من «رسالة التوابع والزوابع» لابن شهيد الأندلسي (ت ٤٢٦هـ)
رجع إلى أنف الناقة
فقال: وقعت لك أوصافٌ في شعرك تظنُّ أني لا أستطيعُها؟ فقلتُ له: وحتى تصف عارضاً فتقول:
ومُرتجزٍ ألقى بذي الأثل كلكلاًوحطَّ بجرعاء الأبارقِ ما حطا
وسعى في قيادِ الرِّيحِ يُسمحُ للصَّبا،فألقت على غيرٍ التِّلاعِ به مِرطا
وما زال يُروي حتى كسا الرُّبىدرانك، والغيطان من نسجه بُسطا
وعنت له ريحٌ تُساقطُ قطرهُكما نثرت حسناءُ من جيدها سمطا
ولم أر دُراً بدَّدته بدُ الصَّباسواهُ، فبات النَّورُ يلقُطُه لقطا
وبتنا نُراعي الليل لم نطوِ بُرده،ولم يجر شيبُ الصُّبح في فرعه وخطا
تراه كملك الزَّنجِ في فرط كبرهِ،إذا رام مشياً في تبختُره أبطا
مُطلاً على الآفاقِ والبدرُ تاجُهُ،وقد علق الجوزاء من أذنه قُرطا
وحتى تصف ذئباً فتقول:إذا اجتاز عُلويُّ الرّياحِ بأُفقه
أجدَّ، لعرفانِ الصَّبا، يتنفستذكرَ روضاً من شوي وباقرٍ،
تولته أحراسٌ من الذُّعر تُحرسإذا انتابها من أذؤُبِ القفرِ طارقٌ
حثيث، إذا استشعر اللحظ يهمسُأزلُّ كسا جُثمانه مُتستراً
طيالس سوُداً للدُّجى وهو أطلسُفدلَّ عليهِ لحظُ خبٍ مُخادعٍ،
فصاح فتيانُ الجن عند هذا البيت الأخير: زاه! وعلت أنف الناقة كآبةٌ، وظهرت عليه مَهابةٌ، واختلط كلامه، وبدا منه ساعتئذٍ بوادٍ في خطابه، رحمهُ لها من حضر، وأشفق عليه من أجلها من نظر.
النص من «رسالة التوابع والزوابع» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع