تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

الضرب الثاني عشر من القسم الأول من النوع الرابع في الاستئناف

وهو حذف السؤال المقدور؛ وذلك ضرب من التأليف لطيف الأمر، عجيب المغزى، ولا تجد باباً من أبواب الحذوف أحسن مأخذاً منه، ولا أطرف خبراً، وهو ينقسم قسمين:

الأول: إعادة الأسماء والصفات.

اعلم أن هذا القسم يجيء تارة بإعادة اسم من تقدم الحديث عنه، كقولك: (أحسنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان) وتارة يجيء بعادة صفة، كقولك (أحسنت إلى زيد) صديقك القديم أهل لذلك منك) وهو أحسن من الأول وأبلغ، لانطوائه على بيان الموجب للإحسان وتخصيصه، فمما جاء من هذا الباب قوله تعالى: (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين...) إلى قوله (... المفلحون).

اعلم إنه لما قيل (هدى للمتقين) بأن الكتاب لهم هدى فاتجه للسائل أن يقول: (ما بالهم خصوا بذلك)؟ فوقع قوله: (الذين يؤمنون بالغيب) إلى سياقه كالجواب، وجيء بصفة (المتقين) المنطوية تحتها خصائصهم التي استوجبوا بها من الله ﷿ الطف والاختصاص على غيرهم، أي الذين هذه عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم الله وأن يعطيهم الفلاح.

وإن جعلت قوله تعالى: (... الذين يؤمنون بالغيب...) إلى آخر قوله: (...

وبالآخرة هم يوقنون) تابعاً (للمتقين)، وقع الاستئناف على (أولئك) كأنه قيل: (وما للمتقين). بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟ فأجبت: أن أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس، بالهدى عاجلاً، وبالفلاح آجلا، فافهم ذلك وتدير رموزه ودقائقه.

الثاني: الاستئناف بغير إعادة الأسماء والصفات.

وذلك كقوله تعالى: (وما لي أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) إلى قوله (... المكرمين).

اعلم أن مخرج هذا القول مخرج الاستئناف، لأن ذلك من مظان المسألة عن حالة عند لقاء ربه، كأن قائلاً قال له: (كيف حال هذا الرجل عند لقاء ربه بعد ذلك التصلب في دينه والتسخي لوجهه بروحه)؟ فقيل: قيل ادخل الجنة، ولم يقل: (قيل له) لانصباب الغرض إلى القول وعظمه لا إلى المقول له مع كونه معلوماً.

وكذلك قوله تعالى (يا ليت قومي) مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد.

ومن هذا القسم أيضاً قوله تعالى: (يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعملون) إلى قوله (معكم رقيب).

اعلم أن مخرج الفرق بين إثبات الفاء في سوف كقوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب (يخزيه) ويحل عليه عذاب مقيم). وبين حذف الفاء هاهنا في هذه الآية (أن) إثباتها وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، وبحذفها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: ماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا، وعملت أنت؟ فقال: (سوف تعلمون) فوصل تارةً بالفاء وتارة بالاستئناف، للتفنين في البلاغة على عادة بلغاء العرب. وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف. وهو قسم من أقسام علم البيان تتكاثر محاسنه.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.