من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر الكنيسة العظمى
وإنما نذكر خارجها، وأما داخلها فلم أشاهده، وهي تسمى عندهم أيا صوفيا (بفتح الهمزة والياء آخر الحروف وألف وصاد مضموم وواو مد وفاء مكسورة وياء كالأولى وألف)، ويُذْكَر أنها من بناء آصف بن برخيا وهو ابن خالة سليمان عليه السلام، وهي من أعظم كنائس الروم وعليها سور يطيف بها فكأنها مدينة، وأبوابها ثلاثة عشر بابًا، ولها حَرَم هو نحو ميل عليه باب كبير ولا يُمْنَع أحد من دخوله، وقد دَخَلْتُه مع والد الملك الذي يَقَعُ ذِكْرُه وهو شبه مشور مسطح بالرخام وتشقه ساقية تخرج من الكنيسة لها حائطان مرتفعان نحو ذراع مصنوعان بالرخام المجزع المنقوش بأحسن صنعة، والأشجار منتظمة عن جهتي الساقية، ومن باب الكنيسة إلى باب هذا المشور معرش من الخشب مرتفع، عليه دوالي العنب وفي أسفله الياسمين والرياحين، وخارج باب هذا المشور قبة خشب كبيرة فيها طبلات خشب يجلس عليها خدام ذلك الباب، وعن يمين القبة مساطب وحوانيت أكثرها من الخشب يجلس بها قضاتهم وكُتَّاب دواوينهم، وفي وسط تلك الحوانيت قبة خشب يُصْعَد إليها على دَرَج خشب وفيها كرسي كبير مطبق بالملف يجلس فوقه قاضيهم وسنذكره، وعن يسار القبة التي على باب المشور سوق العطارين، والساقية التي ذكرناها تنقسم قسمين؛ أحدهما يمر بسوق العطارين، والآخر يمر بالسوق حيث القضاة والكتاب، وعلى باب الكنيسة سقائف يجلس بها خُدَّامها الذين يقمون طرقها ويوقدون سرجها ويغلقون أبوابها، ولا يدعون أحدًا يدخلها حتى يسجد للصليب الأعظم عندهم الذي يزعمون أنه بقية من الخشبة التي صُلِبَ عليها شبيه عيسى عليه السلام، وهو على باب الكنيسة مجعول في جعبة ذهب طولها نحو عشرة أذرع، وقد عرضوا عليها جعبة ذهب مثلها حتى صارت صليبًا، وهذا الباب مصفح بصفائح الفضة والذهب وحلقتاه من الذهب الخالص، وذُكِرَ لي أن عَدَدَ مَنْ بهذه الكنيسة من الرهبان والقسيسين ينتهي إلى آلاف، وأن بعضهم من ذرية الحواريين، وأن بداخلها كنيسة مختصة بالنساء فيها من الأبكار المنقطعات للعبادة أزيد من ألف، وأما القواعد من النساء فأكثر من ذلك كله، ومن عادة الملك وأرباب دولته وسائر الناس أن يأتوا كل يوم صباحًا إلى زيارة هذه الكنيسة ويأتي إليها البابا مرة في السنة وإذا كان على مسيرة أربع من البلد يخرج الملك إلى لقائه ويترجل له، وعند دخول المدينة يمشي بين يديه على قدميه، ويأتيه صباحًا ومساء للسلام عليه طول مقامه بالقسطنطينية حتى ينصرف.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع