تجاوز إلى المحتوى

من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)

خطبة لعلي بن أبي طالب

خطب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵇، فقال: «والله

لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وهو يعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب، ينحدر عنه السيل، ولا ترقى إليه الطير، ولكني سدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخياء يرضع فيها الصغير، ويدبّ فيها الكبير، ويكدح مؤمن، حتى أوان أرى تراث ابن أمّي نهبا، فرأيت الصّبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، إلى أن حضرته الوفاة، فأدلى بها إلى عمر، فيا عجبا! بينا هو يستقيلها في حياته، إذ تقلدها الآخر من بعد وفاته، لشدّ ما تشطّرا ضرعيها، ثم تمثّل:

شتّان ما يومي على كورهاويوم حيّان أبو جابر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

فجعلها في ناحية خشناء يجفو مسّها، ويغلظ كلمها، ويكثر العثار والاعتذار منها [فصاحبها] كراكب الصّعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها عسف فمني الناس بخبط وشماس، وتلوّن واعتراض، إلى أن حضرته الوفاة، فجعلها شورى بين ستة زعم أنّي

أحدهم، فيا لله وللشورى، متى اختلج الشك فيّ مع الأول منهم، ومتى كانت هذه النظائر تقرن بي، فأسففت إذا أسفّوا، وطرت إذا طاروا، صبرا على طول المدة، وانقضاء المحنة، فمال رجل لضغنه، وأصغى آخر لصهره، من هن وهن، ثم قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيلته ومعتلفه، وأسرع معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتهت به بطنته وأجهز عليه عمله، فما راعني من الناس إلا وهم رسل إليّ كعرف الضّبع يسألونني أن أبايعهم، وانثالوا عليّ، حتى لقد وطي الحسنان، وشقّ عطفاي، فلما نهضت بالأمر، نكثت فرقة، ومرقت فرقة، وفسق آخرون، كأن لم يسمعوا الله جلّ ثناؤه يقول في كتابه العزيز: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

، بلى والله، لقد سمعوها، ولكن غرّتهم دنياهم، وراقهم زبرجها، والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، لولا حضور النّصرة، ولزوم الحجّة، وما أخذ الله على أولياء الأمر من أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم،

لأرسلت حبلها على غاربها، وسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفوا دنياهم أهون في عيني من عفطة عنز».

وناوله رجل من أهل السواد كتابا [قال ابن عباس] فما أسفت على شيء تأسفي على ما فاتني من كلامه، فلما فرغ من قراءته، قلت له: يا أمير المؤمنين، لو أطردت مقالتك من حيث أفضيت إليها، قال: «هيهات يا ابن عباس، إنما كانت شقشقة هدرت ثم قرّت».

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الثاني من المجموع اللفيف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.