تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

مقدمة المؤلف

﷽

الحمد لله مبدي النعم، أولاً وآخراً، مسدي الولاء باطنا وظاهراً، الذي فطر الإنسان بحكمته ولطفه، وركب فيه آلة النطق فبلغ به كمال وصفه، فكان ذلك عليه من أتم الإحسان، الذي تميز به عن جميع أصناف الحيوان، ولولا فضله لما ورد في القرآن المجيد، مقرونا بالإخراج من العدم إلى الوجود، فقال تعالى: (الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان) نحمده على ترادف آلائه وتهاديها، والتحاق رائحها بغاديها، حمداً يكون بالزيارة ضميناً، وبإيلاء الخيرات قميناً، ونصلي على رسوله محمد الصادع بأمره، القائم بدينه في سره وجهره، وعلى آله مصابيح الإيمان وزهره، وأصحابه ملاذ الإسلام وذخره.

أما بعد فلما كان تأليف الكلام، مما لا يوقف على غوره، ولا يعرف كنه أمره، إلا بالاطلاع على علم البيان، الذي هو لهذه الصناعة بمنزلة الميزان، احتجت حين شدنت نبذة. من الكلام المنثور، إلى معرفة هذا المذكور، فشرعت عند ذلك في تطلبه، والبحث عن تصانيفه وكتبه، فلم أترك في تحصيله سبيلاً إلا نهجته، ولا غادرت في إدراكه باباً إلا ولجته،

حتى اتضح عندي بأدبه وخافيه، وانكشفت لي أقوال الأئمة المشهورين فيه، كأبي الحسن علي بن عيسى الرماني، وأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وأبي عثمان الجاحظ، وقدامة بن جعفر الكاتب، وأبي هلال العسكري، وأبي العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي، وأبي

محمد عبد الله بن سنان الخفاجي، وغيرهم ممن له كتاب يشار إليه، وقول تعقد الخناصر عليه، ثم لما مضى على ذلك ملاوة من الدهر، وانقضى دونه برهة من العمر، لمحت في أثناء القرآن الكريم، من هذا النحو أشياء طريقة، ووجدت في مطاويه من هذا النوع نكتاً دقيقة لطيفة، فعرضتها عند ذلك، على الأقسام التي ذكرها هؤلاء العلماء وشرحوها، والأصناف التي بينوها في تصانيفهم وأوضحوها، فألفيتهم قد غفلوا عنها، ولم ينبهوا على شيء منها، وكان ذلك باعثاً لي على

تصفح آيات القرآن العزيز، والكشف عن سره المكنون، فاستخرجت منه حينئذ ثلاثين ضرباً من علم البيان، لم يأت بها أحد من أولئك العلماء الأعيان، وكان ما ظفرت به أصل هذا الفن وعمدته، وخلاصة هذا العلم وزبدته، فحيث أحرزت هذه الفضيلة، وحصلت عندي هذه العقيلة، أحببت أن أفرد لها كتاباً، وأفصلها فيه أقساماً وأبواباً، ليكون مقصوراً على شوارد هذا العلم وغرائبه، ورموزه الخفية وعجائبه، وليجعله مؤلف الكلام رأس بضاعته، ويعلم به مواقع الصواب في صناعته، فلما شرعت في تلفيقه، وبدأت بإيضاح القول فيه وتحقيقه، عاودت النظر في تصانيف العلماء المذكورين، والتبصر في أقوال أئمة هذه الصناعة المشهورين، فسنح لي عند ذلك لطائف رائعة، ونوادر حسنة فائقة، هي كالشاهدة لما بينوه، والمشيدة لما نصوا عليه وعينوه، وقلما تركت قولاً من أقوالهم بحاله، من غير زيارة أودعها في خلاله.

فصار هذا الكتاب لغوامض علم البيان مبيناً، ولما ذكره أرباب هذه الصناعة، وما لم

يذكروه متضمناً، فأوردت في صدره ما يجب على مؤلف الكلام علمه، وينبغي له معرفته وفهمه. ثم شفعت ذلك بذكر الفصاحة والبلاغة، وصغت الكلام فيهما أحسن الصياغة، فأوضحت ما أشكل من طريقتهما، وبينت أقوال العلماء في حقيقتهما، مع ما أضفته إلى ذلك من زيادات مناسبة، واحترازات واجبة.

ثم شرحت بعد ذلك جميع أنواع علم البيان، وشفيت القول فيهما بحسب الإمكان، وسميته بكتاب: (الجامع الكبير، في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور). وجعلت مدار الكتاب على قطبين: (القطب الأول) في الأشياء العامة. (القطب الثاني) في الأشياء الخاصة.

وينقسم القطب الأول إلى فنين: الفن الأول فيما يجب على مؤلف الكلام الابتداء به، وهو أربعة أبواب: (الباب الأول) في آلات التأليف (الباب الثاني) في أدواته

(الباب الثالث) في الطريق إلى صناعة النثر والنظم (الباب الرابع) في الحقيقة والمجاز.

الفن الثاني في الكلام على الألفاظ والمعاني، وتفضيل الكلام المنثور على المنظوم، وهو ثلاثة أبواب: (الباب الأول) في الألفاظ المفردة والمركبة وهو قسمان (الباب الثاني) في الكلام على المعاني. (الباب الثالث) في تفضيل الكلام المنثور على المنظوم.

(القطب الثاني) وفيه فنان: (الفن الأول) في الفصاحة والبلاغة. (الفن الثاني) في ذكر أصناف البيان وانقساماتها، وهو بابان: (الباب الأول) في الصناعة المعنوية. (الباب الثاني) في الصناعة اللفظية.

وينقسم الباب الأول إلى تسعة وعشرين نوعاً: (الأول) في الاستعارة. (الثاني) في التشبيه. (الثالث) في شجاعة العربية، وهو أربعة أقسام. (الرابع) في الإيجاز وهو قسمان. (الخامس) في الإطناب. (السادس) في توكيد الضمير المتصل بالمنفصل. (السابع) في الكناية والتعريض (الثامن) في استعمال العام في النفي، والخاص في الإثبات. (التاسع) في التفسير بعد الإبهام. (العاشر) في التعقيب المصدري. (الحادي عشر) في التقديم والتأخير. (الثاني عشر) في عطف المظهر على ضميره. (الثالث عشر) في التخلص

والاقتضاب. (الرابع عشر) في المبادئ والافتتاحات. (الخامس عشر) في قوة اللفظ لقوة المعنى. (السادس عشر) في خذلان المخاطب. (السابع عشر) (في الاشتقاق. النوع (الثامن عشر) في الحروف العاطفة والجارة. النوع (التاسع عشر) في التكرير. (العشرون) في تناسب المعاني من المقابلة والتقسيم والتفسير. (الحادي والعشرون) في الخطاب بالجملة الفعلية والخطاب بالجملة الاسمية. (الثاني والعشرون) في لام التأكيد. (الثالث والعشرون) في الاقتصاد والإفراط والتفريط. (الرابع والعشرون) في المعاظلة. (الخامس

والعشرون) في التضمين. (السادس والعشرون) في الاستدراج. (السابع والعشرون) في الأرصاد. (الثامن والعشرون) في التوشيح. (التاسع والعشرون) في الأخذ والسرقة.

وينقسم الباب الثاني إلى سبعة أنواع: (الأول) في السجع والازدواج. (الثاني) في التجنيس (الثالث) في الترصيع. (الرابع) في لزوم ما لا يلزم. (الخامس) في الموازنة. (السادس) في اختلاف صيغ الألفاظ. (السابع) في تكرير الحروف. وستذكر ترجمة الأبواب والأنواع عند ذكرها إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.