تجاوز إلى المحتوى

من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)

العفو وبلاغة الاعتذار

حدث ابن كشمرد قال: لما خرج تميم بن جميل الأوسي على المعتصم بالله، وكان قد عاث على شاطئ الفرات، كتب المعتصم إلى مالك بن طوق أن يسري إليه ويقبض عليه، فسار مالك حتى نزل الرّحبة فامتثل فيه أمر المعتصم، وحمله مكبّلا بالحديد، قال علّان بن كشمرد:

فحدثني أبو عبد الله أحمد بن أبي دواد القاضي قال: كنت في اليوم الذي

أتى به على باب المعتصم، فأدخل عليه، فدخلت معه في أثره، فلما مثل بين يديه، أمر فبسط له النّطع، وانتضي له السيف، وان تميم رجلا عظاما جسما، فأحبّ المعتصم أن يعلم أين جنانه وبيانه من جثّته وجثمانه، فقال له:

يا تميم هيه، إن كانت لك حجّة فأت بها، أو عذر فادل به، قال أحمد بن أبي دواد: فو الله ما رأيت رجلا عاين الموت فما ذهله ولا شغله عمّا أراد أن يفعله حتى فعله غيره، فقال تميم: أمّا إذا أذن أمير المؤمنين بالكلام فأقول:

الحمد لله الذي أحسن كلّ شئ خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من ماء مهين جبر الله بك يا أمير المؤمنين صدع الدين، ولمّ بك شعث الأمّة، أخمد بك شهاب الباطل، وأنار بك سبل الحق، إنّ الذنوب تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، وأيم الله لقد عظمت الجريرة، وساء الظنّ، وانقطعت الحجّة، ولم يبق إلا عفوك وانتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما منك، أولاهما بخلائقك، وأشببها بسؤددك العفو، ثم أطرق ورفع رأسه وأنشأ يقول:

أرى الموت بين السيف والنّطع كامنايلاحظني من حيثما أتلفّت
وأكبر ظنّي أنّك اليوم قاتليوأيّ امرئ ممّا قضى الله يفلت
وأيّ امرئ يدلي بعذر وحجّةوسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعزّ على الأوس بن تغلب موقفيهزّ عليّ السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنّنيلأعلم أنّ الموت حتم مؤقّت
ولكنّ خلفي صبية قد تركتهموأكبادهم من حسرة تتفتّت
كأنّي أراهم حين أنعي إليهموقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا
فان عشت عاشوا خافضين بغبطةأذود الرّدى عنهم وإن مت موّتوا
وكم قائل لا يبعد الله دارهوآخر جذلان يسرّ ويشمت

فتبسّم المعتصم وقال: يا تميم، قد عفوت عن الهفوة، ووهبتك للصّبية، ثم أمر فحلّ وثاقه وخلع عليه، وعقد له ولاية على الفرات وما أخذ أخذه.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول من المجموع اللفيف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.