من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من ملح الأعراب
قال بعض الرواة: خرجنا نريد البصرة فنزلنا على ماء لبني سعد، فإذا أعرابية نائمة فأنبهناها للصلاة؛ فأتت الماء فوجدته بارداً فتوجهت إلى القبلة قاعدة ولم تمس الماء، فكبرت ثم قالت: اللهم قمت وأنا عجلى، وصليت وأنا كلى؛ فاغفر لي عدد الثرى. قال: فعجبنا وقلنا: ما تجوز لك الصلاة وما هذه بقراءة! قالت: والله إن هذه لصلاتي منذ أربعين سنة.
وقام أعرابي وقد حضرت الصلاة فقال: حي على العمل الصالح، قد قامت بالفلاح. ثم تقدم فكبر. وقال: اللهم احفظ لي حسبي ونسبي، واردد علي ضالتي، واحفظ هملي، والسلام عليكم.
وصلت أعرابية في شهر رمضان فقرأ الإمام السجدة فسجد وسجدت الناس؛ فخرجت تحضر وتنادي، صعق الناس ورب الكعبة، وقامت القيامة! وقام أعرابي يصلي وحلفه قوم جلوس، فقال: الله أكبر! أفلح من هب إلى صلاته، وأخرج الواجب من زكاته، وأطعم المسكين من نخلاته، وحافظ على بعيره وشاته؛ فضحك القوم. فقال: أمن هينمتي ضحكتم؟ أشهد عند الله على عمتي أنها سمعت ذلك من فيّ مسيلمة.
وقف أعرابي يسأل فقال له رجل: يا أعرابي؛ هل لك في خير مما تطلب؟ قال: ما هو؟ قال: أعلمك سورة من القرآن. فقال: لا والله؛ إني لأحسن ما إن عملت به لكفاني!؟ أحسن منه خمس سور، فاستقرأته فقرأ: الحمد، والنصر، والكوثر وسكت. فقلت: هذه ثلاث، فأين الاثنتان؟ قال: إني وهبتهما لابن عمي وعلمته إياهما، ولا والله لا أرجع في شيء أبداً.
دخل أعرابي الحمام فلما أحس بوهجه أنشأ يقول:
أُدخلت في بيت لهم مهندسقد ضربوه بالرخام الأملس
فسكّ سمعي واستطار نفسيوقلت في نفسي بالتوسوس
أدخلت في النار ولما أُرمس
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع