تجاوز إلى المحتوى

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من ملح أبي الأسود

قال المدائني: كان لأبي الأسود الدؤلي دكان إلى صدر الرجل يجلس فيه وحده، ويضع بين يديه مائدة ويدعو إليها كل من يمر به، وليس لأحد أن يجلس؛ فينصرفون عنه.

وكان أبخل الناس، فمر به صبي من الأنصار؛ فقال له أبو الأسود: هلم إلى الغداء يا فتى؛ فأتى إليه، فلم ير موضعاً يجلس فيه، فتناول المائدة فوضعها في الأرض ثم قال: يا أبا الأسود، إن كان لك في الغداء حاجة فانزل؛ وأقبل الفتى يأكل حتى أتى على جميع ما في المائدة، وسقطت آخر الطعام من يده لقمة على الأرض فأخذها وقال: لا أدعها للشيطان. فقال أبو الأسود: والله ما تدعها للملائكة المقربين، فكيف تدعها للشياطين! ثم قال له: ما اسمك؟ قال: لقمان. فقال أبو الأسود: أهلك كانوا أعلم زمانهم إذ سموك بهذا الاسم، ولم يعد بعد إلى ما كان يصنع.

واسم أبي الأسود ظالم بن عمرو من بني الدئل من كنانة، وكان قد أدرك حياة النبي ﷺ، وسافر إلى البصرة على عهد عمر ﵁، واستعمله علي بن أبي طالب ﵁ على البصرة وكان شيعياً، وهو أول من وضع العربية وهو القائل:

أمنت على السرّ امرءاً غير حازمولكنه في الودّ غير مريب
أذاع به في الناس حتى كأنهبعلياء نار آذنت بثقوب
وما كلّ ذي لبٍ بمؤتيك نصحهوما كل مؤتٍ نصحه بلبيب
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أمنت على السر امرء غير حازم»
ولكن متى ما جمعا عند واحدٍفحقّ له من طاعة بنصيب

وكان مجاوراً لبني قشير وهم عثمانية وكانوا يرجمونه، فإذا أصبح شكاهم؛ فيقولون: ما نحن رجمناك، الله تعالى رجمك. فيقول: كذبتم يا فعلاء، أنتم ترمون فتخطئون ولو كان الله رماني ما أخطأني؛ ثم باع داره وانتقل عنهم. فقيل له: أبعت دارك؟ فقال: بل بعت جاري، وفيهم يقول:

يقول الأرذلون بنو قشيرطوال الدهر ما تنسى عليّا
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «يقول الأرذلون بنو قشير»
أحب محمداً حبّاً شديداًوعبّاساً وحمزة والوصيّا
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «يقول الأرذلون بنو قشير»
فإن يك حبّهم رشداً أصبهولست بمخطىءٍ إن كان غيّا

فقالوا له: أشككت؟ فقال: مما شك الله تعالى إذ يقول: " وإنا أو إياكم لعلى هُدَّى أو في ضلالٍ مبين ".

وقال عمر بن شبة: لما وقعت الفتنة أيام ابن الزبير بالبصرة مر أبو الأسود على مجلس ابن قشير، فقال: على ماذا أجمع أمركم في هذه الفتنة؟ قالوا: لم تسألنا يا أبا الأسود؟ قال: لأخالفكم، فإن الله لم يجمعكم على حق.

وأنشد ابن شبة في هذا المعنى لبعض المحدثين:

إذا أشبه الأمران يوماً وأشكلاعليّ فلم أعرف صواباً ولم أدر
سألت أبا بكر خليل محمّدٍفقلت له ما تستحبّ من الأمر؟
فإن قال قولاً قلت شيئاً خلافهلأنّ خلاف الحقّ قول أبي بكر

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بنو وهب من الظرفاء والكتاب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.