تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر الخبر عن غزاة بدر

فيه ٦٠ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

حدّثني بخبرها محمد بن جرير الطبري في «المغازي» قال حدّثنا محمد بن حميد قال حدّثنا سلمة قال حدّثني محمد بن إسحاق قال حدّثني محمد بن مسلم الزّهريّ وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد اللّه بن أبي بكر ويزيد بن رومان عن غزوة بدر وغيرهم من علمائنا عن عبد اللّه بن عبّاس، كلّ قد حدّثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سمعت من حديث بدر، قالوا: ندب النبي المسلمين للعير واستنفار أبي سفيان لقريش: لمّا سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم، وقال: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها؛ فلعلّ اللّه أن ينفّلكموها». فانتدب الناس، فخفّ بعضهم وثقل بعضهم؛ وذلك أنّهم لم يظنّوا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يلقى حربا. وكان أبو سفيان استقدم حين دنا من الحجاز وجعل يتجسّس الأخبار، ويسأل من لقي من الرّكبان، تخوّفا على أموال الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الرّكبان أنّ محمدا استنفر أصحابه لك ولعيرك، فجدّ عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أنّ محمدا قد عرض لها في أصحابه؛ فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة.

قال ابن إسحاق: وحدّثني من لا أتّهم عن عكرمة مولى ابن عبّاس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزّبير قال: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطّلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العبّاس بن عبد المطلب، فقالت: يا أخي، واللّه لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني وتخوّفت أن يدخل على قومك منها شرّ أو مصيبة، فاكتم عني ما أحدّثك. قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث؛ وأرى الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه؛ فبينما هم حوله مثّل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بأعلى صوته: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي، حتّى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلّا دخلتها منها فلقة. قال العباس: إنّ هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العبّاس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقا، فذكرها له واستكتمه إيّاها؛ فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث بمكة حتى تحدثت به قريش. قال العبّاس: فغدوت أطوف بالبيت، وأبو جهل بن هشام ورهط من قريش قعود يتحدّثون برؤيا عاتكة. فلمّا رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا؛ فلمّا فرغت أقبلت إليه حتى جلست معهم. فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطّلب، متى حدثت فيكم هذه النّبيّة؟! قال: قلت: وما ذاك؟

قال: الرؤيا التي رأت عاتكة. قلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطّلب، أما رضيتم أن تتنبّأ رجالكم حتى تتنبّأ نساؤكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنّها قالت: انفروا في ثلاث؛ فسنتربّص بكم هذه الثلاث؛ فإن يكن ما قالت حقّا فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب كتابا عليكم أنّكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العبّاس: فو اللّه ما كان إليه منّي كبير إلّا أن جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا. قال: ثم تفرّقنا. فلمّا أمسينا لم تبق امرأة من بني عبد المطّلب إلّا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ويتناول النساء وأنت تسمع، ولم يكن عندك غير لشيء مما سمعت؟! قلت: قد واللّه فعلت، ما كان منّي إليه من كبير، وأيم اللّه لأتعرّضنّ له؛ فإن عاد لأكفينّكنّه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرآى أنّي قد فاتني منه أمر أحبّ أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فو اللّه إنّي لأمشي نحوه العرضنة ليعود لبعض ما كان فأوقع به. وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللّسان حديد النّظر، إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ. قال: قلت في نفسي: ما له لعنه اللّه! أكلّ هذا فرقا أن أشاتمه! فإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو الغفاريّ وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدّع بعيره وحوّل رحله وشقّ قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللّطيمة اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان بن حرب قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها! الغوث الغوث! قال: فشغلني عنه وشغله عنّي ما جاء من الأمر. قال: فتجهّز الناس سراعا، وقالوا: لا يظنّ محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ! كلّا واللّه ليعلمنّ غير ذلك! فكانوا بين رجلين: إمّا خارج وإمّا باعث مكانه رجلا.

وأوعبت قريش فلم يتخلّف من أشرافها أحد إلا أبو لهب بن عبد المطلب تخلّف فبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، وكان لطّ له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، فأفلس بها، فاستأجره بها على أن يجزىء عنه بعثه، فخرج عنه وتخلّف أبو لهب. هكذا في الحديث. فذكر أبو عبيدة وابن الكلبيّ: أنّ أبا لهب قامر العاصي بن هشام في مائة من الإبل، فقمره أبو لهب، ثم عاد فقمره أيضا، ثم عاد فقمره أيضا الثالثة، فذهب بكلّ ما كان يملكه. فقال له العاصي: أرى القداح قد حالفتك يابن عبد المطّلب، هلمّ نجعلها على أيّنا يكون عبدا لصاحبه؛ قال: ذلك لك؛ فدحاها فقمره أبو لهب، فأسلمه قينا، وكان يأخذ منه ضريبة. فلما كان يوم بدر وأخذت قريش كلّ من لم يخرج بإخراج رجل مكانه أخرجه أبو لهب عنه وشرط له العتق؛ فخرج فقتله عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

رجع الحديث إلى وقعة بدر.

قال محمد بن إسحاق: وحدّثني عبد اللّه بن أبي نجيح: أنّ أميّة بن خلف كان قد أجمع القعود، وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا، فجاءه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها، فيها نار ومجمر، حتّى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا عليّ، استجمر فإنّما أنت من النساء! قال: قبّحك اللّه وقبّح ما جئت به! ثم تجهّز وخرج مع الناس. فلمّا فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير، ذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنّا نخشى أن يأتوا من خلفنا.

قال محمد بن إسحاق: فحدّثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزّبير قال: لمّا أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة، فكاد ذلك أن يثبّطهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجيّ، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: إنّي جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعا.

وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما بلغني عن غير ابن إسحاق - لثلاث ليال خلون من شهر رمضان المعظّم في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من أصحابه. فاختلف في مبلغ الزيادة على العشرة؛ فقال بعضهم: كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. وكان المهجرون يوم بدر سبعة وسبعين رجلا، وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلا، وكان صاحب راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، وكان صاحب راية الأنصار سعد بن عبادة.

حدّثنا محمد قال حدّثنا هارون بن إسحاق قال حدّثنا مصعب بن المقدام، قال أبو جعفر وحدّثني محمد بن إسحاق الأهوازيّ قال حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ قال حدّثنا إسرائيل قال حدّثنا أبو إسحاق عن البراء قال كنّا نتحدّث أنّ عدّة أصحاب بدر على عدّة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر - ولم يجز معه إلّا مؤمن - ثلاثمائة وبضعة عشر.

قال ابن إسحاق في حديثه عمّن روى عنه: وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أصحابه، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجّار، في ليال مضت من رمضان؛ فسار حتّى إذا كان قريبا من الصّفراء بعث بسبس بن عمرو الجهنيّ حليف بني ساعدة وعدي بن أبي الزّغباء حليف بني النجّار إلى بدر يتجسّسان له الخبر عن أبي سفيان بن حرب وغيره، ثم ارتحل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقدّمهما. فلمّا استقبل الصّفراء، وهي قرية بين جبلين، سأل عن جبليها ما اسماهما؟ فقيل: يقال لأحدهما هذا مسلح، وللآخر هذا مخرئ؛ وسأل عن أهلها فقالوا: بنو النّار، وبنو حراق (بطنان من غفار)؛ فكرههما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمرور بينهما، وتفاءل باسميهما وأسماء أهاليهما، فتركهما والصفراء يسارا، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران فخرج منه، حتّى إذا كان ببعضه نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم؛ فاستشار النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول اللّه، امض لما أمرك اللّه فنحن معك.

واللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون معلمون. فو الّذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك حتّى تبلغه. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خيرا ودعا له بخير.

حدّثنا محمد قال حدّثنا محمد بن عبيد المحاربيّ قال حدّثني إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى قال حدّثنا المخارق عن طارق عن عبد اللّه بن مسعود قال: شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ مما في الأرض من كلّ شيء، كان رجلا فارسا، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا غضب احمارّت وجنتاه، فأتاه المقداد على تلك الحال، فقال: أبشر يا رسول اللّه، فو اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن والذي بعثك بالحقّ لنكونن بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وشمالك أو يفتح اللّه تبارك وتعالى.

رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق:

ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أشيروا عليّ أيّها الناس». وإنما يريد الأنصار؛ وذلك أنّهم كانوا عدد الناس، وأنّهم حين بايعوا بالعقبة قالوا: يا رسول اللّه إنا برآء من ذمامك حتّى نصير إلى دارنا، فإذا وصلت فأنت في ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا. فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتخوّف ألّا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلّا ممن دهمه بالمدينة من عدوّه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ في غير بلادهم. فلما قال ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال له سعد بن معاذ: واللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه. قال: «أجل». قال: فقد آمنّا بك يا رسول اللّه وصدّقناك وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض بنا يا رسول اللّه لما أردت فنحن معك. فو الذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر وخضته لخضناه معك ما يتخلّف منّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّا غدا. إنّا لصبر عند الحرب، صدق عند اللّقاء، لعل اللّه تعالى أن يريك منّا ما تقرّ به عينك؛ فسر بنا على بركة اللّه. فسرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقول سعد ونشّطه ذلك؛ ثم قال: «سيروا على بركة اللّه وأبشروا؛ فإنّ اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين، واللّه لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم».

ثم ارتحل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من ذفران، وسلك على ثنايا يقال لها الأصافر، ثم انحطّ منها على بلد يقال له الدّبّة، ثم ترك الحنّان بيمين، وهو كثيب عظيم كالجبل، ثم نزل قريبا من بدر، فركب هو ورجل من أصحابه - قال الطبريّ قال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن يحيى بن حبّان - حتّى وقف على شيخ من العرب، فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم؛ فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما. فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إذا أخبرتنا أخبرناك». فقال: أو ذاك بذاك؟ فقال: «نعم». قال الشيخ: فإنّه بلغني أنّ محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا؛ فإن كان صدقني الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا (للمكان الذي به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم). وبلغني أنّ قريشا خرجوا يوم كذا وكذا؛ فإن كان الذي حدّثني صدقني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا (للمكان الذي به قريش). فلمّا فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «نحن من ماء»، ثم انصرف الشيخ عنه. قال يقول الشيخ: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟ ثم رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أصحابه.

فلما أمسى بعث عليّ بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، والزبير بن العوّام، وسعد بن أبي وقّاص في نفر من أصحابه إلى بدر يلتمسون له الخبر عليه -.

قال محمد بن إسحاق: حدّثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزّبير: - فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجّاج، وعريض أبو يسار غلام بني العاصي بن سعيد، فأتوا بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يصلّي. فسألوهما فقالا: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما، فلمّا أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. وركع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسجد سجدتين ثم سلّم، ثم قال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، فإذا كذباكم تركتموهما، صدقا واللّه إنّهما لقريش. أخبراني أين قريش»؟ قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى- والكثيب: العقنقل - فقال لهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «كم القوم»؟ قالا: لا ندري. قال: «كم ينحرون كلّ يوم»؟ قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «القوم ما بين التّسعمائة والألف». ثم قال لهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «فمن فيهم من أشراف قريش»؟ قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختريّ بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عديّ، والنّضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأميّة بن خلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجّاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن ودّ. فأقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الناس فقال: «هذه مكة قد رمت إليكم أفلاذ كبدها».

قال ابن إسحاق: وقد كان بسبس بن عمرو وعديّ بن أبي الزّغباء مضيا حتّى نزلا بدرا فأناخا إلى تلّ قريب من الماء، ثم أخذا شنّا يستقيان فيه، ومجديّ بن عمرو الجهنيّ على الماء، فسمع عديّ وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما تتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنّما تأتي العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك. قال مجديّ: صدقت، ثم خلّص بينهما. وسمع ذلك عديّ وبسبس فجلسا على بعيريهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبراه بما سمعا. وأقبل أبو سفيان قد تقدّم العير حذرا حتى ورد الماء، فقال لمجديّ بن عمرو: هل أحسست أحدا؟ قال: ما رأيت أحدا أنكره، إلّا أنّي رأيت راكبين أناخا إلى هذا التلّ ثم استقيا في شنّ لهما ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففتّه فإذا فيه النّوى، فقال: هذه واللّه علائف يثرب! فرجع إلى أصحابه سريعا فصرف وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا يسارا، ثم انطلق حتّى أسرع.

وأقبلت قريش، فلمّا نزلوا الجحفة رأى جهيم بن أبي الصّلت بن مخرمة بن عبد المطّلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إنّي رأيت فيما يرى النائم، وإنّي لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس ومعه بعير له ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأميّة بن خلف، وفلان وفلان - فعدّد رجالا ممن قتل يومئذ من أشراف قريش - ورأيته ضرب في لبّة بعيره ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلّا أصابه نضح من دمه. قال: فبلغت أبا جهل فقال: وهذا أيضا نبيّ آخر من بني عبد المطّلب! سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.

ولمّا رأى أبو سفيان أنّه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنّكم إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم ورحالكم وأموالكم فقد نجّاها اللّه فارجعوا. فقال أبو جهل: واللّه لا نرجع حتّى نرد بدرا - وكان بدر موسما من مواسم العرب تجتمع به، لهم بها سوق كلّ عام - فنقيم عليه ثلاثا، وننحر الجزر ونطّعم الطعام ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب بمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا.

فقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثّقفيّ، وكان حليفا لبني زهرة، وهم بالجحفة: يا بني زهرة قد نجّى اللّه لكم عيركم وخلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنّما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها وارجعوا؛ فإنّه لا حاجة بكم في أن تخرجوا في غير ضيعة لما يقول هذا (يعني أبا جهل)؛ فلم يشهدها زهريّ، وكان فيهم مطاعا. ولم يكن بقي من قريش بطن إلّا نفر منهم ناس، إلّا بني عديّ بن كعب لم يخرج منهم رجل واحد.

فرجعت بنو زهرة مع الأخنس بن شريق، فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد.

ومضى القوم، وقد كان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة؛ فقالوا: واللّه لقد عرفنا يا بني هاشم - وإن خرجتم معنا - أنّ هواكم لمع محمد؛ فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع. وأمّا ابن الكلبيّ فإنه قال فيما حدّثت عنه: شخص طالب بن أبي طالب إلى بدر مع المشركين، أخرج كرها، فلم يوجد في الأسرى ولا في القتلى ولم يرجع إلى أهله، وكان شاعرا، وهو الذي يقول:

يا ربّ إمّا يغزونّ طالبفي مقنب من هذه المقانب
فليكن المسلوب غير السالبوليكن المغلوب غير الغالب

رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق

قال: ومضت قريش حتّى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل. وبطن الوادي، وهو يليل، بين بدر وبين العقنقل: الكثيب الذي خلفه قريش. والقليب ببدر من العدوة الدّنيا من بطن يليل إلى المدينة. وبعث اللّه عزّ وجلّ السماء، وكان الوادي دهسا، فأصاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه منها ما لبّد لهم الأرض ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه. فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبادرهم إلى الماء حتّى حاذى ماء من مياه بدر فنزل به.

قال ابن إسحاق: فحدّثني عشرة رجال من بني سلمة ذكروا أنّ الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول اللّه، أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة». فقال: يا رسول اللّه، إنّ هذا ليس لك بمنزل، فانهض بالناس حتّى تأتي أدنى ماء من مياه القوم فتنزله، ثم تعوّر ما سواه من القلب ثم تبني عليه حوضا فتملأه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربوا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لقد أشرت بالرأي». فنهض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه من الناس حتّى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه، ثم أمر بالقلب فعوّرت وبنوا حوضا على القليب الذي نزل عليه فملى ء، ماء ثم قذفوا فيه الآنية.

قال محمد بن إسحاق: فحدّثني محمد بن أبي بكر أنّ سعد بن معاذ قال: يا رسول اللّه، نبني لك عريشا من جريد فتكون فيه ونعدّ عندك ركائبك، ثم نلقى عدوّنا؛ فإن نحن أعزّنا اللّه وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا؛ فقد تخلّف عنك أقوام يا نبيّ اللّه ما نحن بأشدّ حبّا لك منهم، ولو ظنّوا أنّك تلقى حربا ما تخلّفوا عنك، يمنعك اللّه بهم، يناصحونك ويجاهدون معك.

فأثنى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خيرا، ودعا له بخير. ثم بني لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عريش فكان فيه.

وقد ارتحلت قريش حين أصبحت وأقبلت. فلمّا رآها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تصوّب من العقنقل - وهو الكثيب الذي منه جاؤوا - إلى الوادي قال: «اللّهمّ هذى قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذّب رسولك. اللّهمّ فنصرك الذي وعدتني. اللّهمّ فأحنهم الغداة». وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر: «إن يكن عند أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا».

وقد كان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاريّ، أو أبوه أيما بن رحضة، بعث إلى قريش حين مرّوا به ابنا له بجزائر أهداها لهم وقال لهم: إن أحببتم أن نمدّكم بسلاح ورجال فعلنا. فأرسلوا إليه مع ابنه: أن وصلتك رحم! فقد قضيت الذي عليك. فلعمري لئن كنّا إنّما نقاتل الناس فما بنا ضعف عنهم، ولئن كنّا نقاتل اللّه كما يزعم محمد فما لأحد باللّه من طاقة. فلمّا نزل الناس أقبل نفر من قريش حتّى وردوا الحوض حوض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «دعوهم». فما شرب منهم رجل إلّا قتل يومئذ، إلّا ما كان من حكيم بن حزام فإنّه لم يقتل، نجا على فرس له يقال له الوجيه، وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه؛ فكان إذا اجتهد في يمينه قال: والذي نجّاني من يوم بدر.

قال محمد بن إسحاق: وحدّثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار قالوا: لمّا اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحيّ فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد؛ فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه، ولكن أمهلوني حتّى أنظر: أللقوم كمين أو مدد. قال: فضرب في الوادي حتى أمعن، فلم ير شيئا، فرجع فقال: لم أر شيئا، ولكن قد رأيت يا معشر قريش الولايا تحمل المنايا! نواضح يثرب تحمل الموت الناقع! قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلّا سيوفهم. واللّه ما أرى أن يقتل رجل منهم حتّى يقتل رجلا منكم! فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك! فروا رأيكم.

فلمّا سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة وقال: يا أبا الوليد، إنّك كبير قريش الليلة وسيّدها والمطاع فيها، هل لك إلى أمر لا تزال تذكر منه بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرميّ. قال: قد فعلت، أنت على ذلك شهيد، إنما هو حليفي فعليّ عقله وما أصيب من ماله؛ فأت ابن الحنظليّة فإنّي لا أخشى أن يسحر الناس غيره (يعني أبا جهل بن هشام).

حدّثنا محمد قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا غمامة بن عمرو السّهمي قال حدّثنا مسوّر بن عبد الملك اليربوعيّ عن أبيه عن سعيد بن المسيّب قال: بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل عليه حاجبه فقال: هذا أبو خالد حكيم بن حزام. قال: إيذن له. فلمّا دخل حكيم بن حزام، قال: مرحبا بك يا أبا خالد، أدن؛ فحال له مروان عن صدر المجلس حتّى كان بينه وبين الوسادة، ثم استقبله مروان فقال: حدّثنا حديث بدر. قال: خرجنا حتّى إذا نزلنا الجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها، فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا؛ ثم خرجنا حتّى نزلنا العدوة التي قال اللّه عزّ وجلّ؛ فجئت عتبة بن ربيعة فقلت: يا أبا الوليد، هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟ قال: أفعل ماذا؟ قال: قلت: إنّكم لا تطلبون من محمد إلّا دم واحد: (ابن الحضرميّ) وهو حليفك، فتحمّل ديته فيرجع الناس. قال: أنت وذاك، وأنا أتحمّل ديته، فاذهب إلى ابن الحنظليّة (يعني أبا جهل) فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمّك؟

فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه، فإذا ابن الحضرميّ واقف على رأسه وهو يقول: قد فسخت عقدي من بني عبد شمس، وعقدي إلى بني مخزوم. فقلت له: يقول لك عتبة بن ربيعة: هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عمّك بمن معك؟ قال: أما وجد رسولا غيرك؟ قلت: لا، ولم أكن لأكون رسولا لغيره. قال حكيم: فخرج مبادرا إلى عتبة وخرجت معه لئلا يفوتني من الخبر شيء، وعتبة يتّكىء على إيماء بن رحضة الغفاريّ، وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل والشرّ في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سحرك! فقال عتبة: فستعلم.

فسلّ أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه؛ فقال إيماء بن رحضة: بئس المقام هذا! فعند ذلك قامت الحرب.

رجع الحديث إلى ابن إسحاق:

نصح عتبة بن ربيعة قريشا بالرجوع فأبى أبو جهل: ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا، فقال: يا معشر قريش، واللّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا! واللّه لئن أصبتموه، لا يزال الرجل منكم ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، رجل قتل ابن عمّه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلّوا بين محمد وبين سائر العرب؛ فإن أصابوه فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعدموا منه ما تريدون. قال حكيم: فانطلقت حتّى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل درعا له من جرابها وهو يهيّئها؛ فقلت له: يا أبا الحكم، إنّ عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا (الذي قال)؛ فقال: انتفخ واللّه سحره حين رأى محمدا وأصحابه. كلّا واللّه! لا مرجع حتّى يحكم اللّه بيننا وبين محمد وأصحابه؛ وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أنّ محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه قد تخوّفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ فقال له: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثارك بعينك، فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرميّ فاكتشف ثم صرخ: وا عمراه! وا عمراه! فحميت الحرب، وحقب أمر الناس، واستوسقوا على ما هم عليه من الشرّ، وأفسد على الناس الرّأي الذي دعاهم إليه عتبة بن ربيعة. ولمّا بلغ عتبة قول أبي جهل: «انتفخ سحره» قال: سيعلم مصفّر الاست من انتفخ سحره: أنا أم هو! ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فلم يجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته؛ فلمّا رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له.

وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ، وكان رجلا شرسا سيّ ء الخلق، فقال: أعاهد اللّه لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه. فلمّا خرج خرج له حمزة بن عبد المطّلب، فلمّا التقيا ضربه حمزة فأبان قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن يبرّ يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتّى قتله في الحوض.

ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتّى إذا نصل من الصّفّ دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة نفر، وهم: عوف ومعوّذ ابنا الحارث، وأمّهما عفراء ورجل آخر يقال: هو عبد اللّه بن رواحة؛ فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «قم يا حمزة بن عبد المطّلب، قم يا عبيدة ابن الحارث، قم يا عليّ بن أبي طالب». فلمّا قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ. قالوا: نعم أكفاء كرام. فبارز عبيدة بن الحارث، وكان أسنّ القوم، عتبة بن ربيعة؛ وبارز حمزة شيبة بن ربيعة؛ وبارز عليّ الوليد بن عتبة. فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله. وأمّا عليّ فلم يمهل الوليد بن عتبة أن قتله. واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه؛ فكّر حمزة وعليّ على عتبة بأسيافهما فذفّفا عليه فقتلاه، واحتملا صاحبهما عبيدة، فجاءا به إلى أصحابه وقد قطعت رجله ومخّه يسيل. فلمّا أتوا بعبيدة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ألست شهيدا يا رسول اللّه؟ قال: «بلى». فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيّا لعلم أنّي بما قال أحقّ منه حيث يقول:

ونسلمه حتّى نصرّع حولهونذهل عن أبنائنا والحلائل
للشاعر أبو طالب، من قصيدة «خليلي ما أذني لأول عاذل»

قال محمد بن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنّ عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا له: أكفاء كرام، إنما نريد قومنا. ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض - وقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه ألّا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنّبل» - ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في العريش معه أبو بكر.

وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان، قال ابن إسحاق: كما حدّثني أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين.

قال محمد بن جرير وحدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة قال قال لي محمد بن إسحاق حدّثني حبّان بن واسع بن حبّان عن أشياخ من قومه: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عدّل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدّل به القوم، فمرّ بسواد بن غزيّة حليف بني عديّ بن النجّار وهو مستنتل من الصفّ، فطعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بطنه بالقدح، ثم قال: «استو يا سواد بن غزيّة». فقال: يا رسول اللّه، أو جعتني! وقد بعثك اللّه بالحقّ، فأقدني. قال: فكشف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن بطنه وقال: «استقد»؛ فاعتنقه وقبّل بطنه. فقال: «ما حملك على هذا يا سواد»؟ فقال: يا رسول اللّه، حضر ما ترى، فلم آمن الموت، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك؛ فدعا له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخير وقال له خيرا. ثم عدّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الصفوف، ورجع إلى العريش ودخله ومعه أبو بكر ليس معه غيره، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يناشد ربّه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: «اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة اليوم - يعني المسلمين - لا تعبد بعد اليوم»، وأبو بكر يقول: يا نبيّ اللّه خلّ بعض مناشدتك ربّك؛ فإنّ اللّه منجز لك ما وعدك.

حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا محمد بن عبيد المحاربيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن المبارك عن عكرمة بن عمّار قال حدّثني سماك الحنفيّ قال سمعت ابن عبّاس يقول: حدّثني عمر بن الخطاب قال: لمّا كان يوم بدر ونظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المشركين وعدتهم وإلى أصحابه وهم نيّف على ثلاثمائة، استقبل الكعبة وجعل يدعو ويقول: «اللّهمّ أنجز لي ما وعدتني. اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض»، فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه؛ فأخذ أبو بكر فوضع رداءه عليه، ثم التزمه من ورائه فقال: كفاك يا نبيّ اللّه، بأبي أنت وأمّي، مناشدتك لربّك، سينجز لك ما وعدك. فأنزل اللّه تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ).

حدّثنا محمد قال حدّثنا ابن وكيع قال حدّثنا الثّقفيّ (يعني عبد الوهّاب) عن خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال وهو في قبّته يوم بدر «اللّهمّ أسألك عهدك ووعدك. اللّهمّ إن شئت لم تعبد بعد اليوم».

قال: فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا نبيّ اللّه، فقد ألححت على ربّك، وهو في الدّرع؛ فخرج وهو يقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ)

رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق

قال: وقد خفق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خفقة وهو في العريش، ثم انتبه فقال: «يا أبا بكر أتاك نصر اللّه، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده وعلى ثناياه النّقع». قال: وقد رمي مهجع مولى عمر بن الخطّاب بسهم فقتل، فكان أوّل قتيل من المسلمين. ثم رمي حارثة بن سراقة أحد بني عديّ بن النجّار وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فقتل. ثم خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الناس فحرّضهم ونفّل كلّ امرىء ما أصاب، وقال: «والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجلا فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلّا أدخله اللّه الجنّة». فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلها: بخ بخ! أما بيني وبين أن أدخل الجنّة إلّا أن يقتلني هؤلاء! قال: ثم قذف التّمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل، وهو يقول:

ركضا إلى اللّه بغير زادإلّا التّقى وعمل المعاد
والصّبر في اللّه على الجهادوكلّ زاد عرضة النّفاد
غير التّقى والبرّ والرّشاد

حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة قال حدّثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة: أنّ عوف بن الحارث، وهو ابن عفراء، قال: يا رسول اللّه، ما يضحك الربّ من عبده؟ قال: «غمسه يده في العدوّ حاسرا»؛ فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.

حدّثنا محمد قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق قال وحدّثني محمد بن مسلم الزّهريّ عن عبد اللّه بن ثعلبة بن صعير العذريّ حليف بني زهرة قال: لمّا التقى الناس ودنا بعضهم من بعض، قال أبو جهل: اللّهمّ أقطعنا للرّحم وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة؛ فكان هو المستفتح على نفسه. ثم إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخذ حفنة من الحصباء واستقبل بها قريشا، ثم قال: «شاهت الوجوه» ثم نفحهم بها، وقال لأصحابه: «شدّوا»؛ فكانت الهزيمة، فقتل اللّه من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر منهم. فلمّا وضع القوم أيديهم يأسرون - ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم متوشّحا بالسيف في نفر من الأنصار، يحرسون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، يخافون عليه كرّة العدوّ - رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما ذكر لي - في وجه سعد بن معاذ الكراهة فيما يصنع الناس؛ فقال له: «كأنّك كرهت ما يصنع الناس»! قال: أجل يا رسول اللّه! كانت أوّل وقعة أوقعها اللّه عزّ وجلّ بأهل الشّرك؛ فكان الإثخان في القتل أعجب إليّ من استبقاء الرجال.

حدّثنا محمد قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال، وحدّثني العبّاس بن عبد اللّه بن معبد عن بعض أهله عن ابن عبّاس: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأصحابه يومئذ: «إنّي قد عرفت أنّ رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا؛ فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختريّ بن هشام بن الحارث فلا يقتله ومن لقي العبّاس بن عبد المطّلب - عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - فلا يقتله، فإنّما خرج مستكرها». قال: فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أيقتل آباؤنا وأبناؤنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العبّاس! واللّه لئن لقيته لألحمنّه السيف! فبلغت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فجعل يقول لعمر بن الخطّاب: «يا أبا حفص أما تسمع إلى قول أبي حذيفة يقول أضرب وجه عمّ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - بالسيف». فقال: عمر: يا رسول اللّه، دعني فلأضربنّ عنقه بالسيف، فو اللّه لقد نافق. قال عمر: واللّه إنّه لأوّل يوم كناني فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأبي حفص. قال: فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلّا أن تكفّرها عنّي الشهادة؛ فقتل يوم اليمامة شهيدا.

قال: وإنّما نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتل أبي البختريّ، لأنه كان أكفّ القوم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بمكة، كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه بمكة شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطّلب. فلقيه المجدّر بن ذياد البلويّ حليف الأنصار من بني عديّ، فقال المجذّر بن ذياد لأبي البختريّ: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد نهى عن قتلك، ومع أبي البختريّ زميل له خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مليحة بن زهير بن الحارث بن أسد - وجنادة رجل من بني ليث. واسم أبي البختريّ العاصي بن هشام بن الحارث بن أسد - قال: وزميلي؟ فقال المجذّر: لا واللّه ما نحن بتاركي زميلك؛ ما أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا بك وحدك. قال: واللّه إذا لأموتن أنا وهو جميعا! لا تتحدّث عنّي نساء قريش بين أهل مكة أنّي تركت زميلي حرصا على الحياة. فقال أبو البختريّ حين نازله المجذّر وأبى إلّا القتال وهو يرتجز:

لن يسلم ابن حرّة أكيلهحتّى يموت أو يرى سبيله

فاقتتلا، فقتله المجذّر بن ذياد. ثم أتى المجذّر بن ذياد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: والّذي بعثك بالحق، لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به، فأبى إلّا القتال، فقاتلته فقتلته.

قال محمد بن إسحاق: وحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير عن أبيه، قال: وحدّثنيه أيضا عبد اللّه بن أبي بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان أميّة بن خلف لي صديقا بمكة. قال: وكان اسمي عبد عمرو، فسمّيت حين أسلمت عبد الرحمن ونحن بمكة. قال: وكان يلقاني بمكة فيقول: يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سمّاك به أبواك؟ فأقول نعم؛ فيقول: فإنّي لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به، أمّا أنت فلا تجيبني باسمك الأوّل، وأمّا أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: فكان إذا دعاني: يا عبد عمرو، لم أجبه. فقلت: اجعل بيني وبينك يا أبا عليّ ما شئت. قال: فأنت عبد الإله. فقلت نعم. قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله فأجيبه فأتحدّث معه. حتى إذا كان يوم بدر، مررت به وهو واقف مع عليّ ابنه آخذا بيده، ومعي أدراع قد سلبتها وأنا أحملها. فلمّا رآني قال: يا عبد عمرو، فلم أجبه. فقال: يا عبد الإله، قلت نعم. قال: هل لك فيّ فأنا خير لك من هذه الأدراع؟ قلت: نعم، هلمّ إذا.

فطرحت الأدراع من يدي وأخذت بيده وبيد ابنه عليّ، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ، أما لكم حاجة في اللبن؟

ثم خرجت أمشى بينهما.

قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال لي أميّة بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجل المعلم منكم بريش نعامة في صدره؟ قال قلت: ذلك حمزة بن عبد المطّلب. قال: ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل. قال عبد الرحمن: فو اللّه إنّي لأقودهما إذ رآه بلال معي - وكان هو الذي يعذّب بلالا بمكة على أن يترك الإسلام، فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد؛ فيقول بلال: أحد أحد - فقال بلال حين رآه: رأس الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجوا! قال: قلت: أي بلال، أبأسيريّ! قال: لا نجوت إن نجوا! قلت: أي بلال، أبأسيريّ تسمّع يا بن السوداء! قال: لا نجوت إن نجوا! ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار اللّه، رأس الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجوا. قال: فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة وأنا أذبّ عنه. قال: فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أميّة صيحة ما سمعت بمثلها قطّ. قال قلت: انج بنفسك ولا نجاء! فو اللّه ما أغني عنك شيئا. قال: فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما. قال: فكان عبد الرحمن يقول: رحم اللّه بلالا! ذهب بأدراعي وفجعني بأسيريّ.

قال ابن إسحاق حدّثني عبد اللّه بن أبي بكر أنه حدث عن ابن عباس قال حدّثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدّبرة- فننهب مع من ينهب. فبينا نحن في الجبل إذ دنت منّا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، وسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم. قال: فأمّا ابن عمّي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه. وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت.

قال محمد بن إسحاق حدّثني أبي إسحاق بن يسار عن رجال من بني مازن بن النجّار عن أبي داود المازنيّ، وكان شهد بدرا، قال: إنّ لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعلمت أنه قد قتله غيري.

حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه بن الحكم المصريّ قال حدّثنا يحيى بن بكير قال حدّثني محمد بن إسحاق عن العلاء بن كثير عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: قال لي أبي: يا بنيّ، لقد رأيتنا يوم بدر وإنّ أحدنا ليشير إلى المشرك بسيفه فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف.

حدّثنا محمد قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن محمد قال، وحدّثني الحسن بن عمارة قال أخبرنا سلمة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم مولى عبد اللّه بن الحارث عن عبد اللّه بن عباس قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها على ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمرا، ولم تقاتل الملائكة في يوم من الأيّام سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام مددا وعددا ولا يضربون.

حدّثنا محمد قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة قال، قال محمد وحدّثني ثور بن زيد ولي بني الدّيل عن عكرمة مولى ابن عبّاس عن ابن عباس، قال وحدّثني عبد اللّه بن أبي بكر، قالا: كان معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة يقول: لمّا فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غزوة بدر أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى، وقال: «اللّهمّ لا يعجزنّك». وكان أوّل من لقي أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح، قال: سمعت القوم، وأبو جهل في مثل الحرجة، وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه. فلمّا سمعتها جعلتها من شأني، فعمدت نحوه، فلمّا أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنّت قدمه بنصف ساقه، فو اللّه ما شبّهتها حين طاحت إلّا كالنواة تطيح من تحت مرضخة النّوى حين يضرب بها. قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلّقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنها؛ فلقد قاتلت عامّة يومي وإنّي لأسحبها خلفي، فلمّا آذتني جعلت عليها رجلي ثم تمطّيت بها حتى طرحتها.

قال: ثم عاش معاذ بعد ذلك حتى كان في زمن عثمان بن عفّان. قال: ثم مرّ بأبي جهل، وهو عقير، معوّذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، فتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل. فمرّ عبد اللّه بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يلتمس في القتلى، وقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما بلغني: «انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح بركبته؛ فإنّي ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد اللّه بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشبّ - أو أشفّ - منه بيسير، فدفعته فوقع عى ركبتيه فخدش في إحداهما خدشا لم يزل أثره فيها بعد». فقال عبد اللّه بن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه. قال: وقد كان ضبث بي مرّة بمكة فآذاني ولكزني، ثم قلت: هل أخزاك اللّه يا عدوّ اللّه؟ قال: وبماذا أخزاني! أعمد من رجل قتلتموه! لمن الدّبرة اليوم؟

قال: قلت: للّه ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم.

حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن محمد قال: زعم رجال من بني مخزوم أنّ ابن مسعود كان يقول: قال لي أبو جهل: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا؛ ثم احتززت رأسه، ثم جئت به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقلت: يا رسول اللّه، هذا رأس عدوّ اللّه أبي جهل. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اللّه الذي لا إله غيره»! - وكانت يمين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - قلت: نعم واللّه الذي لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؛ قال: فحمد اللّه.

قال محمد بن إسحاق وحدّثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزّبير عن عائشة قالت: لمّا أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيها إلّا ما كان من أميّة بن خلف، فإنّه انتفخ في درعه فملأها؛ فذهبوا به ليخرجوه فتزايل، فأقرّوه وألقوا عليه ما غيّبه من التراب والحجارة. فلمّا ألقوهم في القليب، وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا فإني وجدت ما وعدني ربّي حقّا». فقال له أصحابه: يا رسول اللّه، أتكلّم قوما موتى؟ قال: «لقد علموا أنّ ما وعدهم ربّهم حقّ». قالت عائشة: والناس يقولون: «لقد سمعوا ما قلت لهم»، وإنما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لقد علموا».

قال ابن إسحاق وحدّثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لمّا سمع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يقول من جوف الليل: «يا أهل القليب يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أبا جهل بن هشام - فعدّد من كان منهم في القليب - هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا» قال المسلمون: يا رسول اللّه، أتنادي قوما قد جيّفوا! فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني».

قال محمد بن إسحاق وحدّثني بعض أهل العلم: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم قال هذه المقالة قال: «يا أهل القليب بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم! كذّبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس». ثم قال: «هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا» للمقالة التي قالها. ولمّا أمر بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يلقوا في القليب، أخذ عتبة فسحب إلى القليب، فنظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فيما بلغني، إلى وجه أبي حذيفة بن عتبة، فإذا هو كثيب قد تغيّر؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا أبا حذيفة لعلّك قد دخلك من شأن أبيك شي ء» أو كما قال. قال فقال: لا واللّه يا رسول اللّه ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكنّني كنت أعرف من أبي رأيا وفضلا وحلما، فكنت أرجو أن يهديه اللّه إلى الإسلام، فلمّا رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك. قال: فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم له بخير وقال له خيرا.

ثم إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع، واختلف المسلمون فيه: فقال من جمعه: هو لنا، وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نفّل كلّ امرىء ما أصاب. فقال الذين كانا يقاتلون العدوّ ويطلبونهم: لو لا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا القوم عنكم حتّى أصبتم ما أصبتم. وقال الذين كانوا يحرسون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مخافة أن يخالف إليه العدوّ: واللّه ما أنتم بأحقّ منّا، ولقد رأينا أن نقتل العدوّ إذ ولّانا اللّه ومنحنا أكتافهم، ولقد رأينا أن تأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكن خفنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كرّة العدوّ، فقمنا دونه، فما أنتم بأحقّ به منّا.

قال ابن إسحاق وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جمع الأسارى من المشركين، وكانوا أربعة وأربعين أسيرا، وكان من القتلى مثل ذلك، وفي الأسارى عقبة بن أبي معيط، والنّضر بن الحارث بن كلدة، حتّى إذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالصّفراء، قتل النّضر بن الحارث بن كلدة، قتله عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

قال محمد بن إسحاق حدّثني عبد اللّه بن أبي بكر عن يحيى بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال: قدم بالأسارى حين قدم بهم، وسودة بنت زمعة (زوج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم) عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوّذ ابني عفراء، وذلك قبل أن يضرب عليهنّ الحجاب. قال: تقول سودة: واللّه إنّي لعندهم إذ أتينا، فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتي بهم، فرحت إلى بيتي ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. قالت: فو اللّه ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: يا أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، ألا متّم كراما! فو اللّه ما أنبهني إلّا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من البيت: «يا سودة أعلى اللّه وعلى رسوله»! قالت فقلت: يا رسول اللّه، والذي بعثك بالحقّ ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بحبل أن قلت ما قلت.

قال محمد بن إسحاق: وكان أوّل من قدم مكة بمصاب قريش، الحيسمان بن عبد اللّه بن إياس بن ضبيعة بن رومان بن كعب بن عمرو الخزاعيّ. قالوا: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأميّة بن خلف، وزمعة بن الأسود، وأبو البختريّ بن هشام، ونبيه ومنبّه ابنا الحجّاج. قال: فلمّا جعل يعدّد أشراف قريش قال صفوان بن أميّة وهو قاعد في الحجر: واللّه إن يعقل هذا فسلوه عنّي. قالوا: ما فعل صفوان بن أميّة؟ قال: هو ذلك جالس في الحجر، وقد واللّه رأيت أباه وأخاه حين قتلا.

قال محمد بن إسحاق حدّثني حسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عبّاس عن عكرمة مولى ابن عبّاس قال: قال أبو رافع مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: كنت غلاما للعبّاس بن عبد المطّلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العبّاس وأسلمت أمّ الفضل، وأسلمت، وكان العبّاس يهاب قومه، ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرّق في قومه، وكان أبو لهب عدوّ اللّه قد تخلّف عن بدر، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، وكذلك صنعوا، لم يتخلّف رجل إلّا بعث مكانه رجلا. فلمّا جاء الخبر عن مصاب أهل بدر من قريش، كبته اللّه وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوّة وعزّا؛ وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم؛ فو اللّه إنّي لجالس فيها أنحت القداح، وعندي أمّ الفضل جالسة وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرّ رجليه يسير حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب قد قدم؛ فقال أبو لهب: هلمّ إليّ يا بن أخي، فعندك لعمري الخبر. فجلس إليه والنّاس قيام عليه. فقال يابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء واللّه، إن كان إلّا أن لقيناهم فأبحناهم أكتافنا يقتلون ويأسرون كيف شاؤوا. وايم اللّه مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك واللّه الملائكة! فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة. قال: فساورته فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك عليّ يضربني، وكنت رجلا ضعيفا؛ فقامت أمّ الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة، فشجّت في رأسه شجّة منكرة وقالت: أتستضعفه أن غاب عنه سيّده! فقام مولّيا ذليلا. فو اللّه ما عاش فيها إلّا سبع ليال حتى رماه اللّه جلّ جلاله بالعدسة فقتلته؛ فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا لا يدفنانه حتّى أنتن في بيته - وكانت قريش تتّقي العدسة كما يتّقى الطاعون - حتى قال لهما رجل من قريش ويحكما! لا تستحييان أنّ أباكما قد أنتن في بيته لا تغيّبانه! فقالا: نخشى هذه القرحة. قال: فانطلقا فأنا معكما. فما غسّلوه إلّا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسّونه؛ فاحتملوه فدفنوه بأعلى مكة على جدار، وقذفوا عليه الحجارة حتّى واروه.

قال محمد بن إسحاق وحدّثني العبّاس بن عبد اللّه بن معبد عن بعض أهله عن الحكم بن عتيبة عن ابن عبّاس قال: لمّا أمسى القوم من يوم بدر، والأسارى محبوسون في الوثاق، بات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ساهرا أوّل ليلته. فقال له أصحابه: يا رسول اللّه، ما لك لا تنام؟ فقال: «سمعت تضوّر العبّاس في وثاقه»؛ فقاموا إلى العبّاس فأطلقوه؛ فنام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.

قال ابن إسحاق وحدّثني الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن ابن عبّاس قال: كان الذي أسر العبّاس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان رجلا مجموعا، وكان العبّاس رجلا جسيما. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي اليسر: «كيف أسرت العبّاس يا أبا اليسر»؟ فقال: يا رسول اللّه، أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لقد أعانك عليه ملك كريم».

قال ابن إسحاق عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال للعبّاس بن عبد المطلب حين انتهي به إلى المدينة: «يا عبّاس افد نفسك، وابن أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر؛ فإنك ذو مال». فقال: يا رسول اللّه، إنّي كنت مسلما ولكنّ القوم استكرهوني. فقال: «اللّه أعلم بإسلامك، إن يكن ما تذكر حقّا فاللّه يجزيك به، فأمّا ظاهر أمرك فقد كان علينا؛ فافد نفسك». وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أخذ منه عشرين أوقيّة من ذهب. فقال العبّاس: يا رسول اللّه، احسبها لي في فدائي. قال: «لا، ذلك شيء أعطاناه اللّه منك» قال: فإنّه ليس لي مال. قال قال: «فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت من عند أمّ الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد، ثم قلت لها إن أصبت في سفرتي هذه فللفضل كذا ولعبد اللّه كذا ولقثم كذا ولعبيد اللّه كذا»؟ قال: والذي بعثك بالحقّ ما علم هذا أحد غيري وغيرها، وإنّي لأعلم أنّك رسول اللّه. ففدى العبّاس نفسه وابن أخيه وحليفه.

قال ابن إسحاق: وحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير عن أبيه عن عائشة قالت: لمّا بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في فداء أبي العاصي بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاصي حين بنى عليها. فلمّا رآها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رقّ لها رقّة شديدة وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذي لها فافعلوا»! فقالوا: نعم يا رسول اللّه؛ فأطلقوه وردّوا عليها الذي لها.

قال ابن إسحاق. حدّثني يحيى بن عبّاد عن أبيه قال: ناحت قريش على قتلاها، ثم قالت: لا تفعلوا فيبلغ ذلك محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في فداء أسراكم حتى تستأنوا بهم، لا يتأرّب عليكم محمد وأصحابه في الفداء. قال: وكان الأسود بن المطّلب قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة وعقيل والحارث بنو الأسود، وكان يحبّ أن يبكي على بنيه. فبينا هو كذلك إذ سمع نائحة في الليل، فقال لغلامه وقد ذهب بصره: أنظر هل أحلّ النّحيب؟ وهل بكت قريش على قتلاها؟ لعلّي أبكي على أبي حكيمة (يعني زمعة)؛ فإنّ جوفي قد احترق. فلمّا رجع إليه الغلام قال: إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلّته؛ فذلك حين يقول الأسود:

أتبكي أن أضلّ لها بعيرويمنعها البكاء من الهجود
للشاعر أبو زمعة الأسدي، اقرأ القصيدة
ولا تبكي على بكر ولكنعلى بدر تقاصرت الجدود
للشاعر أبو زمعة الأسدي، اقرأ القصيدة
على بدر سراة بني هصيصومخزوم ورهط أبي الوليد
وبكّي إن بكيت على عقيلوبكّي حارثا أسد الأسود
وبكّيهم ولا تسمي جميعافما لأبي حكيمة من نديد
ألا قد ساد بعدهم رجالولو لا يوم بدر لم يسودوا

ومما قيل في بدر من الشّعر وغنّي به قول هند بنت عتبة ترثي أباها:

صوت

من حسّ لي الأخوين كالغصنين أو من راهما
للشاعر الخنساء، من قصيدة «من حس لي الأخوين»
قرمان لا يتظالمان ولا يرام حماهما
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «من حس لي الأخوين كالغصنين»
ويلي على أبويّ والقبر الذي واراهما
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «من حس لي الأخوين كالغصنين»
لا مثل كهلي في الكهول ولا فتى كفتاهما
للشاعر الخنساء، من قصيدة «من حس لي الأخوين»

- ذكر الهشاميّ أنّ الغناء لابن سريج رمل، وفي الكتاب الكبير المنسوب إلى إسحاق أنه للغريض - وتمام هذه الأبيات:

أسدان لا يتذلّلان ولا يرام حماهما
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «من حس لي الأخوين كالغصنين»
رمحين خطّيّين فيكبد السماء تراهما
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «من حس لي الأخوين كالغصنين»
ما خلّفا إذ ودّعافي سودد شرواهما
للشاعر الخنساء، من قصيدة «من حس لي الأخوين»
سادا بغير تكلّفعفوا يفيض نداهما
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «من حس لي الأخوين كالغصنين»

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني الحارث بن أبي أسامة قال حدّثنا محمد بن سعد عن الواقديّ، وأخبرني ابن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الواقديّ عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد قال: لمّا كانت وقعة بدر، قتل فيها عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة؛ فأقبلت هند بنت عتبة ترثيهم، وبلغها تسويم الخنساء هودجها في الموسم ومعاظمتها العرب بمصيبتها بأبيها عمرو بن الشّريد وأخويها صخر ومعاوية، وأنّها جعلت تشهد الموسم وتبكيهم، وقد سوّمت هودجها براية، وأنها تقول: أنا أعظم العرب مصيبة، وأنّ العرب قد عرفت لها بعض ذلك. فلمّا أصيبت هند بما أصيبت به وبلغها ذلك، قالت: أنا أعظم من الخنساء مصيبة، وأمرت بهودجها فسوّم براية، وشهدت الموسم بعكاظ، وكانت سوقا يجتمع فيها العرب، فقالت: اقرنوا جملي بجمل الخنساء، ففعلوا. فلمّا أن دنت منها، قالت لها الخنساء: من أنت يا أخيّة؟ قالت: أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة، وقد بلغني أنّك تعاظمين العرب بمصيبتك، فبم تعاظمينهم؟ فقالت الخنساء: بعمرو بن الشّريد، وصخر ومعاوية ابني عمرو، وبم تعاظمينهم أنت؟ قالت: بأبي عتبة بن ربيعة، وعمّي شيبة بن ربيعة، وأخي الوليد. قالت الخنساء: أو سواءهم عندك؟ ثم أنشدت تقول:

أبكّي أبي عمرا بعين غزيرةقليل إذا نام الخليّ هجودها
وصنويّ لا أنسى معاوية الذيله من سراة الحرّتين وفودها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أبك أبي عمرا بعين غزيرة»
وصخرا، ومن ذا مثل صخر إذا غدابساهمة الآطال قبّا يقودها
فذلك يا هند الرّزيّة فاعلميونيران حرب حين شبّ وقودها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أبك أبي عمرا بعين غزيرة»

فقالت هند تجيبها:

أبكّي عميد الأبطحين كليهماوحاميهما من كل باغ يريدها
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «أبكي عميد الأبطحين كليهما»
أبي عتبة الخيرات ويحك فاعلميوشيبة والحامي الذّمار وليدها
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «أبكي عميد الأبطحين كليهما»
أولئك آل المجد من آل غالبوفي العزّ منها حين ينمي عديدها
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «أبكي عميد الأبطحين كليهما»

وقالت لها أيضا يومئذ:

من حسّ لي الأخوين كالغصنين أو من راهما
للشاعر الخنساء، من قصيدة «من حس لي الأخوين»

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني بعض القرشيّين قال: قدم عبد اللّه بن جعفر على معاوية وافدا، فدخل عليه إنسان ثم ذهب إلى معاوية فقال: هذا ابن جعفر يشرب النّبيذ، ويسمع الغناء، ويحرّك رأسه عليه. فجاء معاوية متغيّرا حتّى دخل على ابن جعفر، وعزّة الميلاء بين يديه كالشمس الطالعة في كواء البيت يضيء بها البيت، تغنّيه على عودها:

تبلت فؤادك في الظلام خريدةتشفي الضّجيع ببارد بسّام

وبين يديه عسّ؛ فقال: ما هذا يا أبا جعفر؟ قال: أقسمت عليك يا أمير المؤمنين لتشربنّ منه، فإذا عسل مجدوح بمسك وكافور. فقال: هذا طيّب، فما هذا الغناء؟ قال: هذا شعر حسّان بن ثابت في الحارث بن هشام.

قال: فهل تغنّي بغير هذا؟ قال: نعم، بالشعر الذي يأتيك به الأعرابيّ الجافي الأدفر، القبيح المنظر، فيشافهك به، فتعطيه عليه؛ وآخذه أنا، فأختار محاسنه ورقيق كلامه، فأعطيه هذه الحسنة الوجه، اللّيّنة اللمس، الطيبة الريح، فترتله بهذا الصوت الحسن. قال: فما تحريكك رأسك؟ قال: أريحيّة أجدها إذا سمعت الغناء، لو سئلت عندها لأعطيت، ولو لقيت لأبليت. فقال معاوية: قبّح اللّه قوما عرّضوني لك. ثم خرج وبعث إليه بصلة.

صوت من المائة المختارة

أيّها القلب لا أراك تفيقطالما قد تعلّقتك العلوق
للشاعر شعراء مجهولون، من قصيدة «أيها القلب لا أراك تُفيق»
من يكن من هوى حبيب قريبافأنا النازح البعيد السّحيق
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أيها القلب ما أراك تفيق»
قضي الحبّ بيننا فالتقيناوكلانا إلى اللّقاء مشوق

الشعر في البيت الأوّل والثالث لعمر بن أبي ربيعة، والبيت الثاني ليس له، ولكن هكذا غنّي؛ وليس هو أيضا مشاكلا لحكاية ما في البيت الثالث. والغناء لبابويه الكوفيّ، خفيف ثقيل أوّل. وهذا الشعر يقوله عمر بن أبي ربيعة في امرأة من قريش، يقال لها نعم، كان كثير الذّكر لها في شعره. أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي عبد اللّه التّميميّ عن القحذميّ والمدائنيّ. قال: وهي التي يقول فيها:

أمن آل نعم أنت غاد فمبكر

قال: وكانت تكنى أمّ بكر، وهي من بني جمح. وتمام هذه الأبيات على ما حكاه ابن المرزبان عمّن ذكرت:

فالتقينا ولم نخف ما لقيناليلة الخيف، والمنى قد تشوق
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أيها القلب ما أراك تفيق»
وجرى بيننا فجدد وصلاقلّب حوّل أريب رفيق
لا تظنّي أنّ التّراسل والبدل لكلّ النساء عندي يليق
هل لك اليوم إن نأت أمّ بكروتولّت إلى عزاء طريق
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أيها القلب ما أراك تفيق»

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثت عن محمد بن حميد عن عبد اللّه بن سوّار القاضي عن بشر بن المفضّل قال: بلغ عمر بن أبي ربيعة أنّ نعما اغتسلت في غدير، فأتاه فأقام عليه، وما زال يشرب منه حتى جفّ.

أخبرني محمد بن خلف قال: قال محمد بن حبيب الراوية: بلغني أنّ نعما استقبلت عمر بن أبي ربيعة في المسجد الحرام، وفي يدها خلوق من خلوق المسجد، فمسحت به ثوبه، ومضت وهي تضحك؛ فقال عمر:

أدخل اللّه ربّ موسى وعيسىجنّة الخلد من ملاني خلوقا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أدخل الله رب موسى وعيسى»
مسحته من كفّها في قميصيحين طافت بالبيت مسحا رفيقا
غضبت أن نظرت نحو نساءليس يعرفنني سلكن طريقا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أدخل الله رب موسى وعيسى»
وأرى بينها وبين نساءكنت أهذي بهنّ بونا سحيقا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أدخل الله رب موسى وعيسى»

وهذا البيت الأوّل مما عيب على عمر.

ومما غنّي فيه من تشبيب عمر بنعم هذه:

صوت

دين هذا القلب من نعمبسقام ليس كالسّقم
إنّ نعما أقصدت رجلاآمنا بالخيف إذ ترمى
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قد أصاب القلب من نعم»
بشتيت نبته رتلطيّب الأنياب والطّعم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قد أصاب القلب من نعم»
وبوحف مائل رجلكعنا قيد من الكرم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قد أصاب القلب من نعم»

ومنها:

صوت

خليليّ أربعا وسلابمغنى الحيّ قد مثلا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «خليلي اربعا وسلا»
بأعلى الواد عند البئر هيّج عبرة سبلا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «خليلي اربعا وسلا»
وقد تغنى به نعموكنت بوصلها جذلا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «خليلي اربعا وسلا»
ليالي لا نحبّ لنابعيش قد مضى بدلا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «خليلي اربعا وسلا»
وتهوانا ونهواهاونعصي قول من عذلا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «خليلي اربعا وسلا»
وترسل في ملاطفةونعمل نحوها الرّسلا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «خليلي اربعا وسلا»

غنّاه الهذليّ، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن سريج لحنان: رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق، وخفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيها عن إسحاق ثاني ثقيل، ولسليم خفيف رمل، جميعا عن الهشاميّ. قال: ويقال: إنّ اللحن المسوب إلى سليم لحكم الواديّ.

ومنها من قصيدة أوّلها:

لقد

أرسلت نعم إلينا أن ائتنافأحبب بها من مرسل متغصّب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتنا»

يغنّى منها في قوله:

صوت

فقلت لجنّاد خذ السيف واشتملعليه برفق وارقب الشمس تغرب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتنا»
وأسرج لي الدّهماء واعجل بممطريولا تعلمن حيّا من النّاس مذهبي
فلمّا التقينا سلّمت وتبسّمتوقالت مقال المعرض المتجنّب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتنا»
أمن أجل واش كاشح بنميمةمشى بيننا صدّقته لم تكذّب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتنا»
وقطّعت حبل الوصل منّا، ومن يطعبذي ودّه قول المؤرّش يعتب

صوت

ما بال أهلك يا ربابخزرا كأنّهم غضاب
إن زرت أهلك أوعدواوتهرّ دونهم الكلاب

عروضه من الكامل. الشعر لعلس ذي جدن الحميريّ، أخبرنا بذلك محمد بن الحسن بن دريد عن عمّه عن العبّاس بن هشام عن أبيه. والغناء لطويس؛ ولحنه المختار خفيف رمل بالبنصر.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»