تجاوز إلى المحتوى

من «أشعار النساء» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)

لم يُنسبْن

أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عثمان بن سعيد بن هارون الأشنانداني، قال: أخبرنا التوزي، قال: أخبرني أبو عبيدة، قال: تزوج رجل من بني عامر بن صعصعة امرأة من قومه، وخلفها حاملاً، وخرج في بعض أمره. فولدت ابناً، فلما نظر إلية، وإذا هو أحمر غضب، أزب الحاجبين. فدعاها، وانتضى السيف، وأنشأ يقول:

لا تمْشطي رأسي ولا تفْلينيوحاذري ذا الريق في يميني
واقتربي دونكِ أخبرينيما شأنه أحمرَ كالهجين

خالفَ ألونَ بنيَّ الجوْنِ

فقالت تجيبه:

إنّ له من قِبلي أجدادابِيضَ الوجوه كرُماً أنجادا
ما ضرَّهم إن حضروا أمجاداأو كافحوا يوم الوغى الأندادا

ألا يكون لونهم سوادا

قلت أنا والمفضل الضبي: ويروى هذا الخبر للحارث بن عباد اليشكري.

كتب إلي أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبه، قال: قالت امرأة من بني عامر:

وَحرْبٍ يضِجُّ القوم من بعثاتهاضجيجَ الجمالِ الجِلةِ الدَّبراتِ

ورواها أبو تمام الطائي في الحماسة لامرأة من بني عامر أيضاً، وقال: فيه مكان بعثاتها: نفيانها.

سيبعثها قومٌ ويصْلى بحرِّهابنو نسْوةٍ للثُّكلِ مصْطبراتِ

وروى أبو تمام: سيتركها قوم.

فإن يكُ ظنِّي صادقي وهو صادقيبكمْ وبأحْلامٍ لكم صفرات

وقال أبو تمام: وهو صادق بكم وبأحلام لكم صفرات.

تعد منكم جزرَ الجزورِ رِماحناوتُمسِكُ بالأكبادِ منكسرات

وقال أو تمام: تعد فيكم جزر الجزور رماحنا ويمسكن.

أخبرنا ابن دريد، قال: حدثني عبد الرحمن يعني ابن أخي الأصمعي، عن عمه، عن يونس قال: انصرفت من الحج فمررت بماويه وكان لي فيها صديق من عامر بن صعصعة، قصدت إليه مسلماً، فأنزلني. فبينا أنا وهو قاعدين بفنائه، فإذا نساء مستبشرات وهن يقلن: تكلم. فقلت: ما هذا؟ فقالوا: فتى منا كان يعشق بنت عم له، فزوجت وحلمت إلى الناحية بالحجاز فأنه لعلى فراشه منذ حول، ما تكلم ولا أكل إلا أن يؤتى بما يأكله ويشربه فقلت: أحب أن أراه، فقام وقمت معه، فمشينا غير بعيد، فإذا بقى مضطجع بفناء بيت من تلك البيوت، لم يبق منه إلا خياله. فأكب الشيخ عليه يسأله وأمه واقفه، فقالت: يا مالك هذا عمك أبو فلان يعودك. ففتح عينيه ثم أنشأ يقول:

ليبكني اليومَ أهل الود والشفقِِلم يبق من مهجتي إلا شفا رمقي
اليوم آخر عهدي بالحياة فقدأطلقت من ربقة الأحزان والقلق

ثم تنفس صعداء، فإذا هو ميت. فقام الشيخ وقمت معه فصرت إلى خبائة، فإذا جارية بضة تبكي وتفجع، فقال لها الشيخ: ما يبكيك أنت؟ فأنشأت تقول:

ألا أبكي لميتٍ شفَّ مهجتهطول السقام وأضنى جسمه الكمد
يا ليت من كلَف القلب المهيم بهعندي فأشكو إليه بعض ما أجد
أنشرُ برديك أسرى ليَ النسيم بهأم أنت حيث يناط السهد والكبد؟

ثم انثنت على كبدها وشهقت فإذا هي ميته.

قال يونس: فقمت من عند الشيخ وأنا وقيذ.

كتب إلي أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبة، قال: أنشدني أبو صالح الشاري يحيى بن المهلهل الأسدي، لامرأة أخيه بهلول، تدعى صعبة من بني عامر أعرابية:

وقالوا: كلي الطفشيل يا صعب تسمنيوشحمي على الطفشيل شحمٌ ممانح
وما أنا والطفشيل والخل والقرىوديك على رأسي من الليل صائح
فما لأبي لا أحسن الله رفدهوقامت عليه المعولات النوائح

أخبرني محمد بن أحمد الكاتب، قال: أخبرنا أحمد بن أبي خثيمة عن الحرمازي، قال: كانت امرأة من بني عامر في نجعة فكلفت بفتى منهم، فلما لاح لهم البرق، ورجع أهلها إلى مياههم قالت:

تمتعتُ من أهل الكثيب بنظرةٍوقد قيل ما بعد الكثيب كثيب
للشاعر عامرية الكثيب، اقرأ القصيدة
فإنَّ الكثيب الفرد من أيمن الحمىإليَّ وإن لم آته لحبيب
للشاعر عامرية الكثيب، اقرأ القصيدة
ألا حبذا ريح الغضا حين أدرستبقضبانه جنح الظلام جنوب
للشاعر عامرية الكثيب، اقرأ القصيدة
إذا هبَّ علوي الرياح وجدتنيكأني لعلوياتهنَّ نسيب
للشاعر عامرية الكثيب، اقرأ القصيدة
ألا حبذا الأصعاد لو أستطيعهولكن ( ...) لا ما أقام عسيب
للشاعر عامرية الكثيب، اقرأ القصيدة

كتب إلي أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبة، قال: قالت امرأة من بني عامر.

ألا ليتَ حصناً كان يعلم أنناخلاءٌ وأنا في المزار قريب
للشاعر عامرية الكثيب، اقرأ القصيدة
أرى رفضَ بعرانٍ فأحسب أنهالحصنٍ فأدنو دنوة فأخيبُ
للشاعر عامرية الكثيب، اقرأ القصيدة

أخبرني محمد بن الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوي، قال: قالت: امرأة أحسبها من بني عامر بن صعصعة زوجت في طي:

لا تحمدن الدهر أخت أخاً لهاولا ترثين الدهر بنتٌ لوالدِ
هم جعلوها حيث ليست بحرةٍوهم طرحوها في الأقاصي الأباعدِ

كتب إلي أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبة، قال: قال رجل: مررت ببلاد بني عامر بعجيز قد خزفت. وحولها نسيان قد أفطن برجل يجود بنفسه، والعجوز تقول: أيا ملك الموت دع لي صعصعاً، فأن ثمره فؤاديه فإن أبيت فخذ من أعمار من ترى ما شئت، ثم تقبل على النسيات فتقول: أتسلمن؟ قيقلن: نعم والله

وليزد ما شاء ثم تبكي مريضها وتقول:

كأنك لم تذبح لأهلك نعجةولم تلق يوماً بالفناء إهابها
ولم تجب البِيد التنائف تقتنصبهاجرةٍ حِسلانها وضِبابها
فإن متَّ هدَّ الموت أبناء عامرٍفخصَّ بها كعباً وعمَّ كلابها

ثم تعود فتقول: أيا ملك الموت أرضيت أم نزيدك؟ وتقول النسوة: ياعميمتاه أرضيه وزيديه، ثم تعود فتبكيه فتقول:

أصعصعُ مالي لا أراك تجيبناأتسمع نجواناك أم لست تسمع؟
إذا غيبتك الجول عنا فلم تؤبفمن يرقع الوهن الذي كنت ترقع
فلو كان هذا الموت يقبل فديةفذاك ثمانٍ مسعفاتٌ وأربع

فيقبل النسوة عليها فيقلن: نعم والله وأكثر.

حدثني أبو عبد الله الحكيمي، قال: حدثنا أحمد بن أبي خثيمة عن عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن عثمان بن عمارة بن حريم عن أشياخ من بني مرة، وقالوا: خرج فتى منا إلى ناحية الشام والحجاز مما يلي تيماء والشراة وأرض نجد في طلب بغية له، فإذا هو بخيمة قد رفعت له، وقد أصابه المطر، " فعدل إليها فتنحنح " فإذا امرأة قد كلمته، وأنزلته، وراحت إبلهم " وغنمهم فإذا " أمر عظيم كثرة ورعاء، فقالت سلوا هذا الرجل من أين أقبل؟ قلت: من ناحية تهامة ونجد قالت: يا عبد الله أي بلاد نجد وطئت؟ قلت كلها. قالت: بمن نزلت هناك؟ قلت: ببني عامر،

فتنفست الصعداء، ونظرت إليها فإذا شقة قمر لم ترعيني مثلها، فقالت: بأي بني عامر؟ فقلت: ببني الحريش، فاستعبرت وبكت وانتحبت وقالت: هل سمعت بذكر فتى يقال له: قيس يلقب بالمجنون؟ قلت: أي والله، ونزلت بأبيه وأتيته حتى نظرت إليه يهيم في تلك الفيافي ويكون مع الوحش ما يعقل ولا يفهم، إلا أن تذكر له ليلى فيبكي وينشد الأشعار فيها. فبكت حتى ظنت - والله - أن قلبها قد انصدع، فقلت: أيتها المرأة اتقي الله. فمكثت طويلاً على حالها، ثم أنشأت تقول:

ألا ليت شعري والخطوب كثيرةٌمتى رَحل قيس مستقلٌّ فراجع
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ألا ليت شعري والخطوب كثيرة»
بنفسي من لا يستقلُّ برحلهومن هو إنْ لم يحفظِ الله ضائعُ
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة

ثم غشي عليها فلما أفاقت قلت: من أنت يرحمك الله؟ قالت: أنا ليلى المشؤومة عليه، فما رأيت مثل حزنها وجزعها. وقال: محمد بن خلف بن المزربان: هذان البيتان لليلى بنت مهدي بن سعد بن العامرية صاحبة قيس بن الملوح.

قلت أنا: وقد أختلف في نسب المجنون فقيل: جعدي، وقيل: قشيري. وقيل: من بن الحريش، وقيل غير ذلك. فأما ليلى صاحبته فهي من بني عامر أيضاً والله أعلم.

النص من طبعة عالم الكتب (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.