تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر المدينة

وهي متناهية في الكِبَر منقسمة بقسمين بينهما نهر عظيم المد والجزر على شكل وادي سلا من بلاد المغرب، وكانت عليه فيما تَقَدَّمَ قنطرة مبنية فخربت، وهو الآن يعبر في القوارب، واسم هذا النهر أبسمي (بفتح الهمزة وإسكان الباء الموحدة وضم السين المهمل وكسر الميم وياء مد) وأحد القسمين من المدينة يسمى أصطنبول (بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الطاء المهملتين وسكون النون وضم الباء الموحدة وواو مد ولام)، وهو بالعدوة الشرقية من النهر وفيه سكنى السلطان وأرباب دولته وسائر الناس، وأسواقه وشوارعه مفروشة بالصفاح متسعة، وأهل كل صناعة على حدة لا يشاركهم سواهم، وعلى كل سوق أبواب تسد عليه بالليل، وأكثر الصناع والباعة بها النساء، والمدينة في سفح جبل داخل في البحر نحو تسعة أميال وعرضه مثل ذلك أو أكثر، وفي أعلاه قلعة صغيرة وقصر السلطان، والسور يحيط بهذا الجبل وهو مانع لا سبيل لأحد إليه من جهة البحر وفيه نحو ثلاث عشرة قرية عامرة، والكنيسة العظمى هي في وسط هذا القسم من المدينة، وأما القسم الثاني منها فيسمى الغلطة (بغين معجمة ولام وطاء مهمل مفتوحات) وهو بالعدوة الغربية من النهر شبيه برباط الفتح في قرية من النهر، وهذا القسم خاص بنصارى الإفرنج يسكنونه، وهم أصناف: فمنهم الجنويون والبنادقة وأهل رومية وأهل أفرانسة وحكمهم إلى ملك القسطنطينية يقدم عليهم منهم من يرتضونه ويسمونه القمص، وعليهم وظيفة في كل عام لملك القسطنطينية، وربما استعصوا عليه فيحاربهم حتى يصلح بينهم البابا وجميعهم أهل تجارة، ومرساهم من أعظم المراسي رأيت به نحو مائة جفن من القراقر وسواها من الكبار، وأما الصغار فلا تحصى كثرةً، وأسواق هذا القسم حسنة، إلا أن الأقذار غالبة عليها ويشقها نهر صغير قذر نجس، وكنائسهم قذرة لا خير فيها.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.