــ نعيمهُ بنعيمٍ ... كان أشهى أُمنيةَ الإنسانِ

نورها دائمٌ فلا ليلَ فيها ... يانعاتُ المروجِ والأفنان

إن فيها ما تشتهي كلُّ نفسٍ ... وجَناها أيان تدعون دانٍ

كلُّ شيءٍ في جنةِ الخلدِ غَضٌّ ... ورطــــــيـــــبٌ ويـــــانـــــعٌ كـــــل آنِ

كيف تدنو يَدُ البِلَى من جناها ... والذي في الخلودِ ليس بِفَانِ

كلُّ وصفٍ مهما تسامى خَيَالا ... في نعيمِ الفردوسِ غيرُ العيانِ

رَحمَةُ اللَهِ قد أفاضت عليها ... سابغاتٍ من أنعمِ الرضوانِ

وأعدّت هذا النعيمَ جزاءً ... لسعيدٍ قد فاز بالغفرانِ

يا نعيم الجنات رحِّبـ وبارك ... وتقدم بعاطراتِ التهاني

وابتسِم يا جمالُ واهتف سلاماً ... وتـــــألَّق فـــــي الحــــورِ والوِلدانِ

ها هُمُ الأتقياءُ حَلُّوا كراماً ... بين فَيضٍ من الرضى والأماني

يا عبادَ الرحمنِ ها قد بلغتم ... فاشكروا من هدى إلى الإيمانِ

مـــــالكَ المُـــــلكِ إنَّ وَعــــدَكَ حَــــقٌّ ... مَن له الحمدُ غيره كلَّ آنِ

كل شيءٍ يُسَبِّحُ اللَه حَمداً ... أبدَ الدهرِ خيفةَ الرحمنِ

خالقُ الخلقش من ضياءٍ ونارٍ ... وتـــــرابٍ فـــــي رافــــةٍ وحــــنــــانِ

عَرشُهُ الأرضُ والسماءُ قريبٌ ... لم يَغِب فيضُ نورِهِ عن مكانِ

صانعٌ مُبدِعٌ عليمٌ خبيرٌ ... بــــالغٌ صــــنــــعُهُ ذُرَى الإتقانِ

كـــــلُّ حـــــيٍّ إلى عــــلاهُ مــــديــــنٌ ... بالغوالي من أنعمِ الإحسانِ

خلقَ الشمسَ في السماءِ سراجاً ... وحياةً للعالم الحيواني

تملأُ الأرضَ كلَّ يوم ضياءً ... ووهيجاً كلفحَةِ النيران

تحمِلُ الغيثَ من أجاجٍ خضمٍ ... ثــــم تــــعلو بذرِّهِ كالدخانِ

فوقَ متنِ الهواءِ يعلو جليداً ... طودَ ماس في صفحةٍ من جمانِ

شاءَ للأرضِ أن تموتَ وتحيا ... حكمةٌ جددت قوَى العُمرانِ

كلما أجدبت سقاها سحابٌ ... بمعينٍ من غيثهِ الهتَّانِ

هــــكذا ثمَّ للحياةِ نظامٌ ... يجعلُ الجسمَ يانعَ الريعانِ

إن للشمسِ في العناصرِ سرّاً ... فــــهي روحُ الحياةِ للأبدانِ

لو خبا نورها عن الأرض صارت ... بلقعاً قد خلا من السكان

قدرةٌ حيرت عقولَ البرايا ... غــــاب إدراكها عن الأذهانِ

أبدعتها يد المهيمِن رفقاً ... وحناناً على بني الإنسانِ

ملهمُ النفسِ والتدابيرُ تجرى ... محكماتٍ في عالم الأكوانِ

فاز من بالتقى أطاع ووفى ... والذي ضَــــلَّ بــــاء بــــالخسرانِ

أنزلَ النورَ رحمةً وسلاما ... وشفاءً في محكمِ القرآنِ

جاء بالحقِّ هادياً وبشيراً ... ونــــذيــــراً للشــــارِدِ الغفلانِ

فاضَ علماً بالوحى صدر نبيٍّ ... عبقري النهى فصيح اللسانِ

خيرُ نفسٍ حلت بأشرف جسم ... خاتمُ المُرسلينَ فخرُ الزَّمانِ

أحمدُ المجتبى شفيعُ البرايا ... هادمُ الكفرِ شائدُ الإيمانِ

جاهَدَ المشركينَ بالسيفِ حتى ... دمَّرَ الحـــــــــقَّ دولةَ الأوثـــــــــانِ

أيها الناسُ آمنوا وأطيعوا ... واذكروا اللَه خيفةً كل آنِ

سبحوه مستغفرين وتوبوا ... واستعيذوا به من الشيطانِ

طهروا النفسَ باجتناب المعاصي ... واستزيدوا هدياً من القرآنِ

واتقوا اللَه رهبةً واشكروه ... أن هداكم لنعمةِ الإيمانِ

واستقيموا فهوَ الرقيبُ عليكم ... ومحالٌ أن يختفى عنه جاني

واسلكوا للهدى أعفَّ سبيلٍ ... وتفانوا في طاعة الرحمن

واطلبوا الرزقَ طيباً وحلالا ... واحفظوه بالبر والإحسانِ

واجعلوا العدلَ إن حكمتم شعاراً ... واذكروا بطشَ صاحِب السُّلطانِ

وتواصوا بالحقِّ واسعوا كراماً ... واستعينوا بالصبرِ والإيمانِ

يا ابنَ حواءَ قد خُلِقتَ ضعيفاً ... وحليفاً للسهوِ والنسيانِ

خدعتكَ الدنيا فأقبلتَ تلهو ... طائرَ اللب غارقاً في الأماني

قادكَ الجهلُ فارتكبتَ الخطايا ... وتزودتَ بالمتاع الفاني

وتخبَّطتَ في دياجي حياةٍ ... كنتَ فيها فريسةَ الشيطانِ

يا ابن حواءَ كيف تنقادُ أعمى ... كيف تنسى عُقبَى المصيرِ الثاني

كيف تصبو إلى الملاهي وترضى ... يا ابنَ حواءَ وقفةَ النَّدمانِ

قد فقدتَ النُّهى طروباً تُغَنَّى ... بين كأس الطِّلا ودَلِّ الغواني

لم تفكر في غيرِ دنياكَ يوماً ... آمِــــنــــاً من تَقَلُّبِ الأزمانِ

ينقضي العمرُ والشبابُ يُوَلِّى ... بين حالِ الوسنانِ واليقظانِ

سِنَةٌ كلُّها الحياةُ وصحوٌ ... في دياجي القبورِ والأكفانِ

يوقظ النفسَ بين حربٍ وكَربٍ ... في جحيمٍ من زفرةِ الندمانِ

إيه يا نفسُ قد تغافلت جتى ... سكنَ اللهو منك غدرَ الزمانِ

لا اعتذارٌ ولا شفيعٌ يُرَجَّى ... هكذا فاجرعي كؤوسَ الهوانِ

فترة الأرض في الحياة اختبارٌ ... فيه يُجزى المطيعُ بالإحسانِ

وبدارِ البقاءِ تخلُدُ نفسٌ ... في نعيمٍ أوفي لظى النيرانِ

تنقلُ النفسُ من حياةٍ لأخرى ... إذ ينادي الحِمامُ آن أواني

إنــــه المــــوتُ لم يَــــدَع أيَّ حــــيٍّ ... فالبرايا جمعاً به سِيَّانِ

فـــــإذا جـــــاء أمــــرهُ لم يُــــؤخَّر ... وإذا حُــــــمَّ فــــــالمـــــقـــــدَّرُ دانِ

ضجعةُ الموتِ رقدةٌ يُفقد الإنسانُ ... فيها ويسكنُ الخافقانِ

فهو بابٌ يجتازه كلُّ حيٍّ ... وهــــو كــــأسٌ لا بــــدَّ للظــــمــــآنِ

يا ابن حواء دع غرورَكَ واعلم ... أن من عَفَّ عاش في اطمئنانِ

خالِفِ النفسَ واجتنب كلَّ شرٍّ ... وتباعَد عن حَمأةِ العُدوانِ

وافعل الخيرَ ما استطعتَ وأصلح ... وتسابق في البِرِّ والإحسانِ

واتـــــقِ اللَه إنـــــه خــــيــــرُ زادٍ ... للذي رامَ خـــــالدَ البُـــــنــــيــــانِ

وتواضع واصفح وسامح كريماً ... واجعلِ الحِلمَ زائدَ الوُجدانِ

وتوكَّلــ على المهيمنِ واصبر ... واذكــــرِ المــــوتَ بــــيــــن آنٍ وآنِ

إنَّ كيدَ الشيطانِ يفتِكُ فتكا ... بضِعافِ العقولِ والإيمانِ

فتنةٌ تملأُ العيونَ جمالاً ... وانطلاقٌ في كاذباتِ الأماني

خــــــادعٌ مــــــاكــــــرٌ عــــــدُوٌّ لدودٌ ... شر نفس شقَّتــ عصا العصيانِ

لا تُطِع كيدَهُ وخالِفهُ حتَّى ... لا تُنَزَّل عليكما لعنتان

يا ابن حواءَ باطلٌ كل شيءٍ ... زينتهُ مظاهرُ الهذيانِ

جِسمُكَ الغضُّ هيكلٌّ من تُرابٍ ... سَوفَ يَبلَى على يدِ الحدثانِ

يتوارى تحت الثَّرى بعدَ حينٍ ... حيث يغدو فريسَةَ الدِّيدانِ

وهشيما عظامُهُ تتداعَى ... وإلى التُّربِ مــــرجــــعُ الإنسانِ

كلُّ جسمٍ مَشَى على الأرض فيها ... هي ترب وهو الوليدُ الفاني

أخرجَتهُ يشقى وخجلى طوَتهُ ... فهي أُمٌّ لكن بغيرِ قِرانِ

إنَّ هذي دنياكَ فاحذر أذاها ... وتــــجــــنَّبــــ مَــــصارعَ الأزمانِ

هي أفعى في ثوبِ حسناءَ تَسعى ... بـــــجـــــمــــالٍ مــــبــــرَّجٍ فَــــتَّاــــنِ

تنشبُ النابَ في الذي نالَ منها ... واستمالته مغرياتُ الحِسانِ

والذي كان لهوهُ بالأفاعي ... كي ينجو من وثبةِ الثعبانِ

هكذا الدهر صفوهُ مستحيلٌ ... غــــــرضٌ للهــــــمـــــومِ والأحـــــزانِ

ماصفا الدهرُ نِصفَ يومٍ لنفسٍ ... متعتها الدنيا بأقصى الأماني

مــــن هــــنــــاءٍ إلى شــــقــــاءٍ وذُلٍّ ... ومــــن العــــزِّ للأَســــى والهَــــوانِ

إن هذا كيدُ الليالي فحسبي ... يا ابنَ حواءَ من صروف الزمان

يا ابن حواءَ باطلٌ كل شيءٍ ... زينتهُ مطامعُ الهذيانِ

فالجمالُ الذي سَبَاكَ خيالٌ ... والأمانيُّ خدعةُ الشيطانِ

هَذِّبِ النفسَ لا تطع ما تمَنَّت ... وتــــمــــسَّكــــ بشرعَةِ القرآنِ

وتفكر في صُنعِ ربِّكَ يبدو ... لكَ نورٌ من فيضهِ الرباني

واذكر اللَه ما خلوتَ كثيراً ... فهو أزكى ما يكتبُ الملكانِ

وأخشهُ إن لهوتَ فهوَ رقيبٌ ... وقــــريــــبٌ للقــــلبِ والشــــريــــانِ

لا تقل إن خلوتَ إني وحيدٌ ... فــــمــــع اللَه أنــــت في كلِّ آنِ

إن عينَ الإلهِ ما غاب عنها ... أيُّ حـــــيٍّ فـــــي عــــالمِ الأكــــوانِ

ترقبُ الخَلقَ في جلالٍ وحلمٍ ... واقــــتــــدارٍ ورحــــمــــةٍ وحنانِ

أين منها المفرُّ يا نفسُ سيري ... في طريقِ الهُدى والاطمئنانِ

قدِّمي الخيرَ ما استطعتِ وتوبي ... وأطــــيــــعــــي أوامــــرَ الرحمنِ

يا ابنَ حواءَ أنت اللَه عبدٌ ... وعلى العبدِ واجبُ الشُّكرانِ

كيف تنسى فضلَ الإلهِ وتمشي ... مطمئناً في غبطةٍ وأمانِ

لم تفكر في غيرِ لهوٍ يؤدّى ... يا ضعيفَ النُّهى إلى الخسرانِ

قد دعاك الشيطان فانقدتَ تهوى ... في ضلالِ الغرور والعصيانِ

تنكِرُ الحقَّ والهُدَى كبرياءً ... مستحقاً لنقمةِ النكرانِ

إن مثوى المستكبرين خلودٌ ... في زفيرِ الجحيمِ والنيرانِ

أيها الأحمقُ الجهولُ تدبَّر ... أو تُعاقَب بالطَّردِ والحِرمانِ

هــــل لِهَذا الوُجُودِ غيرُ إلهٍ ... واحدٍ في العُلا وفي السُّلطانِ

أمره الأمر لم يُشبَّهــ بشيءٍ ... مطلقُ الحُكمُ مبدعُ الأكوانِ

دَبَّرَ الأمرَ في السماءِ بِصُنعٍ ... غايةٍ في الجَلال والإتقانِ

رَتَّبــــَ النَّجــــمَ والبروجَ وأَوحى ... للنِّظــــامِ العجيبِ بالدورانِ

سابحاتٍ تشقُّ جوفَ فضاءِ ... بين مَهوى الثَّرَى إلى كيوانِ

خاطفاتِ الأبصارِ كالبرق تسرى ... في مدارِ الجَوزاءِ والميزان

قدرةُ اللَهِ سَيَّرَتها وحفظاً ... زوَّدتها بنورها الرباني

مــــن بــــدورٍ كــــواكــــبٍ وشموسٍ ... سَبَّحَت في العُلا عظيمَ الشانِ

تقطع الأفقَ في سلامٍ وأمنٍ ... لاحظتها عنايةُ الرحمنِ

سَبَّحَ النَّجمُ في السماء يؤدِّى ... واجبَ الحمدِ ما بدا الملوانِ

تَمَّ أمرُ السماءِ سبحانَ ربي ... إذ بناها قويةَ البنيانِ

خَــــلَقَ الأرضَ جذوة من شهابٍ ... لارتباطِ الأفلاكِ بالأكوانِ

ودحاها من بعد ذلك دَحياً ... وَهَــــــبَ الأرضَ ســـــرعـــــةَ الدورانِ

ثم أوحى للبدر أن خُذ مداراً ... حول سيَّارِها وسِر في أمانِ

ومن الشمس خُذ ضياءكَ فاعكِس ... هُ عــــليها للسَّارِبِ الوجلانِ

إن للبدرِ في خُطاهُ بروجاً ... تــــتــــجــــلى فــــي وجهِهِ كلَّ آنِ

هو يجري وكوكب الشمس يجري ... وعلى الأرض يشرف الكوكبانِ

آيةُ الشمسِ في النهارِ ضياءٌ ... وحـــــيـــــاةٌ لعــــالمِ الحَــــيــــوانِ

وإذا الليلُ ألبَسَ الأرضَ سِتراً ... من دياجي الظلام كالطـ‍َّيلسانِ

ظَهَرَ البَدرُ في السماء فألقى ... صفحةَ النور من سيولِ الجُمانِ

نورهُ يملأ القلوبَ انشراحاً ... ويــــمــــدُّ النــــبــــاتَ بــــالألوانِ

إن هــــذا النــــظــــامَ صنعُ إلهٍ ... مــــالكِ المُــــلكِ واحــــدٍ مــــنَّاــــنِ

خَلَقَ الشمسَ رحمةً وحناناً ... لبقاءِ الحياةِ في عنفوانِ

وأفاضت يَدُ العطاءِ على الأر ... ضِ غيوثاً من خَيرِها الهتَّانِ

بعد تقديرِ قُوتِها أودعتها ... ما يُنَمِّيـــ جواهر الوالدانِ

سَخَّرَ الماءَ والهواءَ فراتاً ... وعليلا فوق الثرى يجريانِ

جعل اللَّيلَ والنهارَ لباساً ... ومعاشاً كلاهما آيتانِ

جعل الشمسَ في النهارِ عَرُوساً ... تتجلى في إمرةِ السُّلطانِ

وأَحَلَّ البدرَ المنيرَ مليكاً ... مشرفاً في الدُّجى على الأكوانِ

إن للنــــيِّريــــنِ أكــــبــــر فضلٍ ... ألبَــــسَ الأرضَ حُــــلةَ العــــمــــرانِ

كــــــلُّ هــــــذا آلاءُ ربٍّ قـــــديـــــرٍ ... سخرتها رُحماهُ للإنسانِ

ذلك الهيكلُ المفضَّلُ عقلاً ... وذكــــاءً عــــن ســــائر الحيوانِ

كَــــرَّمَ اللَهُ خَــــلقَهُ واصــــطفاه ... وحــــبــــاه مَــــواهِــــبَ العِرفانِ

يا بني الأرضِ إنَّ للهِ مُلكاً ... واسعَ الأفق بين قاصٍ ودانِ

تعلمُ الأرضُ والسماءُ مداهُ ... في سُمُوِّ الجَلالِ والسلطانِ

قبضةُ اللَهِ تجمعُ الأرضَ في يمناه ... تُــــــطــــــوى مــــــســــــارحُ الدورانِ

هي ذات البروج سبعٌ طباقٌ ... كلَّ يوم بديعها في شانِ

رفعت سمكها بغيرِ عماد ... قوةُ القاهرِ العزيزِ الباني

عِزَّةٌ تجعلُ القلوبَ سُجوداً ... في خُشوع من هَيبَةِ الديَّانِ

حكمةٌ دَبَّرَ المهيمنُ فيها ... ما خبا نورُهُ عن الإنسانِ

تتراءى غير الذي أبرمته ... وتُنافى ما قد بدا للعيانِ

شاءَها الخالقُ الحكيمُ فتمَّت ... طِبقَ ما في صحائفِ الأكوانِ

إنما اليُسرُ ما أرادَ وقدماً ... خُطَّ في اللوحِ ما انطوى في الجَنانِ

خِبرةٌ أتقنَ المصوِّرُ فيها ... ما توارى عن عبقريِّ البيانِ

أبدَعَت خَلقَ كلِّ شيءٍ وأوحَت ... فيه سرّاً من غيثها الربَّاني

آيةُ الصانِعِ العليمِ أمدَّت ... كلَّ حيٍّ ما بين إنسٍ وجانِ

لم تَدَع كائناً بغيرِ حنانٍ ... من لدنها أكرم به من حنانِ

هيبةٌ خرَّتِ الجبالُ لديها ... ساجداتٍ وكبرَ المشرقانِ

وتجلَّت على الوجودِ جمالاً ... كــــلُّ شــــيءٍ مسبحٌ بلسانِ

حضرة تجمعُ العوالمُ طُرّاً ... تحت نبراسِ نورِها الرَّباني

كلُّ ما في الوجود بينَ يديها ... يطلبُ العفوَ والرضى كلَّ آنِ

نظرةٌ ملؤها الحنوُّ وحلمٌ ... في اقتدارٍ وهيبةٌ في أمانِ

رأفةٌ عمتِ البرايا ولطفٌ ... قدستهُ للحمدِ سبعٌ مثانِ

سَجَدَ الكونُ للمهيمنِ شكراً ... وجــــلالاً وكــــبَّرَ الخــــافــــقــــان

يُخرِجُ الميتَ من سلالةِ حيٍ ... وكذا الحيَّ من رميمٍ فانِ

يبعث الخلق من دياجي قبورٍ ... هشمتها تقلباتُ الزمانِ

بعثرت ما بها العوادي وقدماً ... أورثتها البلى يدُ الحدثانِ

يأمر الشمسَ بالطوافِ مع البدر ... جميعاً في دورةٍ يسبحانِ

يجعل الماء من أجاج معيناً ... رحمةً بالنباتِ والحيوانِ

يُرسِلُ الغيثَ هاطلا في الروابي ... فتعجُّ الأنهارُ بالفيضانِ

عاصفاتُ الرياحِ بالأمرِ تجرى ... فتميدُ الأغصانُ بالأغصانِ

تتثنى ملقحاتٍ فجلَّت ... قــــدرةُ الخــــالقِ العليِّ الشانِ

من بطون الثرى يباركُ ماءً ... يحملُ الطيباتِ للعبدانِ

زوَّدَتهُ النُّعمَى عناصرَ شتى ... وأمدت به جنى النعمانِ

من عبيرٍ ومن أريجٍ زكى ... يعبق الزهرُ مُشرِقَ الألوانِ

سكرٌ منعشٌ وشهدٌ شهيٌّ ... وســــلافٌ من طاهرات الدِّنانِ

نِعَمٌ أبدعَ المصوِّرُ فيها ... ما تناءى عن فطنةِ الإنسانِ

ثُمَّ أوحى ربُّ الوجودِ إليها ... ملهمات أعيت علوم البيانِ

نسجَ العنكبوتُ أوهنَ بيتٍ ... شاده في الوجودِ أبرعُ بانِ

وإلى النحلِ أن أعدى بيوتاً ... في أعالي الربا وفي الأفنانِ

واطلبي القوتَ بين ماءٍ وزهرٍ ... من ثمارٍ بديعةِ الألوانِ

واقــــتفى بلسَم الدواءِ ورُدِّ ... يه شفاءً شهداً إلى الأبدانِ

وإلى النملِ عالمِ الفطنةِ الجدِّ ... ورمــــزِ النــــشــــاطِ والإتــــقــــانِ

أمهرُ الباحثين في الأرض شعباً ... وحليفُ النظامِ والعُمرانِ

يعملُ النملُ دائباً وصبوراً ... فوقَ إدراكِ فطنةِ الحيوانِ

ملهماتٌ قد حُيَّرَ العقلُ فيها ... أكسبت فَهمَهُ قُوَى العِرفانِ

في بطون الثرى يُعدُّ بيوتاً ... محكماتِ الساحاتِ والجُدرانِ

حولَ جدرانها بنى حُجُراتٍ ... شــــاهداتٍ بخبرةِ الفنانِ

صالحاتٍ لحفظِ ما ادَّخرَتهُ ... جــــاهــــداتٍ بحاثةَ الوديانِ

جامعاتِ الأقواتِ من كلِّ فجٍّ ... ما ثناها عن عزمِها ما تعانى

غُرَفٌ أبدعَ المهندسُ فيها ... أحكمَ الوضع كي تدومَ المباني

قاهراتٌ يد البلى ومحالٌ ... أن يكيلَ الأذى لها العابثانِ

إن للنملِ في الحياةِ خلالاً ... ميزتهٌ عن عالَمِ الحيوانِ

عاملٌ ماهرٌ مطيعٌ صبورٌ ... صادقُ العزمِ مخلصُ الإيمانِ

أمــــــمٌ مـــــثـــــلت أدقَّ نـــــظـــــامٍ ... لحياةِ الشعوبِ في العُمرَانِ

يتقى البردَ في الشتاءِ فيبقى ... بين دفءٍ ومطعَمٍ في أمانِ

وإذا ما الربيع أذَّن يسعى ... طالب الرِّزقِ جاهداً غيرَ وانِ

إن وحى الإلهامِ أفضى إلى النم ... لِ بسِرٍّ من نفحةِ الكتمانِ

يعرفُ الجوَّ والأعاصيرُ فيه ... ســــاريــــاتٌ مــــا بــــيــــن آنٍ وآنِ

من رياحٍ ومن سيولٍ ونارٍ ... لاتقاء الأذى قبيلَ الأوانِ

عالمُ النملِ آية الجدِّ في الأر ... ض فسبحان مُلهِم الحيوان

أودَعَ البحرَ رحمَةً منه رزقاً ... بارك اللَه مرتعَ الحيتانِ

سابحاتُ الأسماكِ تكثرُ ذكرَ ... اللَه فيه ما سبحَ الجاريانِ

أكـــــلٌ طـــــيـــــبٌ طـــــريٌّ شـــــهـــــيٌّ ... فيه شتى الأنواعِ والألوانِ

وحــــــليٌّ تـــــألقَـــــت لامـــــعـــــاتٍ ... بين أصدافها كلمحِ الحسانِ

لؤلؤٌ نــــــادِرٌ ودُرٌّ يــــــتــــــيــــــمٌ ... وعقودٌ من فاتِنِ المُرجانِ

نعمٌ ساقها الخضَمُّ إلى النا ... سِ بأمرٍ من مُبدعِ الأكوانِ

أممُ الطيرِ أكثرُ الخلقِ حمداً ... ما سهَت لحظةً عن الشكرانِ

ما تبدى نورٌ وغشى ظلامٌ ... ومع الكون كبرَ المشرقانِ

إذ تهادى النسيمُ يحملُ شَدواً ... رجعته الآفاقُ بالألحانِ

سبَّحَ الطيرُ فيه رباً رحيما ... قد تجلى باللطفِ والإحسانِ

واحدٌ منعمٌ حليمٌ كريمٌ ... غامرُ الخلقِ بالنَّدى والحنانِ

يزرقُ الطيرَ أينما حلَّتِ الطيرُ ... بأقصى القفارِ والوديانِ

عالمُ الطيرِ في الوجود عجابٌ ... فهو رمزٌ للشاكرِ اليقظانِ

ولكــــلٍّ فــــي عــــلمِ الأرضِ نفعٌ ... تـــــلك آلاءُ قـــــدرةِ الرحـــــمـــــنِ

من رسول قد جاء بلقيسَ يدعو ... ربــــة التاج ربة الصولجانِ

أمن الجنِّ أم من الإنس لا بل ... كان هذا من عالم الطيرانِ

هدهدٌ قد أحاطَ علماً بما لم ... يعلمِ العاهِلُ العظيمُ الشانِ

ملكٌ يأمر الرياحَ فتجري ... ونــــبــــيٌّ دانَــــت له الثــــقــــلانِ

خًُهُ اللَه منطقَ الطير لمَّا ... نالَ مُلكاً غنَّى به النيرانِ

إنَّ يوماً تفقدَ الطيرَ فيه ... فجرُ مُلكٍ قد ساسه تاجانِ

تاجٌ بلقيسَ تاج قامعةِ الج ... نِّ وذاتِ الجــــــلال والســـــلطـــــانِ

وســــليــــمــــانُ ربُّ أكــــبر مُلكٍ ... جمعَ الخلقَ بين إنسٍ وجانِ

وقف الطائر الضعيفُ ذليلا ... في انكسارٍ ورجفَةٍ وهوانِ

يرتجى العَفوَ والمليكُ غضوبٌ ... ويدُ البطشِ سُخطُها منه دانِ

لم تبرئهُ غير أنباءِ قومٍ ... قد تمادوا في الكُفرِ والعِصيانِ

عبدوا الشمسَ عاكفين عليها ... واستجابوا لدعوةِ الشيطانِ

حكمتهم بلقيسُ في جبروتٍ ... قبل أن تهتدي إلى الإيمانِ

وأتاها نورُ الهدايةِ لما ... رأتِ الحــــقَّ ســــاطــــعُ البُرهانِ

واستقرت وعرشها بين أيدي ... من تغنى بملكهِ الماضيانِ

ملكُ المشرقين برّاً وبحراً ... أينما حلَّ حلَّقُ الفرقدانِ

رحلةُ الهدهدِ الأمين إليها ... أيقظت أهلها من الهذيانِ

أنقذتهم من الهلاكِ فكانت ... آيةَ النورِ في جبينِ الزمانِ

أممُ الطيرِ تذكرُ اللَه دوماً ... ضارِعاتٍ بالحمدِ والشُّكرانِ

بين أوكارِها وبين الدوالي ... وأعالي الرُّبا وفي الأفنانِ

عاطرات التسبيح في الكونِ تسري ... سريانَ الأرواحِ في الأبدانِ

تملا الأرضَ والسمواتِ حَمداً ... شـــــاكـــــراتٍ للواحـــــدِ الديَّاـــــنِ

جلَّ من أمطرَ الخلائقَ رزقاً ... وتـــــعـــــالى مــــدبــــرُ الأكــــوانِ

كلُّ حيٍّ يمشي على الأرضِ هوناً ... لمــــديــــنٌ بــــالشــــكرِ للديانِ

في بطونِ الثرى وغاب الفيافي ... زاحــــفــــاتٍ مــــلأنَ كــــلَّ مكانِ

أعجبَ الخلقَ صُنعَهُ وحياةٌ ... دقةٌ أعجزت قُوَى الإمكانِ

عــــالمَ الذرِّ والبعوضِ شهودٌ ... باقتدارِ المحيطِ بالأكوانِ

كل هذي الأحياء تسبح في الكو ... نِ فيبدو من سبحها عالمانِ

عـــــالمٌ زائِلٌ مـــــداهُ قــــصــــيــــرٌ ... ومــــقــــامٌ مــــداه ليــــس بفانِ

تلك دنيا الفناء دارُ اختيارٍ ... خادعٌ حسنها كذوب الأماني

ما تقضت حتى تلاها خلودٌ ... أبــــدىُّ الحــــياة ليس بفانِ

تلك دارُ البقاءِ سيقَت إليها ... كلُّ نفسٍ في عزَّةٍ أو هَوانِ

كلُّ شيءٍ فوق البسيطة تُربٌ ... منه صيغت هياكلُ الابدانِ

ولكــــلٍّ عــــمــــرٌ إذا تــــمَّ يــــذوى ... ثم يبلى على ممرِّ الزمانِ

من هشيمٍ ومن رُفاتٍ عظامٍ ... بعثرت ذرَّها يدُ الحدثانِ

طبقاتٍ تكدَّسَت فوق بعضٍ ... في بطونِ الوهادِ والوديانِ

ودفين على بقايا دفين ... في ظلام عنه اختفى النيرانِ

وقبور ضاقت بأشلاءٍ خلقٍ ... من قديمِ الآبادِ والأزمانِ

كلُّ جسمٍ يَدُ البِلَى حَوَّلَتهُ ... من رُفاتٍ تُرباً كذرِّ الدُّخانِ

من على عدِّ ذرها ذو اقتدارٍ ... غــــيرُ ربِّ الصراطِ والميزانِ

باعثِ الخلقِ في قيامٍ رهيبٍ ... والســـــمـــــواتُ وردةٌ كــــالدهــــانِ

ستقومُ الأجسادُ من عالمِ الذرِّ ... ســــراعــــاً لم تختلط ذرتانِ

قدرةٌ أودعَ المهيمن فيها ... ما تناءى علماً عن الأذهانِ

علمه قد أحاط بالكون قدماً ... قبل خلقِ الأرواحِ والجسمانِ

خطَّ في اللوحِما أراد ولما ... يبد للنور هيكلُ الإنسانِ

من سعيدٍ ومن شقيٍّ قضاءً ... قــــــدرتــــــه إرادة الرحــــــمــــــنِ

كل شيءٍ أحصاه علماً وعداً ... في إمامٍ مفصلِ التبيانِ

في مروج الغابات تحت شعارٍ ... من كثيفِ الظلالِ والأغصانِ

وبجوفِ الأحراشِ بين سُدُولٍ ... من شباكِ الجذوعِ والسيقانِ

يسكنُ الوحشُ هادئاً في كهوفٍ ... آمناتٍ من وطأةِ الإنسانِ

لم تنلها يد الأذى وبرفقٍ ... لاحظتها عنايةُ الرحمنِ

بين آجامها تروحُ وتغدو ... ضارياتُ السباعِ في اطمئنانِ

في عرينِ الأُسودِ كلُّ هزبرٍ ... في فيافيهِ صاحبُ السلطانِ

ضيغمٌ باسلٌ رهيبٌ مهيبٌ ... مـــــلكٌ قـــــاد دولة الحـــــيـــــوانِ

قوةٌ زانها حناناً وعلما ... خلقُ الفيصلِ الجريء ا لجنانِ

عالمُ الوحشِ من نمورٍ وفهدٍ ... وذئابٍ وأرقــــــــمٍ أفــــــــعــــــــوانِ

تلك أكالة اللحوم افتراساً ... واقتناصاً في فجعة النهمان

يملأُ البيد حولها راتعاتٌ ... من بهيم الآرامِ والغُزلانِ

آمناتٍ شر انقضاض الضواري ... سارياتٍ في العشب والغدرانِ

تأكلُ العشبَ وهو ينسجُ لحماً ... وينمى عظامها بالدِّهانِ

إن أجسامها مصانعُ للح ... مِ تــــــغـــــذى غـــــذوَ الســـــمـــــانِ

مزقتها شراهةُ الوحشِ ظُلماً ... فأبيدت على مرورِ الزمانِ

حفظتها وقاية اللَه لطفاً ... وســــلاماً من ثورةِ العدوانِ

لاحظتها عينُ العنايةِ حتى ... يحفظَ الأمنُ دولةَ العُمرانِ

في بقاعٍ يدومُ فيها صِراعٌ ... يصبغُ الأرضَ بالنجيعِ القاني

لو تبارت فيها الضواري لأخلَت ... أرضَ قيعانِها من السُّكانِ

هل يجيرُ الضعيفَ غيرُ قويٍّ ... أو يحسُّ الجبروتَ غيرُ الجبانِ

يملأُ الوحشُ رهبةَ الغابِ ذُعراً ... شــــرُّ نفسٍ تميلُ للعدوانِ

شرسٌ يسفكُ الدماءَ ويُردى ... باغتيالٍ مستضعفَ الحيوانِ

خلقَ الله رحمةً بالضحايا ... حارساً باسلاً جريء الجنانِ

فيصلاً يقهرُ الوحوش جميعاً ... لا يبالي بمرهفٍ أو يماني

قوةٌ أكسبت مليك الضواري ... أسدَ الغابِ هيبةَ السلطانِ

ضيغماً قاهراً وليثاً هصوراً ... خير ملكٍ في دولةِ الحيوانِ

خصهُ اللَه بالبسالةِ والنب ... لِ مهيباً جِوارُهُ في أمانِ

لا يجاريه في المباراة خصمٌ ... ومــــحــــالٌ يــــفرُّ من ميدانِ

ثابتُ العزمِ في خطاهُ وقوراً ... يتهادى في خفةٍ واتزانِ

نظرةٌ ملؤها الرزانة والحل ... مُ وقلبٌ يحبوهُ فيضَ الحنانِ

وزئيرٌ كالرعدِ قد رجعته ... جــــنــــبــــات الآجامِ والوديانِ

يقذفُ الرعبَ في قلوبِ الضواري ... لتولي عن ساكنِ القيعانِ

جعل اللَه سطوةَ الليثِ أمناً ... وسلاماً في صالح العُمرانِ

حــــارسٌ ســــاهــــرٌ قــــويٌّ أمــــيــــنٌ ... ملكُ الوحشِ حاملُ الصولجان

يا ابن حواءَ كيف تلهيكَ دنيا ... كَ عن الحقِّ بعد هذا البيانِ

كيف تنسى أن الإله سميعٌ ... وبــــصــــيــــرٌ يــــراك في كلِّ آنِ

كيف تنسى ذكر الرقيب وتمشى ... في ظلامٍ من غفلةِ النسيانِ

تنفق العمرَ في الضلالةِ تلهو ... مستجيباً لدعوةِ الشيطانِ

زينت جندهُ إليك المعاصي ... فتخبطت في دياجي الأماني

أنكرت نفسكَ الضعيفةُ فضلاً ... للرقيب المهيمنِ الرحمنِ

وضللت الهُدى فأعماكَ طيشٌ ... وغروراً جاهرتَ بالعصيانِ

لم تر النورَ وهو في كل شيءٍ ... يــــتجلى ولستَ بالوسنانِ

أيها الغافلُ الأثيمُ تذكر ... قدرةَ الخالقِ الجليل الشانِ

كيف سوَّت منك البنان ولمَّا ... تكُ شيئاً في ذكريات الزمانِ

فأفاضت يَدُ المُصَوِّرِ حُسناً ... أبدعَتهُ براعةُ الإتقانِ

ألبستكَ النعمى بأحسنِ خلقٍ ... وحبتكَ الآلاءِ بالإحسانِ

نطفةً كنتَ في الظلامِ جنيناً ... ثــــم طِــــفلاً مطهرَ الأردانِ

فغلاماً غضَّ الشباب فتيا ... من ربيع الحياةِ في ريعانِ

يصعدُ العمر سلماً في سراجٍ ... مـــــن نـــــشـــــاطٍ وقـــــوةٍ ومــــرانِ

ثم يخبو سراجُهُ حين يُمسي ... في مشيبٍ مهدمِ الأركانِ

دبَّ شيخاً على العصا في اكتئابٍ ... سابح الذهنِ في دُجى الأحزانِ

طاردته الهمومُ يبكي شباباً ... كان حُلماً في خادعاتِ الأماني

يتمنى لو كان يرجعُ يوماً ... حاسرَ القلبِ من فَوَاتِ الاوانِ

أنهكَ الضعف هيكلاً هشمته ... روعة البين وانتقامِ الزمانِ

شبحٌ أشمط تقوسَ ظهراً ... في انحناءِ عيناه غائرتانِ

يسمع الأرض وهي تدعوه هيا ... أيها الهيكلُ الرميمُ الفاني

آن للترب أن يضمك فانظر ... كيف تطوى صحيفة الإنسانِ

ها هو القبرُ مستقرك حتى ... صحوة الناس للمصير الثاني

ضجعة الموت رقدةٌ يتوارى ال ... جسمُ فيها عن أعين الحدثانِ

يا ابن حواءَ باطلٌ كلُّ شيء ... لم تــــؤيــــدهُ دعــــوةُ الإيمانِ

أنزل الحقُّ دعوةَ الحقِّ نوراً ... وشفاءً في محكماتِ البيانِ

فصلتها آياتُ ذكرٍ حكيمٍ ... من كلامِ المهيمنِ الرحمنِ

خير داعٍ إلى الهدى بينته ... للبـــــرايـــــا شـــــرائعُ القـــــرآنِ

إنه من لدهن حكيم عليمٍ ... جاء حَقَّاــ بمعجزاتِ البيانِ

حضنته عينُ العناية حتى ... لم تُبدل حرفاً يَدُ الإنسانِ

أبدَ الدهرِ سوف يبقى كريماً ... حُجَّةَ المهتدين طول الزمانِ

بدلَ العابثون توراةَ موسى ... وتمادوا في الظلمِ والعدوانِ

عغضبَ اللَه والكليم عليهم ... حيث باؤووا بالخزي والخسرانِ

وبسفرِ المسيحِ إنجيلِ عيسى ... حَرَّفَ المفترون آيَ البيانِ

غيرَ الإفكُ حجَّةَ الحقِّ مكراً ... وتعدى جهلاً على الأديانِ

ويحض يوم الأحزابِ عهد النصارى ... إذ أحسَّ المسيحُ بالعدوانِ

يوم قال المسيح من أنصاري ... وهو يدعو للرشدِ والإيمانِ

دَبَّرَ الآثــــمــــونَ كــــيداً ولكن ... أحبطَ اللَه فتنةَ الشيطانِ

كان صلبُ المسيح من قوم موسى ... ليس إلا ضرباً من الهذيانِ

ضل كيدُ اليهود إذ سوف تمحو ... آيةُ الحقِّ ظلمةَ البهتانِ

صورَ اللَه للمسيح شبيهاً ... حين قاموا بعرضهِ للعيانِ

هكذا يُصهَرُ النضارُ ليصفو ... وبــــهــــذا تــــمــــت له آيــــتــــانِ

أرضُ كوني على المسيح حراماً ... فهو سرٌّ من العُلا الرَّباني

سوف يرقى إلى السموات حياً ... جسداً فيه سبح الأطهرانِ

رفعَ اللهُ رحمةً منه عيسى ... قبسَ النورِ في عيونِ الزمانِ

بعد رفعِ المسيح ضَلَّت يهودٌ ... كلُّ حزبٍ بدا لهم في بيانِ

وتفشَّتــ فوضى أدارت رحاها ... فتنةُ العابثينَ بالأديانِ

خيمت ظلمةٌ تحجبَ فيها ... من سنا الرُشدِ والهدى كوكبانِ

ظلَّ ديجورُها المضللُ حيناً ... في سعيرٍ مُؤَجَّجِ النيرانِ

خبطَ عشواءَ يضرِبُ الناسُ فيه ... بين حالِ الوسنانِ واليقظانِ

إن كيدَ الشيطان كان ضعيفاً ... وهو يدعو للشرِّ والعصيانِ

يوقع الناس خادعاً وكذوباً ... في شباك من مغرياتِ الأماني

يدفعُ النفس للفجورِ فتشقى ... والملذاتُ طعمةُ النيرانِ

ما انقضت فترةُ التخبطِ حتى ... أعلن الصبحُ دعوةَ الإيمانِ

وتبدى نورُ اليقين بأفقٍ ... صـــــدعـــــتــــه زلازلُ الهــــذيــــانِ

ونجلت شمسُ الهداية لما ... أرسلتها مشيئة الرحمنِ

بيناتٌ من الهدى فصلتها ... محكمات الآيات في الفرقانِ

ساقها الروحُ للأمين ليبني ... ما تداعى من طاهرِ البنيانِ

فاض بالذكر صدرُ أحمدَ نوراً ... سيدِ الخلقِ صفوةِ الإنسانِ

خاتمِ الأنبياءِ خيرِ بشيرٍ ... حــــصــــنته الآلاءُ بالقرآنِ

كان يدعو إلى الهدى في خشوع ... طاهرَ النفسِ صادقَ الإيمانِ

أنفقَ العمرَ في الجهادِ لتعلو ... دعوةُ الحقِّ غفلةَ البُطلانِ

فأحلَّ الدينَ الحنيف مقاماً ... كان مجدَ الأجيالِ والأزمانِ

إنَّ دين الإسلام ذخرٌ سيبقى ... ابــــدَ الدهرِ ثابتَ الأركانِ

أنزلتهُ السماءُ للناسِ نوراً ... قــــد قــــضــــتــــه إرادةُ الديــــانِ

يُرشدُ النفسَ أينَ تبنى ليبقى ... ما أقامتهُ خالدَ البُنيانش

دعوةُ الحقِّ في كتابٍ كريمٍ ... أعجزَ الخلقَ ما حوى من بيانِ

سيَّرَت آيةُ الجبالِ وأحيَت ... سمعَ من ماتَ من بني الإنسانِ

لفظهُ محكمٌ غنيٌّ فصيحٌ ... عربيُّ المبنى جزيلُ المعاني

فاض مجداً بلاغةً وتسامى ... في جلالٍ له انحنى الثقلانِ

إنه من لدُن حكيمٍ عليمٍ ... معجز الرأي حجةٌ في البيانِ

لم يُــــبَــــدَّل مــــن آيهِ أيُّ حَرفٍ ... هكذا شاءَ فاطِرُ الإنسانِ

راقبته عينُ العنايةِ حفظً ... وأنـــــارت بـــــه فــــؤاد الزمــــانِ

هو باقٍ كما تنزلَ حتى ... يبعث الخلقُ للمصير الثاني

لم يغادر من الشرائع شيئاً ... وهــــو ســــرُّ الرقــــي والعُمرانِ

جاء نوراً للعالمين سلاماً ... منقذاً من حماقةِ الطغيانِ

ناسخاً قبله لتوراة موسى ... ولسفرِ المسيح بعد زمانِ

معلناً للضياء دعوةَ صبحٍ ... أشرقت شمسهُ على الأكوانِ

كان نبراسُهُ على الأفقِ طه ... مُرسلاً نورَ دعوةِ الإيمانِ

خيرَ داعٍ إلى الهدى أرسلته ... رحمةُ الواحد العظيم الحنانِ

صفوةُ الأنبياءِ بدرُ قريشٍ ... أحمدُ المصطفى رفيعَ الشانِ

وعــــليــــه صــــلَّى الإلهُ فأكرم ... بحبيب العلا وحيد الزمانِ

هاشميٌّ أسرى به الحقُّ ليلاً ... وبــــمرآهُ كبرَ المسجدانِ

بين حقلٍ من الملائكِ صلى ... في جلالٍ من نعمة الرضوانِ

سردةُ المنتهى وقد كان منها ... قاب قوسينِ سارعت لاحتضانِ

خطوةٌ نالها شفيعُ البرايا ... لم ينلها من النبيينَ ثانِ

أعرقُ الخلقِ رتبةً ومقاماً ... خيرُ نفسٍ ما شاغلتها الأماني

جوهرٌ خالصٌ يتيمٌ نقيٌّ ... فــــــاض لألاؤُهُ عـــــلى الأكـــــوانِ

خُلِقَت رُوحُهُ الشريفةُ نوراً ... قبل خلقِ المريخِ والميزانِ

من كطه صلَّت عليه البرايا ... أيــــدتــــهُ السماءُ بالقرآنِ

عن شديد القوى تلقَّنَ علماً ... أكــــبــــرتهُ مداركُ العِرفانِ

خصَّهُ اللَه بالرضى واجتباهُ ... وحباهُ فصاحةَ التبيانِ

جاء للناس منقذاً من عذابٍ ... كان هولاً لو حلَّ بالأبدانِ

ظــــلَّ يــــهــــدى إلى صــــراطٍ ســــوى ... ويُعاني من الأذى ما يعاني

جاهدَ المشركين حتى هداهم ... وأبــــيــــدت عــــبــــادةُ الأوثــــانِ

فوق أنقاضِ جهلهم كان يبنى ... في ثباتٍ دعائمَ الإيمانِ

بين صحبٍ مصدقين كرامٍ ... جاهدوا مخلصين للرحمنِ

جاربوا الكفرَ والضلالةَ حتى ... طهروا الأرض من أذى الكهانش

وتجلى الدينُ الحنيف وعمَّت ... شمسُهُ الارضَ فازدهى المشرِقانِ

سبَّحَ الكونُ رَبَّهُ في خُشوعٍ ... وخـــــضـــــوعٍ وكَـــــبَّرَ النـــــيــــرانِ

وتسامَت كنفحةِ المسكِ تسري ... صــــلواتٌ تــــزكــــو بــــكلِّ لسانِ

حاملاٍ إلى النبيِّ سلاماً ... لم يُـــــكَـــــرَّم بــــه رســــولٌ ثــــانِ

كبرى يابُدُورُ من كلِّ بُرجٍ ... وابعثي النور مشرقاً بالأماني

نعمةُ اللَهِ بابنِ حواءَ تمَّتا ... فتزَوَّد من حكمةِ القرآنِ

يا ابن حواءَ أنت غِرٌّ خصيمٌ ... وجمالُ الدنيا مَتاعٌ فانِ

ساقَكَ الطيشُ فانطلقت جهولاً ... لم تفكر في واجبِ الإنسانِ

فتهالكتَ في اقتناصِ الملاهي ... مستفزاً شراهةَ الحيوانِ

تستحلَّ الحرامَ غيرَ مبالٍ ... بــــعــــوادي تقلباتِ الزمانِ

وتبيجُ الفجورَ نشوانَ تهوى ... في دياجي الفساد والعصيانِ

وكأنَّ الشيطانَ غاويكَ ألقى ... بين عينيك خلةَ النسيانِ

فاستبقت الخطى تجوبُ ظلاماً ... فيه قادتك لذةُ النشوانِ

طائرَ اللبِّ سابحاً في خيالٍ ... عن مخازيكَ مغمضَ الأجفانِ

أحــــمــــقٌ أرعــــنٌ شــــقــــيٌّ ظــــلومٌ ... دنيويُّ الهوى كذوبُ الأماني

لم تفكر في غير لهوكَ يوماً ... بين خمرٍ وبين غيدٍ حسانِ

وليالٍ سبتكَ فيها عيونٌ ... خادعاتٌ بسحرها الفتَّانِ

قد أعَدَّ الشيطان فيها شباكاً ... محكماتٍ من كيدِ الخوَّانِ

سلبتك النهى فقادك أعمى ... في طريقٍ مُهَدَّمِ البنيانِ

زينتهُ للغافلين الملاهي ... وأحاطته خادعاتُ الأماني

مغرياتُ الأهواءِ تلعبُ دَوراً ... كادَ فيه الشيطانُ للإنسانِ

أيها الغافلُ الجهُولُ تنبَّه ... وتيقظ من غفلةِ الوسنانِ

سنةٌ كلها حياتكَ مهما ... طالَ عهدُ اتصالها بالزمانِ

أيها الأحمق الظلومُ تدبَّر ... واكبح النفس عن هوى العصيانِ

كلُّ شيءٍ تصبو إليه خيالٌ ... وسنىُّ الأفراح فيه ثوانِ

أيها الجاحدُ الكنودُ تذكر ... كــــيــــف ســــواكَ خالقُ الأكوانِ

دع ملاهيكَ ساعةً وتفكر ... في جلالِ المهيمنِ الرحمنِ

أينَ منه المفرُّ وهوَ محيطٌ ... بالبرايا جمعاءَ في كلِّ آنِ

حاضرٌ شاهدٌ سميعٌ بصيرٌ ... ما نأى فيضُ نورهِ عن مكانِ

أينما كنت فالإلهُ قريبٌ ... عالمٌ سرَّ ما انطوى في الجنانِ

كلُّ جسمٍ ينامُ إلا شهيداً ... يذكرُ اللَه خافقاً بلسانِ

إنه القلبُ يا ابنَ آدمَ فاعجب ... لملاكٍ قد حلَّ في شيطانِ

صلةُ النورِ بين عبدٍ وربِّ ... نعمةٌ ساقها عظيمُ الحنانِ

لم تغب لحظةً عن الذكرِ نجوى ... أصــــغــــريــــه فــــؤادهِ واللســــانِ

كلُّ شيءٍ مشى على الأرض حياً ... أو نما في مراتب الحيوانِ

أمم أودعَ المهيمنُ فيها ... ملهماتٍ من فيضهِ الربَّاني

شــــاكراتٍ لأنعمِ اللَهِ دوماً ... ذاكــــــــــــراتٍ آلاءَهُ كــــــــــــلَّ آنِ

