تجاوز إلى المحتوى

من «بلوغ الأمل في فن الزجل» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

الفن الرابع: القوما

وله وزنان: الأول منهما، بيته مركب من أربعة أقفال، منها ثلاثة متساوية في الوزن والقافية والآخر هو الثالث أطول منها وهو مهمل بغير قافية.

والوزن الثاني منها بيته مركب من ثلاثة أقفال مختلفة الوزن متفقة القافية يكون القفل الأول منها أقصر من الثاني والثاني أقصر من الثالث.

ومخترعوه البغداديون أيضاً في دولة الخلفاء من بني العباس برسم السحور في شهر رمضان المعظم.

واشتقاق اسمه من قول المغنين للسحر كل بيت منه بعد غناء الرمل والجزل: قوما للسحور ينبهون به رب المنزل ويذكرون فيه مدحه والدعاء له وتقاضيه بالأنغام، فأطلقوا عليه هذا الاسم وصار علماً له. ثم لما شاع وكثر فيه التصنيف نظموا فيه الغزل والزهد وسائر الأعوان كما قبله من الفنون.

وقيل: إن أول من اخترعه ابن نقطة برسم الخليفة الناصر. والصحيح أنه مخترع من قبله، وكان الناصر يطرب له، وكان لابن نقطة ولد صغير ماهر في نظم القوما والغناء به، وأراد أن يعرف الخليفة بموت والده ليجريه على مفروضه، فتعذر ذلك عليه، فصبر إلى دخول شهر رمضان ثم أخذ أتباع والده من المسحرين ووقف في أول ليلة من الشهر تحت الطيارة وغنى النوبة بصوت رقيق فأصغى الخليفة إليه فأطربه، فلما وصل إلى القوما:

يا سيد الساداتلك بالكرم عادات
أنا بني ابن نقطةوبيي تعيش إنت مات

فأعجب الخليفة منه هذا الاختصار وأحضره وخلع عليه وفرض له ضعفي ما كان لأبيه.

وهذا البيت من الوزن الاول الذي بيته بأربعة أقفال وثلاث قواف.

ولا ينبغي أن تنظم القوما إلا باللفظ العامي السهل الرقيق أسوة بالكان والكان بل أرق منه ألا ترى إلى رقة هذا البيت كيف أطرب الخليفة وكان معجماً كلفظ القريض لما حرّكه.

هذا الفن وما قبله من كان وكان لأهل العراق فيهما اليد الطويلة دون غيرهم من أهل البلاد؛ وربما تكلف بعض أهل البلاد لبعض الكان والكان دون القوما لاشتهاره ولكن فاته في نظمه الظرف العراقي وعذوبة الألفاظ. وكل بيت من القوما قائم بنفسه ك: المواليا والدوبيت وكذلك إذا نظم الناظم منه قطعة كالقصيدة على رويّ واحد جاز له تكرار قافية كل بيت منها في آخره، فمن لطائف أهل العراق قولهم من ضروبات القوما وهو:

إن ردت تخطي بحورإجعل كفوفك بحور
وإلا فلا تتعشققدودنا والنحور

ومثله في الظرف ثانياً قولهم:

يمي يريد عصفورولا يكون نفور
يعبر لباب الحلبةيجي لباب الصور

ومثله في الظرف ثالثاً قولهم:

إنهض وصفي الخمورعلى الغنا والزمور
حتى نطاوع أمركبما وتجري أمور
نحنا نحب الزهورعلى شواطي النهور
ما ننحصر بالوثايقولا بخط المهور

ومثله في الظرف رابعاً قولهم:

بحتم وبحناوافتضحتم وافتضحنا
لا نتم ربحتمولا إحنا ربحنا

ومثله في الظرف خامساً قولهم:

حادي سراهمهل ترى عيني تراهم
هذي منازلهمومأواهم وما هم

ومثله في الظرف سادساً قولهم:

كنا مالك. دون أخوالك. والك. سلتنا الله يجعلو

أول سؤالك. أقصر مقالك

قد سمج. قيلك وقالك. إن بدالك. في الهوى الله أقالك

ومثله في الظرف سابعاً قولهم:

كنتم حكيه شرحها ينقل إليه. أنتم هتكتم عرضكم. فأنا اش عليه

ذيك الحكية. قصرت عنكم خطيه. وقد غسلتو. من محبتكم يديه

هاذي النوية. من رطب ذيك الجويه. وقط حيه. ما تلد إلا حويه

نقل إليه. ما جنى في الزويه. وما بقي مكركم. يعبر عليه

ومثله في الظرف ثامناً قولهم:

أي قلب دعهماش ترى أوقعك معهم
أنكفّ عنهمقبل ما تظهر بدعهم
لولا طمعهمبان قلبي ما يدعهم
ما خالفونيواظهروا فيه بدعمهم

ومثله في الظرف تاسعاً قولهم:

والحب الأغيدخبره كيف ثغرو المنضّد

يروي صحاح الجوهري عن المبرد

وهذا غير مابينوه من أوزان القوما أيضاً وتكلموا عليه. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

انتهى ما أوردته هنا من مصطلح الفنون الأربعة وهي الزجل، والمواليا، والكان وكان، والقوما، وما قد تقرر حذف الإعراب منها، وأنها لا تنظم إلا باللفظ الرقيق العامي لتخف على الأسماع.

قلت: والرسم الذي وضعته في كتابهم هو المصطلح عند المخترعين، فإذا نظر المتأمل إلى الرسم يعلم أن المصطلح عليه، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.