تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

خبر عبد اللّه بن يحيى وخروجه ومقتله

فيه ١١٠ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أخبرني بذلك الحسن بن عليّ الخفّاف، قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائني عن محمد بن أبي محمد الخزامي، وخلّاد بن يزيد، وعبد اللّه بن مصعب، وعمرو بن هشام، وعبد اللّه بن محمد الثّقفيّ، ويعقوب بن داود الثقفيّ، وحريم بن أبي يحيى: أن عبد اللّه بن يحيى الكندي أحد بني عمرو بن معاوية كان من حضر موت، وكان مجتهدا عابدا، وكان يقول قبل أن يخرج: لقيني رجل، فأطال النظر إليّ، وقال: ممّن أنت؟ فقلت: من كندة، فقال: من أيّهم؟ فقلت: من بني شيطان، قال: واللّه لتملكنّ، ولتبلغنّ خيلك وادي القرى، وذلك بعد أن تذهب إحدى عينيك.

فذهبت أتخوّف ما قال، وأتسخير اللّه، فرأيت باليمن جورا ظاهرا، وعسفا شديدا، وسيرة في الناس قبيحة، فقال لأصحابه: ما يحلّ لنا المقام على ما نرى، ولا يسعنا الصبر عليه، وكتب إلى عبيدة بن مسلم بن أبي كريمة الذي يقال له: كودين مولى بني تميم، وكان ينزل في الأزد، وإلى غيره من الإباضيّة بالبصرة يشاورهم في الخروج، فكتبوا إليه: إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، ولست تدري متى يأتي عليك أجلك؟ وللّه خيرة من عباده يبعثهم إذا شاء لنصرة دينه، ويخصّ بالشهادة منهم من يشاء. وشخص إليه أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي أحد بني سلمة، وبلج بن عقبة السّقوري في رجال من الإباضية، فقدموا عليه حضر موت، فحثّوه على الخروج، وأتوه بكتب أصحابه: إذا خرجتم فلا تغلّوا، ولا تغدروا، واقتدوا بسلفكم الصالحين، وسيروا سيرتهم، فقد علمتم أن الّذي أخرجهم على السلطان العيث لأعمالهم. فدعا أصحابه، فبايعوه، فقصدوا دار الإمارة، وعلى حضر موت إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكنديّ، فأخذوه، فحبسوه يوما، ثم أطلقوه، فأتى صنعاء، وأقام عبد اللّه بن يحيى بحضر موت، وكثر جمعه، وسمّوه «طالب الحق».

فكتب إلى من كان من أصحابه بصنعاء: إني قادم عليكم، ثم استخلف على حضر موت عبد اللّه بن سعيد الحضرميّ، وتوجّه إلى صنعاء سنة تسع وعشرين ومائة في ألفين، وبلغ القاسم بن عمر أخا يوسف بن عمر - وهو عامل مروان بن محمد على صنعاء - مسير عبد اللّه بن يحيى، فاستخلف على صنعاء الضحّاك بن زمل، وخرج يريد الإباضية في سلاح ظاهر وعدّة وجمع كثير، فعسكر على مسيرة يوم من أبين وخلّف فيها الأثقال، وتقدّمت لتقاتله، فلقيه عبد اللّه بن يحيى بلحج - قرية من أبين - قريبا من الليل، فقال الناس للقاسم: أيها الأمير، لا تقاتل الخوارج ليلا، فأبى، وقاتلهم، فقتلوا من أصحابه بشرا كثيرا، وانهزموا ليلا، فمرّ بعسكره، فأمرهم بالرحيل، ومضى إلى صنعاء، فأقام يوما، ثم خرج فعسكر قريبا من صنعاء، وخندق وخلّف بصنعاء الضحاك بن زمل، فأقبل عبد اللّه بن يحيى، فنزل جوفين على ميلين من عسكر القاسم، فوجّه القاسم يزيد بن الفيض في ثلاثة آلاف من أهل الشام وأهل اليمن، فكانت بينهم مناوشة ثم تحاجزوا، فرجع يزيد إلى القاسم، فاستأذنه في بياتهم، فأبى أن يأذن له، فقال يزيد: واللّه لئن لم تبيّتهم ليغمّنّك، فأبى أن يأذن له، وأقاموا يومين لا يلتقون، فلمّا كان في الليلة الثالثة أقبل عبد اللّه بن يحيى، فوافاه مع طلوع الفجر، فقاتلهم الناس على الخندق، فغلبتهم الخوارج عليه، ودخلوا عسكرهم، والقاسم يصلّي، فركب، وقاتلهم الصّلت بن يوسف، فقتل في المعركة، وقام يأمر الناس يزيد بن الفيض، فقاتلهم، حتى ارتفع النهار، ثم انهزم أهل صنعاء فأراد أبرهة بن الصبّاح اتّباعهم، فمنعه عبد اللّه بن يحيى، واتّبع يزيد بن الفيض القاسم بن عمر، فأخبره الخبر فقال القاسم:

ألا ليت شعري هل أذودنّ بالقناوبالهندوانيّات قبل مماتي
وهل أصبحنّ الحارثين كليهمابطعن وضرب يقطع اللهوات

قال: ودخل عبد اللّه بن يحيى صنعاء، فأخذ الضّحاك بن زمل وإبراهيم بن جبلة بن مخرمة فحبسهما، وجمع الخزائن والأموال، فأحرزها، ثم أرسل إلى الضحاك وإبراهيم، فأرسلهما، وقال لهما: حبستكما خوفا عليكما من العامة، وليس عليكما مكروه، فأقيما إن شئتما أو اشخصا، فخرجا.

فلمّا استولى عبد اللّه بن يحيى على بلاد اليمن خطب الناس، فحمد اللّه جل وعزّ وأثنى عليه وصلّى على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم، ووعظ، وذكّر، وحذّر، ثم قال: إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه تعالى وسنة نبيه وإجابة من دعا إليهما: الإسلام ديننا، ومحمد نبيّنا والكعبة قبلتنا، والقرآن إمامنا، رضينا بالحلال حلالا لا نبغي به بديلا، ولا نشتري به ثمنا قليلا، وحرّمنا الحرام، ونبذناه وراء ظهورنا، ولا حول ولا قوة إلا باللّه، وإلى اللّه المشتكى، وعليه المعوّل. من زنى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شرب الخمر فهو كافر، ومن شكّ في أنه كافر فهو كافر، ندعوكم إلى فرائض بيّنات، وآيات محكمات، وآثار مقتدى بها، ونشهد أن اللّه صادق فيما وعد؛ عدل فيما حكم وندعو إلى توحيد الربّ، واليقين بالوعيد والوعد، وأداء الفرائض، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية اللّه، والعداوة لأعداء اللّه. أيها الناس إنّ من رحمة اللّه أن جعل في كلّ فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضلّ إلى الهدى، ويصبرون على الألم في جنب اللّه تعالى، يقتلون على الحق في سالف الدهور شهداء، فما نسيهم ربّهم، «وما كان ربّك نسيّا». أوصيكم بتقوى اللّه، وحسن القيام على ما وكلّكم اللّه بالقيام به، فأبلوا للّه بلاء حسنا في أمره وزجره، أقول قولي هذا، وأستغفر اللّه لي ولكم.

قالوا: وأقام عبد اللّه بن يحيى بصنعاء أشهرا، يحسن السّيرة فيهم ويلين جانبه لهم ويكفّ عن الناس، فكثر جمعه، وأتته الشّراة من كل جانب، فلما كان وقت الحجّ وجّه أبا حمزة المختار بن عوف، وبلج بن عقبة، وأبرهة بن الصّبّاح إلى مكة في تسعمائة، وقيل: بل في ألف ومائة، وأمره أن يقيم بمكة إذا صدر الناس، ويوجّه بلجا إلى الشأم، وأقبل المختار إلى مكة، فقدمها يوم التّروية، وعليها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وأمه بنت عبد اللّه بن خالد بن أسيد، فكره قتالهم.

وحدّثنا من هذا الموضع بخبر أبي حمزة محمد بن جرير الطّبري، قال: حدّثنا العباس بن عيسى العقيلي، قال: حدّثنا هارون بن موسى العواري، قال: حدّثنا موسى بن كثير مولى الساعديّين، قال: كان أول أمر أبي حمزة، وهو المختار بن عوف الأزدي ثم السّلميّ من أهل البصرة أنه كان يوافي في كلّ سنة يدعو إلى خلاف مروان بن محمد وآل مروان، فلم يزل يختلف كلّ سنة حتى وافى عبد اللّه بن يحيى في آخر سنة، وذلك سنة ثمان وعشرين ومائة، فقال له: يا رجل، إني أسمع كلاما حسنا، وأراك تدعو إلى حق، فانطلق معي، فإني رجل مطاع في قومي، فخرج به، حتى ورد حضر موت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة، قال: وقد كان مرّ أبو حمزة بمعدن بني سليم، وكثير بن عبد اللّه عامل على المعدن، فسمع بعض كلامه، فأمر به فجلد أربعين سوطا، فلما ظهر أبو حمزة بمكة تغيّب كثير حتى كان من أمره ما كان، ثم رجع إلى موضعه، قال: فلما كان في العام المقبل تمام سنة تسع وعشرين لم يعلم الناس بعرفة إلا وقد طلعت أعلام عمائم سود خرّميّة في رؤوس الرماح، وهم سبعمائة، هكذا قال: هذا.

وذكر المدائني أنهم كانوا تسعمائة أو ألفا ومائة، ففزع الناس منهم حين رأوّهم، وقالوا لهم: ما لكم؟ وما حالكم؟ فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبرّي منهم.

فراسلهم عبد الواحد بن سليمان، وهو يومئذ على المدينة ومكة والموسم، ودعاهم إلى الهدنة، فقالوا: نحن بحجّنا أضنّ وعليه أشحّ، فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض، حتى ينفر الناس النّفر الأخير، وأصبحوا من غد، فوقفوا على حدة بعرفة، ودفع عبد الواحد بالناس، فلما كانوا بمنى قالوا لعبد الواحد: إنك قد أخطأت فيهم، ولو حملت عليهم الحجّ ما كانوا إلا أكلة رأس، فنزل أبو حمزة بقرن الثّعالب من منى، ونزل عبد الواحد منزل السلطان، فبعث عبد الواحد إلى أبي حمزة عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ، عليهم السّلام، ومحمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر وعبيد اللّه بن عمرو بن حفص العمري، وربيعة بن عبد الرحمن، في رجال من أمثالهم، فلما دنوا من قرن الثعالب لقيتهم مسالح أبي حمزة، فأخذوهم، فدخل بهم على أبي حمزة، فوجدوه جالسا، وعليه إزار قطواني، قد ربطه الحورة في قفاه، فلما دنوا تقدّم إليه عبد اللّه بن حسن ومحمد بن عبد اللّه بن عمرو، فنسبهما، فلمّا انتسبا له عبس في وجهيهما وبسر، وأظهر الكراهة لهما.

ثم تقدم إليه بعدهما البكري والعمريّ فنسبهما، فلما انتسبا له هشّ إليهما، وتبسّم في وجوههما، وقال: واللّه ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما، فقال له عبد اللّه بن حسن بن حسن: واللّه ما جئناك لتفاضل بين آبائنا، ولكن بعثنا إليك الأمير برسالة، وهذا ربيعة يخبركها، فلما ذكر ربيعة نقض العهد، قال بلج وإبراهيم - وكانا قائدين له -: الساعة الساعة، فأقبل عليهما أبو حمزة، وقال: معاذ اللّه أن نقض العهد أو نخيس به، واللّه لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه، ولكن تنقضي هذه الهدنة بيننا وبينكم. فلما أبى عليهم خرجوا، فأبلغوا عبد الواحد.

فلما كان النّفر الأول نفر عبد الواحد، وخلّى مكة لأبي حمزة، فدخلها بغير قتال.

قال هارون: وأنشدني يعقوب بن طلحة الليثي أبياتا هجي بها عبد الواحد لشاعر لم نحفل به:

زار الحجيج عصابة قد خالفوادين الإله ففرّ عبد الواحد
ترك الإمارة والحلائل هارباومضى يخبّط كالبعير الشارد
لو كان والده تخيّر أمّهلصفت خلائقه بعرق الوالد
ترك القتال وما به من علّةألا الوهون وعرفة من خالد

ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة، فدعا بالدّيوان، وضرب على الناس البعث، وزادهم في العطاء عشرة عشرة.

قال هارون: أخبرني بذلك أبو ضمرة أنس بن عياض أنه كان فيمن اكتتب، قال: ثم محوت اسمي.

قال هارون: وحدّثني غير واحد من أصحابنا أن عبد الواحد استعمل عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان على الناس، فخرجوا، فلما كانوا بالحرّة لقيتهم جزر منحورة، فمضوا، فلما كانوا بالعقيق تعلق لواؤهم بسمرة، فانكسر الرمح، وتشاءم الناس بالخروج، ثم ساروا، حتى نزلوا قديدا، فنزلوها ليلا؛ وكانت قرية قديد من ناحية القصر والمنبر اليوم، وكانت الحياض هناك، فنزل قوم مغترّون ليسوا بأصحاب حرب، فلم يرعهم إلا القوم قد خرجوا عليهم من الفصل، فزعم بعض الناس أن خزاعة دلّت أبا حمزة على عورتهم؛ وأدخلوهم عليهم، فقتلوهم، وكانت المقتلة على قريش، وهم كانوا أكثر الناس، وفيهم كانت الشوكة، فأصيب منهم عدد كثير.

قال العباس: قال هارون: فأخبرني بعض أصحابنا: أنّ رجلا من قريش نظر إلى رجل من أهل اليمن يقول: الحمد للّه الذي أقرّ عيني بمقتل قريش، فقال له ابنه: الحمد للّه الذي أذلّهم بأيدينا، فما كانت قريش تظنّ أن من نزل على عمان من الأزد عربيّ، قال: وكان هذان الرجلان مع أهل المدينة، فقال القرشي لابنه: يا بني، هلمّ نبدأ بهذين الرجلين، قال: نعم يا أبت، فحملا عليهما، فقتلاهما، ثم قال لابنه: أي بنيّ تقدّم، فقاتلا. حتى قتلا.

وقال المدائني: القرشي كان عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير، والمتكلّم بالكلام مع ابنه رجل من الأنصار. قال: ثم ورد فلّال الجيش المدينة، وبكى الناس قتلاهم، فكانت المرأة تقيم على حميمها النّواح، فلا تزال المرأة يأتيها الخبر بمقتل حميمها، فتنصرف، حتى ما يبقى عندها امرأة، فأنشدني أبو حمزة هذه الأبيات في قتلى قديد الذين أصيبوا من قومه لبعض أصحابه:

يا لهف نفسي ولهف غير نافعةعلى فوارس بالبطحاء أنجاد
عمرو وعمرو وعبد اللّه بينهماوابناهما خامس والحارث السادي

قال المدائني في خبره: كتب عبد الواحد بن سليمان إلى مروان يعتذر من إخراجه عن مكة، فكتب مروان إلى عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز - وهو عامله على المدينة - يأمره بتوجيه الجيش إلى مكة، فوجّه ثمانية آلاف رجل من قريش والأنصار والتجار، أغمار لا علم لهم بالحرب، فخرجوا في الصبّغات والثياب الناعمة واللهو، لا يظنّون أن للخوارج شوكة ولا يشكون أنهم في أيديهم.

وقال رجل من قريش: لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هؤلاء، ولكنهم داهنوا في أمر اللّه تعالى، واللّه إن ظفرنا لنسيرنّ إلى أهل الطائف، فلنسبينّهم، ثم قال: من يشتري مني سبي أهل الطائف؟ فلما انهزم الناس رجع ذلك الرجل القائل: من يشتري منّي سبي أهل الطائف في أول المنهزمين، فدخل منزله، وأراد أن يقول لجاريته: أغلقي الباب، فقال لها: غاق باق دهشا، ولم تفهم الجارية قوله، حتى أومأ إليها بيده، فأغلقت الباب، فلقّبه أهل المدينة بعد ذلك «غاق باق».

قال: وكان عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز يعرض الجيش بذي الحليفة، فمرّ به أميّة بن عنبسة بن سعيد بن العاص، فرحّب به، وضحك إليه، ومرّ به عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير، فلم يكلّمه، ولم يلتفت إليه، فقال له عمران بن عبد اللّه بن مطيع - وكان ابن خالته، أمّا هما ابنتا عبد اللّه بن خالد بن أسيد -: سبحان اللّه! مر بك شيخ من شيوخ قريش، فلم تنظر إليه، ولم تكلّمه، ومرّ بك غلام من بني أمية، فضحكت إليه ولاطفته! أما واللّه لو قد التقى الجمعان لعلمت أيّهما أصبر؟ قال: فكان أمية بن عنبسة أوّل من انهزم، ونكّب فرسه ومضى، وقال لغلامه: يا مجيب، أما واللّه لئن أحزرت نفسي هذه الأكلب من الشّراة إني لعاجز. وقاتل يومئذ عمارة بن حمزة بن مصعب، حتى قتل، وتمثّل:

وإني إذا ضنّ الأمير بإذنهعلى الأذن من نفسي إذا شئت قادر
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة

والشعر للأغرّ بن حمّاد اليشكري.

قال: ولما بلغ أبا حمزة إقبال أهل المدينة إليه استخلف على مكة إبراهيم بن الصبّاح، وشخص إليهم، وعلى مقدمته بلج بن عقبة، فلما كان في الليلة التي وافاهم في صبيحتها - وأهل المدينة نزول بقديد - قال لأصحابه: إنكم لاقو قومكم غدا، وأميرهم - فيما بلغني - ابن عثمان أول من خالف سيرة الخلفاء، وبدّل سنة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - وقد وضح الصبح لذي عينين، فأكثروا ذكر اللّه تعالى، وتلاوة القرآن، ووطّنوا أنفسكم على الصّبر. وصبّحهم غداة الخميس لتسع أو لسبع خلون من صفر سنة ثلاثين ومائة، فقال عبد العزيز لغلامه: أبغنا علفا قال: هو غال، قال: ويحك! البواكي علينا غدا أغلى.

وأرسل إليهم أبو حمزة بلج بن عقبة؛ ليدعوهم، فأتاهم في ثلاثين راكبا، فذكّرهم اللّه؛ وسألهم أن يكفّوا عنهم؛ وقال لهم: خلّوا لنا سبيلنا؛ لنسير إلى من ظلمكم؛ وجار في الحكم عليكم؛ ولا تجعلوا حدّنا بكم؛ فإنا لا نريد قتالكم؛ فشتمهم أهل المدينة، وقالوا: يا أعداء اللّه، أنحن نخلّيكم وندعكم تفسدون في الأرض! فقالت الخوارج: يا أعداء اللّه، أنحن نفسد في الأرض! إنما خرجنا لنكفّ أهل الفساد، ونقاتل من قاتلنا واستأثر بالفيء فانظروا لأنفسكم، واخلعوا من لم يجعل اللّه له طاعة، فإنه لا طاعة لمن عصى اللّه، وادخلوا في السّلم، وعاونوا أهل الحقّ، فقال له عبد العزيز: ما تقول في عثمان؟ قال: قد برىء المسلمون منه قبلي، وأنا متّبع آثارهم، ومقتد بهم، قال: فارجع إلى أصحابك، فليس بيننا وبينهم إلا السيف.

فرجع إلى أبي حمزة، فأخبره، فقال: كفّوا عنهم، ولا تقاتلوهم. حتى يبدءوكم بالقتال، فواقفوهم، ولم يقاتلوهم. فرمى رجل من أهل المدينة في عسكر أبي حمزة بسهم، فجرح رجلا، فقال أبو حمزة: شأنكم الآن بهم، فقد حلّ قتالهم: فحملوا عليهم، وثبت بعضهم لبعض، وراية قريش مع إبراهيم بن عبد اللّه بن مطيع.

ثم انكشف أهل المدينة، فلم يتبعوهم، وكان على مجنّبتهم ضمير بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة، فكرّ وكرّ الناس معه، فقاتلوا قليلا، ثم انهزموا، فلم يبعدوا. حتى كرّوا ثالثة، وقاتلهم أبو حمزة، فهزمهم هزيمة لم تبق منهم باقية، فقال له عليّ بن الحصين: أتبع القوم، أو دعني أتبعهم، فأقبل المدبر، وأذفّف على الجريح، فإن هؤلاء أشرّ علينا من أهل الشأم، فلو قد جاءوك غدا لرأيت من هؤلاء ما تكره، فقال: لا أفعل، ولا أخالف سيرة أسلافنا. وأخذ جماعة منهم أسراء، فأراد إطلاقهم، فمنعه عليّ بن الحصين، وقال له: إنّ لأهل كلّ زمان سيرة، وهؤلاء لم يؤسروا وهم هرّاب، وإنما أسروا وهم يقاتلون، ولو قتلوا في ذلك الوقت لم يحرم قتلهم، وكذلك الآن قتلهم حلال، فدعا بهم، فكان إذا رأى رجلا من قريش قتله، وإذا رأى رجلا من الأنصار أطلقه، فأتي بمحمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، فنسبه. فقال: أنا رجل من الأنصار، فسأل الأنصار عنه، فشهدوا له، فأطلقه، فلما ولّى قال: واللّه إني لأعلم أنه قرشيّ وما حذاوه هذا حذاوة أنصاريّ، ولكن قد أطلقته. قال: وبلغت قتلى قديد ألفين ومائتين وثلاثين رجلا، منهم من قريش أربعمائة وخمسون رجلا، ومن الأنصار ثمانون، ومن القبائل والموالي ألف وسبعمائة، قال: وكان في قتلى قريش من بني أسد بن عبد العزّى أربعون رجلا، وقتل يومئذ أمية بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، خرج يومئذ مقنّعا، فما كلّم أحدا، وقاتل حتى قتل، وقتل يومئذ سميّ مولى أبي بكر الذي يروي عنه مالك بن أنس، ودخل بلج المدينة بغير حرب، فدخلوا في طاعته، وكف عنهم، ورجع أبو حمزة إلى مكة، وكان على شرطته أبو بكر بن عبد اللّه بن عمرو من آل سراقة من بني عديّ، فكان أهل المدينة يقولون: لعن اللّه السّراقيّ، ولعن بلجا العراقي.

وقالت نائحة أهل المدينة تبكيهم:

ما للزمان وماليهأفنت قديد رجاليه
فلأبكينّ سريرةولأبكينّ علانيه
ولأبكينّ إذا خلوت مع الكلاب العاويه
ولأثنينّ على قديد بسوء ما أبلانيه

في هذه الأبيات هزج قديم يشبه أن يكون لطويس أو بعض طبقته.

وقال عمرو بن الحسن الكوفيّ مولى بني تميم يذكر وقعة قديد وأمر مكة ودخولهم إياها، وأنشدنيها الأخفش عن السّكريّ والأحول وثعلب لعمر وهذا، وكان يستجيدها ويفضّلها:

ما بال همّك ليس عنك بعازبيمري سوابق دمعك المتساكب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
وتبيت تكتلىء النجوم بمقلةعبري تسرّ بكلّ نجم دائب
حذر المنية أن تجيء بداهةلم أقض من تبع الشّراة مآربي
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
فأقود فيهم للعدا شنج النّساعبل الشّوى أسوان ضمر الحالب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
متحدّرا كالسيّد أخلص لونهماء الحسيك مع الحلال اللاتب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
أرمي به من جمع قومي معشرابورا إلى جبريّة ومعايب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
في فتية صبر ألفّهم بهلفّ القداح يد المفيض الضارب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
فندور نحن وهم وفيما بينناكأس المنون تقول: هل من شارب؟
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
فنظلّ نسقيهم ونشرب من قناسمر ومرهفة النّصول قواضب
بينا كذلك نحن جالت طعنةنجلاء بين رها وبين ترائب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
جوفاء منهرة ترى تامورهاظبتا سنان كالشّهاب الثاقب
أهوي لها شقّ الشّمال كأننيحفض لقى تحت العجاج العاصب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
يا رب أوحيها ولا تتعلّقننفسي المنون لدى أكفّ قرائب
كم من أولى مقة صحبتهم شروافخذلتهم ولبئس فعل الصاحب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
متأوّهين كأنّ في أجوافهمنارا تسعّرها أكفّ حواطب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
تلقاهم فتراهم من راكعأو ساجد متضرّع أو ناحب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
يتلو قوارع تمتري عبراتهفيجودها مري المريّ الحالب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
سير الجائفة الأمور أطبّةللصّدع ذي النبأ الجليل مدائب
ومبرّئين من المعايب أحرزواخصل المكارم أتقياء أطايب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
عرّوا صوارم للجلاد وباشرواحدّ الظباة بأنف وحواجب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
ناطوا أمورهم بأمر أخ لهمفرمى بهم قحم الطريق اللاحب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
متربلي حلق الحديد كأنهمأسد على لحق البطون سلاهب
قيدت من أعلى حضرموت فلم تزلتنفي عداها جانبا عن جانب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
تحمي أعنّتها وتحوي نهبهاللّه أكرم فتية وأسائب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
حتى وردن حياض مكة قطّنايحكين واردة اليمام القارب
ما إن أتين على أحي حبريةإلا تركنهم كأمر الذاهب
في كلّ معترك لها من هامهمفلق وأيد علّقت بمناكب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
سائل بيوم قديد عن وقعاتهاتخبرك عن وقعاتها بعجائب
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة

وقال هارون بن موسى في رواية محمد بن جرير الطبري عن العباس بن عيسى عنه: ثم دخل أبو حمزة المدينة سنة ثلاثين ومائة، ومضى عبد الواحد بن سليمان إلى الشأم، فرقي المنبر، فحمد اللّه، وأثنى عليه. وقال: يا أهل المدينة، سألناكم عن ولاتكم هؤلاء، فأسأتم - لعمر اللّه - فيهم القول، وسألناكم: هل يقتلون بالظّن؟

فقلتم: نعم، وسألناكم: هل يستحلّون المال الحرام والفرج الحرام؟ فقلتم: نعم، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم، فنناشدهم اللّه أن يتنحّوا عنّا وعنكم، ليختار المسلمون لأنفسهم؛ فقلتم: لا تفعلون، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم نلقاهم، فإن نظهر نحن وأنتم نأت بمن يقيم فينا كتاب اللّه وسنة نبيه، وإن نظفر نعمل في أحكامكم، وتحملكم على سنة نبيكم، ونقسم فيئكم بينكم، فإن أبيتم، وقاتلتمونا دونهم، فقاتلناكم، فأبعدكم اللّه، وأسحقكم يا أهل المدينة، مررت بكم في زمن الأحول هشام بن عبد الملك، وقد أصابتكم عاهة في ثماركم فركبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم، فكتب بوضعها عنكم، فزاد الغنيّ غنى، وزاد الفقير فقرا، فقلتم: جراكم للّه خيرا، فلا جراه اللّه خيرا، ولا جزاكم.

قال هارون: وأخبرني يحيى بن زكريا: أن أبا حمزة خطب بهذه الخطبة: رقي المنبر، فحمد اللّه، وأثنى عليه، وقال: أتعلمون يا أهل المدينة، أنّا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا ولا بطرا ولا عبثا ولا لهوا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا ثأر قديم نيل منا، ولكنّا لمّا رأينا مصابيح الحقّ قد عطّلت، وعنّف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي اللّه (وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ)

فأقبلنا من قبائل شتّى، النفر منا على بعير واحد، عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافا واحدا، قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا اللّه، وأيّدنا بنصره، وأصبحنا - واللّه - بنعمته إخوانا، ثم لقينا رجالكم بقديد، فدعونا إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن ودعونا إلى طاعة الشيطان، وحكم مروان، وآل مروان، شتّان - لعمر اللّه - ما بين الغيّ والرّشد، ثم أقبلوا يهرعون، ويزفّون، قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم ظنّه، وأقبل أنصار اللّه عصائب وكتائب بكل مهنّد ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت رحاهم، بضرب يرتاب منه المبطلون. وأنتم يا أهل المدينة، إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم اللّه بعذاب من عنده أو بأيدينا ويشف صدور قوم مؤمنين، يا أهل المدينة: إن أوّلكم خير أوّل، وآخركم شرّ آخر، يا أهل المدينة، الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن، أو كافرا من أهل الكتاب، أو إماما جائرا، يا أهل المدينة، من زعم أن اللّه تعالى كلّف نفسا فوق طاقتها، أو سألها عمّا لم يؤتها فهو للّه عدوّ، ولنا حرب. يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها اللّه تعالى في كتابه على القويّ للضّعيف فجاء التاسع، وليس له منها ولا سهم واحد، فأخذ جميعها نفسه مكابرا محاربا لربّه، ما تقولون فيه وفيمن عاونه على فعله؟

يا أهل المدينة، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، قلتم: هم شباب أحداث، وأعراب جفاة، ويحكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، إلا شبابا أحداثا! شباب واللّه مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشرّ أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا أنفسا تموت غدا بأنفس لا تموت أبدا، قد خلطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلّما مروا بآية خوف شهقوا خوفا من النار؛ وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد أنضيت؛ وإلى الرماح قد أشرعت وإلى السهام قد فوّقت؛ وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت استخفّوا وعيد الكتيبة عند وعيد اللّه، ولم يستخفّوا وعيد اللّه عند وعيد الكتيبة؛ فطوبى لهم وحسن مآب! فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها من خشية اللّه، وكم من يد قد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها راكعا وساجدا. أقول قولي هذا، وأستغفر اللّه من تقصيرنا، وما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت وإليه أنيب.

قال هارون: وحدّثني جدّي أبو علقمة، قال: سمعت أبا حمزة على منبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول: «من زنى فهو كافر»، ومن سرق فهو كافر، ومن شك أنه كافر فهو كافر: برح الخفاء فأين مابك يذهب

قال هارون: قال جدّي: كان أبو حمزة قد أحسن السيرة في أهل المدينة، حتى استمال الناس، وسمع بعضهم كلامه في قوله: من زنى فهو كافر، قال هارون: قال جدي: وسمعت أبا حمزة يخطب بالمدينة، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل المدينة؛ مالي رأيت رسم الدين فيكم عافيا، وآثاره دارسة! لا تقبلون عليه عظة، ولا تفقهون من أهله حجّة، قد بليت فيكم جدّته، وانطمست عنكم سنّته، ترون معروفه منكرا، والمنكر من غير معروفا، إذا انكشفت لكم العبر، وأوضحت لكم النّذر، عميت عنها أبصاركم، وصمّت عنها أسماعكم، ساهين في غمرة، لاهين في غفلة، تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر، وتنقبض عن الحق إذا ذكر، مستوحشة من العلم، مستأنسة بالجهل، كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفورا، تحملون منها في صدوركم كالحجارة أو أشدّ قسوة من الحجارة، أو لم تلن لكتاب اللّه الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدّعا من خشية اللّه! يا أهل المدينة، ما تغني عنكم صحّة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم إن اللّه قد جعل لكل شيء غالبا يقاد له، ويطيع أمره، وجعل القلوب غالبة على الأبدان، فإذا مالت القلوب ميلا كانت الأبدان لها تبعا، وإنّ القلوب لا تلين لأهلها إلا بصحّتها، ولا يصحّحها إلا المعرفة باللّه، وقوّة النّية، ونفاذ البصيرة. ولو استشعرت تقوى اللّه قلوبكم لاستعملت بطاعة اللّه أبدانكم. يا أهل المدينة، داركم دار الهجرة، ومثوى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، لمّا نبت به داره، وضاق به قراره، وآذاه الأعداء، وتجّهمت له، فنقله إلى قوم - لعمري لم يكونوا أمثالكم - متوازرين مع الحقّ على الباطل، ومختارين للآجل على العاجل، يصبرون للضّرّاء رجاء ثوابها، فنصروا اللّه، وجاهدوا في سبيله، وآووا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، ونصروه، واتّبعوا النور الذي أنزل معه، وآثروا اللّه على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة، قال اللّه تعالى لهم ولأمثالهم ولمن اهتدى بهداهم: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

وأنتم أبناؤهم، ومن بقي من خلفهم، تتركون أن تقتدوا بهم، أو تأخذوا بسنّتهم، عمي القلوب، صمّ الآذان، اتّبعتم الهوى، فأرداكم عن الهدى وأسهاكم، فلا مواعظ القرآن تزجركم فتزدجروا، ولا تعظكم فتعتبروا، ولا توقظكم فتستيقظوا، لبئس الخلف أنتم! من قوم مضوا قبلكم، ما سرتم بسيرتهم، ولا حفظتم وصيتهم، ولا احتذيتم مثالهم، لو شقت عنم قبورهم، فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم. قال: ثم لعن أقواما.

أنا أبا حمزة بلغه أن أهل المدينة يعيبون أصحابه لحداثة أسنانهم، وخفّة أحلامهم، فبلغه ذلك عنهم؛ فصعد المنبر؛ وعليه كساء غليظ؛ وهو متنكّب قوسا عربية فحمد اللّه، وأثنى عليه وصلّى على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم وآله، ثم قال: يا أهل المدينة، قد بلغتني مقالتكم في أصحابي، ولو لا معرفتي بضعف رأيكم وقلّة عقولكم لأحسنت أدبكم، ويحكم! إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنزل عليه الكتاب، وبيّن له فيه السّنن، وشرع له فيه الشرائع، وبيّن له فيه ما يأتي وما يذر، فلم يكن يتقدّم إلا بأمر اللّه، ولا يحجم إلا عن أمر اللّه، حتى قبضه اللّه إليه - صلّى اللّه عليه وسلم - وقد أدّى الذي عليه، لم يدعكم من أمركم في شبهة، ثم قام من بعده أبو بكر؛ فأخذ بسنّته، وقاتل أهل الرّدّة؛ وشمّر في أمر اللّه؛ حتى قبضه اللّه إليه والأمة عنه راضون، رحمة اللّه عليه ومغفرته؛ ثم ولي بعده عمر؛ فأخذ بسنة صاحبيه، وجنّد الأجناد؛ ومصّر الأمصار؛ وجبي الفي ء؛ فقسّمه بين أهله؛ فقسّمه بين أهله؛ وشمّر عن ساقه، وحسر عن ذراعه، وضرب في الخمر ثمانين، وقام في شهر رمضان، وغزا العدوّ في بلادهم؛ وفتح المدائن والحصون؛ حتى قبضه اللّه إليه والأمة عنه راضون، رحمة اللّه عليه ورضوانه ومغفرته، ثم ولي من بعده عثمان بن عفان فعمل في ستّ سنين بسنّة صاحبيه؛ ثم أحدث أحداثا أبطل آخر منها أولا، واضطرب حبل الدين بعدها، فطلبها كلّ امرىء لنفسه، وأسرّ كلّ رجل منهم سريرة أبداها اللّه عنه؛ حتى مضوا على ذلك، ثم ولي عليّ بن أبي طالب، فلم يبلغ من الحق قصدا؛ ولم يرفع له منارا ومضى؛ ثم ولي معاوية بن أبي سفيان لعين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وابن لعينه، وحلف من الأعراب، وبقية من الأحزاب، مؤلّف طليق، فسفك الدم الحرام، واتّخذ عباد اللّه حولا، ومال اللّه دولا، وبغى دينه عوجا ودغلا، وأحلّ الفرج الحرام، وعمل بما يشتهيه؛ حتى مضى لسبيله، فعل اللّه به وفعل، ثم ولى بعده ابنه يزيد: يزيد الخمور، ويزيد الصّقور، ويزيد الفهود، ويزيد الصّيود، ويزيد القرود، فخالف القرآن، واتّبع الكهّان، ونادم القرد، وعمل بما يشتهيه حتى مضى على ذلك لعنه اللّه، وفعل به وفعل، ثم ولي مروان بن الحكم طريد لعين رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم وآله - وابن لعينه؛ فاسق في بطنه وفرجه، فالعنوه والعنوا آباءه. ثم تداولها بنو مروان بعده؛ أهل بيت اللعنة، طرداء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - وقوم من الطلقاء ليسوا من المهاجرين والأنصار ولا التابعين لهم بإحسان، فأكلوا مال اللّه أكلا، ولعبوا بدين اللّه لعبا، واتّخذوا عباد اللّه عبيدا، يورّث ذلك الأكبر منهم الأصغر. فيا لها أمة، ما أضيعها وأضعفها! والحمد للّه ربّ العالمين، ثم مضوا على ذلك من أعمالهم واستخفافهم بكتاب اللّه تعالى؛ قد نبذوه وراء ظهورهم، لعنهم اللّه؛ فالعنوهم كما يستحقّون؛ وقد ولي منهم عمر بن عبد العزيز؛ فبلغ؛ ولم يكد؛ وعجز عن الذي أظهره، حتى مضى لسبيله - ولم يذكره بخير ولا شرّ - ثم ولي يزيد بن عبد الملك، غلام ضعيف سفيه غير مأمون على شيء من أمور المسلمين، لم يبلغ أشدّه، ولم يؤانس رشده، وقد قال اللّه عزّ وجلّ: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ)

فأمر أمة محمد في أحكامها وفروجها ودمائهم أعظم من ذلك كلّه، وإن كان ذلك عند اللّه عظيما، مأبون في بطنه وفرجه، يشرب الحرام، ويأكل الحرام، ويلبس الحرام، ويلبس بردتين قد حيكتا له، وقوّمتا على أهلهما بألف دينار وأكثر وأقلّ، قد أخذت من غير حلّها وصرفت في غير وجهها، بعد أن ضربت فيها الأبشار، وحلقت فيها الأشعار، واستحلّ ما لم يحلّ اللّه لعبد صالح، ولا لنبي مرسل، ثم يجلس حبابة عن يمينه، وسلامة عن شماله تعنّيانه بمزامير الشّيطان، ويشرب الخمر الصّراح المحرمة نصّا بعينها، حتى إذا أخذت مأخذها فيه، وخالطت روحه ولحمه ودمه، وغلبت سورتها على عقله مزّق حلّتيه، ثم التفت إليهما فقال: أتأذنان لي أن أطير؟ نعم، فطر إلى النار، إلى لعنة اللّه وناره حيث لا يردّك اللّه.

ثم ذكر بني أمية وأعمالهم وسيرهم فقال: أصابوا إمرة ضائعة وقوما طغاما جهّالا، لا يقومون للّه بحق، ولا يفرّقون بين الضلالة والهدى، ويرون أن بني أمية أرباب لهم، فملكوا الأمر، وتسلّطوا فيه تسّلط ربوبية، بطشهم بطش الجبابرة، يحكمون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويأخذون بالظنّ، ويعطّلون الحدود بالشفاعات، ويؤمّنون الخونة ويقصون ذوي الأمانة، ويأخذون الصدقة في غير وقتها على غير فرضها، ويضعونها في غير موضعها، فتلك الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل اللّه، فالعنوهم، لعنهم اللّه! وأما إخواننا من هذه الشيعة فليسوا بإخواننا في الدين، لكن سمعت اللّه عزّ وجلّ قال في كتابه: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا)

شيعة ظاهرت بكتاب اللّه، وأعلنت الفرية على اللّه لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن، ولا عقل بالغ في الفقه، ولا تفتيش عن حقيقة الصّواب، قد قلّدوا أمرهم أهواءهم، وجعلوا دينهم عصبيّة لحزب لزموه، وأطاعوه في جميع ما يقوله لهم، غيّا كان أو رشدا، أو ضلالة أو هدى، ينتظرون الدّول في رجعة الموتى، ويؤمنون بالبعث قبل الساعة، ويدّعون علم الغيب لمخلوق، لا يعلم أحدهم ما في داخل بيته، بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه أو يحويه جسمه، ينقمون المعاصي على أهلها، ويعلمون إذا ظهروا بها، ولا يعرفون المخرج منها، جفاة في الدين، قليلة عقولهم، قد قلّدوا أهل بيت من العرب دينهم، وزعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة، وتنجيهم من عقاب الأعمال السيئة (قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)

فأيّ هؤلاء الفرق يا أهل المدينة تتبعون؟ أو بأيّ مذاهبهم تقتدون؟ وقد بلغني مقالتكم في أصحابي، وما عبتموه من حداثة أسنانهم، ويحكم! وهل كان أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم وآله - المذكورون في الخير إلا أحداثا شبابا؟ شباب واللّه مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشرّ أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة قد نظر اللّه إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مرّ أحدهم بآية من ذكر اللّه بكى شوقا، وكلما مرّ بآية من ذكر اللّه شهق خوفا، كأن زفير جهنم بين أذنيه، قد أكلت الأرض جباههم وركبهم، ووصلوا كلال الليل بكلال النهار مصفرّة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من طول القيام وكثرة الصيام، أنضاء عبادة، موفون لعهد اللّه، منتجزون لوعد اللّه، قد شروا أنفسهم، حتى إذا التقت الكتيبتان وأبرقت سيوفها وفوّقت سهامها، وأشرعت رماحها لقوا شبا الأسنّة، وشائك السهام، وظباة السيوف بنحورهم ووجوههم وصدورهم، فمضى الشابّ منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، واختضبت محاسن وجهه بالدماء، وعفّر جبينه بالثّرى، وانحطّت عليه الطير من السماء، وتمزقته سباع الأرض، فكم من عين في منقار طائر، طالما بكى بها صاحبها في جوف الليل من خوف اللّه! وكم من وجه رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد. ثم بكى وقال: آه آه على فراق الإخوان! رحمة اللّه على تلك الأبدان، وأدخل اللّه أرواحهم الجنان.

قال هارون: بلغني أنه بايعه بالمدينة ناس منهم إنسان هذليّ، وإنسان سراقي وسكسب الذي كان معلم النحو، ثم خرج، وخلّف بالمدينة بعض أصحابه، فسار حتى نزل الوادي، وكان مروان قد بعث ابن عطية.

قال هارون: حدّثني أبو يحيى الزّهري أن مروان انتخب من عسكره أربعة آلاف استعمل عليهم ابن عطية، فأمره بالجدّ في السير، وأعطى كلّ رجل من أصحابه مائة دينار، وفرسا عربيّا، وبغلا لثقله، وأمره أن يمضي، فيقاتلهم.

وقال المدائني: بعث عبد الملك بن عطية السعدي، أحد بني سعد بن بكر في أربعة آلاف، معه فرسان من أهل الشأم ووجوههم، منهم شعيب البارقي، ورومي بن عامر المرّي، وقيل: بل هو كلابيّ، وفيهم ألف من أهل الجزيرة، وشرطوا على مروان أنهم إذا قتلوا عبد اللّه بن يحيى وأصحابه، رجعوا إلى الجزيرة، ولم يقيموا بالحجاز، فأجابهم إلى ذلك؛ قالوا: فخرج؛ حتى إذا نزل بالمعلّى. فكان رجل من أهل المدينة يقال له: العلاء بن أفلح مولى أبي الغيث يقول: لقيني وأنا غلام في ذلك اليوم رجل من أصحاب ابن عطية؛ فسألني: ما اسمك يا غلام؟ فقلت: العلاء، فقال: ابن من؟ فقلت: ابن أفلح، قال: أعرابيّ أم مولى؟ قلت: بل مولى، قال: مولى من؟ قلت: مولى أبي الغيث، قال: فأين نحن؟ قلت: بالمعلّى، قال: فأين نحن غدا؟ قلت: بغالب، قال: فما كلّمني، حتى أردفني خلفه، ثم مضى بي، حتى أدخلني على ابن عطية، فقال: سل هذا الغلام: ما اسمه؟ فسألني، فرددت عليه القول الذي قلت، فسرّ بذلك؛ ووهب لي دراهم.

وقال أبو صخر الهذليّ حين بلغه قدوم ابن عطية:

قل للذين استضعفوا لا تعجلواأتاكم النصر وجيش جحفل
عشرون ألفا كلّهم مسربليقدمهم جلد القوى مستبسل
دونكم ذا يمن فأقبلواوواجهوا القوم ولا تستخجلوا
عبد المليك القلّبيّ الحوّلأقسم لا يفلى ولا يرجّل
حتى يبيد الأعور المضلّلويقتل الصّباح والمفضّل

الأعور عبد اللّه بن يحيى رئيسهم.

قال المدائني عن رجاله: وبعث أبو حمزة بلج بن عقبة في ستمائة رجل ليقاتل عبد الملك بن عطية، فلقيه بوادي القرى لأيام خلت من جمادي الأولى سنة ثلاثين ومائة فتواقفوا، ودعاهم بلج إلى الكتاب والسنة، وذكر بني أمية وظلمهم، فشتمهم أهل الشام، وقالوا: أنتم يا أعداء اللّه أحقّ بهذا ممن ذكرتم وقلتم، فحمل عليهم بلج وأصحابه، فانكشف طائفة من أهل الشام، وثبت ابن عطية في عصبة صبروا معه، ونادى يا أهل الشام يا أهل الحفاظ ناضلوا عن دينكم وأميركم، فكرّوا، وصبروا صبرا حسنا، وقاتلوا قتالا شديدا، فقتل بلج وأكثر أصحابه، وانحازت قطعة من أصحابه نحو المائة إلى جبل اعتصموا به، فقاتلهم ابن عطية ثلاثة أيام فقتل منهم سبعين رجلا ونجا ثلاثون، فرجعوا إلى أبي حمزة، ونصب ابن عطية رأس بلج على رمح، قال: واغتمّ الذين رجعوا إلى أبي حمزة من وادي القرى إلى المدينة، وهم الثلاثون، ورجعوا وجزعوا من انهزامهم، وقالوا: ما فررنا من الزّحف، فقال لهم أبو حمزة: لا تجزعوا، فأنا لكم فئة وإليّ انصرفتم.

قال المدائني: وخرج أبو حمزة من المدينة إلى مكة، واستخلف رجلا يقال له: المفضّل عليها، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن أسيد بن عبد الرحمن بن يزيد بن الخطاب الناس إلى قتالهم، فلم يجد كبير أمر؛ لأن القتل قد كان شاع في الناس، وخرج وجوه أهل البلد عنه؛ فاجتمع إلى عمر البربر والزّنج وأهل السوق والعبيد، فقاتل بهم الشّراة؛ فقتل المفضّل وعامّة أصحابه؛ وهرب الباقون؛ فلم يبق في المدينة منهم أحد؛ فقال في ذلك سهيل أبو البيضاء مولى زينب بنت الحكم بن العاصى:

ليت مروان رآنايوم الاثنين عشيّه
إذ غسلنا العار عنّاوانتضينا المشرفيّه

قال: فلما قدم ابن عطية المدينة أتاه عمر بن عبد الرحمن بن أسيد؛ فقال له: أصلحك اللّه! إنّي جمعت قضّي وقضيضي؛ فقاتلت هؤلاء؛ فقتلنا من امتنع من الخروج عن المدينة وأخرجنا الباقين، فلقيه أهل المدينة بقضّهم وقضيضهم.

قال: وأقام ابن عطية بالمدينة شهرا؛ وأبو حمزة مقيم بمكة؛ ثم توجّه إليه فقال له عليّ بن حصين العنبريّ: إني قد كنت أشرت عليك يوم قديد وقبله أن تقتل هؤلاء الأسرى كلهم، فلم تفعل، وعرّفتك أنهم سيغدرون فلم تقبل؛ حتى قتلوا المفضّل وأصحابنا المقيمين بالمدينة؛ وأنا أشير عليك اليوم أن تضع السيف في هؤلاء؛ فإنهم كفرة فجرة؛ ولو قدم عليك ابن عطية لكانوا أشدّ عليك منه؛ فقال: لا أرى ذلك؛ لأنهم قد دخلوا في الطاعة؛ وأقروا بالحكم؛ ووجب لهم حقّ الولاية؛ قال: إنهم سيغدرون؛ فقال: أبعدهم اللّه، (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ)

. قال: وقدم عبد الملك بن عطية مكة، فصيّر أصحابه فرقتين، ولقي الخوارج من وجهين؛ فصيّر طائفة بالأبطح؛ وصار هو في الطائفة الأخرى بإزاء أبي حمزة؛ فصار أبو حمزة أسفل مكة؛ وصيّر أبرهة بن الصّباح بالأبطح في ثمانين فارسا، فقاتلهم أبرهة؛ فانهزم أهل الشأم إلى عقبة مني؛ فوقفوا عليها؛ ثم كرّوا؛ وقاتلهم؛ فقتل أبرهة: كمن له هبّار القرشيّ؛ وهو على جبل دمشق عند بئر ميمون؛ فقتله؛ وتفرق الخوارج؛ وتبعهم أهل الشأم يقتلونهم؛ حتى دخلوا المسجد، والتقى أبو حمزة وابن عطية بأسفل مكة؛ فخرج أهل مكة مع ابن عطية؛ فقتل أبو حمزة على فم الشّعب وقتلت معه امرأته؛ وهي ترتجز وتقول:

أنا الجعيداء وبنت الأعلممن سال عن اسمي فاسمي مريم

قال: وتفرّقت الخوارج فأسر أهل الشام منهم أربعمائة؛ فدعا بهم ابن عطية؛ فقال: ويلكم! ما دعاكم إلى الخروج مع هذا؟ قالوا: ضمن لنا الكنّة: يريدون الجنّة، وهي لغتهم، فقتلهم، وصلب أبا حمزة وأبرهة بن الصبّاح ورجلين من أصحابهم على فم الشّعب؛ شعب الخيف، ودخل علي بن الحصين دارا من دور قريش، فأحدق أهل الشام بالدار فأحرقوها، فلما رأى ذلك رمى بنفسه من الدار، فقاتلهم وأسر فقتل، وصلب مع أبي حمزة، ولم يزالوا مصلّبين حتى أفضى الأمر إلى بني العباس، وحجّ مهلهل الهجيميّ في خلافة أبي العباس، فأنزل أبا حمزة ليلا، فدفنه، ودفن خشبته.

قال المدائني: وكان بمكة مخنثّان، يقال لأحدهما: سبكت، وللآخر: صقرة، فكان صقرة يرجف بأهل الشام، وكان سبكت يرجف بالإباضية، فعرف الخوارج أمرهما، فوجهوا إلى سبكت، فأخذوه فقتلوه، فقال صقرة: يا ويله هو واللّه أيضا مقتول، وإنما كنت أنا وسبكت نتكايد ونتكاذب، فقتلوه، وغدا يجيء أهل الشام، فيقتلونني، فلما دخل ابن عطية مكة عرف خبرهما، فأخذ صقرة، فقتله.

وقال هارون في خبره: أخبرني عبد الملك بن الماجشون، قال: لما التقى أبو حمزة وابن عطية قال أبو حمزة: لا تقاتلوهم حتى تختبروهم فصاح بهم: ما تقولون في القرآن والعمل به؟ فصاح ابن عطية: نضمه في جوف الجوالق، قال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال: نأكل ماله؛ ونفجر بأمّه، في أشياء بلغني أنه سأله عنها؛ فلما سمعوا كلامهم قاتلوهم؛ حتى أمسوا؛ فصاحت الشّراة: ويحك، يابن عطية! إن اللّه - جل وعز - قد جعل الليل سكنا؛ فاسكن ونسكن؛ فأبى وقاتلهم؛ حتى قتلهم جميعا.

قال هارون: أخبرني موسى بن كثير أن أبا حمزة خطب أهل المدينة؛ وودّعهم؛ ليخرج إلى الحرب؛ فقال: يا أهل المدينة؛ إنا خارجون لحرب مروان؛ فإن نظهر نعدل في أحكامكم؛ ونحملكم على سنّة نبيكم، ونقسم بينكم، وإن يكن ما تمنّون لنا فسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون، قال: ووثب الناس على أصحابه حين جاءهم قتله، فقتلوهم، فكان بشكست ممن قتلوا، طلبوه فرقي في درجة كانت في دار أذينة، فلحقوه فأنزلوه منها، وهو يصيح: يا عباد اللّه، فيم تقتلونني؟

قال: وأنشدني بعض أصحابنا:

لقد كان بشكست عبد العزيزمن أهل القراءة والمسجد
فبعدا لبشكست عبد العزيزوأمّا القرآن فلا يبعد

قال هارون: وأخبرني بعض أصحابنا أنه رأى رجلا واقفا على سطح يرمي بالحجارة فقيل: ويلك! أتدري من ترمي مع اختلاط الناس؟ قال: واللّه ما أبالي من رميت؟ إنما هو شام وشار، واللّه ما أبالي أيّهما قتلت!

وقال المدائني: لما قتل ابن عطية أبا حمزة بعث برأسه مع عروة بن زيد بن عطية إلى مروان، وخرج إلى الطائف، فأقام بها شهرين، وتزوج بنت محمد بن عبد اللّه بن أبي سويد الثقفي؛ واستعمل على مكة روميّ بن عامر المرّي، وأتي فلّ أبي حمزة إلى عبد اللّه بن يحيى بصنعاء. فأقبل معه أصحابه. - وقد لقبوه طالب الحق - يريد قتال ابن عطية، وبلغ ابن عطية خبره، فشخص إليه، فالتقوا بكسة، فأكثر أهل الشام القتل فيهم، وأخذوا أثقالهم وأموالهم، وتشاغلوا بالنّهب، فركب عبد اللّه بن يحيى فكشفهم، فقتل منهم نحو مائة رجل، وقتل قائد من قوّادهم يقال له: يزيد بن حمل القشيريّ من أهل قنّسرين، فدمرهم ابن عطية، فكرّوا، وانضم بعضهم إلى بعض. وقاتلوا حتى أمسوا، فكفّ بعضهم عن بعض، ثم التقوا من غد في موضع كثير الشجر والكرم والحيطان، فطال القتال بينهم، واستحرّ القتل في الشّراة، فترجّل عبد اللّه بن يحيى في ألف فارس؛ فقاتلوا، حتى قتلوا جميعا عن آخرهم؛ وانهزم الباقون؛ فترّقوا في كلّ وجه. ولحق من نجا منهم بصنعاء؛ وولّوا عليهم حمامة فقال أبو صخر الهذليّ:

قتلنا دعيسا والذي يكتني الكنىأبا حمزة الغاوي المضلّ اليمانيا
وأبرهة الكنديّ خاضت رماحناوبلجا صبحناه الحتوف القواضيا
وما تركت أسيافنا منذ جرّدتلمروان جبّارا على الأرض عاديا

قال المدائني: وبعث عبد الملك بن عطية رأس عبد اللّه بن يحيى مع ابنه يزيد بن عبد الملك إلى مروان.

وقال عمرو بن الحصين - ويقال: الحسن العنبري - مولى لهم يرثي عبد اللّه بن يحيى وأبا حمزة. وهذه القصيدة التي في أولها الغناء المذكور أول هذه الأخبار:

هبّت قبيل تبلّج الفجرهند تقول ودمعها يجري
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
أن أبصرت عيني مدامعهاينهلّ واكفها على النّحر
للشاعر عمرو بن الحسن التميمي، اقرأ القصيدة
أنّي اعتراك وكنت عهدي لاسرب الدموع وكنت ذا صبر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
أقذى بعينك ما يفارقهاأم عائر أم مالها تذري؟
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
أم ذكر أخوان فجعت بهمسلكوا سبيلهم على خبر
للشاعر عمرو بن الحسن التميمي، اقرأ القصيدة
فأجبتها بل ذكر مصرعهملا غيره عبراتها تمري
للشاعر عمرو بن الحسن التميمي، اقرأ القصيدة
يا ربّ أسلكني سبيلهمذا العرش واشدد بالتّقى أزري
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
في فتية صبروا نفوسهمللمشرفيّة والقنا السّمر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
تاللّه ألقى الدهر مثلهمحتى أكون رهينة القبر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
أوفي بذمتهم إذا عقدواوأعفّ عند العسر واليسر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
متأهّلين لكلّ صالحةناهين من لاقوا عن النّكر
للشاعر عمرو بن الحسن التميمي، اقرأ القصيدة
صمت إذا احتضروا مجالسهموزن لقول خطيبهم وقر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
إلّا تجيبهم فإنهممرجف القلوب بحضرة الذّكر
متأوّهون كأنّ جمر غضاللخوف بين ضلوعهم يسرى
للشاعر عمرو بن الحسن التميمي، اقرأ القصيدة
تلقاهم إلّا كأنّهملخشوعهم صدروا عن الحشر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
فهم كأنّ بهم جوى مرضأو مسّهم طرف من السّحر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
لا ليلهم ليل فيلبسهمفيه غواشي النوم بالسّكر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
إلّا كذا خلسا وآونةحذر العقاب وهم على ذعر
للشاعر عمرو بن الحسن التميمي، اقرأ القصيدة
كم من أخ لك قد فجعت بهقوّام ليلته إلى الفجر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
متأوّه يتلو قوارع منآي القرآن مفزّع الصّدر
للشاعر عمرو بن الحسن التميمي، اقرأ القصيدة
نصب تجيش بنات مهجتهبالموت جيش مشاشة القدر
للشاعر عمرو بن الحسن التميمي، اقرأ القصيدة
ظمآن وقدة كلّ هاجرةترّاك لذّته على قدر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
ترّاك ما تهوى النفوس إذارغب النفوس دعت إلى النّذر
للشاعر عمرو بن الحسن التميمي، اقرأ القصيدة
ومبرّأ من كل سيئةعفّ الهوى ذو مرّة شزر
للشاعر عمرو بن الحسن التميمي، اقرأ القصيدة
والمصطلي بالحرب يسعرهابغبارها وبفتية سعر
للشاعر عمرو بن الحسن التميمي، اقرأ القصيدة
يجتاحها بأقلّ ذي شطبعضب المضارب قاطع البتر
للشاعر عمرو بن الحسن التميمي، اقرأ القصيدة
لا شيء يلقاه أسرّ لهمن طعنة في ثغرة النّحر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
نجلاء منهرة تجيش بماكانت عواصي جوفه تجري
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
كخليلك المختار أذك بهمن مقتد في اللّه أو مشر
خوّاض غمرة كلّ متلفةفي اللّه تحت العثير الكدر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
ترّاك ذي النّخوات مختضبابنجيعه بالطّعنة الشّزر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
وابن الحصين وهل له شبهفي العرف أنّى كان والنّكر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
بسّامة لم تحن أضلعهلذوي أخوّته على غمر
طلق اللسان بكلّ محكمةرآب صدع العظم ذي الوقر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
لم ينفكك في جوفه حزنتغلي حرارته وتستشري
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
ترقى وآونة يخفّصهابتنفّس الصّعداء والزّفر
ومخالطي بلج وخالصتيسمّ العدوّ وجابر الكسر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
نكل الخصوم إذا هم شغبواوسداد ثلمة عورة الثّغر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
والخائض الغمرات يخطر فيوسط الأعادي أيّما خطر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
بمشطّب أو غير ذي شطبهام العدا بذبابه يفري
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
وأخيك أبرهة الهجان أخىالحرب العوان ملقّح الجمر
بمرشّة فرع تثجّ دماثجّ الغوى سلافة الخمر
والضارب الأخدود ليس لهاحدّ ينهنها عن السّحر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
ووليّ حكمهم فجعت بهعمرو فوا كبدي على عمرو!
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
قوّال محكمة وذي فهمعفّ الهوى متثبّت الأمر
ومسيّب فاذكر وصيّتهلا تنس إمّا كنت ذا ذكر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
فكلاهما قد كان محتسباللّه ذا تقوى وذا برّ
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
في مخبتين ولم أسمّهمكانوا يدي وهم أولو نصيري
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
وهم مساعر في الوغى رجحوخيار من يمشي على العفر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
حتى وفوا للّه حيث لقوابعهود لا كذب ولا غدر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
فتخالسوا مهجات أنفسهموعداتهم بقواضب بتر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
وأسنّة أثبتن في لدنخطّية بأكفّهم زهر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
تحت العجاج وفوقهم خرقيخفقن من سود ومن حمر
للشاعر عمرو بن الحصين العنبري، اقرأ القصيدة
فتفرّجت عنهم كماتهملم يغمضوا عينا على وتر
فشعارهم نيران حربهمما بين أعلى الشّحر فالحجر
صرعى فحاجلة تنوشهموخوامع لحماتهم تفري

قال المدائني: وكتب مروان إلى ابن عطية يأمره بالمسير إلى صنعاء، ليقاتل من بها من الخوارج، فاستخلف ابنه محمد بن عبد الملك على مكة، وعلى المدينة الوليد بن عروة بن عطية، وتوجّه إلى صنعاء، ورجع أهل الجزيرة جميعا إلى بلدهم، وكذلك كان مروان شرط لهم، فلما قرب من صنعاء هرب عامل عبد اللّه بن يحيى عنها، فأخذ أهل صنعاء أثقاله وحملين من مال كان معه، فسلّموا ذلك إلى ابن عطية، وتتبع أصحاب عبد اللّه بن يحيى في كل موضع يقتلهم، وأقام بصنعاء أشهرا، ثم خرج عليه رجل من أصحاب عبد اللّه بن يحيى في آل ذي الكلاع، يقال له يحيى بن عبد اللّه بن عمر بن السّباق في جمع كثير بالجند، فبعث إليه ابن عطية ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد بن عطية، فلقيه بالحرب، فهزمه، وقتل عامة أصحابه، وهرب منه فنجا، وخرج عليه يحيى بن كرب الحميري بساحل البحر، وانضمت إليه شذّاذ الإباضية، فبعث إليه أبا أمية الكنديّ في الوضاحية، فالتقوا بالساحل، فقتل من الإباضية نحو مائة رجل، وتحاجزوا عند المساء فهربت الإباضية إلى حضر موت، وبها عامل لعبد اللّه بن يحيى يقال له: عبد اللّه بن معبد الجرمي، فصار في جيش كثير، واستفحل أمره. وبلغ ابن عطية الخبر، فاستخلف ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد بن عطية على صنعاء، وشخص إلى حضر موت وبلغ عبد اللّه بن معبد مسير عبد الملك إليهم، فجمعوا الطعام وكلّ ما يحتاجون إليه في مدينة شبام. وهي حصن حضر موت مخافة الحصار. ثم عزموا على لقاء ابن عطية في الفلاة، فخرجوا حتى نزلوا على أربع مراحل من حضر موت، في عدد كثير في فلاة. وأتاهم ابن عطية، فقاتلهم يومه كلّه، فلما أمسى وقد بلغه ما جمعوا في شبام حدر عسكره في بطن حضر موت إلى شبام ليلا.

ثم أصبح، فقاتلهم حتى انتصف النهار. ثم تحاجزوا، فلما أمسوا، تبع عسكره. وأصبح الخوارج، فلم يروا للقوم أثرا. فاتّبعوهم وقد سبقوهم إلى الحصن، فأخذوا جميع ما فيه وملكوه، ونصب ابن عطية عليهم المسالح، وقطع عنهم المادّة والميرة، وجعل يقتل من يقدر عليه ويسبي ويأخذ الأموال.

ثم ورد عليه كتاب مروان بن محمد يأمره بالتعجّل إلى مكة، ليحجّ بالنّاس، فصالح أهل حضر موت على أن يردّ عليهم ما عرفوا من أموالهم. ويولي عليهم من يختارون، وسالموه، فرضي بذلك، وسالمهم، وشخص إلى مكة متعجّلا مخفّا. ولما نفذ كتاب مروان ندم بعد ذلك بأيام، وقال: إنا للّه! قتلت واللّه ابن عطية؛ هو الآن يخرج مخفّا متعجّلا، ليلحق الحج، فيقتله الخوارج. فكان كما قال: تعجّل في بضعة عشر رجلا، فلما كان بأرض مراد تلفّفت عليه جماعة، فمن كان من تلك الجماعة إباضيّا عرفه، فقال: ما ننتظر بهذا أن ندرك ثأر إخواننا فيه، ومن لم يكن إباضيا ظنه من الإباضية، وأنه منهزم، فلما علم أنهم يريدونه قال لهم: ويحكم! أنا عامل أمير المؤمنين على الحجّ، فلم يلتفتوا إلى ذلك، وقتلوه، ونصبت الإباضية رأسه، فلما فتشوا متاعه، وجدوا فيه الكتاب بولايته على الحجّ، فأخذوا من الإباضية رأسه، ودفنوه مع جسده.

قال المدائني: خرج إليه جمانة وسعيد ابنا الأخنس، في جماعة من قومهما من كندة، وعرفه جمانة لمّا لقيه، فحمل عليه هو وأخوه ورجل آخر من همدان، يقال له: رمّانة. وثلاثة من مراد، وخمسة من كندة، وقد توجّه في طريق مع أربعة نفر من أصحابه. وتوجّه باقيهم في طريق آخر، فقصدوا حيث توجّه ابن عطية، ووجّهوا في آثار أصحابه نحو أربعين رجلا منهم، فأدركوهم فقتلوهم، وأدرك سعيد وجمانة وأصحابهما ابن عطية، فعطف عبد الملك على سعيد، فضربه وطعنه جمانة، فصرعه عن فرسه، ونزل إليه سعيد، فقعد على صدره، فقال له ابن عطية: هل لك يا سعيد في أن تكون أكرم العرب أسيرا؟ فقال: يا عدوّ اللّه، أترى اللّه كان يمهلك؟ أو تطمع في الحياة وقد قتلت طالب الحقّ وأبا حمزة وبلجا وأبرهة! فقتله وقتل أصحابه جميعا. وبعثوا برأسه إلى حضرموت، وبلغ ابن أخيه - وهو بصنعاء - خبره. فأرسل شعيبا البارقيّ في الخيل. فقتل الرجال والصّبيان. وبقر بطون النساء، وأخذ الأموال، وأحرب القرى، وجعل يتتبع البريّ والنّطف. حتى لم يبق أحد من قتلة ابن عطية ولا من الإباضية إلا قتله، ولم يزل مقيما باليمن إلى أن أفضى الأمر إلى بني هاشم، وقام بالأمر أبو العباس السفاح.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»