من «ميزان الذهب في صناعة شعر العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
الإفلات من قيود القافية
إن الذي دعاهم إلى الإفلات من قيود الوزن (وهو — على زعمهم — ضيق الأوزان في الشعر العربي) قد دعاهم مثله إلى الإفلات من قيود القافية؛ ذلك بأن الشعر العربي إذا زاد المقول فيه على بيت واحد وجب أن يتحد مع الأصل في الوزن والقافية، ولم يُعهَد عن العرب القدماء أنهم قالوا بيتين أو أكثر في معرض واحد إلا جاءوا بذلك من بحر واحد، وجعلوا أواخر الأبيات حرفًا واحدًا مع ما اشترطوا في هذه الأواخر من شروط، ومجموعها هو علم القوافي. حقًّا إن هذا إذا نظرنا إليه نظرة عامة نراه التزامًا شديدًا لم تشترطه لغةٌ غير العربية؛ فأكثر اللغات يكفي فيها شرط الوزن، مع خلاف بين اللغات واللغة العربية فيما يُراد بهذا الشرط أيضًا.
ولكننا ننظر إلى العربية في سابق عهودها، فنجدها قد نهضت بجميع أغراض القول مع اشتراط الوزن والقافية، وكان أكثر كلام العرب شعرًا، ولم يُعرَف أن أحدًا منهم شكا من ذلك أو تبرَّم به أو حاول الخروج عليه، لا في جاهلية ولا إسلام حتى كان العصر العباسي.
فإذا كان بعض الشعراء في العصر العباسي قد تبرَّم بهذين القيدين فليس العيبُ عيبَ اللغة، ولكنه عيب من يحاول ما لا يستطيع، وهو عيب من لا يستكمل الوسائل ثم يريد الطفورَ إلى الغايات.
وما كان لنا أن نُتابع هؤلاء الباغين على العربية الذين يريدون أن يتحيَّفوا جمالَها من أطرافه فننادي معهم بطرح هذه القيود؛ فإنها ليست كما ظنوا قيودَ منع وإرهاق، ولكنها حُجَز زينةٍ، ومعاقدُ رشاقةٍ ونظام، كأنه نظام فريد، لا يَحْسُن إلا إذا رُوعِي فيه التناسق والتناظر.
ومن أمثلة هذه المحاولة المُزْرِية بقدر الشعر ما أورده القاضي «أبو بكر الباقلاني» في كتابه «الإعجاز» من قول بعضهم:
رُبَّ أَخٍ كُنْتُ بِهِ مُغْتَبِطًاأَشُدُّ كَفِّي بِعُرَى صُحْبَتِهِ
تَمَسُّكًا مِنِّيَ بِالْوُدِّ وَلَاأَحْسَبُهُ يَزْهَدُ فِي ذِي أَمَلِ
ولكن هذا الناعق لم يجد من يُتابعه؛ لأن الأذن لا ترتاح إلى صنيعه.
ولكنهم قبلوا من ذلك نوعًا سموه «المزدوج»؛ وهو أن يُؤتَى ببيتين من مشطور أيِّ بحر مقفَّيَيْن، وبعدهما غيرهما بقافية أخرى؛ وهكذا.
وقد احتاجوا إلى ذلك وأكثروا منه في نظم القصص الطويلة والحِكَم والأمثال ومسائل العلوم، مما لا يُراد به إلا مجرد الضبط؛ لسهولة الحفظ، وحرموا هذا النوع أن يُسمَّى «قصيدة» مهما طال، وأوَّل من نظم فيه بشار وأبو العتاهية، ثم تتابع عليه الشعراء.
ومن مزدوجة لأبي العتاهية في الحِكَم — وقد سمَّاها ذات الأمثال، وله فيها أربعة آلاف مثل — قوله:
حَسْبُكَ مِمَّا تَبْتَغِيهِ الْقُوتُمَا أَكْثَرَ الْقُوتَ لِمَنْ يَمُوتُ
الْفَقْرُ فِيمَا جَاوَزَ الْكَفَافَامَنِ اتَّقَى اللهَ رَجَا وَخَافَا
هِيَ الْمَقَادِيرُ فَلُمْنِي أَوْ فَذَرْإِنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فَمَا أَخْطَا الْقَدَرْ
لِكُلِّ مَا يُؤْذِي وَإِنْ قَلَّ أَلَمْمَا أَطْوَلَ اللَّيْلَ عَلَى مَنْ لَمْ يَنَمْ
مَا انْتَفَعَ الْمَرْءُ بِمِثْلِ عَقْلِهِوَخَيْرُ ذُخْرِ الْمَرْءِ حُسْنُ فِعْلِهِ
مَنْ جَعَلَ النَّمَّامَ عَيْنًا هَلَكَامُبْلِغُكَ الشَّرَّ كَبَاغِيهِ لَكَا
مَا عَيْشُ مَنْ آفَتُهُ بَقَاؤُهُنَغَّصَ عَيْشًا كُلُّهُ فَنَاؤُهُ
مَا زَالَتِ الدُّنْيَا لَنا دَار أَذَىمَمْزُوجَةَ الصَّفْوِ بِأَنْوَاعِ الْقَذَى
مَنْ لَكَ بِالْمَحْضِ وَلَيْسَ مَحْضُيَخْبُثُ بَعْضٌ وَيَطِيبُ بَعْضُ
إِنَّ الشَّبَابَ حُجَّةُ التَّصَابِيرَوَائِحُ الْجَنَّةِ فِي الشَّبَابِ
ومن هذا النوع «ألفية ابن مالك» وما على شاكلتها من متون العلوم.
ومما استحدثوه في القافية أيضًا نوع يُسمَّى «المُسمَّط»؛ وهو أن يبتدئ الشاعر ببيت مصرَّع، ثم يأتي بأربعة أقسمة من غير قافيته، ثم يعيد قسمًا واحدًا من جنس ما ابتدأ به؛ وهكذا إلى آخر القصيدة.
وقد نسبوا إلى «امرئ القيس» قوله من هذا النوع:
تَوَهَّمْتُ مِنْ هِنْدٍ مَعَالِمَ أَطْلَالِعَفَاهُنَّ طُولُ الدَّهْرِ فِي الزَّمَنِ الْخَالِي
مَرَابِعُ مِنْ هِنْدٍ خَلَتْ وَمَصَائِفُيَصِيحُ بِمَغْنَاهَا صَدًى وَعَوَازِفُ
وَغَيَّرَها هُوجُ الرِّيَاحِ الْعَوَاصِفُوَكُلُّ مُسِفٍّ ثُمَّ آخَرُ رَادِفُ
بِأَسْحَمَ مِنْ نَوْءِ السِّمَاكَيْنِ هَطَّالِ
وقد يكون بأقل من أربعة أقسمة وبلا بيت مصرع، مثل قول بعضهم:
غَزَالٌ هَاجَ لِي شَجَنَافَبِتُّ مُكَابِدًا حَزَنَا
عَمِيدَ الْقَلْبِ مُرْتَهَنًابِذِكْرِ اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ
سَبَتْنِي ظَبْيَةٌ عَطَلُكَأَنَّ رُضَابَهَا عَسَلُ
يَنُوءُ بِخِصْرِهَا كَفَلٌثَقِيلُ رَوَادِفِ الْحِقَبِ
كذلك أحدثوا فيها المخمس: وهو أن يُؤتَى بخمسة أقسمة كلها من وزن واحد، وخامسها بقافية مخالفة للأربعة قبله، ثم بخمسة أخرى من الوزن دون القافية للأقسمة الأربعة الأولى، ويتَّحِد القسيم الخامس مع الخامس من الأولى في القافية، كقول الشاعر:
وَرَقِيبٍ يُرَدِّدُ اللَّحْظَ رَدَّالَيْسَ يَرْضَى سِوَى ازْدِيَادِيَ بُعْدَا
سَاحِرَ الطَّرْفِ مُذْ جَنَى الْخَدُّ وَرْدَاإِنَّ يَوْمًا لِنَاظِرِي قَدْ تَبَدَّى
فَتَمَلَّى مِنْ حُسْنِهِ تَكْحِيلَا
وَتَصَدَّى مِنْ فُحْشِهِ فِي اسْتِبَاقِيَمْنَعُ اللَّحْظَ مِنْ جَنى وَاعْتِنَاقِ
أَيْأَسَ الْعَيْنَ مِنْ لِحَاظِ اعْتِنَاقِقَالَ جَفْنِي لِصِنْوِهِ: لَا تَلَاقِي
إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ لُقْيَاكَ مِيلَا
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع