تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطان القسطنطينية

واسمه تكفور (بفتح التاء المثناة وسكون الكاف وضم الفاء وواو وراء)، ابن السلطان جرجيس وأبوه السلطان جرجيس بقيد الحياة لكنه تَزَهَّدَ وتَرَهَّبَ وانقطع للعبادة في الكنائس وتَرَكَ المُلْكَ لولده وسنذكره، وفي اليوم الرابع من وصولنا إلى القسطنطينية بَعَثَتْ إلي الخاتون الفتى سنبل الهندي فأخذ بيدي وأدخلني إلى القصر فجزنا أربعة أبواب في كل باب سقائف بها رجال وأسلحتهم وقائدهم على دكانة مفروشة، فلما وَصَلْنا إلى الباب الخامس تَرَكَنِي الفتى سنبل ودَخَلَ ثم أتى ومعه أربعة من الفتيان الروميين، ففتشوني لئلا يكون معي سِكِّين، وقال لي القائد: تلك عادة لهم، لا بد من تفتيش كل من يدخل على الملك من خاصٍّ أو عامٍّ، غريبٍ أو بلديٍّ، وكذلك الفعل بأرض الهند، ثم لما فتشوني قام الموكل بالباب فأخذ بيدي وفتح الباب وأحاط بي أربعة من الرجال؛ أمسك اثنان بكمي واثنان من ورائي، فدخلوا بي إلى مشور كبير حيطانه بالفسيفساء قد نُقِشَ فيها صور المخلوقات من الحيوانات والجماد، وفي وسطه ساقية ماء، ومن جهتيها الأشجار والناس واقفون يمينًا ويسارًا سكوتًا لا يتكلم أحد منهم، وفي وسط المشور ثلاثة رجال وقوف أسلمني أولئك الأربعة إليهم فأمسكوا بثيابي كما فعل الآخرون، وأشار إليهم رجل فتقدموا بي وكان أحدهم يهوديًّا، فقال لي بالعربي: لا تَخَفْ، فهكذا عادتهم أن يفعلوا بالوارد، وأنا الترجمان، وأَصْلِي من بلاد الشام، فسألته: كيف أُسَلِّمُ؟ فقال: قل: السلام عليكم.

ثم وَصَلْتُ إلى قبة عظيمة والسلطان على سريره، وزوجته أم هذه الخاتون بين يديه، وأسفل السرير الخاتون وإخوتها، وعن يمينه ستة رجال، وعن يساره أربعة وكلهم بالسلاح، فأشار إلي قَبْلَ السلام والوصول إليه بالجلوس هنية ليسكن روعي ففعلْتُ ذلك، ثم وصلْتُ إليه فسلَّمْتُ عليه، وأشار إليَّ أن اجْلِسْ فلم أفعل، وسألني عن بيت المقدس وعن الصخرة المقدسة وعن القمامة وعن مهد عيسى وعن بيت لحم وعن مدينة الخليل عليه السلام، ثم عن دمشق ومصر والعراق وبلاد الروم فأجبته عن ذلك كله، واليهودي يترجم بيني وبينه، فأعجبه كلامي وقال لأولاده: أَكْرِموا هذا الرجل وأَمِّنُوه، ثم خَلَعَ علي خلعة وأَمَرَ لي بفرس مُسَرَّج مُلْجَم ومِظَلَّة من التي يجعلها المَلِك فوق رأسه وهي علامة الأمان، وطلبت منه أن يُعَيِّن من يركب معي بالمدينة في كل يوم حتى أُشَاهِدَ عجائبها وغرائبها وأَذْكُرَها في بلادي فعَيَّنَ لي ذلك، ومن العوائد عندهم أن الذي يلبس خلعة الملك ويركب فرسه يطاف به في أسواق المدينة بالأبواق والأنفار والأطبال ليراه الناس، وأكثر ما يَفْعَل ذلك بالأتراك الذين يأتون من بلاد السلطان أوزبك؛ لئلا يُؤْذَوْنَ، فطافوا بي في الأسواق.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.