من «حدائق الأزاهر» لابن عاصم الغرناطي (ت ٨٢٩هـ)
الباب الثالث
في أبيات شعر وقعت جواباً، واستعملت خطاباً اجتمع ناس من الشعراء، وأتوا منزل عدي بن الرقاع، وصاحوا به. فخرجت بنت له صغيرة، فقالت: ما تريدون؟ قالوا: نريد أباك، نهجوه، ونفضحه، فقالت:
تجمعتم من كل أوب، ووجهةعلى واحد، لازلتم قرن واحد
فاستحيوا، وانصرفوا خجلين.
ولقي كثير الفرزدق، فقال له الفرزدق، يعرض له بسرقته للشعر: يا أبا ضمرة، أنت أنسب العرب حين تقول:
أريد لأنس ذكرها، فكأنماتمثل لي ليلى بكل سبيل
فقال له كثير يعرض بسرقته، وأنت يا أبا فراس أفخر العرب حيث تقول:
ترى الناس ما سرنا، يسيرون خلفناوإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
وهذان البيتان لجميل، سرق الفرزدق واحداً، وكثير واحداً، فقال له الفرزدق: هل كانت أمك ترد البصرة؟ قال: لا، ولكن كان أبي كثيراً ما يردها، فعرض كل واحد منهما بصاحبه.
ومر الأقيشر الأسدي بقوم من بني عبس، فقال بعضهم: يا أقيشر، وكان يغضب إذا دعي بذلك، فنظر إليه وأنشأ يقول:
أتدعوني الأقيشر، ذلك أسميوأدعوك ابن مطفئة السراج
تناجي خدعها بالليل سراًورب العرش يعلم ما تناجي
فسمي الرجل ابن مطفئة السراج ونظر رجل إلى الحسن بن عبد الحميد يزاحم الناس على باب محمد بن سليمان فقال: أمثلك يرضى بهذا؟ فقال:
أهين لهم نفسي؛ لاكرمها بهمولا يكرم النفس الذي لا يهينها
وقال أبو مسهر: أتيت أبا جعفر محمد بن عبد الله بن عبد كان، فحجبني، فكتبت إليه:
إني أتيتك للتسليم أمس، فلمتأذن عليك لي الأستار والحجب
وقد علمت بأني لم أرد، ولاوالله، ما رد إلا العلم والأدب
فأجابني ابن عبد كان:
لو كنت عافيت بالحسنى لقلت كماقال ابن أوس، وفيما قاله أدب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملاًإن السماء ترجى حين تحتجب
وقيل لجبان في موقف حرب: تقدم فقاتل، فأنشأ يقول:
وقالوا: تقدم، قلت: لست بفاعلأخاف على فخارتي أن تحطما
فلو كان لي رأسان، أتلفت واحداًولكنه رأس إذا مات أعقما
وأيتم أولاداً، وأرمل نسوةفكيف على هذا ترون التقدما؟
ووقف بعض الشعراء بباب أمير الرقة، فلما مثل بين يديه أنشده:
ماذا أقول إذا أتيت معاشراًصفراً يدي من جود أروع مجزل
إن قلت: أعطاني كذبت، وإن أقلبخل الأمير بما له لم يجمل
ولأنت أعلم بالمكارم والعلامن أن أقول: فعلت ما لم تفعل
فاختر لنفسك ما أقول؛ فإننيلابد مخبرهم وإن لم أسأل
فأعطاه عشرة آلاف درهم وكتب معها:
أعجلتنا، فأتاك عاجل برناقلاً، ولو أمهلتنا لم نقلل
فخذ القليل، وكن كأنك لم تسلونكون نحن كأننا لم نفعل
وقدم الحطيئة المدينة فوقف على عيينة، فقال له: أعطني، فقال: ما لك عندي حق فأعطيكه، وما في مالي فضل عن عيالي، فخرج مغضباًن وعرفه جلساؤه، فأمر برده، ثم قال له: يا هذا، إنك وقفت إلينا، فلم تستأنس ولم تسلم، وكتمتنا نفسك، كأنك كنت مجتنباً، قال: هو ذاك، قال: فاجلس؛ فلك عندنا ما تحب، فجلس، فقال له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
ومن يجعل المعروف من دون عرضهيغره، ومن لا يتق الشتم يشتم
وأتى الشعبي مسجداً، فصادف فيه قوماً يغتابونه، فوقف عليهم، ثم قال:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع