من «لباب الآداب» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
كتمان السر
قال الله ﷿ في سورة يوسف: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ قالَ:
يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً، إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «استعينوا على الحاجات بالكتمان، فكلّ ذي نعمة محسود ».
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه انه قال: سرّك أسيرك، فاذا تكلمت به صرت أسيره.
وقال بعض الأدباء: من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشى سرّه كان الخيار عليه.
وقال بعض البلغاء: ما أسرّك، ما كتمت سرّك! وقال آخر: ما لم تغيّبه الأضالع، فهو مكشوفٌ ضائع.
وقيل لعديّ بن حاتم ﵀: أيّ شيء أوضع للرجال؟ قال: كثرة الكلام، وإضاعة السرّ، والثقة بكل أحدٍ.
وقال المهلّب بن أبي صفرة ﵀: لم أر صدور الرجال تضيق عن شيء ما تضيق عن حمل سرهم.
وخرج عمر بن الضبيعة الرّقاشي مع ابن الأشعث، فقتل فيمن قتل، وأتي الحجاج برأسه، فوضع بين يديه، فقال الحجاج: ربّ سرٍّ قد وضعت في هذا الرأس فلم يخرج منه حتى وضع بين يديّ.
وقال أنو شروان: من حصَّن سرَّه فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته، والسلامة من السَّطوات. وإظهار الرجل سرّ غيره أقبح من إظهار سرِّ نفسه، لأنه يبوء بإحدى وصمتين: إما بالخيانة إن كان مؤتمنا، أو النميمة متبرّعا.
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: القلوب أوعية السرائر، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سرّه.
وقال الشاعر:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ وُشَاةَ الرِّجَالِ لاَ يَتْرُكُونَ أَدِيماً صَحِيحَا
فَلاَ تُفْشِ سِرَّكَ إِلاَّ إِلَيكَفَإِنَّ لِكلِّ نَصِيحٍ نَصِيْحَا
وقال الآخر:
إِذَا المَرْءُ أفَشَى سِرَّهُ بِلسانِهِوَلاَمَ عَليهِ غَيرَهُ فَهُوَ أَحْمَقُ
إِذَا ضَاقَ صَدْر المَرْءِ عَنْ سرِّ نَفْسِهِفصدر الّذي يستودع السّرّ أصيق
وقال صالح بن عبد القدُّوس:
لاَ تُذِعْ سِرّاً إلى طَالِبِهِمِنْكَ إنّ الطّالِبَ السِّرَّ مُذِيعْ
وقال آخر:
وَسِرُّكَ مَا كَانَ عِنْدَ امْرِئٍوَعِنْدَ الثّلاَثَةِ غَيْرُ الخَفِي
وقال جميل بن معمرٍ:
أَجْودُ بِمَضْنُونِ التِّلادِ وَإِنّنيبِسِرِّكِ عمن سالني لضنين
إذا جاوز الاثنين سر فإنّهبنثّ وتكثير الوشاة قمين
وقال آخر:
وَلاَ تَنْطِقْ بِسِرِّكَ كُلُّ سِرٍّإذَا مَا جَاوَزَ الإِثْنَينِ فَاشِي
وروي: أن عبد الله بن طاهر تذاكر الناس في مجلسه حفظ السرّ فقال:
وَمَا السِّرُّ في صَدْرِي كَمَيْتٍ بِقَبْرِهِلأَنِّي رَأَيْتُ المَيْتَ يَنْتَظِرُ النَّشْرَا
وَلكِنّني أُخفيهِ حَتَّى كَأنَّنيبِمَا كانَ مِنْهُ لَمْ أُحِطْ- سَاعَةً- خُبْرَا
وقال آخر:
وَلَو قَدَرَتْ عَلَى نِسْيَانِ ما اشْتَملتْمِنِّّي الضُّلوعُ مِنَ الأَسْرارِ والخَبَرِ
لَكُنتَ أوَّلَ مَنْ يَنسَى سَرائِرهُإِذْ كُنْتُ مِنْ نَشْرِهَا يَوماً عَلى خَطَرِ
وأحسن القائل:
لَوَ أن امْرأً أخفَى الهوى عَنْ ضَمِيرهِلَمُتُّ وَلَمْ يَعلمْ بذاك ضمير
وإنّي سألقى الله- يا ليل- لم أبُحبِسِرِّكِ، وَالمُسْتَخْبِرُونَ كَثِيرُ
قالت الحكماء: كتمان السرّ كرمٌ في النفس، وسموٌّ في الهمة، ودليلٌ على المروءة، وسببٌ للمحبة، ومبلغٌ إلى جليل الرتبة.
وقالوا: من كتم سرّه كان موضعاً لودائع القلوب.
وقالوا: سرُّك من دمك، فانظر عند من تجعله.
وقالوا: صدرك أوسع لسرك.
وقالوا: الصبر على كتمان السر أيسر من الندامة على إفشائه.
وقالوا: لا تفش سرّك إلاّ عند من يضرُّه نشره كما يضرك، وينفعه ستره كما ينفعك.
وقالوا: كلّ سر تكتمه عدوك فلا تطلع عليه صديقك.
وقالوا: أصبر الناس من صبر على كتمان سرِّه، فلم يبده لصديقه خوفاً من أن يصير عدوّاً فيذيعه.
وقال الشاعر:
كُنْ مِنْ صَدِيقِكَ حَاذِراً فَلَرُبَّمَاخَانَ الصَّدِيقُ فَصَارَ غَيرَ صَدِيقِ
وَاحذَرْ صَدِيقَكَ- لاَ عَدُوَّكَ- إِنَّمَاحَرَكَاتُ سِرِّكَ عِنْدَ كُلِّ صَدِيقِ
وقال آخر:
سَأَكتُمُهُ سِرّي وَأَكتُمُ سِرَّهُوَلاَ غَرَّنِي أَنِّي عَلَيهِ كَرِيمُ
حَلِيمٌ فَيَنسَى أوْ جَهُولٌ يًذِيعُهُوَما النَّاسُ إِلاّ جَاهِلٌ وَحَلِيمُ
وقال آخر:
تَبُوحُ بِسِرِّكَ ضِيقاً بهِوَتَبغِي لِسِرِّكَ مَنْ يَكْتُمُ
وَكِتْمَانُكَ السِّرَّ مِمَّنْ تَخَافُوَمَنْ لاَ تَخَوَّفَهُ أَحْزَمُ
إِذَا ضَاعَ سِرُّكَ مِنْ مُخْبَرٍفَأَنْتَ إِذا لمته ألوم
وقال آخر:
إِذا أَنتَ لمْ تَحْفَظْ لِنفسِكَ سِرَّهافَسِرُّكَ عِندَ النَّاسِ أَفْشَى وأضْيَعُ
وقال آخر:
لاَ تُفْشِ سِرَّكَ مَا استَطَعْتَ إلى امرِيءٍيُفْشِي إِلَيكَ سَرَائِراً يُسْتَودَعُ
فَكَمَا تَرَاهُ بسرّ غيرك صانعافكذا بسرّك لا محالة يَصْنَعُ
وقيل لعدي بن حاتم ﵀: أي الأشياء أوضع للرجال؟ قال: كثرة الكلام، وإضاعة السرّ، والثقة بكل أحدٍ».
وعن علي بن هشام قال: سمعت المأمون يقول: الملوك تحتمل كلّ شيءٍ إلاّ ثلاثة أشياء: القدح في الملك، وإفشاء السرّ، والتعرض للحرم.
أنشد الزبير لرجلٍ من بني عبد شمس بن سعد:
إذا ما ضاق صَدرُكَ مِن حَدِيثٍفَأفْشَتهُ الرِّجالُ فَمَنْ تَلُومُ؟
إِذَا عَاتَبتُ مَن أَفْشَى حَدِيثيوَسِرِّي عِنْدَهُ فَأنا الظَّلُومُ!
وَإِني يَومَ أَسأَمُ حَمْلَ سِرِّيْ*- وَقَدْ ضمَّنْتُهُ صَدْرِي- سَؤُومُ
وَأَطْوِي السِّرَّ دُونَ النَّاسِ، إِنّيلِمَا استُودِعْتُ مِنْ سِرٍّ كَتُومُ
وقال آخر:
إِنَّ الكَرِيمَ الذِي تَبقَى مَوَدَّتُهُوَيَحْفَظُ السِّرَّ إنْ صَافَى وَإنْ صَرمَا
لَيسَ الكَريمُ الذِي إن زَلَّ صَاحِبُهُبَثَّ الذِي كَانَ مِنْ أسراره علما
النص من طبعة مكتبة السنة بالقاهرة (١٤٠٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع