من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
النوع السابع: من الحيوانات الهوام والحشرات
أفعى
برغوث
بعوض
ثعبان
جراد
حرباء
حلزون
حية
خراطين
خنفساء
دودة القز
ديك الجن
ذباب
الدرحرج
رتيلاء
زنبور
سام أبرص
سلحفاة
صرصر
صناجة
ضب
ظربان
عقرب
عنكبوت
فأر
فراش
فسافس
قمل
قنفذ
نبر
نحل
نمل
صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل مخلوق منمنمته في المخطوط إن وُجدت.
هذا النوع لا يمكن ضبط أصنافه لكثرته. قال بعض المفسرين: من أراد أن يعرف تحقيق قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] فليوقد نارا في وسط غيضة بالليل وينظر ما يغشى تلك النار من الحشرات، فإنه يرى صورا عجيبة وأشكالا غريبة لم يكن يظن أن الله تعالى خلق شيئا من ذلك، على أن الخلق الذي يغشى ناره مختلف باختلاف مواضع الغياض والجبال
والسهول والبراري فإن في كل بقعة من هذه البقاع ألوانا من المخلوقات مخالفة لما في البقعة الأخرى.
ومن الناس من يقول: أي فائدة في هذه الهوام مع كثرة ضررها؟
ولم يدر أن الله تعالى يراعي المصالح الكلية كإرسال المطر فإن فيه مصالح البلاد والعباد وإن كان فيه خراب بيت العجوز؛ فهكذا خلق هذه الحشرات من المواد الفاسدة والعفونات الكامنة لتصفو لحومها ولا يعرض لها الفساد الذي هو سبب الوباء وهلاك الحيوان والنبات، وإن كان يتضمن لسع الذباب، والبق.
والذي يحقق ذلك أنا نرى الذباب والديدان والخنافس في دكان القصّاب والدباس أكثر ما يرى في دكان البزار والحداد الوباء، ثم جعل صغاره مأكولا لكبارها وإلا امتلأ وجه الأرض منها فليس في ملكوته ذرة إلاّ وفيها من الحكمة ما لا يحصى.
وأعجب من هذا أن كل ما جعل سببا لهلاك حيوان جعل لحمه سببا لدفع ذلك السم فإن الأطباء الأقدمين جعلوا في لحم الحية قوة تقاوم سمها فأدخلوا لحمها في الترياق.
والتجربة تشهد أن من لدغه العقرب يلطخ الموضع برطوبة العقرب يسكن ألمها في الحال.
ثم إن هذا النوع من الحيوانات يختلف حالها عند الشتاء؛ فمنها ما يموت من برد الهواء كالديدان والبق والبراغيث، ومنها ما يكمن في الشتاء ولا يأكل شيئا كالحيات والعقارب، ومنها ما يدخر ما يكفيه لشتائها كالنحل والنمل؛ فإنها لا تعيش بلا طعم.
ولنذكر بعضها مرتبا على حروف المعجم إن شاء الله تعالى، والله الموفق للصواب.
حرف الألف (أرضه) دودة بيضاء صغيرة تبني على نفسها أزجا شبه دهليز؛ خوفا من عدوها كالنمل وغيره وإذا أتت عليها سنة بنبت لها جناحان طويلان تطير بهما، وهي التي دلت الشياطين على موت سليمان ﵇ وإذا خرب أزجها اجتمعت كلها على إعادته، ولها مشفران حادان تثقب بهما الحجارة والآجر والنمل عدوها، وهي أصغر من الأرضة جثة فيأتي من خلفها ويحملها ويمشي بها إلى جحره وإذا أتاها مستقبلا لها لا يغلبها؛ لأنها تقاومه.
قال صاحب المنطق: فأفسدت الأرضة على كثير من أهل القرى منازلهم وأكلت كل ما لهم إلى أن سلّط الله تعالى عليها النمل فأتت عن آخرها.
(أفعى) حية قصيرة الذنب من أخبث الحيات عيناها طولانية، مخالفة لصور سائر الحيوانات وحدقتها بارزة كالجراد إذا فقئت عينها تعوض ولا تغمض عينها البتة.
قالوا: تختفي في التراب أربعة أشهر البرد، ثم تخرج وقد أظلمت عيناها تطلب شيئا من الرازايانج وتحك عينها به يرجع إليها ضوؤها ولو قطعت ذنبها يرجع إليها كما نبت ولو قلع نابها رجع إليها أيضا بعد ثلاثة أيام، ولو ذبحت تبقى تتحرك ثلاثة أيام وهي أعدى عدو للإنسان والبقر الوحشي يأكلها أكلا ذريعا.
(وحكي) أنها نهشت ناقة في مشفرها ولها فصيل فرضعها فمات الفصيل في الحال قبل موت أمه وإذا مرضت أكلت ورق الزيتون.
خواص أجزائه
(دمها) يكتحل به يحد البصر ويمنع الغشا (شحمها) يذاب يمنع من نزول الماء اكتحالا وينتف شعر الإبط ويطلى بشحم الأفعى لا يرجع ينبت (قلبها) يجفف ويشد على إنسان لا يؤثر فيه السحر ويذهب حمى الربع (لحمها).
قال أبقراط: من أكله أمن من الأمراض الصعبة، ويقوي الأعصاب ويبطئ الشيب.
حكى عمر بن يحيى العلوي قال: كنّا في طريق مكة فأصاب رجلا منا الاستسقاء والعياذ بالله، فسلب العرب قطارا فيه ذلك الرجل العليل، ورجعنا بعد الحج إلى الكوفة؛ فإذا هو بالكوفة معافى فسألته عن حاله؛ فقال: إن الأعراب لما سلبوا القطار ساقوه إلى مسكنهم، وكان على فراسخ فطرحوني في أواخر بيوتهم، وكنت أتمنى الموت إلى أن رأيتهم يوما قد أخرجوا أفعى صادوها؛ فقطعوا رأسها وذنبها وشووها، وكانوا يأكلون منها.
فقلت في نفسي: هؤلاء قد اعتادوا أكل هذا فلا يضرهم فلعلي أنا إن أكلت منه مت فاسترحت فاستطعمتهم فرمى إليّ بعضهم واحدة وزنها أرطال فأكلتها فأخذني نوم ثقيل فانتبهت وقد عرقت عرقا شديدا واندفعت طبيعتي فقمت في يومي وليلتي أكثر من مائة مرة فتقطعت قوتي.
وقلت: هذا طريق الموت وأقبلت أتشهد وأدعو الله المغفرة إلى أن أصبحت فوجدت بطني قد ضمرت، وانقطع الألم فطلبت منهم مأكولا فأطعموني، وأقمت عندهم إلى أن وثقت من نفسي ثم أخذت الطريق مع بعضهم وأتيت الكوفة، ولحمها أيضا ينفع من الجذام والله الشافي.
(وحكى) بعضهم قال: فتحت بستوقة خضراء فيها شراب وهي مطينة الرأس فلما فتحت رأسها رأيت فيها أفعى قد تهرى لحمها، وكان ثم مجذوم يتمنى الموت لشدة ما به؛ فحملت تلك البستوقة إليه ليتخلص من الألم؛ فلما شربها انتفخ انتفاخا عظيما وبقي على ذلك أياما، ثم انسلخ من جلده الخارج وظهر الجلد الداخل الأحمر، وصلب وعاش بعد ذلك زمانا طويلا.
(طبيخ الأفعى)، قال بليناس: نافع من الجذام ومن ظلمة البصر وهيجان شهوة الجماع فإن طبخ بالزيت وطلي به موضع من البدن لا ينبت الشعر فيه، وهو أنفع شيء للسع الأفاعي والحيات (جلدها مع رأسها) يعلق على الحبلى تأمن من إسقاط الجنين.
قال ابن سينا: جلدها محرقا دواء جيد لداء الثعلب.
وقال: تشق الأفعى وتوضع على نهش نفسه يسكن وجعه.
وذكروا أن من أخذ خيطا أنجوانيّا أو أرعوانيّا وشد به حلق أفعى لتختنق، ثم شد ذلك الخيط على صاحب الخناق ينفتح في الحال بإذن الله تعالى.
(برغوث) هو أسود أحدب ضامر إذا وقع نظر الإنسان عليه أو أحس به، فيثب تارة إلى اليمن وتارة إلى الشمال حتى يغيب عن نظر الإنسان.
قال الجاحظ: إنها تبيض وتفرخ، قالوا: عمره خمسة أيام، وزعموا أن البراغيث من الخلق الذي يعرض له الطيران فيصير بقّا كما يعرض للدعاميص الطيران فتصير فراشا.
وذكروا أن البراعيث تأكل القمل الذي يكون في الثياب ويموت من رائحة ورق الدفلى، والله أعلم.
(بعوض) حيوان في غاية الصغر على صورة الفيل، فكل عضو خلق للفيل فللبعوض مثله مع زيادة جناحين، فسبحان من قسّم له الأعضاء الظاهرة والباطنة والقوى كذلك كما
للحيوان الكبير فانظر إلى صغر جسمه فإن الطرف يدركها بالشدة لصغره، ثم إلى رأسه؛ لأن رأسه لم تكن من جسمه، وفيه القوة الباصرة والسامعة ثم إلى دماغه.
وانظر كم يكون دماغه من رأسه فإن فيها القوى الباطنة الخمسة؛ لأن فيها الحس المشترك؛ لأنها ترى الحيوانات فتمشي إليها، وفيها الخيال؛ لأنها إذا وقعت على الحيوان تغمس خرطومها، وإذا وقعت على الحائط لا تفعل ذلك، وفيها الوهم؛ لأنه يفرق بين من يقصدها فتهرب وبين من لا يقصدها فتبقى، وفيها الحافظة؛ لأنها تجذب الدم وتهرب في الحال لعلمها بأنها أوجعت فيأتيها صدمة المتألم، وفيها المفكرة؛ لأنها إذا أحست بحركة يد الإنسان تهرب لعلمها أنها مهلكة وإذا سكنت يده عادت إلى مكانها لعلمها أن المنافي ذهب، وأن محل الغذاء قد خلا، ولها خرطوم أدق شيء يمكن أن يقال، ومع دقته مجوف حتى يجري فيه الدم الرقيق، وخلق في رأس الخرطوم قوة يضرب بها جلد الفيل والجاموس ينفذ فيهما، والفيل والجاموس يهربان من البعوض في الماء فسبحان من لا يعرف دقائق حكمه إلاّ هو.
يؤخذ من البعوض ثلاث وشيء من الصمغ ويحبب، ويجعل في كل حبة منه واحدة ويبلعها صاحب حمى الربع يوم النوبة، ولا يضع قدمه على الأرض فإنها تزول بإذن الله تعالى.
(ثعبان) حيوان عظيم الهيئة ذو شكل هائل ومنظر مهاب.
قال ابن سينا: أصغر أصنافها على ما ذكر خمسة أذرع، وأما الكبار فمن ثلاثين ذراعا إلى ما فوق ذلك، ويكون له عينان كبيرتان وتحت الفك الأسفل شعر كالذقن وله أنياب كثيرة.
وقال قوم: إنها تكثر بناحية النوبة والهند، والهندية كبيرة جدّا ولها وجوه صفر وسود وأفواه شديدة اللسعة وحواجب تغطي عيونها وأعناقها مفلسة.
قال ابن سينا: قد رأينا من هذا القبيل ما على حاجبها ورقبتها شعر غليظ، وذكورها أخبث من إناثها تبتلع ما تجده من الحيوانات فربما كان في الشي الذي ابتلعته عظم فيأتي جرم شجرة أو حجرا شاهقا فينطوي عليه انطواء شديدا فيتكسر ذلك العظم، وإذا صار إلى الماء يعيش فيه ويصير مائيّا وإذا صار إلى البر صار بريّا، بعد أن طال مكثه في الماء، ويأوي إلى الجبال الشامخة ليستروح ببرد الهواء من شدة وهج حرارة السم.
خواص أجزائه
(قلبه) إذا أكل يورث الشجاعة، وفي بلاد الهند يأكلونه لذلك.
قيل: من أكل قلبه تسخر له الحيوانات، (جلده) يشد على العاشق يزول عشقه، ومن استصحب منه شيئا تسخر له الحيوانات، (رأسه) تدفن في موضع تتوجه إليه الخيرات.
(جراد) هو صنفان: أحد الصنفين يطير في الهواء ويقال له: الفارس، والآخر: ينزو نزوانا ويقال له: الراجل فإذا رعت أيام الربيع طلبت أرضا طيبة التربة رخوة، ونزلت هناك وحفرت بأذنابها حفرا وباضت فيها كل واحد مائة بيضة إلاّ بيضة، وطارت وآفتها الطيور والبرد، ثم إذا أتت أيام الربيع واعتدل الزمان يفقس ذلك البيض المدفون، ويظهر مثل الذباب الصغار على وجه الأرض وأكلت زرعها حتى قويت ثم تنهض إلى أرض أخرى وباضت كما فعلت في عامها الأول، وهكذا دأبها ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] [يس: ٣٨] [فصلت: ١٢].
قال صاحب الفلاحة: إذا رأيت الجرادة مقبلة نحو القرية فليتوار أهلها عنها بحيث لا يظهر أحد منهم، فإذا لم ير الناس جاوزت القرية، ولم يقع بها شيء منها، وإذا أحرقت شيئا منها فإن البقية تعدل عن القرية إذا شمت قيادها أو تسقط وتموت.
والجراد الطوال (الأرجل) تشد على رقبة صاحب الحمى الربع تزول حماه، ويدخن بها صاحب البواسير ينفعه وكذلك صاحب عسر البول (رماده) ينفع من الناصور.
قال ابن سينا: (أرجلها) تقلع الثآليل فيما يقال.
(حرباء) هو حيوان أعظم من العظاية يقال له بالفارسية: أقباب برشت، يدور مع الشمس ووجهه لها كيفما دارت حتى تغرب، ويكون رمادي اللون ثم يصفر، وإذا أثرت فيه حرارة الشمس احمر، وقيل: يختلف لونه باختلاف ساعات النهار كل ساعة لون، وإذا رأى من يقصده كبر نفسه وليس فيه شيء من الضرر.
قال الجاحظ: سمعنا ذلك في الورل، ولم نسمعه في الحرباء، وتجعل الحرباء في وسط الطين وتترك تحت النار ثلاثة أيام بلياليها ثم تشد على رقبة المصروع يزول صرعه.
خواص أجزائه
(جلدها) يطاف به خارج القرية والمزرعة، ثم يعلق على وسط القرية أو المزرعة؛ فإنها تأمن من آفة البرد والجلود (أحشاؤها) يجمع في كوز جديد ويعرض على النار حتى يجف، ثم يشد في خرقة ويعلق على المسحور أو على من ظن أنه مسحور فإنه ينحل بإذن الله تعالى.
(حلزون) دودة في جوف أنبوبة حجرية، تنبت على الصخرة التي في سواحل البحار وشطوط الأنهار، وتلك الدودة تخرج نصف بدنها من جوف تلك الأنبوبة الصدفية وتمشي يمنة ويسرة تطلب مادة تتغذى بها، فإذا أحست برطوبة ولين انبسطت إليها، وإذا أحست بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصت في جوف تلك الأنبوبة حذرا من المؤذي لجسمها، وإذا انسابت جرّت بيتها أيضا معها.
قال ابن سينا: تطلى الجبهة بالحلزون تمنع انصباب المواد إلى العين.
(حية) من أعظم الحيوانات خلقة، وأشدها بأسا، وأقلها عددا، وأطولها عمرا.
قالوا: ليس من حيوانات البر شيء أعظم من التنين ولا شيء يقتل نهشه أسرع من الحية؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بقتلها في الحل والحرم، وقال النبي ﷺ: «من قتل حية فله عشر حسنات».
ولما حرمت الحية آله الهرب أعطاها الله تعالى سلاحا تدفع عن نفسها، فلأجل ذلك إذا سمع الإنسان بوجودها في بقعة هرب منها ولا يقربها، ولولا نابها لاتخذها الناس حبلا ولعبت بها الصبيان.
وذكروا: أن الحية تتولد من شعر الإنسان إذا وقع في الماء وأثرت الشمس فيه، وأنها يكثر اختلاف أصنافها في الكبر والصغر والتعرض للإنسان والهرب منه؛ فمنها ما لا يؤذي إلاّ إذا وطئها واطئ، ومنها ما لا يؤذي إلاّ إذا وطئ حماها، ومنها ما لا يؤذي إلاّ على بيضها وفرخها، ومنها ما لا يؤذي إلاّ إذا آذاها الناس مرة.
ومنها الأسود الذي يحفر ويمكن حتى يدرك الفرصة، ومنها الحفاف وهي دابة تشبه الحية ولها نفخ ورعيد وتقريب، وهي أشر هيئة من الأفعى والثعابين، وإنها لا تضر ولا تنفع والحيات
تقتلها، ومنها حية ويقال لها: الملكية، طولها شبر وأكثر، وعلى رأسها خطوط بيض تشبه التاج، فإذا انسابت على الأرض أحرقت كل شيء مرت عليه، وإن طار طائر فوقها يسقط عليها، وإذا بدت تنساب هرب من بين يديها جميع الدواب، وإذا صفرت يموت من صفيرها كل حيوان سمع ذلك بعدما ينتفخ ويسيل منه الصديد، وإن أكل من تلك الجيفة شيء من السباع يموت.
قال جالينوس: إنها حية شقراء على رأسها ثلاث قبازع مثل التاج وهي قليلة الظهور للناس.
وزعموا أن الحية تعيش ألف سنة وأكثر، وكل سنة تسلخ جلدها، وكلما انسلخ يظهر على قفاها نقطة، فنقط قفاها عدد سنيها، وإذا دخل بعضها في الجحر وبقي بعضها خارجا لا يمكن جذبها إلى خارج البتة، حتى لو شد البقر في ذنبها ينقطع ولا تنجذب، وتبيض ثلاثين بيضة على عدد أضلاعها، فيجتمع عليها النمل والبق فيفسدها ولا يصلح منها إلاّ القليل، وإن لدغتها العقرب ماتت إن لم تجد ملحا تنام عليه، وإن وجدت سلمت.
وقالوا: من الحيات حية إن ضربت بعصا مات الضارب.
ومن عجائب الحية أنها إذا علمت أنها مقتولة احترزت على رأسها، وانطوت أشد الانطواء على الرأس، وجعلت بدنها وقاية للرأس، ولا تزال تفعل ذلك حتى تصيب الضربة رأسها.
وذكروا أن في تربة الأهواز حية حمراء دقيقة إذا رأت الإنسان وثبت عليه كالطير ولسعته فيموت في الحال.
وذكروا أيضا أن الحية عند انتصاف النهار، واشتداد الحر، وامتناع الحافي من الأرض والمنتعل يغور ذنبها في الرمل، وتنتصب كأنها عود مركوز أو ثابت، فإذا رأى الطائر عودا مركوزا كره الوقوع إلى الأرض من شدة الحر ووقع على رأس الحية على أنها عود فتقبض عليه.
خواص أجزائه
(نابها) يقع حال حياتها ويشد على صاحب حمى الربع تزول عنه الحمى، قال ابن سينا:
يقوى القوة ويحفظ الحواس والشباب وينفع من الجذام وداء الثعلب، وقال محمد بن زكريا: ذكر الأوائل أن المستسقي إذا أكل من لحم حية عتيقة لها مؤن سنين يبرأ. وقال أبقراط: (لحم الحية) أمان من الأمراض الصعبة.
(شحمها) يذاب ويطلى به البواسير مع الملح ينفعه نفعا بينا.
(وسلخها) يطبخ بالخل ويتمضمض به ينفعه من وجع السن، وإذا أحرق في إناء نحاس وسحق نفع من أوجاع العين كلها ويسود العين الزرقاء، وقد اشتهر بين الناس أن من أكل منها فلسا لا يرمد سنة، ومن أكل فلسين لا يرمد سنتين وهكذا، وإن علق على صاحبة الطلق وضعت في الحال.
(جلدها) يحرق ويكتحل برماده ينفع من السبل وتقاطر الماء في العين ويذهب الظلمة.
وقال جالينوس: مرق الحية يقوي البصر.
(وبيض الحية) يسحق في الهاون ويطلى به المرض يزول.
(خراطين) دودة طويلة حمراء تسمى شحمة الأرض، توجد في المواضع الندية تشوى وتؤكل بالخبز، تفتت الحصاة من المثانة وتجفف وتعطي صاحب اليرقان تذهب صفرته، وتجفف وتسقى باللبن للتي تعسرت ولادتها تضع في الحال بإذن الله.
(ورمادها) يخلط بدهن والورد ويطلى به رأس الأقرع ينبت شعره، ويحنك مع العسل ينفع من الخناق، وإذا أخذت هذه الدودة وشددتها في مقنعة امرأة حملت وهاجت بها شهوة الجماع.
(خنفساء) هي الدويبة السوداء التي تتولد في الأرواث ذات الرائحة النتنة.
تغلى بالزيت ويطلى به محل البواسير يذهبه، وإذا كسرت خنفساء نصفين وغمست ميلا في رطوبتها واكتحلت به ينفع من الرمد ويبرأ سريعا، ويطبخ بشيء من الأدهان، ويقطر في الأذن يزيل الطرش، والبعير إذا أكل خنفساء في علفه يموت، وتوجد الخنفساء في بطن حية ومنها صنف يقال له: الجعل يدور على السرجين إن ألقيت في الورد سكنت كأنها ميتة، وإن ألقيتها في الورث عادت إلى حالها.
(وحكي) أن رجلا رأى خنفساء فقال: ماذا يريد الله من خلق هذه، حسن شكلها أو طيب رائحتها؟ فابتلاه الله بقرحة حتى عجز الأطباء عنها فترك العلاج فسمع ذات يوم صوت طبيب من الطرقيين، ينادي في الدرب فقال: هاتوه حتى ينظر في أمري، فقالوا له: ماذا تصنع برجل طرقي وقد عجز عنك حذاق الأطباء؟ فقال: هاتوه نسمع قوله، وليس فيه ضرر، فلما رأى
الطبيب القرحة وسأل عنها فقال: عليّ بالخنفساء، فضحك الحاضرون من قوله، فتذكر العليل القول الذي سبق منه فقال: هاتوا ما طلب فإن الرجل على بصيرة فأحرقها وذر رمادها على القرحة فبرأت بإذن الله تعالى، فقال للحاضرين: إن الله أراد أن يعرفني أن أخس الأشياء أعز الأدوية.
(دودة القز) دويبة إذا شبعت من الرعي طلبت مواضعها من الأشجار والشوك ومدت من لعابها خيوطا رقاقا ونسجت على نفسها كنا مثل الكيس؛ ليكون حرزا لها من الحر والبرد والرياح والأمطار ونامت إلى وقت معلوم، كل ذلك بإلهام من الله تعالى.
وأما كيفية اقتنائها فمن عجائب الدنيا وهي أنهم أول الربيع يأخذون البزر ويشدونها في خرقة، وتجعل تحت ثدي امرأة ليصل إليها حرارة البدن إلى أسبوع، ثم ينثر على شيء من ورق التوت المقصوص بالمقراض فتتحرك الدودة وتأكل من ذلك الورق، ثم لا تأكل ثلاثة أيام، ويقال: إنها في النوبة الأولى، ثم ترجع إلى الأكل فتأكل أسبوعا، ثم تترك الأكل ثلاثة أيام، ويقال: إنها في النوبة الثانية هكذا في المرة الأخرى، ويقال: إنها في النوبة الثالثة وبعد النوبات يطلق لها العلف لتأكل أكلا كثيرا وتسرع في عمل الفيلجة، فيظهر عند ذلك على جسمها مثل نسج العنكبوت ويزداد شيئا فشيئا، فإذا مطر في هذا الوقت مطر تلين الفيلجة من رطوبة النداوة، ويثقبها الدود، ويخرج منها وقد نبت لها جناحان، فتطير ولا يحصل شيء من الإبريسم، وإذا فرغت الدودة من عمل الفيلجة، عرضت على الشمس؛ لتموت الدودة فيها ويحصل من الفيلجة الإبريسم، ويترك بعض الفيلجة ليثقبها الدود ويخرج ويبيضو وبيضها يحفظ للسنة الآتية في ظرف نقي من الخرقة أو الزجاج، والثياب الإبريسمية تنفع من الحكة والجربو ولا يتولد القمل لمن يلبسها، والله الموفق.
(ديك الجن) دويبة توجد في البساتين. قال بليناس: يلقى في خمر عتيق حتى يموت، ويترك في فخارة ويشد رأسها، ويدفن في وسط الدار، فإنه لا يرى فيها شيء من الأرضة أصلا، والله الموفق للصواب.
(ذباب) هي أصناف كثيرة تتولد من العفونة، لم يخلق لها أجفان لصغر حدقتها. ومن شأن الأجفان، تصقيل الحدقة من الغبار فخلق لها يدان يقومان مقام الأجفان، فلهذا ترى الذباب على
الدوام يمسح بيديه حدقتيه وله خرطوم يخرجها إذا أراد مص الدم، ويدخلها إذا وري ولها بطن، وفيها يجري الصوت كما يجري في العصب من النفخ، ولا يقدر على المشي إذ ليس له مفصل، وخلق رءوس أرجلها خشنة؛ لئلا تنزلق إذا وقعت على الأشياء الملسة، والذباب يصيد البق فلذلك لا يرى البق إلاّ في الليل عند سكون الذباب.
قال الجاحظ: لولا أن الذباب يأكل البق ويطلبها في زوايا البيت، لما كان لأهلها فيها قرار وإذا أصاب الحيوان جراحة، وسقط عليها الذباب فيفضي إلى هلاكها إن لم يكن في موضع يصل إليه فم الحيوان؛ لأن الذباب إذا وقع على الجراحة ونم عليها يتولد من ونيمها الدود، والجراحة إذا تولد فيها الدود أهلكت، وونيم الذباب على الأبيض أسود وعلى الأسود أبيض، وونيمه ذو لونين كزرق العصفور فيظهر على كل لون ما يخالفه قالوا: تؤخذ ذبابة ويفصل رأسها عن بدنها ويدلك بها لسع الزنبور يسكن وجعه ويحرق الذباب ويسحق ويخلط بعسل ويطلى به داء الثعلب، ينبت الشعر ويجفف الذباب ويسحق مع الكحل ويكتحل به ينفع من وجع العين، ويزيد في الضوء وينبت شعر الأهداب، والذباب يشوى ويؤكل يفتت حصاة المثانة، وقال ﷺ: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» ويدق الذباب في اللبن ويطلى به لدغ العقرب يزول وجعه.
ومنها صنف يقال له: ذباب الحمر، كبير جدّا لا يقع إلاّ على الحمير، وصنف أخر يقال له:
ذباب الكلاب لا يقع إلاّ على الكلاب، وصنف آخر يقال له: ذباب الأسد لا يقع إلاّ على الأسد، وإذا رأت بالأسد دما أو خدشا لا تنقلع عنه حتى تهلكه كما ذكرنا في الذر مع الحية فإنه يهلكها.
(الدرحرج) هي دويبة مبرقشة بحمرة وسواد يقال: إنها سم، من أكلها تقرحت مثانته ويسد بوله، ويظلم بصره، ويتورم القضيب والعانة وويعرض مع ذلك اختلاط في العقل. قال ابن سينا: من سقي منها يجد في فمه رائحة القطران والزفت.
والدراريج تموت من الرائحة الطيبة والتي هي شديدة الحمرة، تشد على صاحب حمى الربع ثلاث مرات يوم النوبة، تزول حماه، والتي يوجد منها في المقبرة يطلى بها الكلف تزيله،
والتي توجد في وسط الورد تلقى في زيت وتترك حتى تتلاشى ويطلى بها المناجل التي يقع بها الكروم، فإنها لا يصيبها دودة ولا دابة مضرة.
قال ابن سينا: الدراريج دواء للجرب والقوابي ويقلع الثآليل، ويزيل البهق والبرص طلاء بالخل، ويطلى بالخردل ينبت الشعر، ويطلى به على السرطان يحلله.
(رتيلاء) قال ابن سينا: هي دويبة تشبه العنكبوت التي يسمى الفهد وهو صياد الذباب، وأصنافها كثيرة، وشرها المصرية، وهي ذات رأس وبطن كبيرين، وقالوا: يعرض لمن لسعته وجع شديد وصفرة لون، وربما يعرض للملسوع توتر القضيب والنعوظ وقذف المني من غير إرادة، وأما المصرية فإنه يعرض لملسوعها صداع شديد وسبات ويعقبها الموت الحي.
وذكر الأطباء أن دواء لسعتها رجيع الإنسان، وقد لسعت الرتيلاء الجلال الريحاني وكان طبيب عظيم المنظر أزبك بن محمد صاحب أذربيجان، فخافوا عليه الهلاك فأمر أزبك أن يسقى رجيع الإنسان، فقال الجلال: إن كان ولا بد فهاتوا رجيع أبيك الأنابيلي، وكان مملوكا مثل القمر فسقي منه وعوفي وعاش بعد ذلك مدة طويلة.
(زنبور) يشبه النحل في أكثر حالاته وإذا جاء الشتاء يدخل بيته ولا يخرج حتى يعتدل الهواء ويصيد الذباب، وإذا تعرض أحد لبيتها تقوم كلها عليه وتلسعه ولا تكاد تتعرض لمن يقصدها فإذا ألقي في الدهن يبقى كالميت، فإذا رش عليه الخل يتحرك، قالوا: الشيء الذي يتخذ الزنابير منه بيوتها كالكاغد لم تعرف أي شيء هو ومن أي شيء أخذته، فإذا أحست بمجيء الشتاء ذهبت إلى المواضع الدافئة وتنام فيها طول الشتاء كالميتو ولا تجمع القوت للشتاء بخلاف النحل، فإذا جاء الربيع وقد صارت من مقاساة البرد وعدم الغذاء كالخشب اليابس، نفخ الله في تلك الجثث الحياة فعاشت وخرجت وبنت البيوت وباضت وأخرجت أفراخها مثل العام الأول، وذاك دأبها أبدا بتقدير العزيز العليم.
(سام أبرص) هو الوزغ الصغير الرأس الطويل الذنب. قال يحيى بن يعمر: لأن أقتل مائة وزغة أحب إليّ من أن أعتق مائة رقبة، وإنما قال ذلك؛ لأنها دابة سوء، زعموا أنها تشرب من المياه وتمج في الإناء فينال الإنسان من ذلك مكروه عظيم. قالوا: إنها تشد على من به حمى الربع
يبرأ، وإن شدت على امرأة لا تحبل، ويقتل سام أبرص، ويقلى في جحر الحيات تهرب جميعها، وسام أبرص إذا تمكن من الملح تمرغ فيه فيصير مادة لتولد البرص، ولا يدخل بيتا فيه الزعفران، ويسحق ويجعل على موضع النصل والشوك يخرجهما ويدق ويضمد به الثآليل المسمارية يقلعها، ويجفف ويسحق ويخلط بالزيت ينبت الشعر على القرع.
خواص أجزائه
(دمه) عجيب في فتق الصبيان ويطلى لداء الثعلب والقرع ينبت الشعر.
(كبده) يسكن وجع الرأس.
(شحمه) يوضع على لسع العقرب ينفع نفعا بينا.
(جلده) يوضع على موضع الفتق يذهب.
(سلحفاة) يقال لها بالفارسية: كشف، وهو حيوان بري بحري قالوا: إذا خيف على زرع أو بستان من البرد تؤخذ سلحفاة، وتلقى على ظهرها بحيث تلقى رجلاها شائلة نحو السماء، فإن البرد لا يضر بذلك الموضع وتؤخذ سلحفاة كبيرة برية ويخرج حشوها ويجعل الصبر في جوفها مكان الحشو تعلق على المصروع يزول صرعه.
خواص أجزائه
زعموا أن كل عضو يتألم من الإنسان يشد عليه مثل ذلك العضو من السلحفاة يسكن ألمه، (مرارته) يسعط بها صاحب الصرع ينفعه، ويستعمل لطوخا للخناق، ومنها ما ينفع من الصرع نشوقا، وهو جيد لهش الهوام، وإذا جعلت غطاء للقدر لا يغلى ولو أوقدت تحتها حطبا كثيرا، (رجلها) تشد على صاحب النقرس يزول وجعه، اليمين على اليمين واليسرى على اليسرى، (بيضها) نافع لسعال الصبيان والصرع أيضا.
(صرصر) هو بنت وردان، قال ابن سينا: إنه مع قردمانا نافع من البواسير والنافض وسموم الهوام، يحرق ويسحق ويضاف إلى الإثمد ويكتحل به يحد البصر، ومع مرارة البقر ينفع من ظلمة العين اكتحالا.
(صناجة) حيوان لا يقبل وصفه كثير ما لم يره، قالوا: ليس شيء من حيوانات الأرض أكبر من صناجة، قالوا: يوجد بأرض التبت يتخذ بيتا لنفسه قرب فرسخ.
ومن خواصه أن نظره إذا وقع على حيوان مات ذلك الحيوان، وإذا وقع نظر شيء من الحيوان عليه تموت الصناجة أيضا، ثم إن الحيوانات عرفت ذلك في تلك البلاد فتعرض نفسها على الصناجة غامضة عليها ليقع نظر الصناجة عليها فتموت فتبقى طعمة للحيوانات زمانا طويلا، والله أعلم.
(ضب) يقال له بالفارسية: سوسمار، وهو حيوان كيس إلاّ أنه كثير النسيان، ومن كيسه أنه لا يتخذ البيت إلاّ في موضع صلب؛ لئلا ينهال عليه من حوافر الدواب، ولما علم أنه ينسى لم يتخذ البيت إلاّ عند أكمة أو صخرة عظيمة أو شجرة يستدل بها على بيته إذا غاب وتباعد عنه، وإذا أرادت أن تبيض حفرت في الأرض حفرة ترمي فيها ثمانين بيضة وتدفنها في التراب، وبيضها مثل بيض الحمام وتدعها أربعين يوما، ثم يأتي والحسول قد خرجت منها يتعادون فيأكل منها ما قدر عليه.
وإذا لسعتها العقرب أكلت من حشيشة تسمى آذان الفأر يزول عنها اللسع، وإذا جاعت تتعرض للنسيم وتعيش به ويكون ذلك عذاءها.
قالوا: إذا خرج ضب من بين رجلي الإنسان لا يقدر على مباشرة النساء، وقيل: ينتفخ ذلك الإنسان.
خواص أجزائه
(عينه) إذا سقي إنسان عينه بماء السذاب يقطع عنه مادة المني وينقصه (قلبه) من أكله يذهب عنه الحزن والخفقان، (طحاله) من أكله يمنع عنه وجع الطحال ويأمن منه أبدا، (دمه) يطلى به الكلف مع البورق يزيله ويصفى لون الوجه، (لحمه) ينفع من الأمراض المزمنة مقليّا، ويزيد في ضوء البصر ويقوي البدن ويعين على الباه، (شحمه) يذاب ويطلى به القضيب يقوي شهوة الباه، ومن أكل منه لا يعطش زمانا طويلا (خصيته) من استصحبها تحبه الخدم محبة شديدة، (كعبه) يشد على وجه الفرس لا يسبقه شيء من الخيل عند المسابقة، (جلده) يتخذ على نصال سيف يشجع صاحبه ويتخذ طرفا للعسل من لعق منه تهيج شهوته، ويورث إنعاظا
شديدا، (بعره) ينفع من البرص والكلف والحزازة طلاء، ومن بياض العين اكتحالا ومن نزول الماء أيضا والأعراب يداوون به وجع الظهر.
(ظربان) دويبة كالهرة منتنة الريح ليس في الدنيا نتن أشدّ من نتنها، لو شمت الإبل رائحتها في منامها شردت وتفرقت بحيث يصعب جمعها ولو فست على ثوب لا تزول عنه الرائحة إلى أن يبلى ولو غسل خمسين مرة، وهو عدو الضب.
قال الجاحظ: إذا أراد الظربان أكل الضب وحسولها يدخل جحر الضب مستديرا ويلتمس أضيق موضع فيه حتى يحول بينها وبين النسيم، ثم يفسو عليه فلا يتجاوز ثلاث فسوات حتى يغشى على الضب فيأكلها بحسولها.
(عقرب) أخبث الهوام العقارب يلدغ كل شيء يلقاه، عينها على بطنها وولدها يخرج من ظهرها، فإذا ولدت ماتت وإذا لسعت هربت ولا تقف.
والعقرب إذا خرجت من بيتها أول الليل ولها نشاط أول شيء لقيته ضربته، قال بعضهم:
لقيت العقرب قمقما فضربته بإبرتها فسال منه الماء.
والعقرب إذا لقيت الحية لدغتها والحية تسعى في طلبها فإذا وجدتها أكلتها تبرأ، وإن لم تجدها تموت الحية.
والعقرب إذا لدغت يمسح مكان لدغها برطوبتها يسكن ألمها في الحال، وتجعل العقرب في فخارة مسدودة الرأس وتترك في تنور مسجر حتى تصير رمادا ويسقى من ذلك من به حصاة المثانة تفتتها.
والعقرب إذا لسعت صاحب الحمى العتيقة تقلع عنه الحمى، وإذا لدغت المفلوج يزول عنه الفالج، وإذا حرقت عقرب ودخن بها البيت لم يبق في البيت عقرب إلاّ هلك أو هرب، ويشق بطنها ويوضع على موضع اللسعة، فإنه ينفع في الحال وإذا أخذت عقربا كبيرا أسود وجففتها بالخل وطلي به أبرص أزاله ورماده يذاب بدهن ويطلى به ينبت الشعر.
(عنكبوت) فائدة: نسج العنكبوت على ثلاثة مواضع: على غار النبي ﷺ، وعلى غار عبد الله بعثه النبي ﷺ لخالد الهمداني، فقتله وحمل رأسه ودخل في غار
خوفا من أهله، ونسج على زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين لما صلب عريانا، وقيل: إنها نسجت مرتين على نبيين: داود حين كان يطلبه جالوت، وعلى النبي ﷺ في الغار.
والعنكبوت أصنافه كثيرة لكل صنف فعل عجيب؛ منها الطويلة الأرجل فإنها لما عرفت ضعف قوائمها وأنها تعجز عن الصيد أعدت للصيد مصايدا وحبالا من الخيوط؛ فعمدت إلى فرجة بين حائطين متقاربين وتلقى لعابها الذي هو خيطها ليلصق به، ثم يعدو إلى الجانب الآخر ويحكم الخيط في الطرف الآخر وهكذا ثانيا وثالثا، وهذا هو السدي ثم يحكم لحمته حتى يتم النسج وكل ذلك على تناسب هندسي حتى يصح النسج، ثم يقعد في زاوية مترصدا وقوع الصيد فيها فإذا وقع فيها شيء من الذباب على شبه صيد الفهد؛ وذلك أنه يكمن في زاوية فإذا طارت ذبابة بقربه وثب إليها، وربما مد خيطا من السقف وعلق نفسه فيه منكسا فإذا طار ذباب بقربه رمى بنفسه إليه وأخذه.
ومنها صنف آخر يقال له: الليث وله ست عيون، فإذا رأى الذبابة لطئ بالأرض ثم وثب ولم تخطئ وثبته وهو آفة الذباب.
ومنها صنف يقال له: الرتيلا، إذا مشى على الإنسان يموت الإنسان من لعابه وقد مر ذكره ويسمى عقرب الثعبان؛ لأنه يقتل الثعبان.
ومنها صنف دقيق الصنعة يهيئ نسجه ويصيد بيته فإذا وقعت في مصيدته ذبابة يضرب فيها فتمشي إليها وتمص رطوبتها، والذباب يطن من الألم إلى أن يموت ويحملها إلى خزانته للذخيرة، وأكثر ما يقع في مصيدته في غيبوبة الشمس.
وزعم بعضهم أن العناكب الإناث هي العوامل والذكور لا تعمل شيئا.
ومنهم من قال: إن السدى من الإناث، واللحمة من الذكور؛ لأن اللحمة أقوى من السدى، وهما كالشريكين في العمل، أو هما كالأستاذ مع تلميذه.
قالوا: وإذا شددت عنكبوتا في خرقة سوداء وعلقتها على صاحب الحمى تزول عنه، وزعموا أنه مجرب، قال بليناس: يسحق العنكبوت وسقى في شيء من الأشربة لصاحب الحمى البلغمة تزول من ساعتها (مجرب).
(رجل العنكبوت) تشد على من يحم بالليل تذهب عنه
(نسجه) يوضع على الموضع الذي يسيل منه الدم يقطعه، وإن بخر منه طرد البق من البيت.
(فأر) حيوان كثير الفساد، كثير الحيلة من الفواسق الخمس، أمر النبي ﷺ بقتلها في الحل والحرم، وربما يجذب الفتيلة من السراج ويحرق بذلك الدور بما فيها من الحيوان والأموال ويقرض دفاتر الحساب والعلوم والوثائق والصكاك فتفوت حقوق الناس، وتقرض الثياب النفيسة والجراب والزق فيسيل ما فيها، ويأكل المائعات ويرمي فيها بعره حتى يفسدها على الناس، وربما وقعت في بئر فماتت فيها فتحوج الناس إلى مشقة عظيمة.
وإذا خدش الإنسان نمر أو سبع يطلب الفأر، فإن كان من النمر يذر عليه التراب، وإن كان من الكلب يبول عليه؛ فإن ذلك الإنسان يموت عاجلا، وذهب بعضهم إلى أن الفأرة عدمت قوة الحافظة؛ لأنها تخرج من بيتها ترى لسنور فترجع ثم تخرج عقبها، ولم يبق معها علم أن السنور على باب بيتها.
وقال بعضهم: كيف يصح أن يقال: لا حافظة لها مع لطائف حبها وشدة اهتمامها بأمر المعيشة وادخارها ليوم الحاجة وعلمها بأن الغلال لا تترك في الآبار فتأخذ منها ما تقدر عليه لوقت عجزها عن الكسب.
ومن لطائف حيلها أن الدهن إذا كان في قارورة ضيقة الرأس تجعل ذنبها فيها وتلطخه بالدهن حتى تلحس جميع ما فيها، ومنها أن الدهن إذا كان في القارورة إلى نصفها ترمي فيها الحصاة حتى يخرج إلى رأسها وتشربه، ومنها إذا أرادت أخذه البيضة تحضن البيضة وتمسكها بأربعتها، وتأخذ فأرة أخرى بذنبها تجذبها إلى البيت، ومنها إذا أرادت أخذ الجوز تأخذها فأرة
وتجعلها على ظهر أخرى وتلف عليها ذنبها وتحفظها بالذنب وتمشي بها إلى بيتها، ومنها أن إحداها إذا وقعت في ظرف فيه ماء لا تقدر على الخروج منه فتأتي الأخرى وتمسك بيدها طرف الإناء وترسل ذنبها إليها حتى تتعلق بها وتخرج، ولم تر قتالا بين بهيمتين ولا سبعين أشد مما يجري بين جرذين إذا ربط أحدهما في طرف خيط والآخر في الطرف الآخر فعند ذلك يظهر لهما الخدش واللغط فإذا انحل الخيط ولّى كل واحد منهما عن صاحبه.
ومنها صنف يقال له: العربي يحب الدراهم والدنانير، ويلعب بها، وكثيرا ما يخرجها واحدا واحدا، وتمرّغ عليها ويعيدها واحدا واحدا.
(وحكى) بعضهم: أنه كان في بيته فأرة لقي منها التباريح، قال: فنصبت لها مصيدة فوقعت فيها فانتظرت سنورا يصطادها فاستبطأ زوجها رجوعها فخرج خلفها في طلبها فرآها في المصيدة فعاد وأتى بدينار وتركه عند المصيدة، ثم تأخر وانتظر ساعة ثم ذهب وأتى بآخر وتأخر وهكذا كلما أتى بدينار لبث زمانا يطمع أني آخذ الدنانير وأخلصها له فلما رآني لم أخلصها أتى بآخر حتى أتى في المرة الأخيرة بخرقة، فعلمت أنه أخرج جمع ما كان عنده من الدنانير فخلصتها، وأخذت الدنانير.
ومنها نوع يقال له: اليربوع وهو الفأر البري صاحب النافقاء والقاصعاء يحفر جحرا ذا عطفات كثيرة يمينا وصعودا ونزولا تخفى مكانها فإن دخل عليها ابن عرس، أو نصب، أو ظربان لا يظفر بها؛ لكثرة عطفاتها واعوجاجها، وبجحرها أبواب كثيرة، ولليرابيع رئيس يخرج من البيت أولا ويرى الفضاء فإن لم يكن عدو صاح حتى يخرج الفأر كلها، وإن رأى عدوّا عاد وأخبر الباقين حتى لا يخرج شيء منها، وإن لم يكن عدو خرج الرئيس وصعد موضعا عاليا كالديوان والفأر تخرج بعده وتذهب يمينا وشمالا تطلب القوت فما حصل لها تأتي منه بنصيب للرئيس، وإذا رأى الرئيس عدوّا صاح برفع صوته حتى يرجع الفأر إلى بيوتها، فإن غفل الرئيس حتى أتى العدو وأخذ منها شيئا بغتة اجتمعت الفأر كلها على الرئيس وأكلته.
ومنها صنف يقال له: الخلد خلقه الله تعالى أكمه يكون في البراري، حاسة سمعها شديدة إذا أحست بشيء عادت إلى بيتها، وذكروا أن الخلد الأنثى إذا حبلت يموت الذكر، وإذا أرادوا صيده تركوا على باب بيتها شيئا من البصل فإنها تخرج لرائحته فيأخذها الصياد.
ومنها صنف يقال له: الفأرة المسك توجد في أرض تبت في موضع يقال له: الدفر، سرة هذه الفأرة مسك كما للغزلان؛ فالصياد إذا صادها يشد صرتها حتى يجتمع فيها الدم، وذلك خير من مسك الغزال حتى قالوا: يساوي عشرة من أمثالها؛ لما فيها من طيب الرائحة وحدتها.
ومنها صنف يقال له: ذات النطاق وهي فأرة مشهورة منطّقة ببياض أعلاها أسود شبهوها بالمرأة ذات النطاق، وهي التي تلبس قميصين ملونين وتشد وسطها ثم ترسل الأعلى على الأسفل.
ومنها صنف يسمى: فأرة البيش قال بعضهم: إنها دويبة تشبه الفأر وليست تسكن إلا منابت البيش تأكل منه وتتغذى به، والبيش: سم قاتل منه شيء يسير وهو حشيش ينبت بأرض الهند.
ومنها صنف يقال له: اليربوع وهو الفأر البري صاحب القاصعاء والنافقاء يحفر جحرا فيه عطفات كثيرة، ويحفرها إلى أسفل مستقيمة ثم يذهب يمينا وشمالا وصعودا ونزولا ويخفي مكانه فيه بسبب اعوجاجه وعطفاته فإذا قصده شيء من أعدائه كابن عرس، أو ضب، أو ظربان لا يظفر به؛ لأنه متى أحس بالشر من جهة ذهب إلى خلاف تلك الجهة، ولجحره أبواب، ولليرابيع رئيس إذا أرادت اليرابيع الخروج من أجحرتها خرج الرئيس أولا ونظر فإن لم ير عدوّا رفع صوته؛ ليخرج الآخرون، وإن رأى عدوّا رجع إلى جحره ومنعها من الخروج، وإذا خرج يصعد موضعا عاليا كالديوان، واليرابيع تسعى يمينا وشمالا تطلب القوت فما وقع بيده من الحب وغيره يأتي بنصيب منها للرئيس، وإذا رأى الرئيس عدوّا رفع صوته حتى يرجع كل واحد بيته فإن غفل الرئيس عن العدو حتى أتاه العدو بغتة وأخذ من اليرابيع شيئا هربت البقية وعادت إلى أماكنها سالمة، ثم اجتمعت على عزل رئيسها وإهلاكه ونصّبت رئيسا غيره.
ومنها صنف يقال له: سمندل يشبه الفأر وليس بفأر يوجد ببلاد غور تدخل النار ولا تحترق ثم تخرج من النار وقد ذهب وسخها، وصفا لونها وزاد بريقها ولا يتأذى شعرها ولا جلدها ولا لحمها من النار، فسبحان من لا يعرف دقائق حكمته ولطائف صنعه إلا هو، والملوك يتخذون من جلودها منديل الغمر؛ لأنه في غاية النعومة يمسحون به أيديهم فإذا توسخ يلقونه في النار؛ ليذهب وسخه ويخرج نظيفا.
وذكروا أن من أخذ جرذا وقطع ذنبه وأخصاه، ثم أطلقه يأكل الجرذان والفيران أكلا ذريعا لا يغلبه شيء حتى الهرة وابن عرس، وتحدث فيه شجاعة وجراءة وإقدام.
وأصحاب الأنابير والبيادر عرفوا ذلك فيأخذونه ويقطعون ذنبه، ويسيبونه فلا يترك جرذا ولا فأرا، ومن شق فأرة وجعلها على موضع النصل أو الشوك يخرجه، وتحرق الفأرة وتسحق وتخلط بالدهن، ويطلى به الموضع الصلع ينبت الشعر.
خواص أجزائه
(رأسه) يشد في خرقة كتان على رأس المتألم يسكن وجعه وينفع من الصرع. (عينه) تشد على قلنسوة إنسان يسهل عليه المشي، وإذا دخل على أحد يغفل عنه أكثرهم، وإذا علقت على من به حمى الربع أبرأته، مرارة السمندل تسقى لمن به جذام يزول عنه.
(دمه) يطلى به القضيب يقوى على الباه تقوية عظيمة، دم الفأر ينتف الشعر الذي على الأجفان، ويطلى بهذا الدم لا يرجع ينبت.
(شحمه) يذاب ويخلط بدهن الورد ويطلى به الكلف يزيله.
(لحمه) إذا شوي وأطعم لصبي انقطع سيلان اللعاب من فمه.
(خصيته) تشد على المرأة لا تحبل ما دامت معها.
(ذنبه) يشد على المصروع يزيله.
(جلد الفأر) يحشى بالتبن ويعلق على البيت يهرب الفأر عنه.
(بعره) يحل بالزيت ويطلى به الرأس يذهب بداء الثعلب، ويتخذ من بعر الفأر والحنظل والبورق والسكر الأحمر أشياء يحتمله صاحب القولنج ينفتح في الحال، بعر الفأر مع العسل يطلى به على الطفرة التي في عين الفرس تزول بالكلية، ويسقى الصبي الذي في مثانته حصاة يفتتها، ويسقى صاحب عسر البول يطلق، وإذا اكتحل ببعر الفأر نفع من بياض العين.
(سؤر الفأر) يورث النسيان كما قال ﷺ: «خمس تورث النسيان» وعد منها سؤر الفأر، والله أعلم.
(فراش) هو الحيوان الذي يتهافت على السرج ويحترق زعموا أنها دعموص في أول أمرها فإذا نبتت أجنحتها صارت فراشا. والدعموص: هو العلق الصغير. وقال آخرون: إنها دودة حمراء توجد في البقل يقال لها: اليرسوع تنسلخ فتصير فراشا؛ وسبب وقوعها على النار ما ذكر بعضهم أن بصرها ضعيف، فإذا رأت السراج تظن أنها في بيت مظلم، وأن السراج كوة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء، فلا تزال تطلب الضوء وترمي نفسها إلى الكوة فإذا جاوزتها ورأت الظلام ظنت أنها لم تصل الكوة فتعود إليها مرة ثانية فتفعل ذلك إلى أن تحترق.
حدّث خفيف السمرقندي صاحب المعتضد بالله أمير المؤمنين: أنه كثر الفراش على الشمع المسرح بين يدي الخليفة في بعض الليالي فجمعناه فكان مكوكا، ثم ميزناه فكان اثنين وسبعين شكلا.
(فسافس) قال الشيخ الرئيس: هو حيوان كالقراد يكون في الأسرة شديد النتن جدّا، يشبه أن يكون المعروف عندنا بالبق قال: إذا أشرب بالخل أخرج العلق المتشبث في الحلق، وإذا شمت المرأة منه نفع من اختناق الرحم، وإذا سحقت وجعلت في ثقب الإحليل نفعت من عسر البول، وإذا أخذت منها سبعا وجعلتها في باقلا، وابتلعت قبل نوبة حمى الربع نفعت، أو إن جعلت من غير باقلا نفعت من لسع جميع الهوام.
(قمل) يتولد من العرق والوسخ في بدن الإنسان إذا علاه ثوب أو شعر؛ لأن العرق يتعفن من دفاء الثوب أو الشعر فيتولد منه القمل، ثم القمل يبيض وبيضه الصئبان فإذا باضت التصقت بيضتها بالموضع التصاقا لا يمكن إزالتها إلا بالشدة، ويتولد في الشعر الأسود قمل أسود، وفي الشعر الأبيض قمل أبيض، وفي الشعر الأحمر قمل أحمر، وفي الأشمط شيء أسود وشيء أبيض، وإذا تولد في شعر رأس الإنسان يصفر لونه.
قالوا: من أراد أن يعلم ما في بطن الحامل غلاما أو جارية يحلب شيئا من لبنها على الكف ويلقى فيه قملة، فإن لم تقدر على الخروج ففي بطنها غلام، وإن قدرت على الخروج ففي بطنها جارية؛ لأن لبن الغلام غليظ، ولبن الجارية رقيق لا يمنع القمل من الخروج.
(قنفذ) الحيوان الذي يقال له بالفارسية: خاربشت، سلاحه على ظهره وهو الشوك الذي عليه ويتقنع بحيث لا يبين من أطرافه شيء ويستطيب الهواء ويتخذ لمسكنه بابين: أحدهما مستقبل الشمال، والآخر مستقبل الجنوب، ويعادي الحية فإن ظفر بقفاها قتلها بأسهل طريق وإن ظفر بذنبها عض ذنبها، ويتقنع ويعطي الحية ظهره ويمضغ ذنبها، والحية تضرب نفسها على شوكه حتى تهلك، ويصعد الكرم ويرمي حبات العناقيد إلى الأرض، ثم ينزل ويتمرغ فيه؛ ليدخل شوكه في الحبات فيحملها ويذهب بها إلى أولاده.
ومنها صنف يقال له: الدلدل هو أكبر جسما من القنفذ وأطول جسما، نسبته إلى القنفذ كنسبة الجاموس إلى البقر.
قالوا: أي موضع أراد أن يرمي إليه شوكة من شوكه يرميه كرمي النشاب، ولا يخطئ شيئا فتمر الشوكة كمر السهم المشدد، وتثبت فيه.
خواص أجزائه
(عينه اليسرى) تقلى بالزيت وتؤخذ بطرف الميل وتصب في أذن الأطرش يزول طرشه.
(مرارته) ينتف الشعر ثم يطلى موضعه بها فإن الشعر الذي عليه لا ينبت أبدا، وتخلط هذه المرارة بشيء من الكبريت ويطلى به البهق يزيله.
(وطحاله) يشوى ويطعم المطحول فإنه على قدر ما يطعم منه يخف طحاله. (كليته) تجفف وتسحق ويسقى منها قدر درهم بماء الحمص الأسود المغلي المصفى فإنه ينفع لعسر البول.
(دمه) يطلى به عضة الكلب؛ فإنه يسكن ألمه ويأمن من صاحبه من الموت.
(لحمه) قال الشيخ الرئيس: المصلح منه ينفع من داء الفيل والجذام، وهو جيد لمن يبول في الفراش من الصبيان، وينفع من نهش الهوام كلها، ومن البرص والسل والتشنج والرياح كلها
(جلده) يحرق ويخلط بالزفت ينفع من داء الثعلب.
(خصيته) إن كانت من الدلدل يؤخذ نضيجا، وتخلط بالعسل الشهد وتؤكل فإنها تزيد في الباه وتعين عليه.
(وظفره) من يده اليمنى يدخن به تحت ذيل صاحب حمى الربع تزول حماه، ورماد القنفذ إذا أحرق كما هو ويحشى به الناصور فإنه يبرأ.
(نبر) دويبة إذا دبت على البعير تورم جلده وينتفخ، وربما يكون ذلك سبب هلاكه، ولما أراد الشاعر أن يذكر مسمن إبله قال:
حمر تحقنت النجيد كأنمابجلودهن مدراج الإنبار
(نحل) حيوان ذو هيئة ظريفة وخلقة لطيفة وبنية نحيفة، وسط بدنه مربع مكعب ومؤخره مخروط ورأسه مبسوط، وركب في وسط بدنه أربعة أرجل ويدين متناسبة المقادير كأضلاع الشكل المسدس في الدائرة، وقد جعل في هذا النوع الملك المطاع يقال له: اليعسوب يتوارث الملك عن آبائه وأجداده؛ فإن اليعاسيب لا تلد إلا اليعاسيب.
ومن العجيب أن اليعسوب لا يخرج من الكور؛ لأنه إن خرج خرج معه جميع النحل فيقف العمل، وإن هلك اليعسوب وقفت النحل لا تعمل شيئا فتهلك عاجلا، واليعسوب أكبر جثة يكون بقدر نحلتين وهو يأمرهم بالعمل يرتب على كل أحد ما يليق به، يأمر بعضها ببناء البيت، ويأمر بعضها بعمل العسل، ومن لا يحسن العمل يخرجها من الكور ولا يخليها في وسط النحل، وينصّب بوابا على باب الخلية؛ ليمنع دخول ما وقع على شيء من القاذورات.
(وأما) اتخاذ بيوتها مسدسة فمن أعجب الأشياء، والغرض من المسدسات المتساوية الأضلاع لخاصية يقصر فهم المهندس عن إدراكها، ولا توجد تلك الخاصية في المربع وفي المخمس ولا في المستدير، وهي أن أوسع الأشكال وأجودها المستدير وما يقرب منه، أما المربع فيخرج منه زوايا ضائعة، وشكل النحل مستدير فترك المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى خالية، ولو بناها مستديرة لبقي خارج البيت فرج ضائعة؛ فإن الأشكال المستديرة إذا جمعت لا تجتمع متراصة ولا شكل من الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير، ثم تتراص الجملة منه بحيث لا تبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس، فانظر كيف ألهمها الله تعالى ذلك وجعل لها اتخاذ هذه الأشكال المتساوية الأضلاع بحيث لا يزيد ضلع على ضلع ولا ينقص، ويعجز عن هذا التساوي المهندس الحاذق بالفرجار والمسطرة فتعمل النحل في فصلين في الربيع والخريف، فتأخذ بالأيدي والأرجل من ورق الأشجار وزهر الثمار والرطوبات الدهنية التي تبني به بيوتا، ولها شفران حادان تجمع بهما من ثمرة الأشجار رطوبات.
(لطيفة) عجزت عقول الأكثرين عن معرفتها على طبائع، وخلق في جوفها قوة طابخة تصير تلك الرطوبات عسلا حلوا لذيذا غذاء لها ولأولادها، وما فضل عن غذائها تجعله مخزونا في بعض البيوت، وتغطي رأسها بغطاء رقيق من الشمع حتى يكون الشمع محيطا به من جميع جوانبه كأنه رأس البرنية مسدودة بالقراطيس وآخر ذلك الوقت الشتاء.
وتبيض في بعض البيوت وتحضن وتفرخ وتأوي إلى بعض بيوتها، وتنام فيها أيام الصيف والشتاء ويوم المطر والريح والبرد، وتتقوت من ذلك العسل المخزون هي وأولادها يوما فيوما لا إسرافا ولا تقتيرا إلى أن تنقضي أيام الشتاء، ثم تأتي أيام الربيع ويطيب الزمان ويخرج النّور والزهر فترعى منه وتفعل كما فعلت في العام الأول، ولم يزل هذا دأبها بإلهام من الله تعالى، كما قال: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٨،
٦٩]. فسبحان من جعل فضائل غذائها سببا لشفاء الأبدان، وجعل وسخ غذائها ضياء في ظلم الليالي، ومن العجب أن الخلية إذا دخن عليها لأخذ العسل أحست النحل بذلك وبادرت إلى أكل العسل تأكله أكلا ذريعا.
(وحكى) بعضهم أن خلية من خلايا العسل مرض نحلها، فجاء خلية أخرى يقاتلها على العسل الذي في بيوتها يريد إخراجها من الخلية؛ ليستولي على عسلها فأقبل قيم الخلايا يعاون النحل المريض فكان يلسعه النحل الغريب دون المريض، كأنها عرفت أنه يدفع عنها.
أما العسل فإنه رطوبة في أعماق الأنوار ولطيف الثمار يرشفها النحل يتغذى ببعضها، ويدخر بعضها لأيام الشتاء وقت لا يجد الغذاء خارجا. وقالوا: إن العسل الأبيض عمل شبانها، والأصفر عمل كهولها، والأحمر عمل شبابها وهو شفاء للناس على ما قاله تعالى، فالمحرور المزاج يتخذه مع غيره؛ لدفع الحرارة كالسكنجبين، والمبرود المزاج يتخذه وحده؛ لدفع البرد.
(ومن خواص العسل) أن كل شيء يتسارع الفساد إليه إذا تركته فيه يبقى بحاله ولا تتعفن ولا يؤثر فيه الفساد، ويؤخذ العسل الذي لم يصبه ماء ولا دخان ويخلط بشيء من المسك يمنع من نزول الماء اكتحالا، والتلطخ به يقتل القمل والصئبان، ولعقه علاج لعضة الكلب الكلب، والمطبوخ منه نافع للسموم القاتلة.
ومن العسل صنف حريف قالوا: إنه سم وشمعه يذهب العقل فكيف أكله؟
وأما الشمع فإنه حدرات بيوت النحل التي تبيض وتفرخ فيها وتجعلها خزانة للعسل، وأما الموم فإنه وسخ كور النحل من خاصيته جذب السلاء والشوك وزعموا أن من استصحب الموم يورثه الغم ولا يحتلم.
(نمل) حيوان حريص على جمع الغذاء، ولغاية حرصه يحمل ما يكون أثقل منه ويعاون بعضها بعضا على الجذب، ويجمع من الغذاء ما يكفي سنين لو عاش ولكن عمره لا يكون أكثر من سنة قال النسابة البكري: للنمل جدان فارز، وعقفان، ففارز جد السود، وعقفان جد الحمر.
ومن عجائبه اتخاذ القرية تحت الأرض، وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات ومنعطفات يملؤها حبوبا وذخائر للشتاء، وتجعل بعض بيوتها منخفضا؛ لينصب إليها الماء وبعضها مرتفعا.
عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تقتلوا النمل؛ فإن سليمان ﵇ خرج ذات يوم يستسقي فإذا هو بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها تقول: اللهم أنا خلق من خلقك ولا غنى لنا عن فضلك اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادك
الخاطئين، واسقنا مطرا ينبت لنا شجرا وتطعمنا منه ثمرا، فقال سليمان ﵇ لقومه:
ارجعوا فقد سقيتم بغيركم» ومن عجائبه أنه مع لطافة جسمه وشخصه وخفة وزنه لم شم ليس لشيء من الحيوان مثل ذلك، فإذا وقع شيء من يد الإنسان في موضع لا يرى فيه شيء من النمل فلا يلبث أن يقبل النمل كالخيط الأسود الممدود إلى ذلك الشيء، وإذا وجدت واحدة شيئا لا تقدر على حمله أخذت منه قدر ما تقدر عليه، وأخبرت الباقين فتجتمع عليه جماعة يجرونه بجد وعناء.
وإذا جمعت الحب في بيتها خافت أن ينبت فتقطع كل حبة قطعتين؛ لتذهب عنها قوة النبت، وتقطع حبة الكزبرة أربع قطع؛ لأن نصفها ينبت، وإذا كان عدسا أو شعيرا أو باقلا تقشرها ولا تكسرها؛ فإن التقشير يذهب عنها قوة النبت، ثم تأتي بقطعها وتبسطها في الشمس؛ حتى تزول عنها النداوة فلا يتعفن، وإذا أحست بالغيم ردتها إلى مكانها خوفا من المطر، وإذا ابتل شيء منها بالمطر تنشرها يوم الصحو؛ لتزول عنه النداوة.
ومن عجائبه أنه لا يتعرض لجعل ولا جرادة ولا صرصر ولا عقرب ما لم يكن به عقر أو قطع يد أو رجل، فإن أصابه شيء منه وثبت عليه وهو حي ولا يفارقه حتى يقتله، وهكذا تفعل بالحيات والثعابين إذا أصابها خدش أو جراحة، وإذا أحرق النمل يموت من دخانها الباقي أو تهرب، وعند هلاكها ينبت لها جناحان؛ لأن العصافير يصطادها.
ومن سقي من بيظ النمل نصف درهم لا يملك أسفله، ويغلبه الضراط وإذا طلي البدن بمسحوقه مخلوطا بالماء ينبت الشعر وإذا نثرت بيظ النمل بين قوم تفرقوا شذر مذر.
(ورل) هو الحيوان العظيم من أشكال الوزغ، وسام أبرص طويل الذنب الصغير الرأس، وهو سريع السير خفيف الحركة عدو للضب، والحية يدخل بيتها ويأكلها وليس شيء أقوى على قتل الحيات منه، ولا يحتفر لنفسه بيتا بل يغتصب من كل حيوان بيته؛ لأنه أي بيت دخله هرب ساكنه، ويغصب بيت الحية من الحية كما تغتصب الحية بيت سائر الأجناس الأخر.
خواص أجزائه
(لحمه وشحمه) يسمن طبقات النساء، وفيه قوة جذب للسلا والشوك، جلده يحرق ويخلط رماده بدردي الزيت ويطلى به العضو الخدر يذهب عنه ذلك.
(زبله) ينفع من الكلف والنمش، ويكتحل به ينفع من بياض العين، ويقلع الثآليل، والله الموفق للصواب بمنه وكرمه.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع