من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
امرؤ القيس السائح
عن ابن الكلبي عن ابنه قال: كان امرؤ القيس البدي، وهو محرّق
الأول ابن عمرو بن امرئ القيس، وأمّه الشقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو الذي تعبّد وساح، فلا يدرى إلى ما صار أمره.
قال ابن الكلبي: كالن امرؤ القيس هذا ذا جمال ومنطق، وكان طويل المصاحبة للذات، كثير العكوف على اللهو، وكان مع ذلك يرجع إلى عقل أصيل، ورأي ثابت، فخرج يوما في بعض ملاهيه، إمّا متبدّيا أو متصيّدا، فانقطع عن أصحابه، فاذا هو برجل كالمفآد عليه أطمار، قد جمع عظاما من عظام الموتى، وهي بين يديه، فقال له الملك: ما قصتك أيها الرجل؟ وما بلغ بك ما أرى من سوء الحال، وشسوف الجسم، وتلويح اللون، والانفراد بهذه الفلاة؟ فقال له الرجل: أمّا ما ترى من تغيّر حالي، ونحول جسمي وشحوبي، فأني على جناح سفر بعيد، وبي موكلان مزعجان يحدوان بي إلى منزل ضنك المحلّ، مظلم القعر، كريه المقرّ، ثم يسلماني إلى مصاحبة البلى، ومجاورة الهلكى، بين أطباق الثّرى، فلو تركت بذلك المضجع مع جفائه وضيقه ووحشته، ويقطع أعضائي فيه، وارتعاء، أحناش الأرض في لحمي وعصبي وعظامي، حتى أعود رفاتا، وتصير
أعظمي رماما، كان للبلى انقضاء، وللشقاء نهاية، ولكني أرفع بعد ذلك إلى صحيحة الحشر، فأرد أهوال مواقف الجزاء، ثم لا أدري إلى أي الدارين يؤمر بي، فأيّ عيش يلتذ من يكون إلى هذا الشأن صيّوره.
فلما سمع الملك هذه المقالة، ألقى نفسه عن فرسه، وعقد بين يدي الرجل وقال له: يا هذا، لقد كدّر مقالك عليّ صفو عيشي، وملك الإشفاق قلبي، فأعد عليّ بعض قولك، واشرع لي دينك، قال له الرجل: أما ترى هذه العظام التي بين يدي؟ قال: بلى، قال هذه عظام ملوك، غرّتهم الدنيا بزخرفها، واستحوذت على قلوبهم بغرورها، وألهتهم عن التأهب لهذه المصارع، حتى فاجأتهم الآجال، وخذلتهم الآمال، وعصبتهم عزّة الملك، وسلبتهم بها النعيم، وأودعتهم أطباق الأرض، حتى صيّرتهم إلى ما ترى، وستنشر هذه العظام فتعود أجساما، ثم تجازى بأعمالها، فأما إلى دار القرار، وأما إلى محلّ البوار، ثم امتلس الرجل فلم ير له أثر، وتلاحق أصحاب الملك به وقد أمتقع لونه، وتواصلت عبراته، فركب وقيذا، فلما جنّ عليه ألقى ما كان عليه من لباس الملك، ولبس طمرين، وخرج تحت الليل، فكان آخر العهد به.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع