من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
النكث في البيع خير من خيانة الشريك
وجلس مالك بن طوق في قصره في شباك مطل على رحبته، ومعه جلساؤه، إذ أقبل أعرابي تخب به ناقته؛ فقال: إياي أراد، ونحو قصد. ولعل معه أدباً ينتفع به، ثم أمر بإدخاله؛ فلما مثل بين يديه قال: ما أقدمك يا أعرابي؟ قال: سيب الأمير ورجاء نائله. قال: هل قدمت أمام رغبتك وسيلة؟ قال: نعم؟ أربعة أبيات قلتها بظهر البرية، فلما رأيت ما بباب الأمير من الهيبة والجلال استحقرتها واستصغرتها. قال: فهل لك أن تنشدنا أبياتك على أن نجيزك عليها ألف درهم، فإن كنت ممن أحسن ربحنا عليك، وإلا فقد نلت مرادك، وربحت علينا. قال: رضيت، وأنشده:
وما زلت أخشى الدهر حتى تعلّقتيداي بمن لا يتّقي الدهر صاحبه
فلما رآني الدهر تحت جناحهرأى مرتقىً صعباً منيعاً مطالبه
رآني بحيث النّجم في رأس باذخٍتظلّ الورى أكنافه وجوانبه
فتىً كسماء الغيث والناس حولهإذا قحطوا جادت عليهم سحائبه
فقال: قد والله ظفرنا يا أعرابي، ورزقنا الفلج عليك، والله ما قيمتها إلا عشرة آلاف درهم. قال: فإن لي صاحباً شاركته فيها، وما أراه يرضي ببيعي. قال: أتراك حدثتك نفسك بالنكث؟ قال: نعم؟ وجدت النكث في البيع خيراً من خيانة الشريك. فأمر له بعشرة آلاف دينار.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع