من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ذكر ما يعتري الإنسان بعد الخصاء وكيف ما كان قبل الخصاء
قالوا: كلّ ذي ريح منتنة، وكلّ ذي دفر وصنان كريه المشمّة، كالنّسر وما أشبهه، فإنّه متى خصي نقص نتنه وذهب صنانه، غير الإنسان، فإنّ الخصيّ يكون أنتن، وصنانه أحدّ، ويعمّ أيضا خبث العرق سائر جسده، حتى لتوجد لأجسادهم رائحة لا تكون لغيرهم. فهذا هذا.
وكلّ شيء من الحيوان يخصى فإنّ عظمه يدقّ، فإذا دقّ عظمه استرخى لحمه، وتبرّأ من عظمه، وعاد رخصا رطبا، بعد أن كان عضلا صلبا، والإنسان إذا خصي طال عظمه وعرض، فخالف أيضا جميع الحيوان من هذا الوجه.
وتعرض للخصيان أيضا طول أقدام، واعوجاج في أصابع اليد، والتواء في أصابع الرّجل، وذلك من أوّل طعنهم في السنّ. وتعرض لهم سرعة التغيّر والتبدّل، وانقلاب من حدّ الرطوبة والبضاضة وملاسة الجلد، وصفاء اللون ورقّته، وكثرة الماء وبريقه، إلى التكرّش والكمود، وإلى التقبّض والتخدّد، وإلى الهزال، وسوء الحال. فهذا الباب يعرض للخصيان، ويعرض أيضا لمعالجي النبات من الأكرة من أهل الزرع والنخل، لأنّك ترى الخصيّ وكأنّ السيوف تلمع في لونه، وكأنّه مرآة صينيّة، وكأنه وذيلة مجلوّة، وكأنه جمّارة رطبة، وكأنه قضيب فضّة قد مسّه ذهب، وكأن في وجناته الورد، ثم لا يلبث كذلك إلا نسيئات يسيرة، حتى يذهب ذلك ذهابا لا يعود، وإن كان ذا خصب، وفي عيش رغد، وفي فراغ بال، وقلّة نصب.
وكان من طرائف ما يأتي به عبد الأعلى القاصّ، قوله في الخصي، وكان لغلبة
السلامة عليه يتوهّم عليه الغفلة، وهو الذي ذكر الفقير مرة في قصصه فقال:
الفقير مرقته سلقة، ورداؤه علقة، وجردقته فلقة، وسمكته شلقة، وإزاره خرقة.
قالوا: ثمّ ذكر الخصيّ فقال: إذا قطعت خصيته، قويت شهوته وسخنت معدته، ولانت جلدته، وانجردت شعرته، واتّسعت فقحته، وكثرت دمعته!! وقالوا: الخصيّ لا يصلع كما لا تصلع المرأة، وإذا قطع العضو الذي كان به فحلا تامّا، أخرجه ذلك من أكثر معاني الفحول وصفاتهم، وإذا أخرجه من ذلك الكمال، صيّره كالبغل الذي ليس هو حمارا ولا فرسا، وتصير طباعه مقسومة على طباع الذكر والأنثى، وربما لم يخلص له الخلق ولم يصف، حتّى يصير كالخلق من أخلاق الرجال، أو يلحق بمثله من أخلاق النساء، ولكنّه يقع ممزوجا مركبا، فيخرج إلى أن يكون مذبذبا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. وربما خرجت النتيجة وما يولّده التركيب، عن مقدار معاني الأبوين، كما يجوز عمر البغل عمر أبويه، وكذلك ما عددنا في صدر هذا الكلام.
وقالوا: وللإنسان قوى معروفة المقدار، وشهوات مصروفة في وجوه حاجات النفوس، مقسومة عليها. لا يجوز تعطيلها وترك استعمالها ما كانت النفوس قائمة بطبائعها ومزاجاتها وحاجاتها. وباب المنكح من أكبرها، وأقواها، وأعمّها.
ويدخل في باب المنكح ما في طبائعهم من طلب الولد، وهو باب من أبوابهم عظيم؛ فمنهم من يطلبه للكثرة والنّصرة، وللحاجة إلى العدد والقوّة، ولذلك استلاطت العرب الرجال، وأغضت على نسب المولود على فراش أبيه، وقد أحاط علمه بأنّه من الزوج الأوّل. قال الأشهب بن رميلة:
قال الأقارب لا تغررك كثرتناوأغن نفسك عنّا أيها الرجل
علّ بنيّ يشدّ الله كثرتهموالنّبع ينبت قضبانا فيكتهل
وقال الآخر:
إنّ بنيّ صبية صيفيّونأفلح من كان له ربعيّون
يشكو كما ترى صغر البنين، وضعف الأسر.
وما أكثر ما يطلب الرجل الولد نفاسة بماله على بني عمّه، ولإشفاقه من أن تليه القضاة وترتع فيه الأمناء، فيصير ملكا للأولياء، ويقضي به القاضي الذّمام ويصطنع به الرجال.
وربما همّ الرجل بطلب الولد لبقاء الذكر، وللرغبة في العقب، أو على جهة طلب الثواب في مباهاة المشركين، والزيادة في عدد المسلمين، أو للكسب والكفاية، وللمدافعة والنّصرة، وللامتناع، وبقاء نوع الإنسان، ولما طبع الله تعالى تعالى بني آدم عليه، من حبّ الذّرّيّة وكثرة النسل، كما طبع الله تعالى الحمام والسنانير على ذلك، وإن كان إذا جاءه الولد زاد في همّه ونصبه، وفي جبنه وبخله، وقد قال النبي ﷺ: «الولد مجبنة مبخلة مجهلة» فيحتمل في الولد المؤن المعروفة، والهموم الموجودة لغير شيء قصد له، وليس في ذلك أكثر من طلب الطباع، ونزوع النفس إلى ذلك.
وذكر أبو الأخزر الحمّاني عير العانة بخلاف ما عليه أصحاب الزّواج من الحيوان، فقال عند ذكر سفاده:
لا مبتغي الذرء ولا بالعازل
لأنّ الإنسان من بين الحيوان المزاوج، إذا كره الولد عزل، والمزاوج من أصناف الحيوانات إنّما غايتها طلب الذرء والولد. لذلك سخّرت، وله هيّئت، لما أراد الله تعالى من إتمام حوائج الإنسان. والحمار لا يطلب الولد، فيكون إفراغه في الأتان لذلك، ولا إذا كان لا يريد الولد عزل كما يعزل الإنسان، غير أنّ غايته قضاء الشهوة فقط، ليس يخطر على باله أنّ ذلك الماء يخلق منه شيء.
وروى ابن عون عن محمد بن سيرين عن عبيدة قال: «ليس في البهائم شيء يعمل عمل قوم لوط إلا الحمار».
وعامّة اكتساب الرجال وإنفاقهم، وهمّهم وتصنّعهم، وتحسينهم لما يملكون، إنّما هو مصروف إلى النساء والأسباب المتعلقة بالنساء، ولو لم يكن إلّا التنمّص والتطيّب والتطوّس والتّعرّس والتخضّب، والذي يعدّ لها من الطيب والصّبغ، والحلي، والكساء، والفرش، والآنية، لكان في ذلك ما كفى. ولو لم يكن له إلّا الاهتمام بحفظها وحراستها، وخوف العار من جنايتها والجناية عليها، لكان في ذلك المؤنة العظيمة، والمشقة الشديدة.
فإذا بطل العضو الذي من أجله يكون اشتغال النفس بالأصناف الكثيرة، من اللذّة والألم، فباضطرار أن تعلم أنّ تلك القوى لم تبطل من التركيب، ولم تعدمها الخلقة، وإنّما سدّ دونها بسدّ، وأدخل عليها حجاب، فلا بدّ لها إذا كانت موجودة من عمل، لأنّ عمل كلّ جوهر لا يعدم إلّا بعدم ذاته، فإذا صرفت من وجه فاضت من وجه. ولا سيما إذا جمّت ونازعت، ولا بدّ إذا زخرت وغزرت، وطغت وطمت، من أن تفيض أو تفتح لنفسها بابا، وليس بعد المنكح باب له موقع كموقع المطعم، فاجتمعت تلك القوى التي كانت للمنكح وما يشتمل عليه باب المنكح، إلى القوّة التي عنده للمطعم، فإذا اجتمعت القوّتان في باب واحد كان أبلغ في حكمه، وأبعد غاية في سبيله، ولذلك صار الخصيّ آكل من أخيه لأمّه وأبيه، وعلى قدر الاستمراء يكون هضمه، وعلى قدر حاجة طبعه وحركة نفسه والحرارة المتولّدة عن الحركة يكون الاستمراء، لأن الشهوة من أمتن أبواب الاستمراء، والحركة من أعظم أبواب الحرارة.
ودوام الأكل في الإناث أعمّ منه في الذكور، وكذلك الحجر دون الفرس، وكذلك الرّمكة دون البرذون، وكذلك النعجة دون الكبش، وكذلك النساء في البيوت دون الرجال. وما أشكّ أنّ الرجل يأكل في المجلس الواحد ما لا تأكل المرأة، ولكنّها تستوفي ذلك المقدار وتربي عليه مقطّعا غير منظوم، وهي بدوام ذلك منها، يكون حاصل طعامها أكثر. وهنّ يناسبن الصبيان في هذا الوجه، لأنّ طبع الصبيّ سريع الهضم، سريع الكلب، قصير مدّة الأكل، قليل مقدار الطّعم، فللمرأة كثرة معاودتها، ثمّ تبين بكثرة مقدار المأكول. فيصير للخصيّ نصيبان: نصيبه من شبه
النساء، ثم اجتماع قوى شهوتيه في باب واحد، أعني شهوة المنكح التي تحولت، وشهوة المطعم.
قال، وقيل لبعض الأعراب: أيّ شيء آكل؟ قال: برذونة رغوث.
ولشدّة نهم الإناث، صارت اللبؤة أشدّ عراما وأنزق، إذا طلبت الإنسان لتأكله، وكذلك صارت إناث الأجناس الصائدة أصيد، كالإناث من الكلاب والبزاة وما أشبه ذلك، وأحرص ما تكون عند ارتضاع جرائها من أطبائها، حتّى صار ذلك منها سببا للحرص والنّهم في ذلك.
ويعرض له عند قطع ذلك العضو تغيّر الصوت، حتى لا يخفى على من سمعه من غير أن يرى صاحبه أنّه خصيّ، وإن كان الذي يخاطبه ويناقله الكلام أخاه أو ابن عمّه، أو بعض أترابه من فحولة جنسه، وهذا المعنى يعرض لخصيان الصقالبة أكثر ممّا يعرض للخراسانية، وللسودان من السّند والحبشان. وما أقلّ من تجده ناقصا عن هذا المقدار، إلّا وله بيضة أو عرق، فليس يحتاج في صحّة تمييز ذلك، ولا في دقة الحسّ فيه، إلى حذق بقيافة، بل تجد ذلك شائعا في طباع السّفلة والغثراء، وفي أجناس الصّبيان والنساء.
ومتى خصي قبل الإنبات لم ينبت، وإذا خصي بعد استحكام نبات الشعر في مواضعه، تساقط كله إلّا شعر العانة، فإنه وإن نقص من غلظه ومقدار عدده فإنّ الباقي كثير. ولا يعرض ذلك لشعر الرأس، فإنّ شعر الرأس والحاجبين وأشفار العينين يكون مع الولادة، وإنما يعرض لما يتولد من فضول البدن.
وقد زعم ناس أنّ حكم شعر الرأس خلاف حكم أشفار العينين، وقد ذكرنا ذلك في موضعه من باب القول في الشعر، وهذه الخصال من أماكن شعر النساء، والخصيان والفحولة فيه سواء، وإنما يعرض لسوى ذلك من الشعر الحادث الأصول، الزائد في النبات. ألا ترى أن المرأة لا تصلع، فناسبها الخصيّ من هذا الوجه، فإن
عرض له عارض فإنما هو من القرع، لا من جهة النّزع والجلح، والجله والصّلع وكذلك النساء في جميع ذلك.
والمرأة ربّما كان في قصاص مقاديم شعر رأسها ارتفاع، وليس ذلك بنزع ولا جلح، إذا لم يكن ذلك حادثا يحدثه الطعن في السنّ.
وتكون مقاطع شعر رأسه ومنتهى حدود قصاصه، كمقاطع شعر المرأة ومنتهى قصاصها، وليس شعرها كلما دنا من موضع الملاسة والانجراد يكون أرقّ حتى يقلّ ويضمحلّ، ولكنه ينبت في مقدار ذلك الجلد على نبات واحد، ثم ينقطع عند منتهاه انقطاعا واحدا. والمرأة ربّما كانت سبلاء، وتكون لها شعرات رقيقة زغبيّة كالعذار موصولا بأصداغها، ولا يعرض ذلك للخصي إلا من علة في الخصاء، ولا يرى أبدا بعد مقطع من صدغيه شيء من الشّعر، لا من رقيقه ولا من كثيفه.
وقد توجد المرأة ذات لحية. وقد رأيت ذلك، وأكثر ما رأيته في عجائز الدّهاقين، وكذلك الغبب والشارب، وقد رأيت ذلك أيضا. وهي ليست في رأي العين بخنثى، بل نجدها أنثى تامّة. إلا أن تكون لم تضرب في ذلك بالسبب الذي يقوى، حتى يظهر في غير ذلك المكان. ولا تعرض اللحى للنساء، إلا عند ارتفاع الحيض، وليس يعرض ذلك للخصي.
وقد ذكر أهل بغداد، أنّه كان لابنة من بنات محمّد بن راشد الخنّاق، لحية وافرة، وأنّها دخلت مع نساء متنقّبات إلى بعض الأعراس لترى العرس وجلوة العروس، ففطنت لها امرأة فصاحت: رجل والله! وأحال الخدم والنساء عليها بالضرب، فلم تكن لها حيلة إلا الكشف عن فرجها. فنزعن عنها وقد كادت تموت.
ويفضل أيضا الخصيّ المرأة في الانجراد والزّعر، بأن تجد المرأة زبّاء الذراعين والساقين، وتجد ركب المرأة في الشعر كأنّه عانة الرجل، ويعرض لها الشعر في إبطيها وغير ذلك.
ولا يعرض للخصيّ ما يعرض للديك إذا خصي: أن يذبل غضروف عرفه ولحيته.
والخصاء ينقص من شدّة الأسر، وينقض مبرم القوى، ويرخي معاقد العصب، ويقرّب من الهرم والبلى.
ويعرض للخصيّ أن يشتدّ وقع رجله على أرض السّطح، حتى لو تفقّدت وقع قدمه وقدم أخيه الفحل الذي هو أعبل منه لوجدت لوقعه ووطئه شيئا لا تجده لصاحبه. وكأنّ العضو الذي كان يشدّ توتير النّسا، ومعاقد الوركين ومعاليق العصب، لمّا بطل وذهب الذي كان يمسكه ويرفعه، فيخفّ لذلك وقع رجله، صار كالذي لا يتماسك ولا يحمل بعضه بعضا.
ويعرض له أنّ أخوين صقلبيّين من أمّ وأب، لو كان أحدهما توءم أخيه، أنّه متى خصي أحدهما خرج الخصيّ منهما أجود خدمة، وأفطن لأبواب المعاطاة والمناولة، وهو لها أتقن وبها أليق، وتجده أيضا أذكى عقلا عند المخاطبة، فيخصّ بذلك كلّه، ويبقى أخوه على غثارة فطرته، وعلى غباوة غريزته، وعلى بلاهة الصّقلبيّة، وعلى سوء فهم العجميّة.
ويد الإنسان لا تكون أبدا إلا خرقاء، ولا تصير صناعا ما لم تكن المعرفة ثقافا لها. واللسان لا يكون أبرأ، ذاهبا في طريق البيان، متصرفا في الألفاظ، إلّا بعد أن تكون المعرفة متخلّلة به، منقّلة له، واضعة له في مواضع حقوقه، وعلى أماكن حظوظه، وهو علّة له في الأماكن العميقة، ومصرّفة له في المواضع المختلفة.
فأوّل ما صنع الخصاء بالصّقلبيّ تزكية عقله، وإرهاف حدّه، وشحذ طبعه، وتحريك نفسه. فلما عرف كانت حركته تابعة لمعرفته، وقوّته على قدر ما هيّجه.
فأمّا نساء الصقالبة وصبيانهم، فليس إلى تحويل طبائعهم، ونقل خلقهم إلى الفطنة الثاقبة، وإلى الحركة الموزونة، وإلى الخدمة الثابتة الواقعة بالموافقة، سبيل.
وعلى حسب الجهل يكون الخرق، وعلى حسب المعرفة يكون الحذق. وهذا جملة القول في نسائهم، وعلى أنّهنّ لا حظوظ لهنّ عند الخلوة، ولا نفاذ لهنّ في صناعة؛ إذ كنّ قد منعن فهم المعاطاة ومعرفة المناولة.
والخصيان مع جودة آلاتهم ووفارة طبائعهم في معرفة أبواب الخدمة. وفي استواء حالهم في باب المعاطاة، لم تر أحدا منهم قطّ نفذ في صناعة تنسب إلى بعض المشقّة، وتضاف إلى شيء من الحكمة، ممّا يعرف ببعد الرّويّة، والغوص بإدامة الفكرة، إلا ما ذكروا من نفاذ ثقف في التحريك للأوتار، فإنّه كان في ذلك مقدّما، وبه مذكورا. إلّا أنّ الخصيّ من صباه، يحسن صنعة الدّابوق. ويجيد دعاء الحمام الطوّريّ. وما شئت من صغار الصناعات.
وقد زعم البصريّون أن حديجا الخصيّ، خادم المثنّى بن زهير، كان يجاري المثنّى في البصر بالحمام. وفي صحّة الفراسة، وإتقان المعرفة، وجودة الرياضة.
وسنذكر حاله في باب القول في الحمام إن شاء الله تعالى.
هذا قولهم فيمن خصي من الصقالبة. وملوكنا لعقول خصيان خراسان أحمد، وهم قليل، ولذلك لم نأت من أمرهم بشيء مشهور، وأمر مذكور.
وأما السّند، فلم يكن فيهم أيضا من الخصيان إلّا النّفر الذين كان خصاهم موسى بن كعب، وقد رأيت أنا بعضهم، وزعم لي أنّه خصى أربعة هو أحدهم، ورأيت الخصاء، قد جذبه إلى حبّ الحمام، وعمل التكك، والهراش بالديوك، وهذا شيء لم يجر منه على عرق، وإنما قاده إليه قطع ذلك العضو.
فأمّا الخصيان من الحبشان والنّوبة وأصناف السودان، فإنّ الخصاء يأخذ منهم ولا يعطيهم، وينقصهم ولا يزيدهم، ويحطّهم عن مقادير إخوانهم، كما يزيد الصقالبة عن مقادير إخوتهم، لأن الحبشيّ متى خصي سقطت نفسه، وثقلت حركته، وذهب نشاطه، ولا بدّ أن يعرض له فساد، لأنه متى استقصي جبابه لم
يتماسك بوله، وسلس مخرجه، واسترخى الممسك له، فإن هم لم يستقصوا جبابه، فإنما يدخل الرجل منزله من له نصف ذلك العضو. وعلى أنك لا تجد منهم خصيا أبدا، إلّا وبسرّته بجرة، ونفخة شنيعة، وذلك عيب شديد، وهو ضرب من الفتق، مع قبحه في العين، وشنعته في الذّكر. وكلّ ما قبح في العين فهو مؤلم، وكل ما شنع في النفس فهو مؤذ. وما أكثر ما تجد فيهم الألطع، وذلك فاش في باطن شفاههم.
ومتى كانت الشفاه هدلا، وكانت المشافر منقلبة، كانت أظهر للّطع، وهو ضرب من البرص. والبياض الذي يعرض لغراميل الخيل وخصاها، ضرب أيضا من البرص، وربما عرض مثل ذلك لحشفة قضيب المختون، إمّا لطبع الحديد، وإمّا لقرب عهده بالإحداد وسقي الماء، إلّا أنّ ذلك لا يعدو مكانه.
وكلما عظمت الحشفة انبسط ذلك البياض على قدر الزيادة فيها، وإنّما ذلك كالبياض الذي يعرض من حرق النار وتشييطها، وكالذي يعرض للصقالبة من التّعالج بالكيّ. وربّما اشتدّ بياضه حتى يفحش ويرديه، إلا أنّه لا يفشو ولا ينتشر، إلّا بقدر ما ينبسط مكانه، ويتحوّل صاحبه رجلا، بعد أن كان صبيّا. وليس كالذي يعرض من البلغم ومن المرّة. وبعض البرص يذهب حتى كأنه لم يكن، وبعضه لا يذهب ولا يقف، بل لا يزال يتفشّى ويتّسع حتى ربّما سلخه، ولا يذهب إلّا بأن يذهب به نبي، فيكون ذلك علامة له. ومن البهق الأبيض ما يكاد يلحق بالبرص، ولكن الذي هوّن أمره الذي ترون من كثرة برء الناس منه.
ثمّ الخصاء يكون على ضروب، ويكون في ضروب، فمن ذلك ما يعرض بعد الكبر للأحرار، كما يعرض للعبيد، وللعرب كما يعرض للعجم، كما خصى بعض عباهلة اليمن علقمة بن سهل الخصيّ.
وإنما قيل لعلقمة بن عبدة الفحل، حين وقع على هذا اسم الخصي. وكان عبدا صالحا، وهو كان جنب الجديل وداعرا، الفحلين الكريمين، إلى عمان،
وكان من نازليها. وهو كان أحد الشهود على قدامة بن مظعون في شرب الخمر، وهو الذي قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أتقبل شهادة الخصيّ؟ قال: «أما شهادتك فأقبل». وهو علقمة بن سهل بن عمارة، فلمّا سمّوه الخصيّ، قالوا لعلقمة ابن عبدة: الفحل. وعلقمة الخصيّ، الذي يقول:
فلن يعدم الباقون قبرا لجثّتيولن يعدم الميراث منّي المواليا
حراص على ما كنت أجمع قبلهمهنيئا لهم جمعي وما كنت واليا
ودلّيت في زوراء ثمّت أعنقوالشأنهم قد أفردوني وشانيا
فأصبح مالي من طريف وتالدلغيري، وكان المال بالأمس ماليا
وكما عرض للدّلال ونومة الضّحى، من خصاء عثمان بن حيّان المرّيّ والي المدينة لهما. بكتاب هشام بن عبد الملك.
فمن بني مروان من يدّعي أنّ عامل المدينة صحّف، لأنه رأى في الكتاب:
«أحص من قبلك من المخنّثين» فقرأها: «اخص من قبلك من المخنّثين». وذكر الهيثم عن الكاتب الذي تولّى قراءة ذلك الكتاب، أنّه قال: وكيف يقولون ذلك ولقد كانت الخاء معجمة بنقطة، كأنها سهيل أو تمرة صيحانية ؟! فقال اليقطري: ما وجه كتاب هشام في إحصاء عدد المخنّثين؟ وهذا لا معنى له، وما كان الكتاب إلّا بالخاء المعجمة دون الحاء المهملة.
وذكر عن مشايخ من أهل المدينة أنهم حكوا عنهما أنهما قالا: الآن صرنا نساء بالحقّ!! كأنّ الأمر لو كان إليهما لاختارا أن يكونا امرأتين! قال: وذكر أنهما
خرجا بالخصلتين من الخصاء والتخنيث، من فتور الكلام ولين المفاصل والعظام، ومن التفكّك والتثنّي، إلى مقدار لم يروا أحدا بلغه، لا من مخنّثات النساء، ولا من مؤنّثي الرجال.
وكما عرض لأبي همام السّنوط من امتلاخ اللّخم مذاكيره وخصييه، أصابه ذلك في البحر في بعض المغازي، فسقطت لحيته، ولقّب بالسّنوط، وخرج لذلك نهما وشرها.
وقال ذات يوم: لو كان النخل بعضه لا يحمل إلّا الرّطب، وبعضه لا يحمل إلّا التمر، وبعضه لا يحمل إلّا المجزّع، وبعضه لا يحمل إلّا البسر، وبعضه لا يحمل إلا الخلال، وكنّا متى تناولنا من الشّمراخ بسرة، خلق الله مكانها بسرتين، لما كان بذلك بأس! ثم قال: أستغفر الله! لو كنت تمنيّت أن يكون بدل نواة التمر زبدة كان أصوب!! ومنه ما يعرض من جهة الأوجاع التي تعرض للمذاكير والخصيتين، حتى ربما امتلخهما طبيب، وربّما قطع إحداهما، وربما سقطتا جميعا من تلقاء أنفسهما.
والعوامّ يزعمون أنّ الولد إنّما يكون من البيضة اليسرى. وقد زعم ناس من أهل سليمان بن عليّ ومواليهم، أنّ ولد داود بن جعفر الخطيب المعتزليّ، إنّما ولد له بعد أن نزعت بيضته اليسرى، لأمر كان عرض له.
والخصيّ الطيّان. الذي كان في مسجد ابن رغبان، ولد له غلام، وكان ليس له إلّا البيضة اليمنى، فجاء أشبه به من الذّباب بالذّباب والغراب بالغراب، ولو أبصره أجهل خلق الله تعالى بفراسة، وأبعدهم من قيافة، ومن مخالطة النخّاسين، أو من مجالسة الأعراب، لعلم أنّه سلالته وخلاصته، لا يحتاج فيه إلى مجزّز المدلجيّ، ولا إلى ابن كريز الخزاعي.
ومن أهل الملل من يخصي ابنه ويقفه على بيت العبادة، ويجعله سادنا، كصنيع الرّوم، إلا أنهم لا يحدثون في القضيب حدثا، ولا يتعرضون إلا للأنثيين، كأنهم إنما كرهوا لأولادهم إحبال نسائهم ورواهبهم فقط!! فأما قضاء الوطر وبلوغ اللذة، فقد زعموا أنهم يبلغون من ذلك مبلغا لا يبلغه الفحل، كأنهم يزعمون أنه يستقصي جميع ما عندها ويستجلبه، لفرط قوّته على المطاولة.
وكلّ خصاء في الدنيا فإنما أصله من قبل الروم، ومن العجب أنهم نصارى، وهم يدّعون من الرأفة والرحمة، ورقّة القلب والكبد، ما لا يدّعيه أحد من جميع الأصناف، وحسبك بالخصاء مثلة! وحسبك بصنيع الخاصي قسوة! ولا جرم أنهم بعثوا على أنفسهم من الخصيان، من طلب الطوائل وتذكّر الأحقاد، ما لم يظنّوه عندهم، ولا خافوه من قبلهم، فلا هم ينزعون، ولا الخصيان ينكلون، لأنّ الرّماية فيهم فاشية، وإن كان الخصيّ أسوارا»
بلغ منهم، وإن كان جمع مع الرماية الثّروة، واتخذ بطرسوس، وأذنة الضّياع واصطنع الرجال، واتخذ العقد المغلّة فمضرّة كلّ واحد منهم عليهم، تفي بمضرّة قائد ضخم. ولم تر عداوة قطّ تجوز مقدار عداوتهم لهم، وهذا يدلّ على مقدار فرط الرّغبة في النساء، وعلى شهوة شديدة للمباضعة، وعلى أنهم قد عرفوا مقدار ما فقدوا، وهذه خصلة كريمة مع طلب المثوبة، وحسن الأحدوثة.
فأما الصابئون، فإنّ العابد منهم ربّما خصى نفسه. فهو في هذا الموضع قد تقدم الروميّ، فيما أظهر من حسن النيّة، وانتحل من الديانة والعبادة، بخصاء الولد التامّ، وبإدخاله النقص على النّسل، كما فعل ذلك أبو المبارك الصابي. وما زال خلفاؤنا وملوكنا يبعثون إليه، ويسمعون منه، ويسمر عندهم، للّذي يجدونه عنده من الفهم والإفهام، وطرف الأخبار، ونوادر الكتب، وكان قد أربى على المائة، ولم أسمع قطّ بأغزل منه، وإن كان يصدق عن نفسه فما في الأرض أزنى منه.
حدّثني محمد بن عباد قال: سمعته يقول- وجرى ذكر النساء ومحلّهن من قلوب الرجال، حتّى زعموا أنّ الرجل كلما كان عليهن أحرص كان ذلك أدلّ على تمام الفحولة فيه، وكان أذهب له في الناحية التي هي في خلقته ومعناه وطبعه، إذ كان قد جعل رجلا ولم يجعل امرأة- قال ابن عبّاد، فقال لنا: ألستم تعلمون أنّي قد أربيت على المائة، فينبغي لمن كان كذلك أن يكون وهن الكبر، ونفاذ الذّكر، وموت الشهوة، وانقطاع ينبوع النطفة، قد أمات حنينه إلى النساء وتفكيره في الغزل؟! قال: قلنا: صدقت. قال: وينبغي أن يكون من عوّد نفسه تركهنّ مددا، وتخلى عنهن سنين ودهرا، أن تكون العادة وتمرين الطبيعة، وتوطين النفس، قد حطّ من ثقل منازعة الشهوة، ودواعي الباءة، وقد علمتم أنّ العادة التي هي الطبيعة الثانية، قد تستحكم ببعض عمد هجر لملامسة النساء. قال: قلنا: صدقت. قال: وينبغي أن يكون من لم يذق طعم الخلوة بهنّ ولم يجالسهنّ متبذلات، ولم يسمع حديثهنّ وخلابتهنّ للقلوب، واستمالتهن للأهواء، ولم يرهنّ منكشفات عاريات، إذا تقدم له ذلك مع طول التّرك، ألا يكون بقي معه من دواعيهن شيء؟! قال: قلنا: صدقت.
قال: وينبغي أن يكون لمن قد علم أنه محبوب. وأنّ سببه إلى خلاطهنّ محسوم، أن يكون اليأس من أمتن أسبابه إلى الزهد والسلوة. وإلى موت الخواطر. قال: قلنا:
صدقت. قال: وينبغي أن يكون من دعاه الزّهد في الدنيا، وفيما يحتويه النساء مع جمالهنّ وفتنة النّسّاك بهنّ، واتخاذ الأنبياء لهنّ، إلى أن خصى نفسه. ولم يكرهه عليه أب ولا عدوّ، ولا سباه ساب، أن يكون مقدار ذلك الزهد هو المقدار الذي يميت الذّكر لهنّ، ويسرّي عنه ألم فقد وجودهنّ، وينبغي لمن كان في إمكانه أن ينشئ العزم ويختار الإرادة التي يصير بها إلى قطع ذلك العضو الجامع لكبار اللذّات، وإلى ما فيه من الألم، ومع ما فيه من الخطر، وإلى ما فيه من المثلة والنّقص الداخل على الخلقة، أن تكون الوساوس في هذا الباب لا تعروه، والدواعي لا تقروه. قال:
قلنا: صدقت. قال: وينبغي لمن سخت نفسه عن السّكن وعن الولد، وعن أن يكون مذكورا بالعقب الصالح، أن يكون قد نسي هذا الباب، إن كان قد مرّ منه على ذكر.
هذا وأنتم تعلمون أنّي سملت عيني يوم خصيت نفسي، فقد نسيت كيفية الصّور وكيف تروع، وجهلت المراد منها، وكيف تراد، أفما كان من كان كذلك حريّا أن تكون نفسه ساهية لاهية مشغولة بالباب الذي أحتمل له هذه المكاره؟! قال: قلنا: صدقت. قال: أو لو لم أكن هرما، ولم يكن ها هنا طول اجتناب.
وكانت الآلة قائمة أليس في أنّي لم أذق حيوانا منذ ثمانين سنة ولم تمتل عروقي من الشراب مخافة الزيادة في الشهوة. والنقصان من العزم- أليس في ذلك ما يقطع الدواعي، ويسكن الحركة إن هاجت؟! قال: قلنا: صدقت. قال: فإنّي بعد جميع ما وصفت لكم، لأسمع نغمة المرأة فأظنّ مرّة أنّ كبدي قد ذابت، وأظنّ مرّة أنها قد انصدعت، وأظنّ مرّة أنّ عقلي قد اختلس، وربّما اضطرب فؤادي عند ضحك إحداهنّ، حتّى أظنّ أنّه قد خرج من فمي، فكيف ألوم عليهنّ غيري؟! فإن كان- حفظك الله تعالى- قد صدق على نفسه في تلك الحال، بعد أن اجتمعت فيه هذه الخصال، فما ظنّك بهذا قبل هذا الوقت بنحو ستّين سنة أو سبعين سنة؟! وما ظنّك به قبل الخصاء بساعة؟! وليس في الاستطاعة ولا في صفة الإمكان، أن يحتجز عن إرادة النساء، ومعه من الحاجة إليهنّ والشهوة لهنّ هذا المقدار! الله تعالى أرحم بخلقه، وأعدل على عباده، من أن يكلّفهم هجران شيء، قد وصله بقلوبهم هذا الوصل، وأكّده هذا التأكيد.
وقد خصى نفسه من الصابئين رجال، قد عرفناهم بأسمائهم وأنسابهم، وصفاتهم وأحاديثهم. وفي الذي ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر أنّ عثمان بن مظعون، استأذن النبي ﷺ في السياحة فقال: «سياحة أمّتي الجماعة». واستأذنه في الخصاء فقال: «خصاء أمّتي الصوم، والصوم وجاء». فهذا خصاء الديانة.
فأمّا من خصى الجلب على جهة التجارة، فإنه يجبّ القضيب، ويمتلخ الأنثيين، إلا أن تقلّصت إحداهما من فرط الفزع، فتصير إلى موضع لا يمكن ردّها إلا بعلاج طويل، فللخاصي عند ذلك ظلم لا يفي به ظلم، وظلم يربي على كلّ ظلم، لأنّه عند ذلك لا يحفل بفوت المتقلّص، ويقطع ما ظهر له، فإن برئ مجبوب القضيب أو ذا بيضة واحدة، فقد تركه لا امرأة ولا رجلا ولا خصيّا، وهو حينئذ ممّن تخرج لحيته، وممّن لا يدعه الناس في دورهم ومواضع الخصوص من بيوتهم، فلا
يكون مع الخصيان مقرّبا ومكرّما، وخصيب العيش منعّما، ولا هو إذا رمي به في الفحول، كان له ما للفحول من لذّة غشيان النساء، ومن لذّة النسل والتمتّع بشم الأولاد؛ فلم يزل عند الفحول مستضعفا محتقرا، وعند الخصيان مجرّحا مطرحا، فهو أسوأ حالا من السّدم المعنّى فلا أعلم قتله- إذا كان القتل قتلة صريحة مريحة- إلا أصغر عند الله تعالى، وأسهل على هذا المظلوم من طول التعذيب. والله تعالى بالمرصاد.
وأمّا خصاء البهائم، فمنه الوجاء، وهو أن يشدّ عصب مجامع الخصية من أصل القضيب، حتّى إذا ندرت البيضة، وجحظت الخصية، وجأها حتى يرضّها، فهي عند ذلك تذبل وتنخسف، وتذوي وتستدقّ، حتى تذهب قواها، وتنسدّ المجاري إليها، ويسري ذلك الفساد إلى موضع تربية النّطفة، فيمنعها من أن تكثر أو تعذب أو تخثر.
ومنها ما يكون بالشدّ والعصب، وشدّة التحزيق، والعقد بالخيط الشديد الوتير الشديد الفتل، فإذا تركه على ذلك عمل فيه وحزّ، أو أكلّ ومنعه من أن يجزي إليه الغذاء، فلا يلبث أن ينقطع ويسقط.
ومنه الامتلاخ، وهو امتلاخ البيضتين.
فأمّا خصاء الناس، فإنّ للخاصي حديدة مرهفة محماة، وهي الحاسمة، وهي القاطعة. قال أبو زيد: يقال خصيت الدابة أخصيها خصاء، ووجأتها أجؤها وجاء.
ويقال: برئت إليك من الخصاء أو الوجاء، ولا يقال ذلك إلّا لما كان قريب العهد لم يبرأ منه، فإذا برئ لم يقل له.
وأما الخصاء فهو أن يسلّ الخصيتين، والوجاء أن توجأ العرق والخصيتان على حالهما. والمعصوب من التيوس الذي تعصب خصيتاه حتى تسقطا. والواحد من الخصيان خصيّ ومخصيّ. ويقال ملست الخصيتين أملسهما ملسا، ومتنتهما أمتنهما متنا، وذلك أن تشقّ عنهما الصّفن فتسلّهما بعروقهما. والصّفن: جلدة الخصيتين.
والخصاء في أحداث البهائم، وفي الغنم خاصة، يدع اللّحم رخصا ونديّا عذبا، فإن خصاه بعد الكبر، لم يقو خصاؤه- بعد استحكام القوّة- على قلب طباعه. وأجود الخصاء ما كان في الصّغر، وهو يسمّى بالفارسية ثربخت يعنى بذلك أنّه خصي رطبا. والخصيّ من فحولها أحمل للشحم، لعدم الهيج والنّعظ، وخروج قواه مع ماء الفحلة. وكثرة السّفاد تورث الضّعف والهزال في جميع الحيوان. وقد ذكر لمعاوية كثرة الجماع فقال: ما استهتر به أحد إلّا رأيت ذلك في منّته.
والديك يخصى ليرطب لحمه ويطيب ويحمل الشحم.
وكانت العرب تخصي فحولة الإبل لئلّا يأكل بعضها بعضا، وتستبقي ما كان أجود ضرابا، وأكثر نسلا، وكلّ ما كان مئناثا وكان شابّا ولم يكن مذكارا، وهم يسمّون الإذكار المحق الخفيّ. وما كان منها عياياء طباقاء، فمنها ما يجعل السّدم المعنّى. وإذا كان الفحل لا يتّخذ للضّراب، شدّوا ثيله شدّا شديدا، وتركوه يهدر ويقبقب في الهجمة. ولا يصل إليهنّ وإن أردنه، فإذا طلبن الفحل جيء لهنّ بفحل قعسريّ ويقولون: «لقوة لاقت قبيسا!». والقبيس من الجمال: السريع الإلقاح، واللّقوة: السريعة القبول لماء الفحل.
وشكت امرأة زوجها. وأخبرت عن جهله بإتيان النساء. وعيّه وعجزه. وأنّه إذا سقط عليها أطبق صدره- والنساء يكرهن وقوع صدور الرجال على صدورهنّ- فقالت: زوجي عياياء طباقاء، وكلّ داء له داء !! وقال الشاعر:
طباقاء لم يشهد خصوما ولم يقدركابا إلى أكوارها حين تعكف
وكانوا يخصون الخيل لشبيه بذلك، ولعلّة صهيلها ليلة البيات، وإذا أكمنوا الكمناء أو كانو هرّابا.
ويزعم من لا علم له، أنّ الخنذيذ في الخيل هو الخصيّ. وكيف يكون ذلك كما قال، مع قول خفاف بن ندبة:
وخناذيذ خصية وفحولا
وقال بشر بن أبي خازم:
وخنذيذ ترى الغرمول منهكطيّ البرد يطويه التّجار
وليس هذا أراد بشر، وإنّما أراد زمان الغزو، والحال التي يعتري الخيل فيها هذا المعنى، كما قال جد الأحيمر:
لا لا أعقّ ولا أحوب ولا أغير على مضر
لكنّما غزوي إذاضجّ المطيّ من الدّبر
وإنّما فخر بالغزو في ذلك الزمان.
وأما الخنذيذ فهو الكريم التامّ، وربّما وصفوا به الرجل. وقال كثير:
على كل خنذيذ الضّحى متمطّروخيفانة قد هذّب الجري آلها
وقال القطامي:
على كلّ خنذيذ السّراة مقلّصتخنّث منه لحمه المتكاوس
ومن الدليل على أنّهم ربما جعلوا الرجل إذا ما مدحوه خنذيذا، قول بعض القيسيين، من قيس بن ثعلبة:
دعوت بني سعد إليّ فشمّرتخناذيذ من سعد طوال السواعد
وقال عبد الله بن الحارث، وكتب بها إلى عبد الملك بن مروان حين فارق مصعبا:
بأيّ بلاء أم بأيّة علّةيقدّم قبلي مسلم والمهلّب
ويدعى ابن منجوف أمامي كأنّهخصيّ دنا للماء من غير مشرب
فقلت ليونس: أقوى! فقال: الإقواء أحسن من هذا! قال: فلمّا أخذته قيس نصبوه، فجعلوا يرمونه بالنبل ويقولون: أذات مغازل ترى؟! يريدون بيت ابن الحرّ:
ألم ترقيسا- قيس عيلان- برقعتلحاها وباعت نبلها بالمغازل
فلما أتي مصعب برأسه، قال لسويد: يا أبا المنهال! كيف ترى؟ قال: أيّها الأمير! هو والله الذي أتى الماء من غير مشرب.
وقال أعشى همدان:
وأبو بريذعة الذي حدّثتهفينا أذلّ من الخصيّ الدّيزج
وتعرض للخصيّ سرعة الدّمعة، وذلك من عادة طبائع الصبيان ثم النّساء، فإنّه ليس بعد الصبيان أغزر دمعة من النساء، وكفاك بالشيوخ الهرمين.
ويعرض للخصيّ العبث واللّعب بالطير، وما أشبه ذلك من أخلاق النساء، وهو من أخلاق الصبيان أيضا.
ويعرض له الشّره عند الطعام، والبخل عليه، والشحّ العامّ في كلّ شيء، وذلك من أخلاق الصّبيان ثم النّساء.
وقال الشاعر:
كأنّ أبا رومان قيسا إذا غداخصيّ براذين يقاد رهيص
له معدة لا يشتكي الدهر ضعفهاوحنجرة بالدورقين قموص
ويعرض للخصيّ سرعة الغضب، والرضا، وذلك من أخلاق الصّبيان والنّساء.
ويعرض له حبّ النميمة، وضيق الصدر بما أودع من السرّ، وذلك من أخلاق الصبيان والنساء، ويعرض له دون أخيه لأمّه وأبيه، ودون ابن عمّه وجميع رهطه، البصر بالرّفع والوضع، والكنس والرشّ، والطّرح والبسط، والصبر على الخدمة، وذلك يعرض للنساء، ويعرض له الصبر على الرّكوب، والقوّة على كثرة الركض حتّى يجاوز في ذلك رجال الأتراك وفرسان الخوارج. ومتى دفع إليه مولاه دابّته ودخل إلى الصلاة، أو ليغتسل في الحمام، أو ليعود مريضا، لم يترك أن يجري تلك الدابّة ذاهبا وجائيا، إلى رجوع مولاه إليه.
ويعرض له حبّ الرمي بالنّشّاب، للّذي يدور في نفسه من حبّ غزو الرّوم.
ويعرض له حبّ أن تملكه الملوك، على ألّا تقيم له إلّا القوت، ويكون ذلك أحبّ إليه من أن تملكه السّوقة، وإن ألحقته بعيش الملوك!!.
ومن العجب أنّهم مع خروجهم من شطر طبائع الرجال، إلى طبائع النساء، لا يعرض لهم التخنيث. وقد رأيت غير واحد من الأعراب مخنّثا متفكّكا، ومؤنثا يسيل سيلا، ورأيت عدّة مجانين مخنّثين، ورأيت ذلك في الزّنج الأقحاح. وقد خبّرني من رأى كرديّا مخنثا، ولم أر خصيّا قط مخنّثا، ولا سمعت به؛ ولا أدري كيف ذلك ولا أعرف المانع منه. ولو كان الأمر في ذلك إلى ظاهر الرأي، لقد كان ينبغي لهم أن يكون ذلك فيهم عامّا! ومما يزيدني في التعجّب من هذا الباب، كثرة ما يعرض لهم من الحلاق
، مع قلّة ما يعرض لهم من التخنيث، مع مفارقتهم لشطر معاني الرجال إلى شبه النساء.
ويزعم كثير من الشيوخ المعمّرين؛ وأهل التجربة المميّزين، أنّهم اختبروا
أعمار ضروب الناس، فوجدوا طول
الأعمار في الخصيان أعمار في الخصيان أعمّ منه في مثل أعدادهم من جميع أجناس الرجال، وأنّهم تفقدوا أعمارهم وأعمار إخوتهم وبني أعمامهم الذين لم يخصوا، فوجدوا طول العمر في الخصيان أعمّ، ولم يجدوا في عموم طوال العمر فيهم واحدا نادرا، كفلان وفلان من الفحول.
وزعموا أنّهم لم يجدوا لطول أعمارهم علّة إلّا عدم النّكاح، وقلّة استفراغ النّطف لقوى أصلابهم.
قالوا: وكذلك لم نجد فيما يعايش الناس في دورهم، من الخيل والإبل، والحمير، والبقر، والغنم، والكلاب، والدّجاج، والحمام، والدّيكة، والعصافير، أطول أعمارا من البغال.
وكذلك قالوا: وجدنا أقلّها أعمارا العصافير. وليس ذلك إلّا لكثرة سفاد العصافير وقلّة سفاد البغال.
وجعل هؤلاء القوم زيادة عمر البغل على عمر أبويه دليلا على أنّ قول الناس: لا يعيش أحد فوق عمر أبويه خطأ. وأولئك إنما عنوا الناس دون جميع الحيوان.
وقالوا: قد وجدنا غرمول البغل أطول من غرمول الحمار والفرس والبرذون، وهؤلاء أعمامه وأخواله، فقد وجدنا بعض النّتاج المركّب، وبعض الفروع المستخرجة، أعظم من الأصل؛ ووجدنا الحمام الرّاعبي أعظم من الورشان الذي هو أبوه، ومن الحمامة التي هي أمّه، ولم نجده أخذ من عمر الورشان شيئا، وخرج صوته من تقدير أصواتهما، كما خرج شحيح البغل من نهيق الحمار وصهيل الفرس.
وخرج الرّاعبي مسرولا، ولم يكن ذلك في أبويه؛ وخرج مثقلا سيّء الهداية.
وللورشان هداية، وإن كان دون الحمام؛ وجاء أعظم جثّة من أبويه، ومقدار النّفس من ابتداء هديله إلى منقطعه، أضعاف مقدار هديل أبويه.
وفوالج البخت إذا ضربت في إناث البخت، ولم يخرج الحوار إلّا أدنّ
قصير العنق، لا ينال كلأ ولا ماء إلّا بأن يرفعا إليه، فيصير- لمكان نقصان خلقه- جزور لحم،
ولا يكون من اليعملات ولا من السابقة، ولو عالوه وكفوه مؤنة تكلف المأكول والمشروب، ثم بلغ إلى أن يصير جملا يمكنه الضّراب. وكذلك الأنثى التي هي الحائل إلى أن تصير ناقة؛ فلو ألقحها الفحل لجاء ولدها أقصر عنقا من الفيل، الذي لو لم يجعل الله تعالى له خرطوما يتناول به طعامه وشرابه، لمات جوعا وهزالا؛ وليس كذلك العراب. وإذا ضربت الفوالج في العراب جاءت هذه الجوامز والبخت الكريمة التي تجمع عامّة خصال العراب وخصال البخت، فيكون ما يخرج التركيب من هذين الجنسين أكرم وأفخم وأنفس وأثمن. ومتى ضربت فحول العراب في إناث البخت جاءت هذه الإبل البهونيّة
والصّرصرانية
فتخرج أقبح منظرا من أبويها، وأشدّ أسرا من أبويها. وقال الراجز:
ولا بهونيّ من الأباعر
وبعد؛ فإنّ هذه الشّهريّة الخراسانية، يخرج لها أبدان فوق أبدان أمّهاتها وآبائها من الخيل والبراذين، وتأخذ من عتق الخيل، ومن وثاجة
البراذين، وليس نتاجها كنتاج البرذون خالصا والفرس خالصا.
وما أشبه قرابة الحمار بالرّمكة والحجر، من قرابة الجمل الفالج البختيّ بقرابة القلوص الأعرابيّة.
ويقال إن الحمر الوحشيّة، وبخاصّة الأخدريّة، أطول الحمير أعمارا وإنما هي من نتاج الأخدر، فرس كان لأردشير بن بابك صار وحشيّا فحمى عدّة عانات فضرب فيها، فجاء أولاده منها أعظم من سائر الحمر وأحسن. وخرجت أعمارها عن أعمار الخيل وسائر الحمر- أعني حمر الوحش- فإنّ أعمارها تزيد على الأهليّة مرارا عدّة.
ولا يعرفون حمارا وحشيّا عاش أكثر وعمّر أطول من عير أبي سيّارة عميلة بن أعزل؛ فإنهم لا يشكّون أنّه دفع عليه بأهل الموسم أربعين عاما
!!
قال الأصمعيّ: لم يكن عيرا وإنما كان أتانا.
وزعموا- وكذلك هو في كتبهم- أنّ ملوك فارس، كانت لهجة بالصيد؛ إلا أنّ بهرام جور هو المشهور بذلك في العوامّ.
وهم يزعمون أنّ فيروز بن قباذ الملك الفارسيّ، ألحّ في طلب حمار أخدري
؛ وقد ذكر له ووصف؛ فطاوله عند طلبه والتماسه، وجدّ في ذلك فلجّ به عند طلبه الاغترام، وأخرجته الحفيظة إلى أن آلى ألّا يأخذه إلا أسرا، ولا يطارده إلا فردا، فحمل فرسه عليه، فحطّه في خبار
فجمع جراميزه
وهو على فرسه ووثب؛ فإذا هو على ظهره؛ فقمص به، فضم فخذيه فحطّم بعض أضلاعه، ثم أقبل به إلى معظم الناس، وهم وقوف ينظرون إليه وهو راكبه.
قالوا: وكان الملك منهم إذا أخذ عيرا أخدريّا وغير ذلك؛ فإذا وجده فتيا وسمه باسمه وأرّخ في وسمه يوم صيده وخلّى سبيله، وكان كثيرا إذا ما صاده الملك الذي يقوم به بعده. سار فيه مثله تلك السّيرة وخلّى سبيله، فعرف آخرهم صنيع أوّلهم؛ وعرفوا مقدار مقادير أعمارها.
ولولا أنّ ناسا من كلّ جيل، وخصائص من كلّ أمّة، يلهجون ويكلفون بتعرّف معاني آخرين لدرست. ولعلّ كثيرا من هؤلاء يزري على أولئك، ويعجّب الناس من تفرّغهم لما لا يجدي، وتركهم التشاغل بما يجدي، فالذي حبّب لهذا أن يرصد عمر حمار أو ورشان أو حيّة أو ضبّ، هو الذي حبّب إلى الآخر أن يكون صيّادا للأفاعي والحيّات، يتتبّعها ويطلبها في كلّ واد وموضع وجبل للترياقات. وسخّر هذا ليكون سائس الأسد والفهود والنّمور والببور
، وترك من تلقاء نفسه أن يكون راعي غنم!!
والذي فرّق هذه الأقسام، وسخّر هذه النفوس، وصرف هذه العقول لاستخراج هذه العلوم من مدافنها، وهذه المعاني من مخابيها، هو الذي سخّر بطليموس مع ملكه، وفلانا وفلانا للتفرّغ للأمور السماويّة، ولرعاية النجوم واختلاف مسير الكواكب. وكلّ ميسّر لما خلق له، لتتمّ النعمة ولتكمل المعرفة، وإنما تأبّى التيسير للمعاصي.
فأمّا الصناعات فقد تقصر الأسباب بعض الناس على أن يصير حائكا، وتقصر بعضهم على أن يكون صيرفيّا، فهي وإن قصرته على الحياكة، فلم تقصره على خلف المواعيد وعلى إبدال الغزول، وعلى تشقيق العمل دون الإحكام والصدق وأداء الأمانة، ولم تقصر الصيرفيّ على التطفيف في الوزن والتغليط في الحساب، وعلى دسّ المموّه؛ تعالى الله ﷿ عن ذلك علوا كبيرا.
ولو كان أمر النّتاج وما يحدث بالتراكيب ويخرج من التزاويج، إلى تقدير الرأي وما هو أقرب إلى الظنّ، لكانت الأظلاف تجري مجرى الحوافر والأخفاف. ألا ترى أنّ قرابة الضأن من الماعز، كقرابة البخت من العراب، والخيل من الحمير!! وسبيل نتائج الظّلف على خلاف ذلك؛ لأنّ التيس- على شدّة غلمته- لا يعرض للنعجة إلّا بالقليل الذي لا يذكر. وكذلك ما يحدث بينهما من الولد كذلك: إمّا ألّا يتمّ خلقه، وإما ألّا يعيش؛ وكذلك الكبش والعنز فضلا عن أن يكون بينهما نتاج؛ لأنه قد يضرب الجنس في الجنس الذي لا يلقحه، ولا يكون اللّقاح إلا بعد ضراب.
وطلب التيس للنعجة قليل وأقلّ من القليل، وكذلك الكبش للعنز، وأقلّ من ذلك أن تتلاقح ولا يبقى ذلك الولد البتة.
وقد تجاسر ناس على توليد أبواب من هذا الشكل، فادّعوا أمورا، ولم يحفلوا بالتقريع والتكذيب عند مسألة البرهان!!
زعموا أنّ الزرافة خلق مركب من بين الناقة الوحشية وبين البقرة الوحشية، وبين الذّيخ وهو ذكر الضباع؛ وذلك أنّهم لّما رأوا أنّ اسمها بالفارسية (أشتر كاو
بلنك)؛ وتأويل «أشتر» بعير، وتأويل «كاو» بقرة، وتأويل «بلنك» الضبع؛ لأن الضباع عرج؛ كذلك الذكر والأنثى يكون بهما خماع
؛ كما عرض للذئب القزل
- وكلّ ذئب أقزل- وكما أنّ كلّ غراب يحجل كما يحجل المقيّد من الناس؛ وكما أنّ العصفور لا يمشي؛ ومشيه أن يجمع رجليه أبدا معا في كلّ حركة وسكون.
وقولهم للزرافة أشتر كاو بلنك اسم فارسيّ، والفرس تسمّي الأشياء بالاشتقاقات؛ كما تقول للنعامة: اشتر مرغ، وكأنّهم في التقدير قالوا: هو طائر وجمل؛ فلم نجد هذا الاسم أوجب أن تكون النعامة نتاج ما بين الإبل والطير، ولكن القوم لما شبهوها بشيئين متقاربين؛ سمّوها بذينك الشيئين. وهم يسمون الشيء المرّ الحلو «ترش شيرين» وهو في التفسير حلو حامض. فجسر القوم فوضعوا لتفسير اسم الزرافة حديثا؛ وجعلوا الخلقة ضربا من التراكيب؛ فقالوا: قد يعرض الذيخ في تلك البلاد للناقة الوحشية فيسفدها، فتلقح بولد يجيء خلقه ما بين خلق الناقة والضبع؛ فإن كان أنثى فقد يعرض لها الثور الوحشي فيضربها؛ فيصير الولد زرافة، وإن كان ولد الناقة ذكرا عرض للمهاة فألقحها فتلد زرافة. فمنهم من حجر البتّة أن تكون الزرافة الأنثى تلقح من الزرافة الذكر، وزعموا أنّ كلّ زرافة في الأرض، فإنّما هي من النّتاج الذي ركّبوا؛ وزعموا أنّ ذلك مشهور في بلاد الحبشة، وأقاصي اليمن. وقال آخرون:
ليس كلّ خلق مركّب لا ينسل ولا يبقى نجله ولا يتلاقح نسله، على ما حكينا من شأن الورشان والرّاعبي
. وهؤلاء وما أشبههم يفسدون العلم، ويتّهمون الكتب، وتغرّهم كثرة أتباعهم ممن تجده مستهترا بسماع الغريب، ومغرما بالطرائف والبدائع. ولو أعطوا مع هذا الاستهتار نصيبا من التثبّت، وحظّا من التوقي، لسلمت الكتب من كثير من الفساد.
وأنا رأيت طائرا له صوت غير حسن، فقال لي صاحب الطيور: إنّه من نتاج ما بين القمريّ
والفاختة.
وقنّاص الطير، ومن يأتي كلّ أوقة
وغيضة في التماس الصيد، يزعمون أنّ أجناسا من الطير الأوابد والقواطع، تلتقي على المياه فتتسافد؛ وأنّهم لا يزالون يرون أشكالا لم يروها قطّ، فيقدّرون أنّها من تلاقح تلك المختلفة.
وقال أبو زيد النحويّ، وذكر عمّن لقي من الأعراب أنّهم زعموا أنّ ذكر أمّ حبين هو الحرباء. قال: وسمعت أعرابيّا من قيس يقول لأمّ حبين حبينة، والحبينة هو اسمها. قال: وقيس تسمّي ذكر العظاءة العضرفوط.
وقال يحيى الأغرّ: سمعت أعرابيا يقول: لا خير في العظاءة، وإن كان ضبّا مكونا. قال: فإذا سامّ أبرص، والورل، والوحر، والضّبّ والحلكاء. كلّها عنده عظاءة.
وزعم يحيى بن نجيم أنّ الثعلب يسفد الهرة الوحشية، فيخرج بينهما ولد.
وأنشد قول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:
أبوك أبوك وأنت ابنهفبئس البنيّ وبئس الأب
وأمّك سوداء نوبيّةكأنّ أناملها العنظب
يبيت أبوك بها معرساكما ساور الهرّة الثعلب
وأنشد أبو عبيدة قول عبد الرحمن بن الحكم:
ألا أبلغ معاوية بن حربمغلغلة عن الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عفّوترضى أن يقال أبوك زاني
فأشهد أنّ رحمك من قريشكرحم الفيل من ولد الأتان
قال كيسان: ولأي شي قال:
كرحم الفيل من ولد الأتان
إنما كان ينبغي أن يقول: كرحم الفيل من الخنزير. قال أبو عبيدة: أرادها هو التبعيد بعينه؛ وأنت تريد ما هو أقرب.
وزعم بعض المفسّرين وأصحاب الأخبار
: أنّ أهل سفينة نوح كانوا تأذّوا بالفأر، فعطس الأسد عطسة فرمى من منخريه بزوج سنانير، فلذلك السّنّور أشبه شيء بالأسد. وسلح الفيل زوج خنازير؛ فلذلك الخنزير أشبه شيء بالفيل. قال كيسان: فينبغي أن يكون ذلك السّنّور آدم السنانير، وتلك السّنّورة حوّاءها. قال أبو عبيدة لكيسان: أولم تعلم أنت أنّ لكل جنس من الحيوان آدم وحواء؟! وضحك فضحك القوم.
ولمّا رأى أبو قردودة سعد القرقرة، أكل عند النّعمان مسلوخا بعظامه قال:
بين النعام وبين الكلب منبتهوفي الذئاب له ظئر وأخوال
يقول: إنّ سعدا ضرب في أعراقه نجر النعام الذي يلتهم الجمر، ويلتقم الحجارة، فيطفئ الجمر ويميع الصخر، وضرب في أعراقه نجر الكلب الذي يرضّ كلّ عظم. ولا يقبض عليه بكفّه إلّا هو واثق بفتّه، ولا يسيغه إلّا وهو على ثقة من استمرائه. فأمّا الذئب فإنّه لا يروم بفكّيه شيئا إلّا ابتلعه بغير معاناة، عظما كان أو غيره، مصمتا كان أو أجوف.
ولذلك قال الراجز:
أطلس يخفي شخصه غبارهفي فمه شفرته وناره
فأبو قردودة لم يرد أنّ الذئب والكلب خالاه، وأنّ النعام نجله، وإنما قال ذلك على المثل والتشبيه، ولم يرد أنّ له ظئرا من الكلاب، وخالا من الذئاب.
وشبيه ذلك قول أمير المؤمنين المأمون لبعض الناس: يا نطف الخمّارين، ونزائع الظّؤورة، وأشباه الخؤولة.
وعلى شبيه بذلك قال سلم بن قتيبة لبعض من ذكره، وهو عند سليمان بن عليّ: أيّها الأمير، إنّ آل فلان أعلاج خلق الله وأوباشه، لئام غدر، شرّابون بأنقع
، ثمّ هذا بعد في نفسه، نطفة خمّار في رحم صنّاجة.
وقال لي أبو إسحاق: قال لي أبو العباس- وأبو العباس هذا كان ختن إبراهيم على أخته، وكان رجلا يدين بالنجوم، ولا يقرّ بشيء من الحوادث إلّا بما يجري على الطباع. قال أبو إسحاق: وقال أبو إسحاق: وقال لي مرّة: أتعرف موضع الحظوة من خلوة النساء؟.
قلت: لا والله لا أعرفه. قال: بل اعلم أن لا يكون الحظّ إلّا في نتاج شكلين متباينين، فالتقاؤهما هو الأكسير المؤدّي إلى الخلاص: وهو أن تزاوج بين هنديّة وخراسانيّ، فإنها لا تلد إلّا الذهب الإبريز. ولكن احرس ولدها، إن كان الولد أنثى فاحذر عليها من شدّة لواط رجال خراسان وزناء نساء الهند، واعلم أن شهوتها للرجال على قدر حظوتها عندهم، واعلم أنّها ستساحق النساء على أعراق الخراسانيّة، وتزني بالرجال على أعراق الهند، واعلم أنّه ممّا يزيد في زناها ومساحقتها معرفتها بالحظوة عند الزّناة، وبالحظّ عند السحاقات.
وقالوا في الخلق المركّب ضروبا من الحقّ والباطل، ومن الصدق والكذب. فمن الباطل زعمهم أنّ الشّبّوط ولد الزّجر
من البنّيّ، وأنّ الشّبّوط لا يخلق من الشّبّوط، وأنّه كالبغل في تركيبه وإنساله. ورووا ذلك عن أبي واثلة إياس بن معاوية بن قرّة.
وزعموا أنّ أمّ جعفر بنت جعفر بن المنصور، حصرت في حوض لها ضخم أو بركة كبيرة عددا كثيرا من الزجر والبنّيّ، وأنّها لم تخلط بهما غيرهما، فمات أكثره وبقيت بقية كانت الصميم في القوّة، وفي احتمال تغيّر المكان فلم تحمل البيض حينا، ثمّ إنّها حملت بالشبابيط.
وزعم حريث أنّه كان بإيذج
، فإذا سحابة دهماء طخياء تكاد تمسّ الأرض، وتكاد تمسّ قمم رؤوسهم، وأنّهم سمعوا فيها كأصوات المجانيق، وكهدير الفحول في الأشوال، ثم إنّها دفعت بأشدّ مطر رئي أو سمع به، حتى استسلموا للغرق، ثمّ اندفعت بالضفادع العظام
، ثم اندفعت بالشبابيط السّمان الخدال فطبخوا واشتووا، وملّحوا وادّخروا.
ورووا عن أبي واثلة أنّه زعم أنّ من الدليل على أنّ الشّبّوط كالبغل، أنّ الناس لم يجدوا في طول ما أكلوا الشبابيط في جوفها بيضا قطّ. فإن كان هذا الخبر عن هذا الرجل المذكور بشدّة العقل، المنعوت بثقوب الفراسة ودقّة الفطنة صحيحا، فما أعظم المصيبة علينا فيه، وما أخلق الخبر أن يكون صحيحا، وذلك أنّي سمعت له كلاما كثيرا من تصنيف الحيوان وأقسام الأجناس، يدلّ على أنّ الرجل حين أحسن في أشياء وهّمه العجب بنفسه أنّه لا يروم شيئا فيمتنع عليه.
وغرّه من نفسه الذي غرّ الخليل بن أحمد، حين أحسن في النحو والعروض، فظنّ أنّه يحسن الكلام وتأليف اللّحون، فكتب فيهما كتابين لا يشير بهما ولا يدلّ عليهما إلّا المرّة المحترقة، ولا يؤدّي إلى مثل ذلك إلّا خذلان من الله تعالى، فإنّ الله ﷿ لا يعجزه شيء.
والشّبّوط- حفظك الله تعالى- جنس كثير الذكور قليل الإناث، فلا يكون إناثه
أيضا يجمعن البيض، وإذا جمعن فلو جمعت بيض عشر منهنّ لما كان كشطر بيض بنّيّة واحدة. وقد رأيت بيض الشّبّوط وذقته للتعرّف فوجدته غير طائل، ولا معجب.
وكلّ صيّاد تسأله فهو ينبيك أنّ له بيضا، ولكنّه إذا كان يكون ضئيلا قليلا، لأنّ الشبابيط في أصل العدد من أقلّ السمك. وكذلك الجنس منه إذا كانت الأنثى منه مذكارا.
على أنّه ربّ نهر يكون أكثر سمكه الشّبّوط، وذلك قليل، كنهر رامهرمز.
والشّبّوط لا يتربّى في البحار، ولا يسكن إلّا في الأودية والأنهار، ويكره الماء الملح ويطلب الأعذب فالأعذب، ويكون في الماء الجاري، ولا يكون في الساكن.
وسنذكر شأنه في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ولم يصب أبو واثلة، وكذبوا على أمّ جعفر. فإذا قالوا في الزّرافة ما قالوا فلا تأمنهم على ما هو دونه. وإن كان من كذب على الموتى واستشهد الغيّب أحذق، فصاحب الزرافة قد استعمل بعض هذه الحيلة، وصاحب الشّبّوط يكذب على الأحياء، ويستشهد الحضور. وإن كان الذي دعا إلى القول في الزرافة أنهم جعلوا تركيب اسمه دليلا على تركيب الخلق. فالجاموس بالفارسية كاوماش. وتأويله ضأنيّ بقريّ، لأنهم وجدوا فيه مشابهة الكبش وكثيرا من مشابهة الثور، وليس أنّ الكباش ضربت في البقر فجاءت بالجواميس.
وزعم الفرس أنّ الحيوان كلّه الذي يلد حيوانا مثله ممّا يمشي على أربع قوائم، لا تخلو أجناسها من المعز والضأن. والجواميس عندهم ضأن البقر، والبخت عندهم ضأن الإبل، والبراذين عندهم ضأن الخيل.
والناس يقولون في الإبل أقاويل عجيبة: فمنهم من يزعم أن فيها عرقا من سفاد
الجنّ، وذهبوا إلى الحديث: أنهم إنما كرهوا الصلاة في أعطان الإبل لأنها خلقت من أعناق الشياطين فجعلوا المثل والمجاز على غير جهته. وقال ابن ميّادة:
فلما أتاني ما تقول محاربتغنّت شياطين وجنّ جنونها
قال الأصمعي المأثور من السيوف الذي يقال: إنّ الجنّ عملته.
وهم يسمّون الكبر والخنزوانة والنّعرة التي تضاف إلى أنف المتكبّر شيطانا، قال عمر: حتّى أنزع شيطانه، كما قال: «حتى أنزع النّعرة التي في أنفه». ويسمّون الحيّة إذا كانت داهية منها شيطانا، وهو قولهم: شيطان الحماطة. قال الشاعر:
تعالج مثنى حضرميّ كأنهتعمّج شيطان بذي خروع قفر
شبّه الزّمام بالحيّة. وعلى مثل ذلك قال الشاعر:
شناحية فيها شناح كأنهاحباب بكف الشأو من أسطع حشر
والحباب: الحية الذكر، وكذلك الأيم. وقد نهي عن الصلاة عند غيبوبة الشمس، وعند طلوع القرص إلى أن يتتامّ ذلك. وفي الحديث: «إنّها تطلع بين قرني شيطان».
فللعرب أمثال واشتقاقات وأبنية، وموضع كلام يدلّ عندهم على معانيهم وإرادتهم، ولتلك الألفاظ مواضع أخر، ولها حينئذ دلالات أخر، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسّنّة، والشاهد والمثل، فإذا نظر في الكلام وفي ضروب من العلم، وليس هو من أهل هذا الشأن، هلك وأهلك.
وزعم ناس أنّ من الإبل وحشيّا وكذلك الخيل، وقاسوا ذلك على الحمير والسّنانير والحمام وغير ذلك، فزعموا أنّ تلك الإبل تسكن أرض وبار، لأنّها غير مسكونة، ولأنّ الحيوان كلّما اشتدّت وحشيّته كان للخلاء أطلب. قالوا: وربّما خرج الجمل منها لبعض ما يعرض، فيضرب في أدنى هجمة من الإبل الأهلية. قالوا:
فالمهريّة من ذلك النّتاج.
وقال آخرون: هذه الإبل الوحشيّة هي الحوش، وهي التي من بقايا إبل وبار، فلمّا أهلكهم الله تعالى كما أهلك الأمم مثل عاد وثمود والعمالقة وطسم وجديس وجاسم، بقيت إبلهم في أماكنهم التي لا يطورها إنسيّ فإن سقط إلى تلك الجيزة بعض الخلعاء، أو بعض من أضلّ الطريق حثت الجنّ في وجهه، فإن ألحّ خبلته، فضربت هذه الحوش في العمانيّة، فجاءت هذه المهريّة، وهذه العسجديّة التي تسمى الذهبيّة.
وأنشدني سعدان المكفوف عن أبي العميثل قول الراجز:
ما ذمّ إبلي عجم ولا عربجلودها مثل طواويس الذّهب
وقال الآخر:
إذا اصطكّت بضيق حجرتاهاتلاقى العسجديّة واللّطيم
والعسجد من أسماء الذهب.
قالوا: وإنّما سمّيت صاحبة يزيد بن الطّثريّة حوشيّة على هذا المعنى.
وقال رؤبة:
جرت رحانا من بلاد الحوش
وأما الذي زعم أنّهم مطروا الشّبوط، فإنه لما ظنّ أنّ الضفادع التي تصاب بعقب المطر، بحيث لا ماء ولا وحل ولا عين ولا شريعة- فإنهم ربّما رأوها وسط الدّوّ والدّهناء والصّمّان - ولم يشكّ أنّها كانت في السحاب وعلم أنّها تكون في الأنهار ومنابع المياه، وليس ذلك من الذكر والأنثى، قاس على ذلك الظنّ السمك، ثم جسر فجعل السمك شبّوطا. وتلك الضفادع إنما هي شيء يخلق تلك الساعة، من طباع الماء والهواء والزمان وتلك التّربة، على مقادير ومقابلات، وعلى ما أجرى الله تعالى عليه نشأة الخلق.
وقد تعرف القرابة التي تكون في رأي العين بين الشكلين من الحيوان فلا يكون بينهما تسافد ولا تلاقح، كالضأن والمعز، وكالفأر والجرذان، فليس بالعجب في البقر والجواميس أن تكون كذلك. وقد رأينا الخلاسيّ من الدجاج والدّيكة، وهو الذي تخلّق من بين المولّدات والهنديّات، وهي تحمل اللحم والشحم.
وزعم لي مسعود بن عثمان، أنه أهدى إلى عمرو بن مسعدة، دجاجة ووزن فيها سبعة عشر رطلا بعد طرح الأسقاط وإخراج الحشوة.
ورأينا الخلاسيّ من الناس، وهو الذي يتخلّق بين الحبشيّ والبيضاء، والعادة من هذا التركيب أنه يخرج أعظم من أبويه وأقوى من أصليه ومثمريه. ورأينا البيسريّ من الناس، وهو الذي يخلق من بين البيض والهند، لا يخرج ذلك النّتاج على مقدار ضخم الأبوين وقوّتهما، ولكنه يجيء أحسن وأملح. وهم يسمّون الماء إذا خالطته الملوحة بيسرا قياسا على هذا التركيب الذي حكينا عن البيض والهنديات، ورأينا الخلاسيّ من الكلاب، وهو الذي يخلق بين السّلوقيّ وكلب الراعي، ولا يكون ذلك من الزّئني والقلطي، ومن كلاب الدّور والحرّاس. وسنقول في السّمع والعسبار، وفي غيرهما من الخلق المركّب إن شاء الله تعالى.
وذكروا أنّهم وجدوا أطول أعمار الناس في ثلاثة مواضع: أوّلها سروحمير، ثم فرغانة، ثم اليمامة، وإنّ في الأعراب لأعمارا أطول، على أنّ لهم في ذلك كذبا كثيرا، والهند تربي عليهم في هذا المعنى. هكذا يقول علماء العرب.
وكان عثمان ماش ويزال وجذعان، يذكرون أنّهم عدّوا أربعين فتى من فتيان قريش وثقيف أعذار عام واحد فأحصوا عشرين من قريش، وعشرين من ثقيف، وتوخّوا المتجاورين في المحلّة والمتقاربين في الدّور من الموفّرين على النبيذ، والمقصورين على التنادم، وأنّهم أحصوا مثل ذلك العدد وأشباه أولئك في السّن ممّن لا يذوق النبيذ ولا يعرف شرابا إلا الماء، فذكروا أنّهم وجدوا بعد مرور دهر عامّة من كاب يشرب النبيذ حيّا، ومن لا يشربه قد مات عامّتهم، وكانوا قد بلغوا في السنّ.
أما عثمان ويزال فكانا من المعمّرين، وقد رأيتهما جميعا ولم أسمع هذا منهما، وسنأتي على هذا الباب في موضعه من ذكر المعمّرين، ونميّز الصدق فيه من الكذب، وما يجوز وما لا يجوز إن شاء الله تعالى.
وما أكثر ما يعرض للخصيان البول في الفراش وغير ذلك، ولا سيّما إذا بات أحدهم ممتلئا من النبيذ.
ويعرض لهم أيضا حبّ الشراب والإفراط في شهوته وشدّة النّهم.
ويعرض لهم أيضا إيثار المخفس وحبّ الصّرف، وذلك أيضا ممّا يعرض للنساء، والإفراط في شهوتهنّ وشدّة الهمّة لهنّ والغيرة عليهنّ. ويحتلمون، ويجنبون ويغتسلون، ويرون الماء غير الرائق ولا الغليظ، الذي له ريح طلع الفحّال.
ويعرض للخصيّ شدّة الاستخفاف بمن لم يكن ذا سلطان عظيم أو مال كثير أو جاه عريض، حتّى ربّما كان عند مولاه بعض من عسى أن يتقدّم هؤلاء المذكورين الذين يكون الخصيّ كلفا بهم وبتعظيمهم، ومغرما بخدمتهم، في الأدب والحسب، وفي بعد الهمّة وكرم الشّيمة، فيعمد عند دخول ذلك الرجل الذي له السلطان والجاه والمال إلى متّكأ هذا الأديب الكريم، والحسيب الشريف، فينزعه من تحت مرفقه، غير محتفل بذلك ولا مكترث لما فيه، ويضعه له من غير أن يكون موضع المرافق بعيدا، أو كان ذلك ممّا يفوت بعض الفوت، ويفعل ذلك وإن كان يعاشر هذا الأديب الكريم مولاه وهو على يقين أنه لا يرى ذلك الموسر وصاحب الجاه أبدا.
وقد حرّم بعضهم خصاء الخيل خاصّة، وبعضهم زاد على ذلك حتّى حرّم خصاء البهائم. وقال بعضهم: إذا كان الخصاء إنّما اجتلبه فاعله أو تكلّفه صاحبه على جهة التماس المنفعة، أو على طريق التجارة، فذلك جائز، وسبيله سبيل الميسم، فإنّ الميسم نار، وألمه يجوز كلّ ألم وقد رأينا إبل الصدقة موسومة، ووسمت العرب الخيل وجميع أصناف النّعم في الإسلام، على مثل صنيعها في الجاهليّة. وقد كانت القصواء ناقة النبي ﷺ موسومة، وكذلك العضباء.
وقال آخرون: الخصاء غير شبيه بالميسم، لأنّ في الخصاء من شدّة الألم، ومن المثلة، ومن قطع النّسل، ومن إدخال النقص على الأعضاء، والنقص لموادّ القوى، ما ليس في الميسم وغيره، وهو بقطع الألية أشبه، والسّمة إنّما هي لذعة، والخصاء مجاوز لكلّ شديدة.
قال القوم: ولا بأس بقطع الألية إذا منعت بثقلها أو عظمها الشاة من اللّحاق بالقطيع وخيف عليها من الذئب. وقطع الألية في جواز العقول أشبه من الميسم، لأنّ الميسم ليس للبعير فيه حظّ، وإنّما الحظّ فيه لربّ المال، وقطع الألية من شكل الختان، ومن شكل البطّ والفصد، ومن جنس الوجور والبيطرة، ومن جنس اللّدود والحجامة، ومن جنس الكيّ عند الحاجة، وقطع الجارحة إذا خيف عليها الأكلة.
قال الأوّلون: بل لعمري إنّ للإبل في السّمات لأعظم المنافع، لأنّها قد تشرب بسماتها ولا تذاد عن الحوض إكراما لأربابها، وقد تضلّ فتؤوى، وتصاب في الهواشات فتردّ.
قالوا: فإنا لا نسألكم إلّا عن سمات الخيل والبغال والحمير والغنم. وبعد فكيف نستجيز أن نعمّها بالإحراق بالنار، لأمر عسى ألّا يحتاج إليه من ألف بعير واحد، ثم عسى ألّا يحتاج من جميع ذلك في جميع عمره إلّا إلى شربة واحدة.
وقال القوم: إنّما المياسم في النّعم السائمة كالرّقوم في ثياب البزّاز، ومتى ارتفعت الرقوم ومنعت المياسم، اختلطت الأموال، وإذا اختلطت أمكن فيها الظلم، والمظلوم باذل نفسه دون المعيشة والهضيمة.
وقالوا: ليس قطع الألية كالمجثّمة وكالشيء المصبور، وقد نهينا عن إحراق الهوامّ، وقيل لنا: لا تعذّبوا بعذاب الله تعالى، والميسم نار، وقطع الألية من شكل قطع العروق، وصاحب المجثّمة يقدر أن يرمي- إن كان به تعلّم الرماية- شيئا لا يألم ولم ينه عن تعذيبه، فما يردّ الشيء المصبور من العذاب مردّا بوجه من الوجوه.
وقال آخرون: ليس لك أن تحدث في جميع الحيوان حدثا من نقض أو نقص أو إيلام، لأنك لا تملك النشأة، ولا يمكنك التعويض له، فإذا أذن لك مالك العين، بل مخترعه ومنشئ ذاته والقادر على تعويضه، وهو الله ﷿، حلّ لك من ذلك ما كان لا يحلّ. وليس لك في حجّة العقل أن تصنع بها إلّا ما كان به مصلحة، كعلاج الدّبر وكالبيطرة.
وقال آخرون: لنا أن نصنع كلّ ما كان يصنع على عهد رسول الله ﷺ وبعده، ممّا لم يكن مدفوعا عند بعضهم، إلّا أن يكون نهي ذلك البعض من جماعتهم، في طريق الخلاف والردّ والمفارقة ولا يكون عندهم قولا من الأقاويل، فإنّ ذلك في سبيل العلاج بعد أن كان المتكلّف يعرف وجه الملام. والمذهب في ذلك معروف وإن كان خارجا من ذلك الحدّ، فقد علمنا أنّه أبيح من طريق التعبّد والمحنة، كما جعل الله تعالى لنا ما أحلّ ذبحه من البهائم، وكما جعل لنا أن نقتل القمل والبراغيث والبعوض، وإن لم يكن منها إلّا مقدار الأذى فقط. والقتل لا يكون قصاصا من الأذى، ولكن لمّا أباح لنا خالق الشيء والقادر على تعويضه قتله، كان قتله أسوغ في العقل مع الأذى، من ذبح البهيمة مع السلامة من الأذى.
قال: وليس كل مؤذ ولا كل ذي أذى حكم الله تعالى فيه بإباحة القتل، والله ﷿، بمقادير الأمور وبحكم المختلف والمتّفق، والقليل من ذلك والكثير، أحكم وأعلم.
وقد أمر الله تعالى إبراهيم ﵊، بذبح إسحاق أو إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، فأطاع الوالد وطاوع الولد.
والجواب الماضي إنما هو قول من قال بالتعويض، وهو قول النظّام. وأكثر المتكلّمين يعترضون عليه فيه.
ولا يزال- يرحمك الله تعالى- بعض الملحدين من المعاندين، أو بعض الموحّدين من الأغبياء المنقوصين، قد طعن في ملك الخصيّ وبيعه وابتياعه، ويذكرون الخصيّ الذي كان المقوقس عظيم القبط أهداه إلى النبي ﷺ وعلى آله.
مع مارية القبطيّة أمّ إبراهيم ﵇. قالوا: فقد ملك ﵊ خصيّا بعد أن عرفه وأحاط علمه بأنّه خصيّ، وأنتم تزعمون أنّ الخصاء حرام، وأنّ من اشترى من الخاصي خصيّا ثم زاد على قيمته وهو فحل، فقد أعان على الخصاء وحثّ عليه، ورغّب فيه، وأنّه من أفحش الظلم وأشدّ القسوة، وزعمتم أنّ من فعل ذلك فهو شريك الخاصي في الإثم، وأنّ حاله كحال المعروفين بالابتياع من اللصوص. وقلتم: وكذلك من شهد القمار وهراش الكلاب، ونطاح الكباش وقتال الديوك، وأصحاب المجارحات وحرب الفئتين الضالّتين. وقلتم: لأنّ هذه المواضع لو لم تحضرها النّظّارة لما عملوا تلك الأعمال، ولو فعلوها ما بلغوا مقدار الشّطر، لغلبة الرياء والسّمعة على قلوب الناس، فكذلك الخاصي، والمشتري، والمبتاع من المشتري، شركاء متعاونون، وخلطاء مترادفون. وإذا كان المبتاع يزيد في السّلعة لهذه العلّة، والبائع يزيد في السّوم لهذا السبب، وقد أقررتم بأنّ النبي ﷺ قد قبل له من المقوقس، كما قبل مارية، واستخدمه، وجرى عليه ملكه وأمره، فافهم- فهّمك الله تعالى- ما أنا مجيب به في هذه المسألة. والله الموفّق، وعلى الله قصد السبيل.
أقول: قبل كلّ شيء لا يخلو هذا الحديث الذي رويتموه من أن يكون مرضيّ الإسناد. صحيح المخرج، أو يكون مسخوط الإسناد، فاسد المخرج. فإن كان مسخوطا. فقد بطلت المسألة، وإن كان مرضيّا، فقد علمنا أنّه ليس في الحديث أنّه قبله منه بعد أن علم أنّه خصيّ، وعلى أنّ قبول الهديّة خلاف الابتياع، لأنّ بائع الخصيّ إنّما يحرم عليه التماس الزيادة، وكذلك المبتاع إنّما يحرم عليه دفع الزيادة إذا كان لو سلم إليه بذلك الثمن فحلا أجمل منه وأشبّ وأخدم منه لم يزده، والبائع أيضا لا يستام بالفحل سومه بالخصي. وقبول الهديّة، وقبول الهبة، وسبيل البيع والابتياع لا بأس به إذا كان على ما وصفنا، وإنّما هديّة الخصيّ كهديّة الثوب والعطر، والدابّة والفاكهة. ولأنّ الخصيّ لا يحرم ملكه ولا استخدامه، بل لا يحلّ طرده ونفيه،
وعتقه جائز، وجواز العتق يوجب الملك. ولو باعه المالك على غير طلب الزيادة، أو لو تاب من الخصاء أو استحلّة مما أتى إليه، لما حرم على الخاصي نفسه استخدامه، والخصيّ مال وملك، واستخدامه حسن جميل، ولأنّ خصاءه إيّاه لا يعتقه عليه، ولا يزيل عن ملكه إلا بمثل ما وجب به ملكه.
وأخرى: أنّ في قبول هديّة ذلك الملك، وتلّقي كرامته بالإكرام تدبيرا وحكمة. فقد بطلت المسألة، والحمد لله كما هو أهله.
وقد رووا مع ذلك أيضا: أنّ زنباعا الجذّاميّ، خصى عبدا له، وأنّ النبي ﷺ أعتقه عليه فيما بلغنا. والله أعلم.
وربّما سألوا عن الشيء وليس القول فيه يقع في نسق القول في الخصيّ، وفي الخلق المركّب، ولكن إذ قد أجبنا في مسألة كلاميّة من مسائل الطعن في النبوّة، فلا بأس أن نضيف إليها أخرى، ولا سيّما إذا لم تطل فتزيد في طول الكتاب.
وقد لا يزال الطاعن يقول: قد علمنا أنّ العرب لم يسموا حروب أيّام الفجار بالفجور وقريش خاصّة، إلّا أنّ القتال في البلد الحرام، في الشهر الحرام كان عندهم فجورا، وتلك حروب قد شهدها النبيّ ﷺ وعلى آله، وهو ابن أربع عشر سنة، وابن أربع عشرة سنة يكون بالغا، وقال: «شهدت الفجار فكنت أنبل على عمومتي».
وجوابنا في ذلك: أنّ بني عامر بن صعصعة، طالبوا أهل الحرم من قريش وكنانة، بجريرة البرّاض بن قيس، في قتله عروة الرحّال، وقد علموا أنّهم يطالبون من لم يجن ومن لم يعاون، وأنّ البرّاض بن قيس كان قبل ذلك خليعا مطرودا، فأتوهم إلى حرمهم يلزمونهم ذنب غيرهم، فدافعوا عن أنفسهم، وعن أموالهم، وعن ذراريهم، والفاجر لا يكون المسعيّ عليه، ولذلك أشهد الله ﵎ نبيّه ﵊ ذلك الموقف، وبه نصروا كما نصرت العرب على فارس يوم ذي قار، به ﵊ وبمخرجه. وهذان جوابان واضحان قريبان، والله الموفّق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
ثم رجع بنا القول إلى ذكر محاسن الخصيّ ومساويه.
الخصيّ ينكح ويتّخذ الجواري ويشتدّ شغفه بالنساء، وشغفهنّ به، وهو وإن كان مجبوب العضو فإنّه قد بقي له ما عسى أن يكون فيه من ذلك ما هو أعجب إليهنّ. وقد يحتلم ويخرج منه عند الوطء ماء، ولكنّه قليل متغيّر الريح، رقيق ضعيف. وهو يباشر بمشقّة، ثم لا يمنعه من المعاودة الماء الذي يخرج منه إذ كان قليل المقدار لا يخرجه من القوّة إلى الضعف، مثل الذي يعتري من يخرج منه شيء يكون من إنسان، وهو أخثر، وأكثر، وأحدّ ريحا، وأصحّ جوهرا.
والخصيّ يجتمع فيه أمنيّة المرأة، وذلك أنّها تبغض كلّ سريع الإراقة، بطيء الإفاقة، كما تكره كلّ ثقيل الصدر، وخفيف العجز، والخصيّ هو السريع الإفاقة، البطيء الإراقة، المأمون الإلقاح، فتقيم المرأة معه، وهي آمنة العار الأكبر، فهذا أشدّ لتوفير لذّتها وشهوتها، وإذا ابتذلن الخيصان، وحقرن العبيد، وذهبت الهيبة من قلوبهنّ، وتعظيم البعول، والتصنّع لذوي الأقدار باجتلاب الحياء وتكلّف الخجل، ظهر كلّ شيء في قوى طبائعهنّ وشهواتهنّ، فأمكنها النّخير والصياح، وأن تكون مرّة من فوق، ومرّة من أسفل، وسمحت النفس بمكنونها، وأظهرت أقصى ما عندها.
وقد تجد في النساء من تؤثر النساء، وتجد فيهنّ من تؤثر الرجال، وتجد فيهنّ من تؤثر الخصيان، وتجد فيهنّ من تجمع ولا تفرّق، وتعمّ ولا تخصّ، وكذلك شأن الرجال في الرجال، وفي النساء والخصيان فالمرأة تنازع إلى الخصيّ لأنّ أمره أستر وعاقبته أسلم، وتحرص عليه لأنّه ممنوع منها، ولأنّ ذلك حرام عليها، فلها جاذبان:
جاذب حرص كما يحرص على الممنوع، وجاذب أمن كما يرغب في السلامة.
وقال الأصمعيّ: قال يونس بن عبيد: لو أخذنا بالجزع لصبرنا. قال الشاعر:
وزادها كلفا بالحبّ أن منعتوحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا
والحرص على الممنوع باب لا يقدر على الاحتجاز منه، والاحتراس من خدعه،
إلّا كلّ مبرّز في الفطنة ومتمهّل في العزيمة، طويل التجارب، فاضل العقل على قوى الشهوات. وبئس الشيء القرين السوء. وقالوا: صاحب السّوء قطعة من النار.
وباب من هذا الشكل، فبكم أعظم حاجة إلى أن تعرفوه وتقفوا عنده، وهو ما يصنع الخبر السابق إلى السمع، ولا سيّما إذا صادف من السامع قلّة تجربة، فإن قرن بين قلّة التجربة وقلّة التحفّظ، دخل ذلك الخبر السابق إلى مستقرّه دخولا سهلا، وصادف موضعا وطيئا، وطبيعة قابلة، ونفسا ساكنة؛ ومتى صادف القلب كذلك، رسخ رسوخا لا حيلة في إزالته. ومتى ألقي إلى الفتيان شيء من أمور الفتيات، في وقت الغرارة، وعند غلبة الطبيعة، وشباب الشهوة، وقلّة التشاغل؛ وكذلك متى ألقي إلى الفتيان شيء من أمورهن وأمور الغلمان، وهناك سكر الشباب، فكذلك تكون حالهم. وإنّ الشّطّار ليخلو أحدهم بالغلام الغرير فيقول له: لا يكون الغلام فتى أبدا حتّى يصادق فتى وإلّا فهو تكش، والتكش عندهم الذي لم يؤدّبه فتى ولم يخرّجه، فما الماء العذب البارد، بأسرع في طباع العطشان، من كلمته، إذا كان للغلام أدنى هوى في الفتوّة، وأدنى داعية إلى المنالة. وكذلك إذا خلت العجوز المدربة بالجارية الحدثة كيف تخلبها. وأنشدنا:
فأتتها طبّة عالمةتخلط الجدّ بأصناف اللعب
ترفع الصوت إذا لانت لهاوتناهى عند سورات الغضب
وقال الشاعر فيما يشبه وقوع الخبر السابق إلى القلب:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوىما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل
كم منزل في الأرض يألفه الفتىوحنينه أبدا لأوّل منزل
وقال مجنون بني عامر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلبا خاليا فتمكّنا
وباب آخر ممّا يدعو إلى الفساد، وهو طول وقوع البصر على الإنسان الذي في طبعه أدنى قابل، وأدنى حركة عند مثله. وطول التداني، وكثرة الرؤية هما أصل
البلاء، كما قيل لابنة الخسّ: لم زنيت بعبدك ولم تزني بحرّ، وما أغراك به؟ قالت:
طول السّواد، وقرب الوساد.
ولو أنّ أقبح الناس وجها، وأنتنهم ريحا، وأظهرهم فقرا، وأسقطهم نفسا، وأوضعهم حسبا، قال لأمرأة قد تمكّن من كلامها، ومكّنته من سمعها: والله يا مولاتي وسيّدتي، لقد أسهرت ليلى، وأرّقت عيني، وشغلتني عن مهمّ أمري، فما أعقل أهلا، ولا مالا، ولا ولدا؛ لنقض طباعها، ولفسخ عقدها، ولو كانت أبرع الخلق جمالا، وأكملهم كمالا، وأملحهم ملحا. فإن تهيّأ مع ذلك من هذا المتعشّق، أن تدمع عينه، احتاجت هذه المرأة أن يكون معها ورع أمّ الدرداء، ومعاذة العدويّة، ورابعة القيسيّة، والشجّاء الخارجيّة.
وإنّما قال عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: «اضربوهنّ بالعري» لأنّ الثياب هي المدعاة إلى الخروج في الأعراس، والقيام في المناحات، والظهور في الأعياد، ومتى كثر خروجها لم يعدمها أن ترى من هو من شكل طبعها. ولو كان بعلها أتمّ حسنا، والذي رأت أنقص حسنا، لكان ما لا تملكه، أطرف ممّا تملكه، ولكان ما لم تنله، ولم تستكثر منه، أشدّ لها اشتغالا وأشد لها اجتذابا. ولذلك قال الشاعر:
وللعين ملهى بالتّلاد ولم يقدهوى النفس شيء كاقتياد الطرائف
وقال سعيد بن مسلم: لأن يرى حرمتي ألف رجل على حال تكشف منها وهي لا تراهم، أحبّ إليّ من أن ترى حرمتي رجلا واحدا غير منكشف.
وقال الأوّل: لا يضرّك حسن من لم تعرف؛ لأنّك إذا أتبعتها بصرك، وقد نقضت طبعك، فعلمت أنّك لا تصل إليها بنفسك ولا بكتابك ولا برسولك، كان الذي رأيت منها كالحلم، وكما يتصور للمتمنّي، فإذا انقضى ما هو فيه من المنى، ورجعت نفسه إلى مكانها الأوّل، لم يكن عليه من فقدها إلّا مثل فقد ما رآه في النوم، أو مثّلته له الأمانيّ.
وقيل لعقيل بن علّفة: لو زوّجت بناتك! فإنّ النساء لحم على وضم إذا لم يكنّ غانيات!! قال: كلا، إنّي أجيعهنّ فلا يأشرن، وأعريهنّ فلا يظهرن !! فوافقت إحدى كلمتيه قول النبي ﷺ ووافقت الأخرى قول عمر بن الخطاب؛ لأن النبي ﷺ قال: «الصّوم وجاء». وقال عمر: استعينوا عليهنّ بالعري. وقد جاء في الحديث:
«وفروا أشعارهن فإن ترك الشعر مجفرة». وقد أتينا على هذا الباب في الموضع الذي ذكرنا فيه شأن الغيرة، وأوّل الفساد، وكيف ينبت، وكيف يحصد.
وقد رأيت غير خصيّ يتلوّط، ويطلب الغلمان في المواضع، ويخلو بهم ويأخذهم على جهة الصداقة، ويحمل في ذلك الحديد، ويقاتل دون السخول، ويتمشى مع الشطّار.
وقد كان في قطيعة الربيع خصيّ أثير عند مولاه، عظيم المنزلة عنده؛ وكان يثق به في ملك يمينه، وفي حرمه من بنت وزوجة وأخت، لا يخصّ شيئا دون شيء، فأشرف ذات يوم على مربد له، وفي المربد غنم صفايا، وقد شدّ يدي شاة وركبها من مؤخّرها يكومها، فلمّا أبصره برق وبعل وسقط في يديه، وهجم عليه أمر لو يكون رآه من خصيّ لعدوّ له لما فارق ذلك الهول أبدا قلبه، فكيف وإنّما عاين الذي عاين فيمن كان يخلفه في نسائه من حرمه وملك يمينه. فبينما الرجل وهو واجم حزين، وهو ينظر إليه وقد تحرّق عليه غيظا إذ رفع الخصيّ رأسه، فلمّا أثبت مولاه مرّ مسرعا نحو باب الدار ليركب رأسه، وكان المولى أقرب إلى الباب منه، فسبقه إليه، وكان الموضع الذي رآه منه موضعا لا يصعد إليه، فحدث لشقائه أمر لم يجد مولاه معه بدّا من صعوده، فلبث الخصيّ ساعة ينتفض من حمّى ركبته ثم فاظ، ولم يمس إلّا وهو في القبر.
ولفرط إرادتهم النساء، وبالحسرة التي نالتهم، وبالأسف الذي دخلهم، أبغضوا
الفحول بأشدّ من تباغض الأعداء فيما بينهم، حتّى ليس بين الحاسد الباغي وبين أصحاب النّعم المتظاهرة، ولا بين الماشي المعنّى وبين راكب الهملاج الفاره، ولا بين ملوك صاروا سوقة، صاروا ملوكا، ولا بين بني الأعمام مع وقوع التنافس، أو وقوع الحرب، ولا بين الجيران والمتشاكلين في الصناعات، من الشنف والبغضاء، بقدر ما يلتحف عليه الخصيان للفحول.
وبغض الخصيّ للفحل من شكل بغض الحاسد لذي النعمة، وليس من شكل ما يولّده التنافس وتلحقه الجنايات.
ولرجال كلّ فنّ وضرب من الناس، ضرب من النسك، إذ لا بدّ لأحدهم من النزوع، ومن ترك طريقته الأولى: فنسك الخصيّ غزو الروم، لما أن كانوا هم الذين خصوهم، ولزوم أذنة والرّباط بطرسوس وأشباهها. فظنّ عند ذلك أهل الفراسة أنّ سبب ذلك إنّما كان لأنّ الرّوم لما كانوا هم الذين خصوهم، كانوا مغتاظين عليهم، وكانت متطلّبة إلى التشفّي منهم، فأخرج لهم حبّ التشفّي شدّة الاعتزام على قتلهم، وعلى الإنفاق في كلّ شيء يبلغ منهم. ونسك الخراسانيّ أن يحجّ: ونسك البنوي أن يدع الديوان. ونسك المغنّي: أن يكثر التسبيح وهو يشرب النبيذ، والصلاة على النبي ﷺ، والصلاة في جماعة. ونسك الرافضيّ: إظهار ترك النبيذ. ونسك السّواديّ ترك شرب المطبوخ فقط. ونسك اليهوديّ: إقامة السبت. ونسك المتكلّم: التسرّع إلى إكفار أهل المعاصي، وأن يرمى الناس بالجبر، أو بالتعطيل، أو بالزندقة، يريد أن يوهم أمورا:
منها أنّ ذلك ليس إلّا من تعظيمه للدّين، والإغراق فيه، ومنها أن يقال: لو كان نطفا، أو مرتابا، أو مجتنحا على بليّة، لما رمى الناس، ولرضي منهم بالسلامة، وما كان ليرميهم إلّا للعزّ الذي في قلبه، ولو كان هناك من ذلّ الرّيبة شيء لقطعه ذلك عن التعرّض لهم، أو التنبيه على ما عسى إن حرّكهم له أن يتحرّكوا. ولم نجد في المتكلّمين أنطف ولا أكثر عيوبا، ممّن يرمي خصومه بالكفر.
وكان أبو عبد الله الجمّاز، وهو محمد بن عمرو، يتعشّق جارية لآل جعفر يقال لها طغيان، وكان لهم خصيّ يحفظها إذا أرادت بيوت المغنّين، وكان الخصيّ أشدّ عشقا لها من الجمّاز، وكان قد حال بينه وبين كلامها، والدنوّ منها، فقال الجماز وكان اسم الخادم سنانا:
ما للمقيت سنانوللظّباء الملاح
لبئس زان خصيّغاز بغير سلاح
وقال أيضا فيه وفيها:
نفسي الفداء لظبييحبّني وأحبّه
من أجل ذاك سنانإذا رآني يسبّه
هبه أجاب سناناينيكه أين زبّه
وقال أيضا فيهما:
ظبي سنان شريكيفيه فبئس الشريك
فلا ينيك سنانولا يدعنا ننيك
وقال الباخرزيّ يذكر محاسن خصال الخصيان:
ونساء لمطمئنّ مقيمورجال إن كانت الأسفار
وقال حميد بن ثور يهجو امرأته:
جلبّانة ورهاء تخصي حمارهابفي من بغى خيرا إليها الجلامد
وقال مزرّد بن ضرار:
فجاءت كخاصي العير لم تحل عاجةولا جاجة منها تلوح على وشم
وقال عمرو الخاركي:
إذا لام على المردنصيح زادني حرصا
ولا والله ما أقلع ما عمّرت أو أخصى
وقال آخر:
رماك الله من أير بأفعىولا عافاك من جهد البلاء
جزاك الله شرّا من رفيقإذا بلغت بي ركب النساء
أجبنا في الكريهة حين نلقىوما تنفكّ تنعظ في الخلاء
فلا والله ما أمسى رفيقيولولا البول عوجل بالخصاء
وقال بعض عبد القيس:
ما كان قحذم ابن واهصة الخصىيرجو المناكح في بني الجارود
ومن انتكاس الدهر أن زوّجتهاولكلّ دهر عثرة بجدود
لو كان منذر إذ خطبت إليهمحيّا لكان خصاك بالمغمود
وقال أبو عبيدة: حدّثني أبو الخطاب قال: كان عندنا رجل أحدب فسقط في بئر فذهبت حدبته وصار آدر فقيل له: كيف تجدك؟ فقال: الذي جاء شرّ من الّذي ذهب! وأبو الحسن عن بعض رجاله قال: خرج معاوية ذات يوم يمشي ومعه خصيّ له، إذ دخل على ميسون ابنة بحدل وهي أمّ يزيد، فاستترت منه فقال: أتستترين منه، وإنّما هو مثل المرأة؟ قالت: أترى أنّ المثلة به تحلّ ما حرّم الله تعالى؟!
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع