تجاوز إلى المحتوى

من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)

رسالة لبعضهم

الآمال أعزك الله قرائن النّعم، لا ينفكّ منها، ولا يتحول عنها، إلا إذا حمى الشّحّ أكنافها، ومنع حوزتها، وصار حاجزا دونها، وحاشى لما أودعك الله من نعمه، وخوّلك من مواهبه، أن تكون حمى على الآمال أن تردّه، وعلى الرجاء أن يسترفده، لأن ذلك ذخيرة من توفّي نعمته على همّته، ويزيد حظّه على أمنيّته، ويرى الاحتفاظ بما في يده من أعدّ عدده على نوائب دهره، فأما من كانت نفسه فوق ما خوّل، وقسمه دون ما يؤمّل، ومن يرى البقاء الذي لا يغتاله الغناء، والذخر الذي لا يتخوّنه الدهر، أحدوثة حسنة توثر، وذكرا جميلا ينشر، وصنيعة تسدى وتستثمر، فليس يرضى أن تذود عن فنائه أملا [أن] يجد له على ما قبله معوّلا، ولا بأن يجعل المعاذير جنّة، وهو يجد على ماله وجاهه وماله محتملا، وقد جعل الله كذلك فسهّل الله لك ما تحاوله، ولا قصّر بك عن غاية ما تؤمّله، وذو الحرمة ملوم على الإفراط في الدالة، كما أنّ المتجرّم به مذموم على التناسي والإذالة، ومن مذهبي الوقوف

بنفسي دون الغاية التي يقدمني إليها حقي، ويشرف بي عليها استحقاقي لأمرين، أولهما: أنّ الرضا بدون الحق أزيد في الحق، والثاني: أني أرى النفس في الحظ زهيدا إذا أتى من جهة الإرهاق، والكف لي ذمام المودّة الصادقة، التي كلّ حرمة تبع لها، ومطّرح معها، وحقّ الشكر الذي جعله الله وفاء بالنّعم، وإن جلّ قدرها، وانتهت الآمال دونها، وأنت أعزّك الله فراعي المعالي، وحافظ بغية التّكرّم، أن تخترمها الأيام والليالي، فأيّ سبيل للعذر، أم أيّ موضع للإكداء، بين حرمتي ورعايتك، وذمامي وكرمك، لا والله ما أعرف إلا أن تأتي الأقدار بما لا يقع في ظنّ الحازم، ولا تبلغه إنذار الخائف، والله يعيذك ومؤمليك من ذلك، ومن أن أكون أول من يستثنى به عند وصف مساعيك، وذكر منّتك وأياديك بخيبته عليك لسان القادح، وقول العدو الكاشح.

ولئن تقادم عهد حاجتي وطالت مدتها، وتراخى النّجح عنها، إنّ ثقتي بك لتامّة وافية، غير منهوكة بالظنون السيئة، لأني لا أرى لسوء الظن مجازا إليك، ولا متقدما على فضلك، ولا بد من الأدّكار مع ما تعتورك من الأمور التي لا ينكر مع استبدادها وغلبتها عليك، أن تسقط عند بعض الفرائض التي لا يسع إغفالها، فضلا عما هو دونها، وأنت أعزك الله عارف أنّني فسحت للعذر سبيله، وكثّرت طرقه ووجوهه في مفتتح هذه الحاجة، ولم يكن تمهيدي إياه لنبوة خفتها منك، ولا لأني لم أجد للقول مصرفا فيما حاولته قبلك، ولكنني نزهتك عن التجمّل لي بوعد يطول به المدى، ويعتزله الوفاء، وأحببت أن يتقرّر عندك أملي فيك، أبعد من أن اختلس الأمور منك، اختلاس من يرى أنّ في عاجلك عوضا من آجلك، وأنشد:

إنّ الذي شقّ فمي ضامنللرزق حتى يتوفاني
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «إن الذي شق فمي ضامن»

أنشد:

شفيعي شفيع لا يردّ له أمرفياليت شعري هل يساعدني الدهر
إذا الشافع استقصى لك الأمر كلّهوإن لم يكن نجح فقد وجب الشكر

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول من المجموع اللفيف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.