ألسُــــنٌ ســــبــــحــــت بــــذكــــرِ إلهٍ ... خالقِ رازقٍ عظيمِ الحنانِ

تــــلك شــــتى عوالمِ الأرضِ إلا ... عالمَ الظُّلَمِ عالمَ الإنسانِ

نسى اللَه وهو نشوانُ يلهو ... بين كأسِ الطلا ودَلِّ الغواني

فتنته الدنيا وألهاهُ غاوٍ ... أبعدَ الرشدَ عن مدى العرفانِ

زينَ الفسقَ والفجورَ وأملى ... كلَّ كيدٍ يدعو إلى العصيانِ

هيأَ النفسَ لارتكابِ المعاصي ... فاستباحت رذيلةَ العدوانِ

من أطاع الشيطانَ لا بدَّ يلقى ... في الحياتين زفرةَ الندمانِ

تتقضى دنياه يوماً فيوماً ... بين حالِ الوَسنانِ واليقظانِ

زخـــــرفٌ خـــــادعٌ وصــــفــــوٌ كــــذُوب ... ومتاع مهما تفاخرَ فانِ

مشرقاتٌ أعارَها الوَهمُ ثوباً ... من جمالٍ طلاؤه من دُخَانِ

مرَ طيفاً كلمحة البرقِ يسري ... في قرونٍ مرت كمرِّ الثواني

إنه العمرُ يا ابن آدم مهما ... طال يقضى في غفوةِ الوسنانِ

يختمُ العمرُ بالردى وهو كأسٌ ... لم تُغَيَّبــ عن وردها شفتانِ

فــــــإذا حُــــــمَّ لامَــــــردَّ لأمــــــرٍ ... قد قضاهُ المحيطُ بالأكوانِ

خَطَّ في اللوحِ ما قضى للبرايا ... من قديم الآبادِ والأزمانِ

يثبتُ اللَه ما يشاءُ ويمحو ... وبأمِّ الكتابِ أصلُ البيانِ

هكذا كنتَ يا ابن آدم نوراً ... قد تجلى في الجدي والسرطانِ

قدرةٌ أعجزَ التفكرُ فيها ... ألمعَ النابهين في العرفانِ

قــــدرةُ الواحدِ المنزهِ حقَّاً ... عن شبيهٍ وعن حُدودِ المكانِ

صاحبُ الأمرِ وحدهُ في وجودٍ ... مــــا بــــه ذرةٌ بــــغــــيرِ لسانِ

تملأُ الأرض والسموات حمداً ... شــــاكــــراتٍ لأنــــعــــمِ الرحمنِ

إن ذكــــرَ الإلهِ يُــــرسِــــلُ نــــوراً ... في قلوبٍ تفيضُ بالإيمانِ

أكثرت ذكرَ ربها فاطمأنت ... وسيحظى المطيعُ بالغفرانِ

يا ابن حواءَ من رعاكَ جنيناً ... مطمئناً في عزلةٍ وأمانِ

وتولاكَ بالعناية طفلاً ... حافظاً وافياً عظيمَ الحنانِ

وأمدَّ الشبابَ منكَ بعزمٍ ... قد تجلى في نضرةِ الريعانِ

وإذا ما ضعفتَ أولاكَ نُعمى ... تتوالى بالفضلِ والإحسانِ

تلك آلاؤه وقد صِرتَ شيخاً ... أوهنَت عظمَهُ صُروفُ الزمانِ

عــــمَّ فــــيــــاضُ رزقــــهِ كــــلَّ حــــيٍّ ... ضــــمَّهُ الروحُ بين قاصٍ ودانِ

يا ابن حواءَ من أماتَ وأحيا ... واقــــتداراً أحاط بالأكوانِ

يبعثُ الأرضَ كل عامٍ فتحيا ... بعد موتٍ بهيجةَ الأغصانِ

تنبت الحبَّ والثمارَ وتزهو ... فــــي بــــســــاطٍ مــــرصــــعِ الألوانِ

يمزج الماء وهو يجري حثيثاً ... في جذوع النباتِ بالأدهانِ

كـــــلُّ شـــــربٍ له مــــذاقٌ وطــــعــــمٌ ... قدرةٌ أعجزت قُوى التبيانِ

فيضُ علمِ الحكيم ربِّ البرايا ... ما بدا نُورُ سِرِّهِ في جنانِ

لم يــــــدع ذَرَّةً عــــــلى الأرض إلا ... ضمَّها علمُهُ بأجلى بيانِ

مالكُ الملكِ نافِذُ الأمرِ فَردٌ ... كــــلَّ يــــومٍ سلطانُهُ في شانِ

خلقَ الموتَ والحياةَ لتجزى ... طيباتُ الأعمالِ بالإحسانِ

وينالُ القصاصَ كلُّ أثيمٍ ... لم يصدِّق بدعوة الإيمانِ

كلُّ شيءٍ خلا من الماءِ ميتٌ ... فهو سرٌّ الحياةِ للأبدانِ

أطــــلقَ الريحَ زعزعاً ورخاءً ... وجنوباً وشمألاً تجريانِ

منعشاتٍ لوافحاً تتهادى ... حيثُ مالَ النسيمُ بالأغصانِ

وهــــبَ الشــــمسَ قُوَّةً فأضاءَت ... فــــي فجاجاتِ عالمِ الدورانِ

ترسلُ النورَ من بعيدٍ مداها ... بشُعاعٍ يفيضُ في الأكوانِ

يملأُ الأرضَ بهجةً وحياةً ... ويــــنمى عناصِرَ الأبدانِ

تلك أُمُّ القُوَى وما الأرضُ غلا ... جمعُ ذَرٍّ من جُرمِها النيرانِ

هــــي أُمٌّ والأرضُ للشمسِ بنتٌ ... وبسرِّ التكوينِ تتصِلانِ

جذبتها يَدُ الأمومةِ حتى ... لم تهدد بطارئِ الحدثانِ

وهي تهوى كالبرقِ حتى استقرت ... في نِظامٍ للجدي والسرطانِ

واستوت في مدارِها وهي تجري ... وعليها قد أشرقَ النيرانِ

أطفأ اللَه سطحها ودحاها ... وحباها الأوتادَ من صفوانِ

دارتِ الأرضُ فــــي اتــــزانٍ وأمــــنٍ ... وجــــمالٍ يحفُّها القمرانِ

تم للشمسِ في السماءِ نظامٌ ... أبدعت سيرَهُ يدُ الإتقانِ

يجمعُ الأرض فيه والبدر يجري ... يملأُ الليلَ لألأ من جمانِ

عالمُ الشمسِ أبدعُ الخلقِ صُنعاً ... ســــخــــرتــــهُ الآلاءُ للإنــــســــانِ

ولدَ الليلَ والنهارَ وأجرى ال ... ماءَ غيثاً من هاطلٍ هتَّانِ

وأمدَّ النبتَ البهيجَ بروحٍ ... أكسبتهُ الحياةَ في عُنفُوانِ

وأطــــارَ الريــــاحَ مــــن كلِّ فَجٍّ ... كي يَعُمَّ الهواءُ كلَّ مكانِ

وأبــــادَ الوهــــيجُ كلَّ كريهٍ ... مــــن خــــبيِ الأدرانِ والديدانِ

طــــهَّرَ الأرضَ والذي دَبَّ فــــيها ... وأمــــدَّ الحــــياةَ بالريعانِ

لو توارت اشعَّةُ الشمسِ عَبدٌ ... ســـــيـــــرتـــــهُ إرادةُ الرحـــــمــــنِ

هو يَربُو عن كوكبِ الأرضِ جِرماً ... فوقَ عَدِّ المليونَ في الحُسبانِ

شَقَّ جَوفَ السماءِ كالبرقِ يجري ... في مَدارٍ يَحُدُّهُ الأبعدانِ

يا ابن حواءَ أمُّكَ الأرضَ أدَّت ... طاعَةَ العَبدِ للندا الرباني

جاءت الأرضُ والسمواتُ طَوعاً ... حين نادى مسيرُ الأكوانِ

سابحات الأفلاكِ في كلِّ بُرجٍ ... تــــذكــــرُ اللَه خيفَةً كلَّ آنِ

سيرتها يدُ العنايةِ لُطفاً ... وحبتها بفيضها النوراني

باسمِ ربِّ السماءِ كالبرقِ تجري ... كلُّ نجمٍ يدورُ في حسبانِ

قُدرَةُ الخالقِ العليمِ تعالى ... كلَّ يومٍ تدبيرهُ في شان

فــــلكٌ دائرٌ بــــأبــــهــــى نظامٍ ... رتــــبت عِقدَهُ يدُ الرحمنِ

شــــاكــــراتٌ أجرامهُ فضلَ ربٍّ ... قد حباها باللطفِ والإحسانِ

صانعٌ مبدعٌ عليمٌ حكيمٌ ... معجزٌ وصفُهُ قوي العرفانِ

حاضرٌ شاهدٌ سميعٌ بصيرٌ ... ومــــحــــالٌ إدرامهُ بالعيانِ

لم يُكيف ولم يشبه بمثلٍ ... أبديٌّ لما يغب عن مكانِ

كان فرداً ولم يكن ثم شيءٌ ... تم خلقاً في عالم الأكوانِ

بــــــدأَ الخـــــلقَ والعـــــوالم ذَرّاً ... والسموات شادها من دُخانِ

رافعاً سمكها بغيرِ عمادٍ ... جلَّ شأناً وعزَّةً خيرُ بانِ

زينتها كواكبٌ لامعاتٌ ... من شموسٍ ومن بُدُورٍ حسانِ

كالدراري تطوفُ في كلِّ بُرجٍ ... في اتزانٍ من شرعةِ الدورانِ

ســــارياتٍ ثوابتٍ مشرقاتٍ ... سابحاتٍ في الحوتِ والسرطانِ

تلك سَبعٌ محلقاتٌ طبقاٌ ... قد تقضى في صنعها يومانِ

وإلى الأرض وهي جرداءُ قحلٌ ... أرسل الماءَ فالتقى البحرانِ

من أجاجٍ أجرى فُراتاً معيناً ... من أعالي الرُبى إلى الوديانِ

أنزلتهُ من السماءِ سُيولٌ ... مــــاطِراتٌ من سلسلٍ هتانِ

صَيَّرَ التُربَ وهو ينسابُ طيناً ... كي تسوى عناصرُ الحيوانِ

وبــــمــــر الهواءِ دبَّتـــ حياةٌ ... حــــرَّكــــت فــــيه دولةَ الديدانِ

أكسبتها أشعةُ الشمسِ دفئاً ... ونــــمواً ونفحةً من دهانِ

آيةُ الشمسِ في الوُجودِ حياةٌ ... وعــــلى الأرضِ آيــــةُ العــــمــــرانِ

دبَّ فــــوقَ الثــــرى عــــوالِمُ شــــتَّى ... ونما النبتُ وارفَ الأغصانِ

وببطنِ الثرى أعدت كنوزٌ ... أودعت ما بها يدُ الحنانِ

مــــن فحومٍ ومعدنٍ وعيونٍ ... مفعماتٍ بالزيتِ والأدهانِ

وعقاقيرَ من جواهرَ أعيا ... فهم إدراكها قوي الأذهانِ

حضرتها يدُ الحكيم لتحيا ... ســــالمــــاتٍ عــــوالمُ الحــــيــــوانِ

خبرةُ الواحدِ المحيطِ جلالاً ... بجميع الأفلاكِ والأكوانِ

أودعَ الأرض رحمةً منه رزقاً ... وحباها الأقواتَ بيضَ الأماني

كلُّ جسمٍ نما على الأرض بحيا ... لو تولته نضرةُ الريعانِ

وأديمُ الأرض التي هُوَ منها ... فيه تسري عناصرُ الأبدانِ

لم يغبِ عنصر عن الأرضِ مهما ... عزَّ بعداً عن عالمِ الإمكانِ

تم للأرضِ أمرُها حيث باتت ... خيرَ مهدٍ لدولةِ الإنسانِ

بارَكَ اللَه ما بها وعليها ... باسطُ الرزقِ مقسطُ الميزانِ

من كربِّ العُلا تفرّ‍َدَ حُكماً ... لم يغب نور ذاته عن مكانِ

بين حرفينِ كلما شاءَ يقضى ... وله النَّجمُ والثرى يسجدانِ

كلُّ حيٍّ قد ضمَّهُ الروحُ عبدٌ ... في نظامِ الملكوتِ للرحمنِ

صاحبِ الطولِ في جلالٍ ومُلكٍ ... أزليٍّ مــــهــــيــــمــــنٍ صــــمداني

لم يشبه ولم يماثله شيء ... مالكُ الملك لم يشاركه ثانِ

مُطلَقُ الحكم لا مَرَدَّ لامرٍ ... مــــن لدنــــهُ جرى به حرفانِ

أمرُهُ الأمرُ بين كافٍ ونونٍ ... قــــدرٌ نــــافِــــذٌ بغير توانِ

إنه من لدن حكيمٍ خبيرٍ ... واحدُ الطولِ في قُوى السلطانِ

واهــــبُ النورِ للذين اتقوهُ ... ومحيطٌ بالجهرِ والكتمانِ

قاهرٌ قادرٌ على كلِّ شيءٍ ... واسعُ العفو لم يُعَجِّلــ بجانِ

كلُّ هذا في اللوحِ بادئَ بدءٍ ... قبل ضمٍّ للأرواحِ للجسمانِ

سجلتهُ يَدُ القضاءِ نفاذاً ... لم يُؤَخَّر عن المدى والمكانِ

لم يغادِر نفساً على الأرضِ إلا ... ضَمَّ أطوارَها دقيقُ البيانِ

سُنَّةُ الخالِقِ العظيمِ تَجَلَّت ... كــــلَّ يــــومٍ أقــــدارُهُ فــــي شــــانِ

لو أجاجُ البحارِ صارَ مِداداً ... وأمــــدَّ البــــحــــارَ ســــبــــعٌ دوانِ

نفدَ الماءُ قبل أن تتقضى ... كلماتُ المحيط ربِّ البيانِ

فيضُ برٍّ على الخلائقِ أسدى ... سابغاتٍ من غيثهِ الهتَّانِ

نعمةُ اللَهِ لا تعدُّ وحاشا ... أن تنالَ الإحصاءَ في الحسبانِ

منعمٌ يمنحُ البرايا جميعاً ... طيباتِ الحياةِ للعمرانِ

رازقٌ مـــــحـــــســــنٌ رؤوفٌ رحــــيــــمٌ ... كلُّ شيءٍ لديهِ طوع البنانِ

كلُّ من في الوجود من كائناتٍ ... يتبارى في الحمدِ والشكرانِ

صيحةُ القهرِ تجعلُ الوُلدَ شيباً ... وتغيضُ الجنينَ قبل الأوانِ

وتــــهدُّ القلوبَ ذُعراً وهولاً ... وَبَريقُ الأبصار في لمعانش

موقفٌ يورثُ الذهولَ عسيرٌ ... ملأَ الرعبُ فيه كل مكانِ

زائغاتٌ فيه النواظرُ حيرى ... وسيولث الرحضاءِ كالطوفانِ

ليسَ للظالمين فيه نصيرٌ ... أو مجيرٌ من ألسنِ النيرانِ

لا فداءٌ من كربه أو شفيعٌ ... يدرأ الويلَ وهو رأىُ العيانِ

خشعَ الصوتُ غصةً فهو همسٌ ... ومشى الخوفُ بين إنسٍ وجانِ

وانكساراً في ذلةِ العبدِ أضحى ... كلُّ فردٍ في حضرةِ السلطان

مــــــلكٌ قـــــادرٌ قـــــويٌّ عـــــزيـــــزٌ ... نافذُ الأمرِ واهبُ الغُفرانِ

هيبةٌ ترجفُ العوالم منها ... وجــــــلالٌ أحــــــاطَ بـــــالأكـــــوانِ

واقــــتــــدارٌ أطــــاعــــهُ كلُّ حيٍّ ... ونفوذٌ يقضي بغيرِ توانِ

حكمهُ الحكمُ لا يبدلُ لفظٌ ... سجلتهُ مهما نأى الشفتانِ

ذرهُ يـــــمـــــلأُ الهــــواءَ وجــــوداً ... وصــــداهُ يــــجــــوبُ كــــلَّ مــــكــــانِ

أبدَ الدهرِ لفظهُ سوف يحيا ... ليزكى ما سطَّرَ الكاتبانِ

أينَ منه المفردُّ وهو شهيدٌ ... سوف يُدلي بما جنتهُ اليدانِ

حــــلقت رهبةٌ وسادَ خشوعٌ ... واستطارت بواعثُ النسيانِ

وتلقت أعمالها كلُّ نفسٍ ... بــــيــــن خــــوفٍ ورجــــفةٍ وهوانِ

إن هــــذا يومُ الوعيد وهذي ... ساعةُ الفصلِ أيها الثقلانِ

باغتتكم مصداقَ قولٍ حكيم ... جاءَ حقاً في محكماتِ البيانِ

كلُّ من أنكرَ القيامةَ كبراً ... وجــــحوداً هوى إلى النيرانِ

بئسَ مثواهُ في الجحيمِ وعدلاً ... سوف يلقى عواقبَ الكفرانِ

وسيصلى السعيرَ في أصفادٍ ... أثقلتها الأغلالُ للأذقانِ

دركــــاتٌ ســــبــــعٌ طــــباقُ عذابٍ ... من جحيمٍ وهاجةِ الأركانِ

سارياتُ السمومِ تنسابُ فيها ... وسيولُ الحميمِ في غليانِ

يوم يُدعى هل امتلأتِ وتدعو ... ربِّ زدني من طعمةِ الإنسانِ

من كربِّ العُلا يديرُ نظاماً ... يشملُ الكونَ بين قاصٍ ودانِ

مــــلكٌ عــــرشُهُ الســــمــــوات والأر ... ضُ رقــــيــــبٌ عــــلى الورى كــــلَّ آنِ

حــــولَ أرجــــائِهِ المــــلائكُ صُــــفَّت ... هم جُنودُ المهيمن الرحمنِ

رُكعاً سجداً قياماً قعوداً ... كــــلُّ ســــربٍ مــــســــبــــحٌ بلسانِ

ذكــــرهُ يملأُ الوجودَ جلالاً ... أزليٌّ مــــــطـــــمـــــئنٌ للجـــــنـــــانِ

سبحَ اللَه كل شيءٍ لتبقى ... في دوامٍ فريضة الشكرانِ

جلَّ شأنُ القدير رَبِّ البرايا ... خير هادٍ لنعمةِ الإيمانِ

وارث الارض والسماءِ جميعاً ... يوم نادى القضاءُ آنَ أواني

قولُهُ الحقُّ إذ يقول اخشوني ... ولمن خاف نقمتي جنتانِ

يا ابن حواءَ يا صريعَ الملاهي ... يا مجيباً لدعوةِ الشيطانِ

يا جهولاً حملتَ نفسكَ إثماً ... باتباعِ الهوى وخدعِ الأماني

وسبتكَ الدنيا وغرَّكَ منها ... ما تبدى من زخرفٍ فتَّانِ

قادكَ الحمقُ للضلالةِ أعمى ... فتدهورت في مهاوي الهوانِ

وتفانيت في الملذاتِ حتَّى ... ساقكَ الطيشُ للطلا والغواني

فتهالكتَ في ارتكاب المعاصي ... خالي البال من صروفِ الزمانِ

تسهرُ الليلَ في سرورٍ وأنسٍ ... بين كأس وقينةٍ وأغاني

مشبعاً يا ظلوم مطمعَ نفس ... أشعلت نارها وعودُ الأماني

زينَ الشرّ حولها كل شيء ... فتمادَت في اللهو والعصيانِ

لا ترى النورَ إذ تحجبَ عنها ... وهي تهوى في ظلمةِ الطغيانِ

إنها النفسُ يا ابن آدمَ فانظر ... كيف باتت فريسةَ الشيطانِ

ما دعاها إلى الغواية إلا ... سرُّ إعراضها عن الإيمانِ

يا ابن حواءَ إنما العيشُ نومٌ ... كلُّ شيءٍ يبدو لعينيك فانِ

وتماديكَ في غروركَ جهلٌ ... فتيقظ من غفلةِ الوسنانِ

واخشَ عينَ الرقيبِ فهوَ شهيدٌ ... ليس يخفى عليه سرٌّ لجاني

أينما كنتَ يا ابن آدمَ فاعلم ... أن ربَّ الوجــــودِ نــــورُ المكانِ

لو حوتك الجوزاءُ أو أعماقٌ ... من بطونِ الثرى أو القطبانِ

أو تــــسترت تحت لجٍّ خضمٍ ... في كهوفِ الأصدافِ والحيتانِ

يا سليلَ الترابِ أنت ضعيفٌ ... كن مع اللَه تحفظَ بالغفرانِ

أيها الناسُ إن هذا بيانٌ ... فــــضــــلتــــهُ شــــرائعُ الإيمانِ

أرسلتهُ للعالمين سلاماً ... رحمةُ الواحدِ العظيم الحنانِ

في كتابٍ أياتُهُ محكماتٌ ... من كلامِ المهيمنِ الرحمنِ

جاء هدياً مبشراً ونذيراً ... صادقَ الوعدِ واضحَ التبيانِ

يجعل العرفَ للعبادِ شعاراً ... ويوصى بالعدلِ والإحسانِ

وعن البغي والفواحش ينهى ... كي تقوى دعائمُ العمرانِ

وبنارِ الجحيم جاء نذيراً ... وبشيراً بخالدات الجنانِ

إنه الحقُّ من عليمٍ حكيمٍ ... قــــد أعزَّ الإسلامَ بالقرآنِ

كنزُ علمٍ آياته بيناتٌ ... فاض نوراً بسامياتِ البيانِ

زاخرٌ بالهدى كتابٌ منيرٌ ... عربيُّ المبنى جزيلُ المعاني

أنزلتهُ السماءُ للناس بشرى ... حــــيــــن شــــاءت إرادةُ الرحمنِ

أن يبيد الدين الحنيف ضلالاً ... ولدتــــــه عــــــبـــــادة الأوثـــــانِ

لقـــــن الوحـــــي آيـــــه لنـــــبــــي ... عز قدراً عن سائرِ الإنسانِ

خيرُ روحٍ حلت بأشرفِ جسمٍ ... عبقري النهى عظيم الجنانِ

هلل الكون إذا تلألأَ فيهِ ... نورُ طهَ وكبرَ المشرقانِ

خاتم المرسلينَ خيرُ حنيفٍ ... رفعَ الدينَ فوقَ هامِ الزمانِ

أحمدُ المصطفى عليه يُصَلَّى ... كــــل حــــيٍّ فــــي عالم الأكوانِ

جاءه الوحي بالرسالةِ لما ... حرفَ المفسدون في الأديانِ

وعلى الناس نعمةُ اللَه تمت ... حين وافى الأمينُ بالفُرقانِ

إن دينَ الإسلامِ خيرُ صراطٍ ... يُرشِدُ النفسَ للمصيرِ الثاني

أيها الناس خالفوا غيَّ نفسٍ ... شاغلتها وساوسُ الشيطانِ

طهروها من الرذيلة حتى ... تنقذوها من ثورةِ العصيانِ

حاربوها بالطيباتِ عساها ... تتوارى عن مفزعاتِ الأماني

حذروها عين الرقيب لكي ما ... تذكر اللضه خيفةً كلَّ آنِ

عودُوها على الفضيلة حتى ... تتحلَّى بالسابقاتِ الحسانِ

ألبسوها من طاعة اللَه نوراً ... فيه تبقى سعيدةً في أمانِ

زودوها التقوى فإن جناها ... خيرُ زادٍ للمنهلِ النفساني

ذكروها أن الحسابَ عسيرٌ ... لو تمادت في اللهوِ والعصيانِ

وجمالُ الدنيا الذي يستبيها ... يتلاشى مهما بدا كالدخانِ

سنواتُ الأعمار تجري سراعاً ... كــــمنامٍ يمرّ مرَّ الواني

ساخراتٌ أيامها من ظلومٍ ... لم يفكر في يقظةِ الندمانِ

ضاحكاتٌ والمغرياتُ تنادي ... ما صفا الدهر نصفَ يومٍ لهاني

كل عمرِ مهما تراءى طويلاً ... كان حُلماً في جولةِ الوسنانِ

صحوةٌ أيقظَ الحقيقة منها ... ملكُ الموتِ في حلولِ الأواني

دهَمَ النفسَ حين حُمَّ قضاءٌ ... وهي تهوى في ظلمةِ الطغيانِ

خلفَ الجسم في سكونٍ ورهبٍ ... وطواهُ في وحشةِ الأكفانِ

وإلى الرمسِ حيث واراهُ تربٌ ... فيه أمسى فريسةَ الديدانِ

فاخرات يد البلى في عظامٍ ... حوّلتها ذراً يد الحدثانِ

حكمةُ الموتِ في الوجودِ انتقالٌ ... كلُّ جسمٍ يضمهُ عالمانِ

عالمُ الظلمةِ القصيرُ مداهُ ... وخلودٌ في العالمِ النوراني

أيها الناسُ للبقاءِ خلقتُهم ... ومقام الخلودُ ليس بِفانِ

كلُّ جسمٍ بعدَ البلى سوفَ يحيا ... يومَ عرضِ الصراطِ والميزانِ

وتوفى ما قدمَت كلُّ نفسٍ ... بــــيــــن خــــوفٍ ورجــــفةٍ وأمانٍ

حصحص الحقُّ والموازينُ قسطٌ ... والمخازي تمثلت للعيانِ

وعيونُ الجحيمِ من كل فجٍّ ... مــــرســــلاتٌ لوامِــــعَ النــــيــــرانِ

في زفيرٍ كقاصفِ الرعدِ يجري ... فـــــي دوى يـــــروعُ كــــلَّ جــــنــــانِ

لهبٌ يخطف النواظِرَ رُعباً ... وأزيــــزٌ يــــجــــوبُ كــــلَّ مــــكــــانِ

حَولَ حشدٍ تكدَّسَ الخلقُ فيه ... كالفراشِ المبثوثِ في القيعانِ

وسيولُ الرحضاءِ تنسابُ مهلاً ... كحميمِ السعيرِ في غليانِ

وقدَةُ الحشرِ ضاعفَت كلَّ كربٍ ... مرّ بالقلبِ والنهى واللسانِ

هذه الساعةُ التي قد وعدتم ... صدقَ الوعدُ أيها الثقلانِ

موقٌف للحسابِ لا ريبَ فيه ... لم يغيب عن حشدهِ أصغرانِ

كم أفاضَ التنزيلُ عنه بياناً ... واعد المؤمنين خلدَ الجنانِ

أيها الناس من رعاكم حليماً ... وحباكم بالعفو والإحسانِ

وأفاضت أيديه أكبر نعمى ... شملتكم في رحمةٍ وحنانِ

غيرُ نورِ الوجودِ ربِّ البرايا ... خالق الخلقِ فاطِرِ الأكوانِ

باعثِ العالمين في ملوكتٍ ... وحده فيه صاحبُ السلطانِ

من رُفاتِ تكدست في قبورٍ ... أورثتها البلى يد الحدثانِ

ناشطاتٍ تقومُ بعدَ رقودٍ ... كان يطوى الأحقابَ في الأكفانِ

كــــجــــرادٍ يــــفــــرُّ مــــن أجــــداثٍ ... يملأ البيدَ بين قاصٍ ودانِ

ضاقت الأرض عن جموعِ سُيولٍ ... سابحاتٍ في لجةٍ الندمانِ

كشفَ الموقفَ الرهيبُ غطاءً ... كان يغشى محاجرَ الوسنانِ

أسدلتهُ حماقةُ الجهلِ كبراً ... وعـــــتـــــوّاً وشــــدهُ الغــــاويــــانِ

إنه الحمقُ فانظروا كيف تهوى ... عن ربا الظلمِ رايةُ العصيانِ

أيها الناسُ قد بعثتم وعدلاً ... قد تلاشت سفاهةُ النكرانِ

وعميتم عن الهداية حتى ... نبذتكم مراحِمُ الغفرانِ

فقضيتم دنياكم في ضلالٍ ... مستجيبين دعوةَ الشيطانِ

قضى الأمر وانتهى كل شيء ... وتجلى ما أغفل الناظران

فهلموا إلى الحساب وحاشا ... أن يرى الظلم نفسهُ في مكانِ

إن تكونوا مصدقين فأمنٌ ... وســـــلامٌ وجـــــنــــةٌ وتــــهــــانــــي

أو تكونوا مكذبين فأنتم ... والشياطين طعمةُ النيرانِ

أيها الناس ما خلقتم لتحيوا ... كدوابٍ تفنى بمرِّ الزمانِ

بل حبتكم مواهبٌ وعقولٌ ... فضلتكم عن سائر الحيوانِ

نعمةُ اللَه حين تمت عليكم ... زودتكم بالعلمِ والعرفانِ

كرمَ اللَه خلقكم ورعاكم ... وهــــداكــــمُ للبــــر والإحــــســــانِ

كلُّ نفسٍ تخشى الإله ستمشي ... يوم هولِ الخرُوجِ في اطمئنانِ

لقيتها الدنيَا قريرةَ عينٍ ... وبخُلدِ الأخرى لها جنَّتَانِ

حلقَ الرعبُ والمليكُ يُنادِي ... ها وعيدي والويلُ من سلطاني

يا عُصَاةَ الرحمنِ حَلَّ بلائي ... كيف ينجو من نقمتي من عصاني

ما جنودَ الشيطانِ إلا غواةٌ ... ابعدوكُم عن طاعَتي وحناني

لا فــــداءٌ ولا شــــفــــيعٌ يُرَجَّى ... إنــــهُ الفصل أيُّهَا الثَّقَلانِ

واقــــتــــداري وعــــزَّتي وجلالي ... سوفَ يُجزى المسيءُ بالحرمانِ

إنَّ عفوي ينالُه كُلُّ عبدٍ ... كان يخشى بطشي ولا ينساني

أيُّها المحسنون هذا نعيمي ... قد وُعِدتم به وذا غُفراني

فَهَــــلُمــــوا إلى فــــراديس خُلدٍ ... في قُصورٍ أعدَّها رضواني

وســــلامٌ لكم بما صدَّقتُم ... وصبرتم على كروبِ الزَّمانِ

إن هذا وعدي وقد تمَّ وعدي ... وجزاءُ الإحسانِ بالإحسانِ

فهنيئاً لكم نعمتم وفُزتُم ... يا عبادي بالحمدِ والشُّكرانِ

أيها الناسُ حاربوا النفسَ زُهداً ... يتجلى اليقينُ ملءَ العيانِ

وأشتروا الخلدِ بامتهانِ متاعٍ ... عرضيٍّ مهما ترَفَّهَ فانِ

طهِّروا القلبَ من بذورِ الخطايا ... وازرعوا فيه زهرةَ الإيمانِ

واجعلوا الذكرَ زادَه فهوَ نُورٌ ... فيه يسعى إلى الرضا الرباني

واعملوا الطيباتِ ما جاءَ فجرٌ ... بجديدٍ وما بدا النيرانِ

واسلكوا للهدى صراطاً سويا ... تأمَن النفسُ زفرَةَ الندمانِ

زوِّدوها التقى فيخبو سراجٌ ... أشعلتهُ حماقَة الهذيَانِ

واملئوا القَلبَ رحمةً ويقينا ... تُبعِدُه عن غلظةِ النَّهمَانِ

إنما الطُّهرِ للنفوس جمالٌ ... فإذا ضاعَ ضيعتها الأماني

واضربوا الأرضَ بالخرافاتِ وابنُوا ... للحياتين أثبتَتَ البُنيانِ

واقصروا في الخطا وغنُّوا وتُوبوا ... تأمنوا في القيام عضَّ البنانِ

وأزيحوا عن العُيونِ ستاراً ... أسدلتهُ أصابعُ الشيطانِ

أيها الناس لا تطيعوا عدواً ... شنَّ حرباًَ على بني الإنسانِ

لم يطع في السجودِ أمرَ إلهٍ ... مــــالك المُــــلكِ أمــــرُه حَرفَانِ

كلُّ من في السماءِ والأرضِ عَبدٌ ... للبديعِ المُهيمنِ الرحمنِ

أيُّ مقتٍ لمن تمرَّدَ كبراً ... واستفزَّتهُ حمأَةُ العصيانِ

أغضبَ اللَه إذ أبى أن يلبي ... أمرَ ربِّ العُلا عظيمِ الشانِ

يا عبادي اسجدوا لآدمَ إنِّي ... خالقٌ منهُ عالمِ الإنسانِ

سجدَ الكُلُّ طائعاً في خُضوعٍ ... وتسامى التقديسُ للرحَمَنِ

وتــــأتَّى عــــن الســــجــــودِ شَقيٌّ ... ضــــللتهُ حماقَةُ الطُّغيانِ

ملأت الشرُّ نفسهُ كبرياءً ... باءَ منها بالخزي والخسرانِ

إيهِ إبليسُ لعنةُ اللَهِ حلت ... يا رحيماً خسئتَ من شيطانِ

كيفَ تنجو من نقمتي وعقابي ... أيُّ عبدٍ يَفِرُّ من سُلطاني

قال ربِّيــ ذرني لميقاتِ يومٍ ... في ضحاهُ سيحشرُ الثقلانِ

سوف يغوى أبناءَ آدمُ مَكري ... واختيالا يُطغيهُمُ شيطاني

وأبُثُّ الفسادَ فيهم وكيدي ... يُلبِسُ الرشدَ طلسَمَ النسيانِ

وأوُّزُ النــــفــــوسَ أزّاً فــــتهوى ... في حضيضِ من مهلكاتِ التفاني

سابحاتٍ في ظُلمَةٍ من خيالٍ ... غارِقاتٍ في لُجَّةِ الهَذَيانِ

سوف تبقى كما تمنيتَ حتى ... يومِ فصلٍ ما بين إنسٍ وجانِ

يوم عرضي لمن خلقتُ ولمَّا ... لم يُبدَّل ما أخرجَت شفتانِ

وأدعُ إبليسُ ما استطعتَ وغَرِّر ... من أطاعَتكَ نفسُهُ بالأماني

ها سعيري وزمهريري يدعو ... لعذابِ الحريقِ من قد عصاني

يوم أدعو هَلِ امتلأتِ وغيظاً ... تتبدَّى في ثورةِ الغضبانِ

وتنادى غضباءَ هل من مزيد ... كيف تنسى وقودها نيراني

أيها الظالمُ المكذِّبُ هَيَّا ... ها جحيمي خُلوٌ من السكانِ

ذا سعيري مؤججٌ وحميمي ... لعصاةِ الرحمنِ ينتظرانِ

فهلموا إلى يا من كفرتم ... ما أشدَّ العذابَ في أحضاني

آن إبــــليسُ أن أذيقَكَ هولي ... في عذابٍ لما يُهيَّأـــ لثانِ

يا سجيني آنَ القصاصُ وهذا ... وعدُ ربِّيـــ حَقّاً لأول جاني

يا عدوَّ الإنسانِ قد كنتَ حرباً ... أعلنتها حماقةُ الطغيانِ

كنتَ تدعو إلى الضلالِ وتسعى ... في انتشارِ الفسادِ والعِصيانِ

كم تربَّصتَ بابنِ آدم حتى ... نَــــبَذَتهُ مراحِمُ الغُفرَانِ

ونصبتَ الشباكَ كيداً ومكراً ... كي تضلله عن هدى الإيمانِ

قُضى الأمرُ وانتهى كلُّ شيءٍ ... دبــــرتهُ مكائدُ الشيطانِ

ذُق أشدَّ العذابِ يا شرَّ غاوٍ ... أبعدَ النورَ عن بني الإنسانِ

يا رجيم الدارينِ بئسَ خلودٌ ... صــــدقت فيه آيةُ الرحمنِ

يا ابن حواءَ ما خُلِقتَ لتحيا ... كحياةِ الأنعامِ والحيوانِ

أنتَ بالعقلِ قد بلغتَ مكاناً ... عبقرياً أكرم به من مكانِ

صَوَّرَ اللَه فيك أحسنَ خلقٍ ... أبدعت صُنعَهُ يدُ الرحمنِ

وأمَــــدَّ الفــــؤادَ فيكَ بنورٍ ... جعل الخارقاتِ طَوعَ البنانِ

كلُّ شيءٍ مُسَخَّرٌ لك كيما ... تتسامى دعائمُ العُمرانِ

يا ابن حواءَ أنت أكثر خلقٍ ... غَمَرتهُ الآلاءُ بالإحسانِ

كَرّضمتكَ النعمى وأولئكَ فضلاً ... أيــــدتــــهُ مــــواهــــبُ العِرفانِ

فاشكرِ المُنعمَ الرحيمَ وسبِّح ... فــــي خشوعٍ بحمدِهِ كلَّ آنِ

واذكرِ الموتَ فهو أحسنَ ذكرى ... تنفعُ الناسَ يوم عَضِّ البَنَانِ

واجــــعــــلِ اللَه وَحدَهُ لك مولى ... وتــــزوَّد مــــن حكمةِ القرآنِ

تقضِ دُنياكَ ما حييتَ سعيداً ... وبخُلدِ الأخرى لها جنَّتَانِ

إن هذا الفوزُ العظيمُ فكَبِّر ... بــــاســــمِ رَبٍّ هَــــداكَ للإيــــمــــانِ

حكمِ العقل يا ابن آدم واحذَر ... من أضاليل فِتنةِ الشيطانِ

لا تُــــطِعهُ وتتخذهُ وَلِيّاً ... فهو يدعو للشِّركِ بالرحمنِ

يَطبَعُ الشَّرَّ في النفوسِ ويملي ... كــــلَّ غَــــيٍّ للشــــركِ بــــالرحمنِ

إن هذا الطاغوتَ شرُّ لَعينٍ ... مــــن ألدِّ الأعــــداءِ للإنــــســــانِ

أيها الناسُ قد أتاكم كِتابٌ ... ناطِقٌ بالهُدى فَصيحُ البيانِ

بَيَّنَ الرُّشدَ والضَّلالَ بَشيراً ... ونذيراً يَدعُو إلى الإيمانِ

يَبعَثُ النُّورَ في القلوبِ فَيَهدى ... من يَشاءُ المحيطُ بالأكوان

والذي صُــــمَّ قَــــلبُه ظــــلَّ أعمى ... لا يرى النُّورَ وهو مِلءُ المكانِ

بيِّناتٌ قد فَصَّلَت كلَّ شيءٍ ... أمَرَتكُم بالعَدلِ والإحسانِ

ونهتكُم عن الخبائثِ والمُنك ... رِ تلكم دسائسُ الشيطانشِ

أيُّ فَـــــــوزٍ لِمَـــــــن أطــــــاعَ ولَبَّى ... دعــــوةَ الحقِّ ثابتَ الأركانِ

طاهِرَ النفسِ من جميع المعاصي ... مُؤمنَ القَلبِ صادقَ الإيمانِ

يَسمَعُ الذِّكرَ وهويُتلى فيجثو ... ساجِداً باكياً من القُرآنِ

بين وَعدٍ مُبَشِّرٍ بِنَعيمٍ ... في فَرادِيسَ خالداتِ الجِنانِ

وَوَعــــــيــــــدٍ مُــــــصَـــــوِّرٍ لعـــــذابٍ ... يُفقِدُ الرُّشدَ في لَظَى النِّيرانِ

من تَوَلَّى ولم يَخَف من وعيدٍ ... أيُّ مَقتٍ يَرَى وهَولٍ يُعاني

خَدَعَتهُ الدُّنيا فأعرَضَ يلهو ... في نعيمٍ من المَتَاعِ الفاني

من أراد الدُّنيا تَبَوَّأَ منها ... كلَّ ما يشتهي ونالَ الأماني

دارُ لَهوٍ طاشت بعقلِ جَهُولٍ ... منه مَدَّت للمُوبقاتِ يَدَانِ

مُلِئَت نفسُهُ الخبيثةُ شَرّاً ... فتمادى في الكُفرِ والعِصيانِ

أنكَرَ البعثَ والقيامةَ حتّضى ... دهــــمــــتــــهُ لفــــائفُ الأكفانِ

أودعته الدنيا بُطُونَ ثراها ... فتوارى عن أعينِ الحدثانِ

أيها الناسُ آمِنُوا وأطيعوا ... واتقُوا اللَه قبلَ فوتِ الأوانِ

ما الحياةُ الدُّنيا التي فَتَنَتكم ... وسبتكم بالمُغرياتِ الحِسانِ

غَيرُ يَومٍ أحلامُهُ سابحاتٌ ... بــــيــــن مَوجِ السُّرُورِ والأحزانِ

سَنَواتُ الأعمارِ كالبرقِ تجري ... مُـــــســـــرِعــــاتٍ كــــأنَّهــــُنَّ ثَــــوانِ

فَترَةُ العَيشِ في الحياةِ اختبارٌ ... للنعيمِ المُقيمِ أو للهوانِ

فاعمَلُوا الطِّيباتِ تأمن نُفُوسٌ ... يَومَ عرضِ الأعمالِ عَضَّ البَنانِ

واطلُبوا الرِّزقَ ما حييتمُ حلالاً ... واستعينوا بالصبرِ والإيمانِ

واسلكوا للصلحِ خيرَ سبيلٍ ... مه تبدُو مفازَةُ الرِّضوَانِ

واضرِبُوا الأرضَ بالخُرافاتِ وامشوا ... صَوبَ نورِ اليقينِ في اطمئنانِ

وازرعوا اليومَ تحصدوا بعد حينٍ ... واستزيدوا من خالدِ البُنيانِ

واهجُروا الخمرَ فهيَ أكبرُ رجسٍ ... مُفسد الرُّوحِ مُتلِفِ الأبدانِ

تَسلُبُ الرُّشدَ من نُهى محتسيها ... حين تسرى في الحسِّ كالأفعوانِ

لَقَّبُوها أمَّ الخبائثِ حقّاً ... فهي أقوى حبائل الشيطانِ

وأقيموا الصلاةَ للهِ شُكراً ... واذكُــــروه فــــي السِّرِّ والإعــــلانِ

سَبِّحُوا اللَهَ بُكرَةً وأصيلاً ... في سجودٍ ما ضَوَّأَ المَشرِقانِ

وأعيرُوا خلقَ السمواتِ فيضاً ... من صفاءَ الإدراكِ والإمعانِ

فكِّرُوا خاشعينَ في مَلَكُوتٍ ... أبــــدعَــــت في دِقَّةِ الإتقانِ

سارياتٌ حَيَّرَ العقُولَ نِظاماً ... لم يشبه في دِقَّةِ الإتقانِ

ســــاريــــاتٌ فــــراقــــدٌ وشــــمــــوسٌ ... خاطفاتُ الأبصار قاصٍ ودانِ

ســــابحاتٌ كلٌّ يشقُّ مداراً ... في فضاءِ الآفاقِ والاكوانِ

مَلَكُوتٌ فيه العوالمُ تَجري ... آمـــــنـــــاتٍ طــــوارئ الحــــدَثَــــانِ

لاحظَتها عَينُ الرَّقيبِ لتبقى ... ما أرادت مشيئةُ الرَّحَمنِ

فــــإذا جــــاءَ وَعــــدُه تــــتــــوارى ... آفــــلاتٍ ويــــختفى النَّيِّرانِ

إنَّهــ الفصلُ بين دُنيا وأخرى ... أعلنتهُ على الورى صَيحَتانِ

إن عيشَ الدُّنيا وإن طالَ يومٌ ... فيه تمَّتــ صحيفةُ الإنسانِ

طائرٌ ناطقٌ كتابٌ شهيدٌ ... سُجِّلَت فيه صادقاتُ البَيانِ

عَـــــزَّزَت صِـــــدق شـــــهـــــادةُ أيــــدٍ ... وجُـــــــلُودٍ وأعـــــــيــــــنٍ ولســــــانِ

فاخشوا اللَه واتقوه تَقُوموا ... من دياجي أجداثكم في أمانِ

يَومَ يَهتزُّ منكِبُ الأرضِ رُعباً ... والســـــمـــــواتُ وردةٌ كــــالدهــــانِ

يَومَ لا تملك النفوسُ فِدَاء ... أو فِراراً مما ترى وتُعاني

وله الأمــــرُ وَحدَه في جُمُوعٍ ... تسألُ العفوَ بين إنسٍ وَجَانِ

حُكمهُ الفَصلُ في مصيرِ عَبيدٍ ... إلدارِ الجــــحيمِ أم للجنانِ

فاز بالخلدِ في فسيحاتِ عَدنٍ ... من هَداهُ الرَّحمنُ للإِيمانِ

وأضَلَّ السبيلَ من تَاهَ كِبراً ... وعُتُوّاً وخادَعَتهُ الأماني

وإذا تمَّ في المشيئةِ أمرٌ ... لم يُبَدَّل ما سَجَّلــ الحَرفانِ

آيةُ النورِ بيَّنَت كلَّ شيءٍ ... وكفى الآن أيها الثقلانِ

ما سعيدُ الدارينِ يا نفسُ إلا ... من تفانى في طاعةِ الرَّحمَنِ

والشَّقيُّ الملعونُ دنيا وأُخرى ... كل غِرٍّ هَوَى مع الشيطانِ

يا إلهَ الوجُودِ نُعماكَ عمَّت ... كــــلَّ حــــيٍّ فــــي سائِرِ الأكوانِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.

تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الرباني: ربن: الرَّبُونُ والأُربونُ والأُرْبانُ: العَرَبُونُ، وَكَرِهَهَا بَعْضُهُمْ. وأَرْبَنه: أَعطاه الأُرْبونَ، وَهُوَ دَخِيلٌ، وَهُوَ نَحْوُ عُرْبون؛ وأَما قَوْلُ رُؤْبَةَ: مُسَرْوَل فِي آلِه مُرَبَّن ومُرَوْبَن، فإِنما هُوَ … (لسان العرب)
  • بالكون: كون: الكَوْنُ: الحَدَثُ، وَقَدْ كَانَ كَوْناً وكَيْنُونة؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ وَكُرَاعٍ، والكَيْنونة فِي مَصْدَرِ كانَ يكونُ أَحسنُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَقُولُ فِي ذَوَاتِ الْيَاءِ مِمَّا يُشْبِهُ زِغْتُ وسِرْ … (لسان العرب)
  • بلطف: لطف: اللَّطِيف: صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَاسْمٌ مِنْ أَسمائه، وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، وَفِيهِ: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ*؛ وَمَعْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعلم، الرَّفِيقُ بِعِبَادِهِ. ق … (لسان العرب)
  • جناني: جنن: جَنَّ الشيءَ يَجُنُّه جَنّاً: سَتَره. وكلُّ شَيْءٍ سُتر عَنْكَ فَقَدْ جُنَّ عَنْكَ. وجَنَّه الليلُ يَجُنُّه جَنّاً وجُنوناً وجَنَّ عَلَيْهِ يَجُنُّ، بِالضَّمِّ، جُنوناً وأَجَنَّه: سَتَره؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شاهدُ … (لسان العرب)
  • سبح: سبح: السَّبْحُ والسِّباحة: العَوْمُ. سَبَحَ بِالنَّهْرِ وَفِيهِ يَسْبَحُ سَبْحاً وسِباحةً، وَرَجُلٌ سابِحٌ وسَبُوح مِنْ قَوْمٍ سُبَحاء، وسَبَّاحٌ مِنْ قَوْمٍ سَبَّاحين؛ وأَما ابْنُ الأَعرابي فَجَعَلَ السُّبَحاء جَمْعَ سَ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • سفرت فلاح لنا هلال سعود
  • كم تهيم كم تجب
  • وافاك يا زينة الدنيا وبهجتها
  • بعلاك يختال الزمان تبخترا
  • قصيدة
  • قصيدة