من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فأر

تصوّر فني حديثصورة حديثة رُسمت على وصف القزويني، بأسلوب منمنمات المخطوطات؛ وليست من المخطوط. © ميزان العرب. اسحب المقبض لترى تحتها منمنمته في المخطوط: متحف والترز للفنون ببالتيمور، المخطوط W.659، ترجمة تركية نُسخت سنة ١١٢١هـ، الورقة ١٤١ ظهر. ملكية عامة.
ما قاله القزويني فيه
حيوان كثير الفساد، كثير الحيلة من الفواسق الخمس، أمر النبي ﷺ بقتلها في الحل والحرم، وربما يجذب الفتيلة من السراج ويحرق بذلك الدور بما فيها من الحيوان والأموال ويقرض دفاتر الحساب والعلوم والوثائق والصكاك فتفوت حقوق الناس، وتقرض الثياب النفيسة والجراب والزق فيسيل ما فيها، ويأكل المائعات ويرمي فيها بعره حتى يفسدها على الناس، وربما وقعت في بئر فماتت فيها فتحوج الناس إلى مشقة عظيمة. وإذا خدش الإنسان نمر أو سبع يطلب الفأر، فإن كان من النمر يذر عليه التراب، وإن كان من الكلب يبول عليه؛ فإن ذلك الإنسان يموت عاجلا، وذهب بعضهم إلى أن الفأرة عدمت قوة الحافظة؛ لأنها تخرج من بيتها ترى لسنور فترجع ثم تخرج عقبها، ولم يبق معها علم أن السنور على باب بيتها. وقال بعضهم: كيف يصح أن يقال: لا حافظة لها مع لطائف حبها وشدة اهتمامها بأمر المعيشة وادخارها ليوم الحاجة وعلمها بأن الغلال لا تترك في الآبار فتأخذ منها ما تقدر عليه لوقت عجزها عن الكسب. ومن لطائف حيلها أن الدهن إذا كان في قارورة ضيقة الرأس تجعل ذنبها فيها وتلطخه بالدهن حتى تلحس جميع ما فيها، ومنها أن الدهن إذا كان في القارورة إلى نصفها ترمي فيها الحصاة حتى يخرج إلى رأسها وتشربه، ومنها إذا أرادت أخذه البيضة تحضن البيضة وتمسكها بأربعتها، وتأخذ فأرة أخرى بذنبها تجذبها إلى البيت، ومنها إذا أرادت أخذ الجوز تأخذها فأرة وتجعلها على ظهر أخرى وتلف عليها ذنبها وتحفظها بالذنب وتمشي بها إلى بيتها، ومنها أن إحداها إذا وقعت في ظرف فيه ماء لا تقدر على الخروج منه فتأتي الأخرى وتمسك بيدها طرف الإناء وترسل ذنبها إليها حتى تتعلق بها وتخرج، ولم تر قتالا بين بهيمتين ولا سبعين أشد مما يجري بين جرذين إذا ربط أحدهما في طرف خيط والآخر في الطرف الآخر فعند ذلك يظهر لهما الخدش واللغط فإذا انحل الخيط ولّى كل واحد منهما عن صاحبه. ومنها صنف يقال له: العربي يحب الدراهم والدنانير، ويلعب بها، وكثيرا ما يخرجها واحدا واحدا، وتمرّغ عليها ويعيدها واحدا واحدا. (وحكى) بعضهم: أنه كان في بيته فأرة لقي منها التباريح، قال: فنصبت لها مصيدة فوقعت فيها فانتظرت سنورا يصطادها فاستبطأ زوجها رجوعها فخرج خلفها في طلبها فرآها في المصيدة فعاد وأتى بدينار وتركه عند المصيدة، ثم تأخر وانتظر ساعة ثم ذهب وأتى بآخر وتأخر وهكذا كلما أتى بدينار لبث زمانا يطمع أني آخذ الدنانير وأخلصها له فلما رآني لم أخلصها أتى بآخر حتى أتى في المرة الأخيرة بخرقة، فعلمت أنه أخرج جمع ما كان عنده من الدنانير فخلصتها، وأخذت الدنانير. ومنها نوع يقال له: اليربوع وهو الفأر البري صاحب النافقاء والقاصعاء يحفر جحرا ذا عطفات كثيرة يمينا وصعودا ونزولا تخفى مكانها فإن دخل عليها ابن عرس، أو نصب، أو ظربان لا يظفر بها؛ لكثرة عطفاتها واعوجاجها، وبجحرها أبواب كثيرة، ولليرابيع رئيس يخرج من البيت أولا ويرى الفضاء فإن لم يكن عدو صاح حتى يخرج الفأر كلها، وإن رأى عدوّا عاد وأخبر الباقين حتى لا يخرج شيء منها، وإن لم يكن عدو خرج الرئيس وصعد موضعا عاليا كالديوان والفأر تخرج بعده وتذهب يمينا وشمالا تطلب القوت فما حصل لها تأتي منه بنصيب للرئيس، وإذا رأى الرئيس عدوّا صاح برفع صوته حتى يرجع الفأر إلى بيوتها، فإن غفل الرئيس حتى أتى العدو وأخذ منها شيئا بغتة اجتمعت الفأر كلها على الرئيس وأكلته. ومنها صنف يقال له: الخلد خلقه الله تعالى أكمه يكون في البراري، حاسة سمعها شديدة إذا أحست بشيء عادت إلى بيتها، وذكروا أن الخلد الأنثى إذا حبلت يموت الذكر، وإذا أرادوا صيده تركوا على باب بيتها شيئا من البصل فإنها تخرج لرائحته فيأخذها الصياد. ومنها صنف يقال له: الفأرة المسك توجد في أرض تبت في موضع يقال له: الدفر، سرة هذه الفأرة مسك كما للغزلان؛ فالصياد إذا صادها يشد صرتها حتى يجتمع فيها الدم، وذلك خير من مسك الغزال حتى قالوا: يساوي عشرة من أمثالها؛ لما فيها من طيب الرائحة وحدتها. ومنها صنف يقال له: ذات النطاق وهي فأرة مشهورة منطّقة ببياض أعلاها أسود شبهوها بالمرأة ذات النطاق، وهي التي تلبس قميصين ملونين وتشد وسطها ثم ترسل الأعلى على الأسفل. ومنها صنف يسمى: فأرة البيش قال بعضهم: إنها دويبة تشبه الفأر وليست تسكن إلا منابت البيش تأكل منه وتتغذى به، والبيش: سم قاتل منه شيء يسير وهو حشيش ينبت بأرض الهند. ومنها صنف يقال له: اليربوع وهو الفأر البري صاحب القاصعاء والنافقاء يحفر جحرا فيه عطفات كثيرة، ويحفرها إلى أسفل مستقيمة ثم يذهب يمينا وشمالا وصعودا ونزولا ويخفي مكانه فيه بسبب اعوجاجه وعطفاته فإذا قصده شيء من أعدائه كابن عرس، أو ضب، أو ظربان لا يظفر به؛ لأنه متى أحس بالشر من جهة ذهب إلى خلاف تلك الجهة، ولجحره أبواب، ولليرابيع رئيس إذا أرادت اليرابيع الخروج من أجحرتها خرج الرئيس أولا ونظر فإن لم ير عدوّا رفع صوته؛ ليخرج الآخرون، وإن رأى عدوّا رجع إلى جحره ومنعها من الخروج، وإذا خرج يصعد موضعا عاليا كالديوان، واليرابيع تسعى يمينا وشمالا تطلب القوت فما وقع بيده من الحب وغيره يأتي بنصيب منها للرئيس، وإذا رأى الرئيس عدوّا رفع صوته حتى يرجع كل واحد بيته فإن غفل الرئيس عن العدو حتى أتاه العدو بغتة وأخذ من اليرابيع شيئا هربت البقية وعادت إلى أماكنها سالمة، ثم اجتمعت على عزل رئيسها وإهلاكه ونصّبت رئيسا غيره. ومنها صنف يقال له: سمندل يشبه الفأر وليس بفأر يوجد ببلاد غور تدخل النار ولا تحترق ثم تخرج من النار وقد ذهب وسخها، وصفا لونها وزاد بريقها ولا يتأذى شعرها ولا جلدها ولا لحمها من النار، فسبحان من لا يعرف دقائق حكمته ولطائف صنعه إلا هو، والملوك يتخذون من جلودها منديل الغمر؛ لأنه في غاية النعومة يمسحون به أيديهم فإذا توسخ يلقونه في النار؛ ليذهب وسخه ويخرج نظيفا. وذكروا أن من أخذ جرذا وقطع ذنبه وأخصاه، ثم أطلقه يأكل الجرذان والفيران أكلا ذريعا لا يغلبه شيء حتى الهرة وابن عرس، وتحدث فيه شجاعة وجراءة وإقدام. وأصحاب الأنابير والبيادر عرفوا ذلك فيأخذونه ويقطعون ذنبه، ويسيبونه فلا يترك جرذا ولا فأرا، ومن شق فأرة وجعلها على موضع النصل أو الشوك يخرجه، وتحرق الفأرة وتسحق وتخلط بالدهن، ويطلى به الموضع الصلع ينبت الشعر.
خواصّه كما ذكرها
(رأسه) يشد في خرقة كتان على رأس المتألم يسكن وجعه وينفع من الصرع. (عينه) تشد على قلنسوة إنسان يسهل عليه المشي، وإذا دخل على أحد يغفل عنه أكثرهم، وإذا علقت على من به حمى الربع أبرأته، مرارة السمندل تسقى لمن به جذام يزول عنه. (دمه) يطلى به القضيب يقوى على الباه تقوية عظيمة، دم الفأر ينتف الشعر الذي على الأجفان، ويطلى بهذا الدم لا يرجع ينبت. (شحمه) يذاب ويخلط بدهن الورد ويطلى به الكلف يزيله. (لحمه) إذا شوي وأطعم لصبي انقطع سيلان اللعاب من فمه. (خصيته) تشد على المرأة لا تحبل ما دامت معها. (ذنبه) يشد على المصروع يزيله. (جلد الفأر) يحشى بالتبن ويعلق على البيت يهرب الفأر عنه. (بعره) يحل بالزيت ويطلى به الرأس يذهب بداء الثعلب، ويتخذ من بعر الفأر والحنظل والبورق والسكر الأحمر أشياء يحتمله صاحب القولنج ينفتح في الحال، بعر الفأر مع العسل يطلى به على الطفرة التي في عين الفرس تزول بالكلية، ويسقى الصبي الذي في مثانته حصاة يفتتها، ويسقى صاحب عسر البول يطلق، وإذا اكتحل ببعر الفأر نفع من بياض العين.