تجاوز إلى المحتوى

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

كلام مستطرف لأهل الصناعات من طريق صناعاتهم

ولأهل الصناعات من طريق صناعاتهم كلام مستظرف؛ وربما اتفقت الاستعارة مطردة للشاعر على معنى في صناعة، حتى كأنه عانى تلك الصناعة بما جرى على لسانه من البراعة، في وصف حقائقها، ونعت طرائقها؛ كقول عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع.

غرست الهوى حتى إذا أورق الهوىفأينع في أغصانه ثمر الوصل
وحفّت به أنهاره في غياضهفأصبح ملتفّ الحدائق بالحمل
ولم يبق إلا المجتنى من ثمارهسرور التصافي والمودة والبذل
أطاف بنا ريح الوشاة فهيّجتسحابة هجران تكفّ على رسل
فمالت عزاليها عليه فأحرقتغصون الهوى والودّ منّا بلا دخل
ودبّت سيول الهجر حول أصولهفأغصانه فاستقلعته من الأصل

وقال علي بن هشام:

حصد الحبيب وصالنا بمناجلٍطبع المناجل من حديد البين
والشوق يطحنه بأرحية الهوىوالعين تعجنه بماء العين
والقلب يخبزه بنيران الأسىوالنفس تأكله بلونٍ لون

قال الجاحظ: سألت وراقاً عن حاله؟ فقال: عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدق من مسطرة، وجاهي أرق من الزجاج، ووجهي عند الناس أشد سواداً من الحبر بالزاج، وحظي أخفى من شق القلم، وجسمي أضعف من قصبة، وطعامي أمض من الحبر، وشرابي أمر من العفص؛ وسوء الحال ألزم بي من الصمغ. فقلت: لقد عبرت ببلاء عن بلاء.

وللجاحظ في هذا النوع رسالة كتب بها إلى المعتصم، وقيل إلى المتوكل في الحض على تعليم أولاده ضروب العلوم وأنواع الأدب وهي: يا أمير المؤمنين: علم بنيك من أنواع الأدب ما أمكن؛ فإنك إن أفردتهم بشيء واحد ثم سئلوا عن غيره لم يعرفوه؛ وذلك أن حزاماً صاحب خيلك حين سألته عن الوقعة ببلاد الروم، قال: لقيناهم في مقدار الإصطبل، فما كان إلا بمقدار ما يحس الرجل دابته حتى قتلناهم؛ فتركناهم في مثل نثير السرجين، فلو طرحت روثة لما سقطت إلا على ذنب برذون.

وكان قد أنشد في الغزل:

غن يهدم الصدّ عن قلبي مذاودهفإنّ قلبي بقتّ الصبر معمور
ويح امرىءٍ في وثاق الحبّ يكبحهلجام هجرٍ على الأسقام مقرور
أنل خليلك نيلاً من وصالك أوحسن الرقاد فإنّ النوم مأسور
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «إن يهدم الصد من جسمي معالفه»
أمنت فتل شكالي حين ودّعنيومبضع الحب في كفيه مطرور
لبست برقع هجر بعد ذلك فيإصطبل ودّ فروث الحبّ منثور
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «إن يهدم الصد من جسمي معالفه»

وسألت بختيشوع الطبيب عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار ساحة البيمارستان؛ فما كان إلا بمقدار ما يختلف الرجل مقعدين حتى تركناهم في محقنة ثم قتلناهم، فلو طرحت مبضعاً لما وقع إلا على أكحل رجل.

وكان قد قال في الغزل:

شرب الوصل بجنح الهجر فاستطلق بطن الوصال بالإسهال
ففؤاد المحبّ ينحله السّهد وقلبي معلّقٌ بالمطال
وفؤادي مبرسمٌ ذو زحيرٍيابن ماسويه ضاق احتيالي
لو ببقراط بعض ما بي وجالينوس ماتا منه بأسوأ حال

وسألت جعفر الخياط عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مثل سوق الخلقان؛ فما كان إلا بقدر ما يخيط الرجل درزاً، حتى تركناهم في أضيق من جربان، فلو طرحت إبرة لما وقعت إلا على درز رجل.

وكان قد قال في الغزل:

فتقت بالهجران درز الهوىبإبرة من إبر الصدّ
فالقلب من ضيق سراويلهيعثر بي في تكّة الجهد
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «فتقت بالهجر دروز الهوى»
حسدتني يا طيلسان الهوىمنه على سوءٍ شقا جدّي
أزرار عيني فيك موصولةٌبعروة الدّمع على خدّي
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «فتقت بالهجر دروز الهوى»
يادستبان القلب يا زيقهعذّبني الدركنز بالوعد
قد قصّ ما أعرف من وصلهمقراض بين مرهف الحدّ
يا حجزة النفس ويا ذيلهاما لي من وصلك من بدّ
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «فتقت بالهجر دروز الهوى»
ويا جرّبان سروري وياجيب غرامي حلت عن عهدي

وسألت إسحاق بن إبراهيم عن ذلك وكان زارعاً فقال: لقيناهم في مثل جريب من الأرض؛ فما كان إلا بقدر ما يسقي الرجل مشارة حتى قتلناهم عن آخرهم، فلو طرحت منجلاً لما سقط إلا على رأس رجل؛ فصاروا مثل أكوام التبن إذا خرج عن الحب.

وكان قد قال في الغزل:

زرعت هواه في جريبٍ مثلّثٍوأسقيته ماء الدوام على العهد
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «زرعت هواه في جريب مثلث»
فلما تعالى النبت واخضرّ يانعاًوأفرك حبّ الحبّ في سنبل الودّ
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «زرعت هواه في جريب مثلث»
أتته أكفّ الهجر فيها مناجلٌفأسرعن فيه حين أدرك بالحصد
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «زرعت هواه في جريب مثلث»
فيا شؤم مالي إذ يعطل للشقاويا ويح ثوري صار معلفه كبدي
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «زرعت هواه في جريب مثلث»

وسألت فرجاً الرخجي عن مثل ذلك وكان خبازاً فقال: لقيناهم في مثل مقدار جفنة، فما كان إلا بقدر ما يعجن الرجل قفيزاً أو يخبز أرغفة، حتى صيرناهم في أضيق من جحر التنور، فلو طرحت جردقاً لما وقع إلا في خوان الخبز على كثرة القتلى.

وقد كان أنشد في الغزل:

قد عجن الهجر دقيق الهوىفي جفنةٍ من خشب الصدّ
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «قد عجن الهجر دقيق الهوى»
فاختمر البين فنار الهوىتزجي بشوك الهجر من بعدي
وأقبل الصدّ بهجرانهيفحص عن أرغفة الوجد
جرادقاً للوعد مسمومةًمثرودةً في قصعة الجهد

وسألت عبد الله بن عبد الصمد عن مثل ذلك وكان مؤدباً فقال: لقيناهم في مقدار كنف، فما كان إلا بمقدار ما يقرأ الصبي إمامة، حتى تركناهم في أضيق من فم الرقم، فلو طرحت دواةً لما سقطت إلا على حجر قتيل.

وقد كان قال في الغزل:

قد أمات الهجران صبيان قلبيففؤادي مولّهٌ ذو خبال
كسر البين لوح وصلي فما أطمع ممن هويته في وصال
وقع الرقم عن دواتي فمذ أطلق مولاي حبله من حبالي
مشق الحبّ من فؤادي لوحين فأغرى جوانحي بالسلال
لاق كبدي دواته فمداد العين مذ صدّ مالكي ذو انهمال

وسألت الجهم بن بدر عن مثل ذلك وكان صاحب حمام ت فقال: لقيناهم في مثل بيت الابتذال، فقاتلناهم بقدر ما تخلف النورة، ثم ألجأناهم إلى أضيق من الأبزن، فهزمناهم بقدر ما يغسل الرجل وجهه؛ فلو طرحت ليفة لما وقعت إلا على ظهر رجل.

وقد كان قال في الغزل:

يا نورة الهجر غلفت الصفابما بدا من ليفة الصدّ
يا مبذر الأسقام حتّى متىتنقع في حوضٍ من الجهد
انقل ذيول الوصل لي مرةمنك بزنبيلٍ من الودّ
فالبين مذ أوقد حمّامههيّج قلبي مشلّح الوجد
أفسد خطمي الهوى والصفابحاله الناقض للعهد

وسألت الحسن بن أبي قماش وكان أبوه كناساً فقال: لقيناهم بقدر ما يكنس الرجل زنبيلاً، حتى تركناهم في أضيق من جحر المخرج، فلو رميت بنت وردان لما وقعت إلا على ظهر قتيل.

وكان قد قال في الغزل:

أصبح قلبي للهوى مخرجاًتسلح فيه فقحة الهجر
خنافس الهجران أثكلننينومي فولّى معرضاً صبري
وبنت وردان الهوى تيّمتعقلي فما أعقل ما أمري

وسألت أحمد الشرابي، فقال: لقيناهم في مقدار بيت شراب، فلم يكن إلا بمقدار ما يبزل الرجل دنا، حتى تركناهم في أضيق من رطلية، ثم سالت دماؤهم كالدردي، فلو طرحت كأساً لما وقع إلا في كف رجل.

وكان قد قال في الغزل:

شربت بكأس اللهو من راحة الهوىورقرقت خمر الوصل في قدح البين
فسالت دنان الحبّ يدفقها الصباوكرّت قرابات دمعي على عيني

وسألت عبد الله الطاهري وكان طباخاً فقال: لقيناهم في مقدار مطبخ أمير المؤمنين، فما كان إلا بمقدار ما يشوي الرجل حملاً أو جدباً، أو يفرغ من طبخ ثلاثة ألوان، أو يعقد فالوذجةً، حتى تركناهم في أضيق من أثافي القدر، فلو طرحت ملعقة لما وقعت إلا على بطن قتيل.

وكان قد قال في الغزل:

شبه الفالوذج في حمرة الخدّ ولوزينج النفوس الظماء
أنت جوزينج الفؤاد وفي اللين كلين الخبيصة الصفراء
أنت مستهترٌ بسكباج ودّبعد جوزابة بجنب شواء
يا قتار القدور في يوم عرسٍوشبيهاً بشهدةٍ بيضاء
أنت أشهى إلى الفؤاد من الزبد مع البرسيان وقت الغداء
أطعم الحاسدين ألوان غمّفي قصاع الأحزان والضراء
قد غلا القلب مذ خلت منك داريغليان القدور بعد الصّلاء
هام لمّا كسرت فيك غضارات سروري مفارق الشّحناء
إنّ إسفيداج وجهك يشفيمن رقيق الأحزان أي شفاء
فتفضل على العميد بماءورد يكبت قلوب العداء

وسألت داود الفراش عن مثل ذلك قال: لقيناهم في مثل تربيع الفسطاط، فما كان إلا بقدر ما يفرش الرجل بيتاً أو بيتين، حتى تركناهم في أضيق من صاريات ثم قتلناهم، فلو رأيت نجار التراب عليهم وقد سالت دماؤهم في حمرة الأرمني.

وكان قد أنشدني في الغزل:

كنس الهجر ساحة الوصل لمّاعثر البين في وجوه صفائي
فلقد بثّ في فراش هموميتحت خدّي وسائداً لضنائي
حين هيأت بيت حسن من الوصل لأثوابه ستور إخاء
فرش الهجر لي بيوت مسوحٍمتّكاها مطارح الحصباء
رقّ للصبّ من بواعث وجدٍقد تخالسنه صباح مساء

يا أمير المؤمنين: إنما ينطق اللسان بما يتصور الجنان، ويظهر في الكلام ما يخطر على الأوهام، فمن لم يعرف إلا شيئاً واحداً لم يتكلم إلا عليه، ومن كثر علمه كثرت خواطره، واتسعت مذاهبه، ورب هزل أنفع من جد؛ إذا أصيب به موضع الحاجة إليه، ووضع بحيث تقع همم النفوس عليه، والسلام.

والجاحظ صنع هذه الأشعار لما وضع هذه الأخبار، وكان قديراً على الشعر سراقاً له. روى أبو مسلم الكشي قال: حدثني إبراهيم بن رباح قال: مدحني حماد بن أبان اللاحقي بشعر فيه هذان البيتان:

بدا حين أثرى بإخوانهففلّل فيهم شباة العدم
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وذكّره الحزم غبّ الأمورفبادر قبل انتقال النعم
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

فروي هذا الشعر وعرف بالبصرة، ثم جاءني الجاحظ فمدحني بشعر أدخل فيه هذين البيتين، فاحتملت ذلك وأثبته؛ فبينما أنا جالس يوماً في مجلس أحمد بن أبي دواد والجاحظ في مجلسه، إذ قال لي أحمد ما وصفت بشيء أحسن مما مدحني به أبو عثمان، وأنشدني البيتين. فقلت: إن مادحك أعزك الله يجد فيك مقالاً والجاحظ ملأ عينيه مني ولا يستحي مني.

وله في رسالة إلى أبي الفرج محمد بن نجاح قصيدة مستحسنة أولها:

أقام يداً والخفض راضٍ بحظّهوذو الحظّ يسري حيث لا أحد يسري
يظنّ الرضا بالقوت شيئاً مهوّناًودون الرضا كأسٌ أمرّ من الصبر

وقد طعن أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني بديع الزمان على بلاغة الجاحظ فقال: هو في أحد شقي البلاغة يقف، وفي الآخر يقتطف، والبليغ من لم يقصر نظمه عن نثره ولم يزر كلامه بشعره، أفترون للجاحظ شعراً رائقاً؟ قالوا: لا. قال: فهلموا إلى نثره تجدوه قريب العبارات، بعيد الإشارات، قليل الاستعارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من بديعه يهمله.

وليس هذا موضع الكلام على بلاغته، وإلا فكنت أنبه على معايب كلامه ومقابحه، ومحاسن خطابه وممادحه.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وصف بعض المزينين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.