من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
حاجة أهل الأدب إلى ظريف المضحكات
وهل يستغني أهل الأدب وأولو الأرب عن معرفة ظريف المضحكات، وشريف المفاكهات، إذا لاطفوا ظريفاً، أو مازحوا شريفاً؟ فقد قال الأصمعي: بالعلم وصلنا وبالملح نلنا.
وروى أبو هفان قال: دخل أبو نواس على يحيى بن خالد فقال له: يا أبا علي؛ أنشدني بعض ما قلت؛ فأنشده:
كم من حديثٍ معجب لي عندكالو قد نبذت به إليك لسرّكا
إني أنا الرجل الحكيم بطبعهويزيد في علمي حكاية من حكى
أتتّبع الظرفاء أكتب عنهمكيما أحدث من أحبّ فيضحكا
فقال له يحيى: يا أبا علي؛ إن زندك ليوري بأول قدحة. فقال ارتجالاً في معنى قول يحيى:
أما زند أبي عليّ إنهزندٌ إذا استوريت سهل قد حكى
إنّ الإله لعلمه بعبادهقد صاغ جدّك للسماح ومزحكا
تأبى الصنائع همّتي وقريحتيمن أهلها وتعاف إلاّ منحكا
وحضر الجماز مع أبي نواس مجلس قينة، فأقبل الجماز يمالحها ويمازحها وأبو نواس ساكت؛ فمالت إليه، فقال الجماز:
أبو نواس جذره شعرهوجذرنا حسن الحكايات
فجذرنا أكثر من جذرهمدّاً على أهل المروءات
فقال أبو نواس:
صدقت لا ننكر هذا كماأمّك رأس في المناحات
فأقبلت القينة على أبي نواس وغنت، فقال لها الجماز: ما سمعت والله أحسن من هذا، فقال أبو نواس: ولا نواح أمك إلا أن يكون عليك فإنه والله أحسن. وكان يصطحبان وهما حدثان، وأمه أذين النائحة وله يقول أبو نواس:
اسقني يابن أذينمن سلاف الزّرجون
وقال أبو ذؤيب في الملح:
وسرب يطلّى بالعبير كأنهدماء ظباءٍ بالنّحور ذبيح
بذلت لهنّ القول إنك واجدٌلما شئته حلو الكلام مليح
فأمكنّه ممّا يقول وبعضهمشقيّ لدى خيراتهن نطيح
يريد أن الملاحة نفعته عندهنّ حتى أمكنّه مما يريد: وقال أعرابي:
ألا زعمت عفراء بالشام أننيغلام جوارٍ لا غلام حروب
وإني لأهدى بالأوانس كالدّمىوإني بأطراف القنا للعوب
وإني على ما كان من عنجهيّتيولوثة أعرابيتي لأديب
كأن الأدب غريبة عند العرب؛ فافتخر بما عنده منه، وأنه يرجو به القربى ويأمل به الزلفى.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع