من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
سبب طلب ابن المعتز للخلافة
وكان سبب طلب ابن المعتز للخلافة: أن المقتدر وهو جعفر بن المعتضد وأمه أمة سوداء واسمها شعب لما استخلف أرجف الناس فيه وتكلموا في أمره. وقالوا: كيف يلي الخلافة من لم يبلغ الحلم؟ وكانت سنه يومئذ ثلاث عشرة سنة وشهراً وعشرين يوماً، وقالوا: لا بد من خلعه لأنه سادس.
قال الصولي: وقد جرى في السادس أمر طريف من الاتفاق؛ وذلك أن الله ﵎ أورث الأرض سيد الأولين والآخرين ﷺ، والخلفاء الراشدين بعه أربعة. واستخلف بعد علي ﵁ الحسن ابنه وهو السادس فخلع. وسلم الأمر إلى معاوية ثم إلى يزيد بن معاوية ثم إلى معاوية بن يزيد ثم مروان بن عبد الحكم ثم عبد الملك بن مروان ثم بويع ابن الزبير في أيامه أو بعدها وهو السادس فخلع، ثم انقضت دولة بني أمية ولم يكمل بعد الوليد ستة، وإنما ولي يزيد بن الوليد الناقص وإبراهيم بن الوليد بن مروان ومروان بن محمد وهو آخر ملوك بني أمية. ثم استفتح ملك بني العباس بأبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور ومحمد بن المنصور المهدي وموسى الهادي بن المهدي وهارون الرشيد بن المهدي والأمين بن الرشيد بن المهدي وهو السادس فخلع، ثم ولي المأمون بن الرشيد والمعتصم أخوه والواثق بن المعتصم والمتوكل بن المعتصم والمنتصر بن المتوكل والمستعين أحمد بن المعتصم فخلع وهو السادس.
قلت أنا: وولي القاهر محمد بن المعتضد والراضي أبو العباس بن المقتدر والمتقي أبو إسحاق بن المقتدر والمستكفي والمطيع الفضل بن جعفر المقتدر والطائع أبو بكر عبد الكريم بن المطيع وهو السادس فخلع. وولي بعده أبو العباس القادر وهو الخليفة في هذا الزمان، وكان الإرجاف في أول ولاية المقتدر شديداً من الخاصة والعامة، فلما قتل العباس وزيره أخذ محمد بن داود بن الجراح البيعة على الناس لعبد الله بن المعتز، ووجه إلى القضاة والعدول، فاجتمع من القواد وغيره زهاء خمسة آلاف سوى الأتباع، فأظهر لهم محمد بن داود عبد الله بن المعتز، وكتب كتاباً خلع فيه المقتدر، واحتج بأن إمامته لا تجوز لقصوره من بلوغ الحلم وصغره عن الخلافة، واستحقاق عبد الله إياها لكماله وحنكته ومعرفته في أمور المسلمين وعلمه بشرائع الدين، فشهد العدول على ما في الكتاب ومن حضر من أشراف بغداد، وبايعوا ابن المعتز ولقبوه المنتصف، ويقال الراضي، ويقال القائم بالحق، وتقلد ابن الجراح الوزارة، وتكلم عبد الله بن المعتز وذكر المقتدر وأنه لا صلاة للناس معه ولا حج ولا غزو. وقال: قد آن للحق أن يتضح، وللباطل أن يفتضح، وقام وكيع فقرظه وذكر محاسنه وذكر شعر أبي العتاهية في هارون الرشيد وهو:
أتته الخلافة منقادةًإليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلاّ لهولم يك يصلح إلاّ لها
ولو رامها أحدٌ غيرهلزلزلت الأرض زلزالها
ولم يبق في دار المقتدر حينئذ إلا نفر يسير، وهر بعضهم إلى ابن المعتز، فسعى مؤنس الخازن وسوسن في نقض هذا العقد في اليوم الثاني، وجددا للناس بيعة المقتدر، وأخرجا الأموال فزادا في الأعطية، فانجفل الناس إليهما، ولم يبق مع ابن المعتز أحد؛ فهرب إلى دار ابن الجصاص، وهذا خبر طويل ليس هذا موضع استقصائه. ثم خلع المقتدر بعد ذلك وقتل في الحرب، ولم يقتل في الإسلام خليفة بين الصفين غيره.
ولما ظهر ابن المعتز ميتاً رثاه الناس؛ فقال ابن بسام:
لله درّك من ميت بمضيعةناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لوٌّ ولا ليت فتنقصهوإنما أدركته جرفة الأدب
وطولب ابن الجصاص بالتجائه إليه، وأراد المقتدر قتله. فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنه ابن عمك، وقد لجأ إلى داري، وأنا غائب عنها، فكتمت أمره لعل رأيك يحسن فيه، ولست بمضاد في خلافة ولا قادح في مملكة، وقتلي لا ينفعك؛ وفي حياتي لك فائدة. قال: وما فائدة حياتك؟ قال: أدفع إليك كل يوم ألف دينار؛ فترك ووفى في ذلك مدة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع