تجاوز إلى المحتوى

من «الساق على الساق في ما هو الفارياق» لأحمد فارس الشدياق (ت ١٣٠٤هـ)

أبيات سرية

لم يكن لصاحبنا الفارياق عند الخرجي من الأثقال إلا جثته فقط. فلذا تأبَّط طنبورة ووضع دواته في حزامه وقال له. قد أعانني الله واراني طريقا غير التي طرقتها لي أنت وحزبك الخرجيون. فأنا اليوم مفارقك لا محالة. قال كيف تفارقني وما أسأت إليك في شيء. قال هذا الطنبور يشهد عليك بأنك سؤتني. قال أن العازف به لا تقبل له شهادة فكيف تصح شهادته هو مع كونه سببا في جرح شهادة صاحبه. قال بل تصح كما صحت شهادة حجر آبائك. وإنه لينطق بمساويك كما نطقت أتان جدك. وبدك حصون عنقاشيتك كما دك المدن برق ربيبك. قال ما هذا الكلام. قال وحي والهام. قال لا باس في تعزف به فقد علمت إن الخادم عن حسد شكاك. قال بل أني عازف به عند من يقولون لي زد ويعاد وأحسنت والله. لا عند عجم لا يذكرون اسم الله إلا في الابتهال. قال قد خلطت واشططت. قال قد فرطت وقسطت. قال انك كنود. قال انك من اليهود ثم ولى عنه وهو سامد الرأس جاحظ العينين من الغيظ.

وسار واكترى محلا آوى فيه الطنبور وتوجه إلى المدح فما استقر به المجلس إلا وورد بشير إليه وبيده رقعة فيها بيتان يراد ترجمتهما. فلما عرضا على مترجمي اللغات العجمية وأديت ترجمتها إلى جهبذ الممدح انتهت النوبة أخيرا إلى الفارياق. فأخذ القلم وكتب:

ركب السريّ اليوم خير جوادهيا ليته منا امتطى أكتافا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
إذ ليس فينا رامح أو رافسبل كلنا يغدو به رفافا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فلما قابل الجهبذ هذين البيتين بالأصل وجدهما يشتملان على المعنى اشتمال البطن على الجنين أو الأمعاء على العفج. مع عدم الحشو بالألفاظ التي يستعملها الشعراء غالبا لسد ما في أبياتهم من الخلل. فأعجب بهما جداً وقال. هما حريان بأن يفضلا على الترجمة العجمية. فإني لا أرى فيها إلا معاضلة ألفاظ ولكن لعل هذه عادة القوم فدعهم وعادتهم. غير أنه لما أشتهر البيتان عند أهل النقد اعترض بعض أن قوله رامح أو رافس من الألفاظ المترادفة فتكون الأولى أو الثانية لغواً. فالأولى أن يقال جامح أو رامح وفيه مع ذلك سجع. وأجيب بأن للفظة رامح معاني كثيرة منها الثور له قرنان واسم فاعل من رمح إذا طعن بالرمح أو صار ذا رمح. ورمح البرق لمع ورد بأن الثور ليس له مدخل هنا بقرينه. فإن الناس لا تركب الثيران وإن أشار إليه المتنبي في الغبب. واسم الفاعل بمعنى طاعن لا يناسب المقام. لأن المركوب لا يكون طاعناً.

ثم ورد في اليوم القابل بشير ثان معه رقعة فيها بيتان آخران فقال الفارياق:

قام السري مبكراً لصبوحهفارتجت الأرضون من تبكيره
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
أو ما ترى ذي الشمس من شباكهمدّت إليه شعاعها لسروره
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فاعترض على البيت الثاني إنه غير لفق للأول. وأجيب أنه متفرغ عليه ومرتبط به. لأن الأرضين لما ارتجت وخشي العالمون سطوته ترضته الشمس بشعاعها. ورد بأن ترضي الشمس كان متراخيا عن ارتجاج الأرضين فلا يفيد. وأجيب بأن الترضي حاصل على أي حال كان. فإن الشمس لا يمكنها أن تطلع قبل وقت الطلوع. وضحك قوم من هذا التعليل.

ثم ورد في اليوم الثالث بشير آخر فقال الفارياق:

نام السريّ مهنئاً بالأمس لميخطر بخاطره الشريف هموم
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
إن نام نامت أمة الثقلين أوأن قام قامت والكري جريم
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فأعترض على لفظة الثقلين إنها ثقيلة. وإن أمة حقها أن تكون أمتا.

ورد بأن اللفظة خفيفة ولا عبرة في كونها مشتقة من الثقل.

ثم ورد في اليوم الرابع بشير آخر فقال:

شرب السريّ فحلّ شرب المُسْكرفأستغن عن فتوى الفقيه المنكر
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
وإذا أصر على الخلاف محرّمفاعمد إلى حدّ الحسام الأبتر
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فاعترض عليه أنه مبالغة قبيحة تفضي إلى الكفر وتعطيل الشرع. وأجيب عنه بأنه طبق الأصل.

ثم ورد في اليوم الخامس بشير آخر فقال:

خرج السرّ مع السرّية ماشياغلسا إلى الحمام كي يتنعما
من كان يدعك مرّة جسميهماخَلقُت يداه على المدى أن تلثما
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فأعترض عليه أن الأولى أن يقال ماشيين. ورد بأنه لا محظور منه فأن السري هو الأصل بدليل تغليب ماشيين. ثم أعترض أن الأفصح أن يقال جسمهما أو أجسامها. وأجيب بأن الأفصح لا ينفي الفصيح ثم قيل إنه ارتكب ضرورة بحذف حرف الجر في المصراع الأخير إذ حق الكلام إن يكون خلقت يداه بأن. على أن تثنيه اليد هنا لا معنى لها فإن الداعك لا يدعك بكلتا يديه. وأجيب بأنه لا مانع من حذف الجر مع أن. وأن التثنية للإيذان بأن كل الجوارح مخلوقة لخدمة الممدوح.

ثم ورد في اليوم السادس بشير آخر فقال:

خلع السري اليوم نعليه علىمثن عليه مبالغ في مدحه
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
فاستبشروا يا عصبة الشعراء منهذا السخاء بيمنه وبسحنه
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فاعترض عليه بأن اليمن والسنح بمعنى واحد. وأجيب بأنه كقول الشاعر وألفى قولها كذبا ومينا.

ثم ورد في اليوم السابع بشير آخر فقال:

حكّ السري اليوم أسفل جسمهبأظافر ظفرت بكل مؤمّل
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
فالناس بين مصّفر ومرتلومدفّف ومزمر ومطبّل
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فأعترض عليه صرف أظافر. وأجيب بأن ذلك غير محظور لا سيما وقد وليها قوله ظفرت.

ثم ورد في اليوم الثامن بشير آخر فقال:

طوبى لمن في الناس أصبح حالقاًرأس السريّ الأحلس الملحوسا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
لا زال محفوظاً بلطف الله ماحلتتله شعراً شريفاً موسى
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فأعترض عليه بأن الملحوس غير وارد في صفة الرأس. وأجيب بأنه لا بأس به هنا للجناس. ثم قيل أن محفوفاً مع ذكر الرأس ثقيلة. وأجيب بأنها خفيفة بالنسبة إلى رأس السري. قلت وكان الأولى أن يعاب عليه قوله طوبى لمن. فأنه مطلق لا يفيد أن السري حلق رأسه في يوم معين. غير أن الجناس في المصراع الثاني شفع في البيت كله.

ثم ورد في اليوم التاسع بشير آخر فقال:

بَسَم الزمان عن المنى وتنوّرالما أستحم سريناً وتنورا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
إن المعالي من أسافله زهتوالشعر بالشعراء أكسب مفخرا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فأستحسن هذان البيتان جداً لما فيهما من المطابقة والجناس التام وغيره إلا قوله مفخراً.

ثم ورد في اليوم العاشر بشير آخر فقال:

قحب السري وأي شهم ماجدبين البرية مثله لا يقحب
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
ذي سنة فرضت على كل الوريأن المخالف منهم ليصلب
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فعيب عليه لفظة قحب وأجيب بأنها فصيحة بمعنى سعل.

ثم ورد في اليوم الحادي عشر بشير آخر فقال:

عطس السري فكلنا يبكي دماًوأرتاعت الأرضون والأفلاك
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
حرس الإله دماغه عن عطسةأخرى تموت برعبها الأملاك
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

ثم ورد في اليوم الثاني عشر بشير آخر فقال:

فسى الأمير فأيّ عرف عاطرفي الكون فاح وأيّ مسك ديفا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
يا ليت أعضاء العباد جميعهمتغدو لنشوة ذا العبير أنوفا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فعيب عليه قوله فسّى. إذ التكثير هنا لا معنى له. وأجيب بأن القليل المنسوب إلى السري كثير. وعليه بظلام للعبيد. فإن أدنى ما يكون من الظلم في حق الباري تعالى كثير.

ثم ورد في اليوم الثالث عشر مبشر فقال:

حبق السري اليوم في وقت الضحىوالجو أدكن ليس يسفر عن شرق
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
فتعطرت أرجاؤنا بأريجهفكان من حبق له عرف الحبق
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فأستحسنا لما فيهما من التجنيس: ثم ورد في اليوم الرابع عشر مبشر آخر فقال:

قد أسها اليوم السري فكلنافرح ففي إسهاله التسهيل
قاستبضعوا خزاً إليه مطرزاًوتسابقوا أن البطيء قتيل

فأستحسن البيت الأول للجناس. وعيب عليه قوله مطرزاً. إذ التطريز هنا لا موجب له بل فيه إيلام. وأجيب بأنه طبق الأصل. وأن حق الترجمة أن لا تزيد على الأصل المترجم منه في المعنى ولا تنقص عنه ولا سيما في الأمور المهمة الخطيرة. وقد كان يجب أن يعاب عليه قوله فكلنا فرح وأن علله بقوله ففي إسهاله التسهيل. إذ المتبادر أن التسهيل مسبب عن حتف الممدوح وكأنه الجناس شفع فيه.

ثم أن الفارياق بعد انقضاء هذه المدة الذكية رأى من الواجب أن يزور صاحبه ويخبره بما جرى له. فلما تشرف بمجلسه سأله الخواجا عن حاله. فقال له قد كنت أود يا سيدي أن أزورك قبل الآن لكن خشيت أن يعلق بناديك أثر من الرائحة التي شملتني. فقال له لا ضير في ذلك ولا سيما إذا تعودت عليها. وإن ناديّي لا يبرح كل يوم يعبق به أمثاله من زيارة أمثال السري وهذا شأن أم دفار. ولكن كيف حالك من جهة المعيشة. قال قد اكتريت لي داراً صغيرة واشتريت حماراً. واتخذت خادمة لتصلح لي الدار. وخادماً ليصلح الحمار. وأنا الآن بجاهك وفضلك في أحسن حال. ثم أنصرف من عنده داعياً له.

"سر بيني وبين القارئ" قد كان طبيب الجزيرة نصح للفارياق أن بجانب النساء أي يبتعد عنهن لا أنه يلصق بجنبهن فإن في قربهن حيناً له فألفى قوله كذباً وميناً.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الساق على الساق في ما هو الفارياق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.