من «المساكين» للرافعي (ت ١٣٥٦هـ)
على الكوكب الهاوي. حسناء أفقرتها الحرب، وكيف تلقاها الحقيقة
؟
طريدة بؤس مل من بؤسه الصبروطالت على الغبراء أيامها الغبر
تنكرت الدنيا لها ورمت بهاعلى الكوكب الهاوي حواه فضا قفر
وكانت كما شاءت وشاء جمالهاكما اشتهت العليا كما وصف الشعر
تلألأ في صدر المكارم درةيحيط بها من عقد أنسابها در
وما برحت ترقى السنين وتعتليوكل المعالي في طفولتها حجر
فكانت كزهر نضر الفجر حسنهولما علتا كالنجم أطفأها الفجر!
رمى الدهر أهليها بحرب ولم يردبها الشر لكن الحروب هي الشر
ومن يحطم الكأس الروية وحدهافقد ذهب اثنان: الزجاجة والخمر
تقاسمت الحسن الإلهي وانثنىيقاسمها، فالأمر بينهما أمر
فللشمس منها طلعة الحسن مشرقاوفيها من الشمس التوقد والجمر
وللزهر منها نفحة الحسن عاطراوفيها ذبول مثلما ذبل الزهر
وللظبي منها ملتقاها وجيدهاوفيها من الظبي التلفت والذعر
وما قيمة الحسناء يقبح حظهاوتذوي بروض الحب أيامها الخضر
من الحسن معنى يهلك السن عندهكم أهلك الأزهار أن يؤخذ العطر
فما السن فخر للحسان وإنمالخالقه فيما يريد به سر
ضعيفة أنفاس المنى بعدما غدترقاب أمانيها يغللها الفقر
وبين خطى أيامها كل عثرةيزلزل أقدام الحياة بها العسر
وزجت بها الأحزان في بحر دمعهاوليس لبحر الدمع في أرضنا بر
يقاذفها موج الليالي وما لهاسوى زورق واه يقال له العمر
وما التمست رأس الرجا عند صخرةفكان سوى رأس الردى ذلك الصخر
إذ استنبأوها أرسبت من دموعهالآلئ حزن كل لؤلؤة فكر
وإن سألوها لجلجلت فكأنماعرا اللفظ لما مر ن فمها سكر
مشردة حيرى تنازع نفسهافرقان ذل لم تعوده، والكبر
وما قتل الذل امرأ من عبيدهوكم من فتى يرمي بهامته الفخر
ولو أنصف الإنسان في قدر نفسهرأى قدرها أن لا يهون لها قدر
فلا تتساءل كيف تقعد وداعاًولكن تساءل كيف يسعى بك الذكر
وكن رجلاً كالضرس يرسو مكانهليطحن، لا بعينه حلو ولا مر
ولا تتوقع أي جنبيك واقعإذا انطبقت يوماً حوادثها النكر
ولكن تلق الدهر غير مفزعبصدرك ولتعر الخطوب كما تعرو
فعز الحسام الهند واني صدرهوذل العصا أن العصا كلها ظهر
ولن يهن الحر انتضى عزماتهوصال بها من صبره الخلق الحر
وإن تغلب الأبطال في كل حومةفما عرفت حرب بها غلب الصبر!
وليلة هم ما يطير غرابهاولا انحط من وكر الصباح له نسر
تطل عليها الشهب أعين نقمةتطاير فيما بينها النظر الشزر
ويزفر فيها الليل زفرة ماردتطير لها من برقه الشمل الحمر
ويخفق في أحنائها كل عاصفخفوق فؤاد بات يسلمه الصدر
ويغضب من آثامها الموت غضبةيرج لها في كل ناحية قبر
دخانية هوجاء لو مد نقعهالقام على وادي الجحيم بها جسر
وأهون ما في أرضها وسمائهاعلى الناس، هاتيك الحزينة والبدر
ثوت تحتها تلك الفتاة عليلةتئز كما أزت على نارها القدر
وفي غرفة مما بنى الله لا الورىفليس على من حل ساحتها أجر
جوانبها شرق الظلام وغربهوفي سقفها ضاءت كواكبه الزهر
ممدة كالسطر في صفحة المنىوأطمارها تبدو كما شطب السطر
فإن يك أهل الأرض أرقام حسابفتلك وراء العالمين هي الصفر
رمت عينها يمنة ويسرى فلم تجدعلى الأرض خلقا ليس في جنبه غدر
رأت كل مخزاة من الشر تلتويويهرب ذعرا من جنايتها العذر
رأت أثرا تدنى به الأرض والسماوليس سوى الإنسان في جرحه ظفر
رأت ذلك الإنسان يطغى بعلمهويجهل أن العلم عن جهله زجر
أليس يرى الإنسان في القرد شبههفهل ذاك إلا من تكبره سخر
كما عاقب الله الأسود لكبرهافجاء لنا في صورة الأسد الهر
رأت هذه الحرب الضروس كأنهامراحل يطويها من الزمن الحشر
وما حمد الشيطان للناس مثلهاولا كان للشيطان في مثلها شكر
وما الحرب إلا رجفة الأرض رجفةيموت بها عصر ليحيا بها عصر
وما الحرب إلا مطرة دمويةإذا دنست روح الورى فهي الطهر
وما الحرب إلا غضبة الله لا مستمخازي الدهر فانفجر الدهر؟
فيا رب، جلت هذه الحرب محنةعلى الناس، لا الإيمان منها ولا الكفر
ففي كل نفس غصة ما تسيغهاوفي كل قلب كسرة ما لها جبر
وبين شفاه الناس للناس لعنةإذا لم يثرها الحق ثار بها الخسر
وما لوت الأسياف في الأرض عروةمن البغض إلا والرؤوس لها زر
فلا تخدعوا الإنسان عن نزعاتهفما الناس إلا ما أساؤوا وما سروا
وكم قيل إنسانية ومحبةوعلم وتمدين وأشباهها الكثر
فيا قدرا يجري دما ويلتظيسعيرا، أذاك الحب أنت أم أنت الهجر
ويا هذه لا تجحدي، إنما الورىكما خلقوا والمكر بعد هو المكر
وأين من الناس الكمال ولم نزلنرى السود سودا ليس يغسلهم بحر
ولا بد من ضدين في كل حالةوبينهما إما النجاة أو الأسر
بذلك يجري الغيب إن طار أو هوىفإن جناحيه المنافع والضر
فلا تطمعي إن تغفل الأرض أهلهاولا مد فوق البحر إلا له جزر
ولا تطمعي أن يرفع المال أنفسايحركها من ذل مطمعها الجر
ولا تأملي الأيام خضرا على المدىففي كل حين يسقط الورق النضر
ولا تسألي الزلزال ترقيص طفلةوأصغر ما في كفه الجبل الوعر
ألا إنما الدنيا سلاليم يرتقيبها الناس تغريم أواخرها الغر
نذروا علاها للكمال، وعندهممن العلم أسباب يقر لها السحر
فما برحوا يرقون كل بعيدةولم يعلموا أين الكمال ولم يدروا
فلما علوا واستحمقوا وتتابعواوغرهم بالله ذلك فاغتروا
تهاووا على أعناقهم وتحطمتبهم درجات كان من فوقها النصر
كذلك سلاليم الحياة، فكلناطموح لأعلاها وفي الوسط الكسر
النص كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع