من «ميزان الذهب في صناعة شعر العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
استدراك على البحور الستة عشر السابقة
كلُّ ما خرج عن هذه الأوزان الستة عشر فليس بشعر عربي، وما يُصاغ على غير هذه الأوزان فهو عمل المولَّدين الذين رأوا أن حصر الأوزان في هذا العدد يُضيِّق عليهم مجال القول، وهم يريدون أن يجري كلامهم على الأنغام الموسيقية التي نقلتها إليهم الحضارة، وهذه لا حدَّ لها، وإنما جنحوا إلى تلك الأوزان؛ لأن أذواقهم تربَّت على إلفها، واعتادت التأثُّر بها؛ ثم لأنهم يرون أن كلامًا يوقَّع على الأنغام الموسيقية يسهل تلحينُه والغناء به، وأمر الغناء بالشعر العربي مشهور، ورغبةُ العرب فيه خصوصًا في هذه «المدينة العباسية» أكيدة.
(١) المستطيل: وهو مقلوب الطويل، وأجزاؤه «مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن» مرتين، كقول القائل: لَقَدْ هَاجَ اشْتِيَاقِي غَرِيرُ الطَّرْفِ أَحْوَرْ أُدِيرُ الصَّدْغَ مِنْهُ عَلَى مِسْكٍ وَعَنْبَرْ
(٢) الممتد: وهو مقلوب المديد، وأجزاؤه «فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن» مرتين، كقول القائل: صَادَ قَلْبِي غَزَالٌ أَحْوَرُ ذُو دَلَالِ كُلَّمَا زِدْتُ حُبًّا زَادَ مِنِّي نُفُورَا
(٣) المتوافر: وهو مُحرَّف الرمل، وأجزاؤه «فاعلاتنَ فاعلاتنَ فاعلن» مرتين، ومثاله: مَا وُقُوفُكَ بِالرَّكَائِبِ فِي الطَّلَلْ؟! مَا سُؤَالُكَ عَنْ حَبِيبِكَ قَدْ رَحَلْ؟! مَا أَصَابَكَ يَا فُؤَادِي بَعْدَهُمْ؟! أَيْنَ صَبْرُكَ يَا فُؤَادِي مَا فَعَلْ؟!
(٤) المُتَّئِد: وهو مقلوب المجتث، وأجزاؤه «فاعلاتن فاعلاتن مستفع لن» مرتين، وقد نظم منه بعض المولدين: كُنْ لِأَخْلَاقِ التَّصَابِي مُسْتَمْرِيًا وَلِأَحْوَالِ الشَّبَابِ مُسْتَحْلِيًا
(٥) المنسرد: مقلوب المضارع، وأجزاؤه «مفاعيلن مفاعيلن فاع لاتن» مرتين، وقد نظم منه بعضهم: عَلَى الْعَقْلِ فَعَوِّلْ فِي كُلِّ شَانِ وَدَانِ كُلَّ مَنْ شِئْتَ أَنْ تُدَانِي
(٦) المطرد: صورة أخرى من مقلوب المضارع، وأجزاؤه «فاعلاتن مفاعيلن مفاعيلن» مرتين، كقول بعضهم: مَا عَلَى مُسْتَهَامٍ رِيعَ بِالصَّدِّ فَاشْتَكَى ثُمَّ بَكَانِي مِنَ الْوَجْدِ
ومن الأوزان التي استحدثوها ما فعله أبو العتاهية، فقد ذُكِر أنه نظم على أوزان لا تُوافق ما استنبطه الخليل؛ إذ جلس يومًا عند قصَّار، فسمع صوت المدق فحكى وزنه وهو:
لِلْمَنُونِ دَائِرَاتٌ يُدِرْنَ صَرْفَهَا
فَتَرَاهَا تَنْتَقِينَاوَاحِدًا فَوَاحِدَا
فلما انتُقد في هذا قال: أنا أكبر من العَروض.
(١) فالسلسلة أجزاؤه: «فعلن فعلاتن مفتعلن فعلاتان»، ومنه: السِّحْرُ بِعَيْنَيْكَ مَا تَحَرَّكَ أَوْ جَالْ إِلَّا وَرَمَانِي مِنَ الْغَرَامِ بِأَوْجَالْ يَا قَامَةَ غُصْنٍ نَشَا بِرَوْضَةِ إِحْسَانْ أَيَا هَفَتْ نِسْمَةُ الدَّلَالِ بِهِ مَالْ
(٢)
رُوحِي لَكَ يَا زَائِرَ اللَّيْلِ فِدَايَا مُؤْنِسَ وَحْدَتِي إِذَا اللَّيْلُ هَدَا
إِنْ كَانَ فِرَاقُنَا مَعَ الصُّبْحِ بَدَالَا أَسْفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ صُبْحٌ أَبَدَا
وهو كما ترى مُتَّحِد القوافي في جميع مصاريعه؛ فإن اختلفت الثالثة منها سُمِّي أعرج، مثل قول شرف الدين بن الفارض:
أَهْوَى رَشَأً لِيَ الْأَسَى قَدْ بَعَثَامُذْ عَايَنَهُ تَصَبُّرِي مَا لَبِثَا
نَادَيْتُ وَقَدْ فَكَّرْتُ فِي خِلْقَتِهِ:سُبْحَانَكَ مَا خَلَقْتَ هَذَا عَبَثَا
(٣) وأول من اخترعه «أبو نقطة» للخليفة الناصر، وكان يطرب له، فجعل له عليه وظيفة كل سنة، ولما تُوفِّي كان ابنه ماهرًا في نظم «القوما»، فأراد أن يعرفه «الخليفة» ليجري على مفروضه؛ فتعذَّر عليه ذلك إلى رمضان، ثم جمع أتباع والده ووقف أول ليلة من تحت شرف القصر وغنَّى «القوما» بصوت رقيق، فأصغى الخليفة له وطرب، فلما أراد الانصراف قال:
يَا سَيِّدَ السَّادَاتْلَكْ بِالْكَرَمْ عَادَاتْ
أنا ابْنُ أبُو نُقْطَهْتَعِش أبُويا مَاتْ
فخلع الخليفة عليه وجعل له ضعف ما كان لوالده.
(٤) وقد كسدت هذه الصناعة في أول الأمر حتى نشأ «عبادة القزَّاز» المُتوفَّى سنة ٤٣٣ه فأجاد فيها، وانتقل هذا الوزن إلى المشرق، فنسج المشارقة على منواله، وأوزانه كثيرة منها «مستفعلن فاعلن فعيل» مرتين، مثل:
يَا جِيرَةَ الْأَبْرَقِ الْيَمَانهَلْ لِي إِلَى وَصْلِكُمْ سَبِيلْ
ومنها «فاعلاتن فاعلن مستفعلن فاعلن» مرتين، مثل موشحة «ابن سناء الملك المصري» المتوفى سنة ٦٠٧ه:
كَلِّلِييَا سُحْبُ تِيجَانَ الرُّبَى بِالْحُلِي
واجعليسِوَارَكِ مُنْعَطَفَ الْجَدْوَلِ
(٥) وأول من اخترعه رجل يُقال له: «راشد»، ولكنه لم يُظهر فيه رشاقته كما أبدع فيه بعده «ابن قُزمان» المُتوفَّى سنة ٥٥٥ه، وهو إمام الزجَّالين على الإطلاق.
ومن قوله فيه:
وعريش قام على دُكَّانْبحال رواق
وَأَسَدْ ابْتَلَعْ ثُعْبَانْفي غُلْظِ سَاق
وفتح فمُّو بحال إنسانفيه الفواق
وانطلق يجري على الصفاحولقي الصباح
(٦) فكان قائله يحكي ما كان، حتى ظهر «الإمام ابن الجوزي» والواعظ «شمس الدين»؛ فنظما منه الحِكَمَ والمواعظ، ويصاغ معرب بعض الألفاظ على وزن واحد، وقافية واحدة، ولا تكون قافيته إلَّا مردوفة (ساكنة الآخر، وقبله حرف ساكن)، ومثاله:
قُمْ يَا مُقَصِّرْ تَضَرَّعْقَبْلَ أَنْ يَقُولُوا كَانْ وَكَانْ
لِلْبِرِّ تَجْرِي الْجَوَارِيفِي الْبَحْرِ كَالْأعَلامْ
(٧) وقد ذكروا في سبب نشأته أن «الرشيد» لما نَكَبَ «البرامكة» أمر ألَّا يُرثَوا بشعر، فرثتهم جارية بهذا الوزن، وجعلت تنشد وتقول: «يا مواليا»؛ ليكون ذلك منجاة لها من الرشيد؛ لأنها لا ترثيهم بالشعر المنهي عنه.
رباعي: وهو ما كان أشطر بيته مصرعة، مثل قول جارية البرامكة: يَا دَارُ أَيْنَ الْمُلُوكُ أَيْنَ الْفُرْسْ أَيْنَ الَّذِينَ رَعَوْهَا بِالْقَنَا وَالتُّرسْ قَالَتْ تَرَاهُمْ رِمَمْ تَحْتِ الْأَرَاضِي الدُّرْسْ سُكُوتٌ بَعْدَ الْفَصَاحَةْ أَلِسَنَتهُمْ خُرسْ
وأعرج: وهو ما اختلف مصراعٌ منه عن الثلاثة الباقية، مثل قول بعضهم في الوعظ: يَا عَبْدُ إِبْكِي عَلَى فِعْلِ الْمَعَاصِي وِنُوحْ هُمَّ فِينْ جُدُودَكْ أَبُوكْ آدَمْ وَبَعْدُهْ نُوحْ دُنْيَا غَرُورَهْ تِجِي لَكْ فِي صِفة مَرْكِبْ تَرْمِي حُمُولْهَا عَلَى شَطِّ الْبُحُورْ وِتْرُوحْ
ونعماني: مثل قول بعضهم: الأهْيفِ اللِّي بِسِيفِ اللَّحْظِ جَارِحْنَا بيدُهْ سَقَانَا الطَّلَا لَيْلًا وَجَارِحْنَا رَمَشْ رَمَى سَهْمْ قَطَّعْ بِهِ جَوَارِحْنَا آهين على لوعتي في الحب يا وَعْدي هَجْرُهُ كَوَانِي وَحَيَّرْنِي عَلَى وَعْدِي يَا خِلِّ وَاصِلْ وَوَافِي بِالْمُنَى وَعْدِي مِنْ حَرِّ هجرك ومن نار الجَوَى رُحْنَا
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع