من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
حية

تصوّر فني حديثصورة حديثة رُسمت على وصف القزويني، بأسلوب منمنمات المخطوطات؛ وليست من المخطوط. © ميزان العرب. اسحب المقبض لترى تحتها منمنمته في المخطوط: مكتبة الدولة البافارية بميونخ، المخطوط العربي ٤٦٤، المؤرخ سنة ٦٧٨هـ، الورقة ٢٠ وجه. ملكية عامة.
ما قاله القزويني فيه
من أعظم الحيوانات خلقة، وأشدها بأسا، وأقلها عددا، وأطولها عمرا. قالوا: ليس من حيوانات البر شيء أعظم من التنين ولا شيء يقتل نهشه أسرع من الحية؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بقتلها في الحل والحرم، وقال النبي ﷺ: «من قتل حية فله عشر حسنات». ولما حرمت الحية آله الهرب أعطاها الله تعالى سلاحا تدفع عن نفسها، فلأجل ذلك إذا سمع الإنسان بوجودها في بقعة هرب منها ولا يقربها، ولولا نابها لاتخذها الناس حبلا ولعبت بها الصبيان. وذكروا: أن الحية تتولد من شعر الإنسان إذا وقع في الماء وأثرت الشمس فيه، وأنها يكثر اختلاف أصنافها في الكبر والصغر والتعرض للإنسان والهرب منه؛ فمنها ما لا يؤذي إلاّ إذا وطئها واطئ، ومنها ما لا يؤذي إلاّ إذا وطئ حماها، ومنها ما لا يؤذي إلاّ على بيضها وفرخها، ومنها ما لا يؤذي إلاّ إذا آذاها الناس مرة. ومنها الأسود الذي يحفر ويمكن حتى يدرك الفرصة، ومنها الحفاف وهي دابة تشبه الحية ولها نفخ ورعيد وتقريب، وهي أشر هيئة من الأفعى والثعابين، وإنها لا تضر ولا تنفع والحيات تقتلها، ومنها حية ويقال لها: الملكية، طولها شبر وأكثر، وعلى رأسها خطوط بيض تشبه التاج، فإذا انسابت على الأرض أحرقت كل شيء مرت عليه، وإن طار طائر فوقها يسقط عليها، وإذا بدت تنساب هرب من بين يديها جميع الدواب، وإذا صفرت يموت من صفيرها كل حيوان سمع ذلك بعدما ينتفخ ويسيل منه الصديد، وإن أكل من تلك الجيفة شيء من السباع يموت. قال جالينوس: إنها حية شقراء على رأسها ثلاث قبازع مثل التاج وهي قليلة الظهور للناس. وزعموا أن الحية تعيش ألف سنة وأكثر، وكل سنة تسلخ جلدها، وكلما انسلخ يظهر على قفاها نقطة، فنقط قفاها عدد سنيها، وإذا دخل بعضها في الجحر وبقي بعضها خارجا لا يمكن جذبها إلى خارج البتة، حتى لو شد البقر في ذنبها ينقطع ولا تنجذب، وتبيض ثلاثين بيضة على عدد أضلاعها، فيجتمع عليها النمل والبق فيفسدها ولا يصلح منها إلاّ القليل، وإن لدغتها العقرب ماتت إن لم تجد ملحا تنام عليه، وإن وجدت سلمت. وقالوا: من الحيات حية إن ضربت بعصا مات الضارب. ومن عجائب الحية أنها إذا علمت أنها مقتولة احترزت على رأسها، وانطوت أشد الانطواء على الرأس، وجعلت بدنها وقاية للرأس، ولا تزال تفعل ذلك حتى تصيب الضربة رأسها. وذكروا أن في تربة الأهواز حية حمراء دقيقة إذا رأت الإنسان وثبت عليه كالطير ولسعته فيموت في الحال. وذكروا أيضا أن الحية عند انتصاف النهار، واشتداد الحر، وامتناع الحافي من الأرض والمنتعل يغور ذنبها في الرمل، وتنتصب كأنها عود مركوز أو ثابت، فإذا رأى الطائر عودا مركوزا كره الوقوع إلى الأرض من شدة الحر ووقع على رأس الحية على أنها عود فتقبض عليه.
خواصّه كما ذكرها
(نابها) يقع حال حياتها ويشد على صاحب حمى الربع تزول عنه الحمى، قال ابن سينا: يقوى القوة ويحفظ الحواس والشباب وينفع من الجذام وداء الثعلب، وقال محمد بن زكريا: ذكر الأوائل أن المستسقي إذا أكل من لحم حية عتيقة لها مؤن سنين يبرأ. وقال أبقراط: (لحم الحية) أمان من الأمراض الصعبة. (شحمها) يذاب ويطلى به البواسير مع الملح ينفعه نفعا بينا. (وسلخها) يطبخ بالخل ويتمضمض به ينفعه من وجع السن، وإذا أحرق في إناء نحاس وسحق نفع من أوجاع العين كلها ويسود العين الزرقاء، وقد اشتهر بين الناس أن من أكل منها فلسا لا يرمد سنة، ومن أكل فلسين لا يرمد سنتين وهكذا، وإن علق على صاحبة الطلق وضعت في الحال. (جلدها) يحرق ويكتحل برماده ينفع من السبل وتقاطر الماء في العين ويذهب الظلمة. وقال جالينوس: مرق الحية يقوي البصر. (وبيض الحية) يسحق في الهاون ويطلى به المرض يزول.