من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
فاتحة الكتاب (٢)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله الطيبين، صلاة دائمة إلى يوم الدين، أما بعد، أعاذك الله من سلطان الهوى، وأشعر قلبك عز التقوى، وجنّبك موارد الزّيغ والزلل، وألهمك الإنصاف في القول والعمل، وعمر بك مواسم الأدب، ودفع عنك محاذر النّوب، وثلج ببرد اليقين صدرك، ورفع في درج المتقين ذكرك، وكان غير هذا الخطاب أولى بك وأدعى إلى استمالة سمعك، ولكني أستحسن مبادي رقاع أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وكتبه مفاتيح رسائله وخطبه، وأسلك أن يحملني على ذلك الأسلوب، وتعلم أني من المقدرين به، والآخذين عنه، والمنقطعين إليه، فان أصبت فمنه، وإن أخطأت فعليه، فاني كنت أرى أصحابنا من كتّاب أذربيجان في منصرفي من العراق، يرون البلاغة هذرا، والإسهاب خرقا، والإطالة ملقا، والفصاحة هجنة، والذلاقة وصمة، والسلاطة نقيصة، والبيان رعونة، والغيّ فضلا، والحصر عقلا، حتى أنار بك دجاها، ودارت عليك رحاها، وانجاب برأيك ظلامها، وأشرقت بايحائك أيّامها، وطلعت شمس الفضائل بعد أن طال أفولها، ولاحت غرر المناقب وحجولها، وورت زنود المعالي والرتب، وكبت جدود المخازي والريب، واحتجنا أن نطلق المقاول من عقالها، ونرسل الخواطر عن كلالها، ونجيد سهام المجادلة، ونرهف شباة المساجلة، ونعود إلى عادة اللّسن، وننتهي عن دناءة اللّكن، ونقول للقرائح استيقظي، فقد طال رقادك، وللجوارح هبّي فقد ساء اعتيادك، فهنيئا لدهر لا تغفر ذنوبه إلا بك، ولا توهب حرائره إلا لك، ولا تصدر محاسنه إلا عنك، ولا تنسب مآثره إلا إليك، لا تعرف له حسنة سواك، ولا تنشر عنه منقبة غيرك.
فقد حدثني على إملاء هذه الرسالة في إيجاب الحجة، وإيضاح المحجّة أمور أوّلها: أنّي منذ عرفتك قبل أن أيفعت وإلى حين الاكتهال، ومنذ لدن نشأت إلى حد الاكمال، والعلم غايتك التي إليها تجري، وغرضك
الذي إليه ترمي، وحليتك التي بها تروّيت، وشيمتك التي إليها اعتزيت، وكنزك الذي له تدّخر، وعزّك الذي تفتخر، عليه شدّ نطاقك، وإليه نزعت أعراقك، فكيف الآن وقد بلغت أشدّك، وعضضت ناجذك، وامتطيت كاهل الزمان حنكة، وحلبت أشطر الدهر دربة، ثم إني صورت لك هذا المسعى الأنجح، والمتجر الأربح، حتى إذا فتح الله عليك ما أغلق، ودفع عنك ما عوّق، كنت كالشاهد لمنازله ومياهه وعقاته ورماله ومفاوزه وجباله وحياضه، وحفارة ومعالمه وآثاره، فتردّ على نصيره، وتقدم على وثيقه، فقد قيل: (قتل أرضا عالمها)، و (قتلت أرض جاهلها)، وأيضا فانّ تحديد النظر، وما يزف إلى ثاقب رأيك من بنات الفكر، والدلائل عيانا من المواعظ والعبر، تشحذ بصيرتك، وتوقظ عزيمتك، لا نتهاز الفرصة، وتقديم العدّة ليوم الشدة، فان ظلمة الشك لا تنجلي إلا بمصباح اليقين، ومنها أنّ أبي ﵁، سمعته يقول: عاد رجل من حجه فتهافت عليه إخوانه، وتواتر إليه جيرانه، يسألونه عن خبره وحاله في سفره، حتى قطعوه عن مهمّه، فأخذ صحيفة وأودعها قصّته مشوقة، وصورته مشروحة، فكان إذا أتاه آت يستخبرونه، رمى نحوه الصحيفة، ونبذ إليه الدّرج، وقال: هذا أعلم، فتداوله القوم قراءة وتصفحا، واستراح منهم.
ولذكر البادية حرس الله النعمة عليك، وعلينا بك، بداهة يرتاع لها الصّرورة إذا سمع بها، وهيبة يجزع منها الفروقة إذا خبّر عنها، وأيم الله
ما سافر امرؤ سفرا أسعد وأيمن منه وأرفق، وإنّ كان الله عزّ اسمه خبّرنا في محكم كتابه أنه لا يبلغ إلا بشق الأنفس، تصديقا لقول أصدق القائلين:
(فانما هي الشقة يجدها المسافر في كل طريق نازح)، وأما النسيم العليل والهواء الرقيق، والماء العذب، والصحة من غير سقم، وملاذ المأكل والمشرب من غير بشم، فكل ذلك موجود بلا اختلاف، وأنا أسأل الله أن يختم مساعيك الحميدة به وينشر لك الأمل فيه، ولنا الرجعى إليه.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع