من «الشعور بالعور» للصفدي (ت ٧٦٤هـ)
طَاهِر بن الْحُسَيْن بن مُصعب بن زُرَيْق بن ماهان وَفِيمَا بعد مُصعب اخْتِلَاف كَانَ جده رُزَيْق مولى طَلْحَة الطلحات
وَكَانَ طَاهِر من اكبر اعوان الْمَأْمُون وسيره من مرو كرْسِي خُرَاسَان لما كَانَ بهَا الْمَأْمُون لمحاربة اخيه الامين والواقعة مَشْهُورَة وسير الامين أَبَا يحيى عَليّ بن عِيسَى بن ماهان فتواقعا بِالريِّ وَقتل عَليّ فِي المعركة وسير طَاهِر بالْخبر إِلَى الْمَأْمُون من الرّيّ وَبَينهمَا نَحْو مِائَتَيْنِ وَخمسين فرسخا فَسَار الْكتاب لَيْلَة الْجُمُعَة وَلَيْلَة السبت وَلَيْلَة الاحد وَوصل الْخَبَر إِلَى الْمَأْمُون يَوْم الاحد وَتقدم طَاهِر إِلَى بَغْدَاد واخذ مَا فِي طَرِيقه من الْبِلَاد وحاصر بَغْدَاد وسير طَاهِر إِلَى الْمَأْمُون يَسْتَأْذِنهُ فِيمَا يَفْعَله باخيه فَبعث اليه بقميص غير مقور فَعلم انه يُرِيد قَتله فَعمل على ذَلِك وَحمل رَأسه إِلَى الْمَأْمُون فَكَانَ الْمَأْمُون يرعاه لخدمته ونصحه
وَكَانَ يُسَمِّيه ذَا اليمينين لانه ضرب شخصا فِي واقعه عَليّ بن عِيسَى بن ماهان فَقده نِصْفَيْنِ وَكَانَت الضَّرْبَة بِشمَالِهِ وَفِيه قَالَ الشَّاعِر
(كلتا يَديك يَمِين حِين تضربه ...)
وَفِيه يَقُول عَمْرو بن بانة شعر
يَا ذَا اليمينين وَعين واحدهنُقْصَان عين وَيَمِين زَائِدَة
وَقيل أَن اسماعيل بن جرير البَجلِيّ كَانَ يمدح طَاهِرا كثيرا فَقيل لطاهر أَن اسماعيل يسرق الشّعْر ويمدحك بِهِ فَأحب طَاهِر امتحانه فَقَالَ لَهُ تهجوني فَامْتنعَ فألزمه بذلك فَكتب اليه
رَأَيْتُك لَا ترى إِلَّا بِعَينوعينك لَا ترى إِلَّا قَلِيلا
فَإنَّك إِذْ اصبت بفرد عينفَخذ من عَيْنك الْأُخْرَى كَفِيلا
فقد ايقنت انك عَن قريببِظهْر الْغَيْب تلتمس السبيلا
فَقَالَ لما وقف عَلَيْهَا احذر أَن تنشدها احدا ومزق الورقة
وَلما اسْتَقل الْمَأْمُون بِالْأَمر بعد أَخِيه الامين كتب إِلَى طَاهِر بن الْحُسَيْن وَهُوَ
مُقيم بِبَغْدَاد بِأَن يسلم إِلَى الْحسن بن سهل جَمِيع مَا افتتحه من الْبِلَاد وَهِي الْعرَاق وبلاد الْجَبَل وَفَارِس والاهواز والحجاز وَالْيَمِين وان يتَوَجَّه هُوَ إِلَى الرقة وولاه الْموصل وبلاد الجزيرة الفراتية وَالشَّام وَالْمغْرب وَذَلِكَ فِي بَقِيَّة ثَمَان وَتِسْعين وماية
وَكَانَ الْمَأْمُون قد ولاه خُرَاسَان فَردهَا سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَقيل خمس وَمِائَتَيْنِ واستخلف ابْنه طَلْحَة هَكَذَا قَالَ السلَامِي فِي ولَايَة خُرَاسَان وَقَالَ غَيره انه خلع طَاعَة الْمَأْمُون وَجَاءَت كتب الْبَرِيد من خراسات تَتَضَمَّن ذَلِك فقلق الْمَأْمُون قلقا زَائِدا ثمَّ جَاءَت كتب الْبَرِيد ثَانِي يَوْم انه اصابه عقيب مَا خلع الطَّاعَة حمى فَوجدَ فِي فرَاشه مَيتا
وَحكي أَن طَاهِرا دخل يَوْمًا على الْمَأْمُون فِي حَاجَة فقضاها وَبكى الْمَأْمُون حَتَّى اغرورقت عَيناهُ بالدموع فَقَالَ طَاهِر يَا امير الْمُؤمنِينَ لم تبك لَا ابكى الله عَيْنك وَقد دَانَتْ لَك الدُّنْيَا وَبَلغت الاماني فَقَالَ ابكي لَا عَن ذل وَلَا عَن حزن وَلَكِن لَا تَخْلُو نفس من شجن فَاغْتَمَّ طَاهِر وَقَالَ لحسين الْخَادِم وَكَانَ يحجب الْمَأْمُون فِي خلواته أُرِيد أَن تسْأَل امير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ طيب الخاطر عَن سَبَب بكائه ذَلِك الْيَوْم فَسَأَلَهُ فَقَالَ هُوَ أَمر أَن خرج من رَأسك أَخَذته فَقَالَ سَيِّدي وَمَتى بحث لَك بسر فَقَالَ أَنِّي ذكرت مُحَمَّدًا اخي وَمَا ناله من الذلة فخنقتني الْعبْرَة وَلنْ يفوت طَاهِرا مني مَا يكره فَأخْبر حُسَيْن طَاهِرا بذلك فَركب طَاهِر إِلَى احْمَد بن أبي خَالِد فَقَالَ أَن الثَّنَاء مني لَيْسَ برخيص وان الْمَعْرُوف عِنْدِي لَيْسَ بضائع فاعني على الْمَأْمُون وغيبني عَنهُ فَركب ابْن أبي خَالِد إِلَى
الْمَأْمُون وَقَالَ أَنِّي لم انم البارحة قَالَ وَلم قَالَ لانك وليت خُرَاسَان غَسَّان وَهُوَ وَمن مَعَه اكلة رَأس واخاف أَن يصطلمه مصطلم فَقَالَ الْمَأْمُون لمن ترى قَالَ طَاهِر فَقَالَ هُوَ جَائِع فَقَالَ انا ضَامِن لَهُ فَدَعَا بِهِ الْمَأْمُون وَعقد لَهُ لِوَاء على خُرَاسَان من سَاعَته واهدى لَهُ خَادِمًا كَانَ رباه وامره أَن رأى مِنْهُ مَا يرِيبهُ أَن يسمه فَلَمَّا تمكن طَاهِر من الْولَايَة قطع الْخطْبَة لانه صعد الْمِنْبَر وخطب يَوْم الْجُمُعَة فَلَمَّا بلغ ذكر الْخَلِيفَة امسك فَكتب إِلَى الْمَأْمُون بذلك على خيل الْبَرِيد واصبح طَاهِر يَوْم السبت مَيتا فَكتب اليه بذلك فوصلت الخريطة الأولى إِلَى الْمَأْمُون فَدَعَا احْمَد بن أبي خَالِد وَقَالَ اشخص الان فأت بهَا كَمَا ضمنته واكرهه على الْمسير فِي يَوْمه ثمَّ بعد شَدَائِد اذن لَهُ فِي الْمبيت ثمَّ جَاءَت الخريطة الثَّانِيَة بِمَوْتِهِ قيل أَن الْخَادِم سمه فِي كامخ ثمَّ أَن الْمَأْمُون اسْتخْلف وَلَده طَلْحَة على خُرَاسَان وَقيل انه جعله خَليفَة لاخيه عبد الله بن طَاهِر وَكَانَت وَفَاة طَاهِر بن الْحُسَيْن ﵀ سنة سبع وَمِائَتَيْنِ ومولده سنة تسع وَخمسين وماية
وَكَانَ من افراد الْعَالم وَقع يَوْمًا بصلات بلغت ألف ألف وَسَبْعمائة ألف دِرْهَم وَقيل لطاهر بِبَغْدَاد لما بلغ مَا بلغ لِيَهنك مَا ادركته من هَذِه الْمنزلَة الَّتِي لم يُدْرِكهَا أحد من نظرائك بخراسان فَقَالَ لَيْسَ يهنين ذَلِك لاني لَا ارى عَجَائِز بوشينج يتطلعن من اعالي سطوحهن إِذا مَرَرْت بِهن وانما قَالَ ذَلِك لانه ولد بهَا وَنَشَأ فِيهَا وَكَانَ جده مُصعب واليا عَلَيْهَا وَكَانَ شجاعا دينا وَقيل أَن طَاهِرا كتب إِلَى الْمَأْمُون كتابا لما ورد أمره عَلَيْهِ بِتَسْلِيم الْعرَاق إِلَى عَليّ بن أبي سعيد وان يصير إِلَى الشَّام وَقَالَ فِي آخِره
غضِبت على الدُّنْيَا فَخفت ضروعهاوَمَا النَّاس إِلَّا بَين راج وخائف
فَقلت امير الْمُؤمنِينَ وانمابقيت فنَاء بعده للخلائف
وَقد بقيت فِي أم رَأْسِي فضلَةفإمَّا لحزم أَو لرأي مُخَالف
فَدفع الْكتاب إِلَى الْفضل بن سهل فَوَقع فِيهِ بِحَضْرَتِهِ يَا نصف انسان وَالله لَئِن هَمَمْت لافعلن وَلَئِن فعلت لابرمن وَلَئِن ابرمت لاحكمن وَالسَّلَام
فَلَمَّا وصل الْجَواب إِلَى طَاهِر كتب إِلَى الْمَأْمُون يعْتَذر يَا امير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا انا كالامة السَّوْدَاء أَن احسن اليها سرت وان اسيء اليها دمدمت وان عُفيَ بعنها طغت وَالسَّلَام
وَركب يَوْمًا بِبَغْدَاد فِي حراقته فاعترضه مقدس بن صَيْفِي الخلوتي الشَّاعِر وَقد ادنيت من الشط فَقَالَ ايها الامير أَن رَأَيْت أَن تسمع مني ابياتا قَالَ هَات فأنشده شعر
عجبت لحراقة ابْن الْحُسَيْنلَا غرقت كَيفَ لَا تغرق
وبحران من فَوْقهَا وَاحِدوَآخر من تحتهَا مطبق
واعجب من ذَاك اعوادهاوَقد مَسهَا كَيفَ لَا تورق
فَقَالَ اعطوه ثَلَاثَة الاف دِينَار وَقَالَ لَهُ زِدْنَا حَتَّى نزيدك فَقَالَ حسبي وَقَالَ بَعضهم كَانَ لي ثَلَاث سِنِين اتردد إِلَى بَاب طَاهِر فَلَا اصل اليه فَركب يَوْمًا للعب بالصولجة فصرت إِلَى الميدان فَإِذا الْوُصُول مُتَعَذر وَإِذا فُرْجَة من بُسْتَان فَقلت انا بِاللَّه وَبِك ايها الامير واياك قصدت وَقد قلت فِيك بَيْتِي شعر فَقَالَ هاتهما وَاقْبَلْ ميكال الي فزجره فانشدته
اصبحت بَين خصَاصَة وتجملوَالْحر بَينهمَا يَمُوت هزيلا
فامدد الي يدا تعود بَطنهَابذل السُّؤَال وظهرها التقبيلا
فَأمر لي بِعشْرَة الاف دِرْهَم وَقَالَ هَذِه ديتك فَلَو ادركك ميكال لقتلك
وَهَذِه عشرَة الاف دِرْهَم لِعِيَالِك
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء يرثيه
فلئن كَانَ للمنية رهناأَن افعاله لرهن الْحَيَاة
وَلَقَد اوجب الزَّكَاة على قوموَقد كَانَ عيشهم بِالزَّكَاةِ
طَلْحَة بن عبد الله بن خلف طَلْحَة الطلحات
أَبُو الْمطرف وَقيل أَبُو مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ الْمَعْرُوف بطلحة الطلحات أحد الاجواد الاسخياء المفضلين الْمَشْهُورين كَانَ اجود أهل الْبَصْرَة فِي زَمَانه سمع عُثْمَان بن عَفَّان فِيمَا ذكره الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَكَانَ ابوه مَعَ عَائِشَة يَوْم الْجمل وَكَانَ عبد الله كَاتب عمر بن الْخطاب بِالْمَدِينَةِ قَالَ الاصمعي الْمَعْرُوف بِالْكَرمِ طَلْحَة بن عبد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ وَطَلْحَة بن عَمْرو بن عبد الله بن معمر التَّيْمِيّ وَهُوَ طَلْحَة الْجُود وَطَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف ابْن اخي عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ وَهُوَ طَلْحَة الندي وَطَلْحَة بن الْحُسَيْن بن عَليّ وَهُوَ طَلْحَة الْخَيْر وَطَلْحَة بن عبد الله بن خلف الخزاغي وَهُوَ طَلْحَة الطلحات وَسمي بذلك لانه كَانَ اجودهم وَقَالَ ابْن دُرَيْد أَن أم طَلْحَة ابْنة الْحَرْث بن طَلْحَة ابْن أبي طَلْحَة الْعَبدَرِي فَلذَلِك سمي طَلْحَة الطلحات
دخل كثير عزة عَلَيْهِ عَائِدًا فَقعدَ عِنْد رَأسه فَلم يكلمهُ لشدَّة مَا بِهِ فَأخذ
من الثَّنَاء عَلَيْهِ فَفتح طَلْحَة عينه وَقَالَ وَيحك يَا كثير مَا تَقول فَقَالَ شعر
يَا ابْن الذوائب من خُزَاعَة وَالَّذِيلبس المكارم وارتدى بنجاد
حلت بساحتك الْوُفُود من الورىوكأنما كَانُوا على ميعاد
لنعود سيدنَا وَسيد غَيرنَالَيْت التشكي كَانَ بالعواد
فَاسْتَوَى جَالِسا وامر لَهُ بعطية سنية وَقَالَ هِيَ لَك أَن عِشْت فِي كل سنة وَكَانَ هوى طَلْحَة الطلحات امويا وَكَانَ بَنو امية يكرمونه وَذَهَبت عينه بسمرقند وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ بعث زِيَاد بن مسلمة طَلْحَة الطلحات واليا على سجستان وَبهَا توفّي رَحمَه الله تَعَالَى وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر
رحم الله اعظما دفنوهابسجستان طَلْحَة الطلحات
حرف الْعين الْمُهْملَة
عَامر بن الطُّفَيْل بن مَالك بن جَعْفَر بن مَالك بن جَعْفَر بن كلاب كَانَ من شعراء الْجَاهِلِيَّة وفرسانها شَاعِر مَشْهُور وَفَارِس مَذْكُور اخذ المرباع ونال الرياسة وَتقدم على الْعَرَب واطيع فِي السياسة وقاد الجيوش وقمع الْعَدو وَكَانَ عقيما لَا يُولد لَهُ وَكَانَ اعور وادرك الْإِسْلَام وَلم يوفق للاسلام وَقدم على رَسُول الله ﷺ وَفد بني عَامر بَين صعصعة وَفِيهِمْ عَامر
بن الطُّفَيْل واربد بن قيس اخو لبيد بن ربيعَة لأمه وجبار بن سلمى بن مَالك وَكَانَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة رُؤُوس الْقَوْم وشياطينهم وَقد كَانَ قوم عَامر قَالُوا لَهُ يَا عَامر أَن النَّاس قد اسلموا فَأسلم فَقَالَ قد كنت آلَيْت أَن لَا انْتهى حَتَّى تتبع الْعَرَب عَقبي فأتبع انا عَقبي هَذَا الْفَتى من قُرَيْش وهم بالغدر بِهِ فَقَالَ لأربد إِذا اقبلنا على الرجل فَإِنِّي شاغل عَنْك وَجهه فَاعله بِالسَّيْفِ فَلَمَّا قدمُوا على رَسُول الله ﷺ قَالَ عَامر لرَسُول الله خالني قَالَ لَا وَالله حَتَّى تؤمن بِاللَّه وَحده لَا شريك لَهُ فَلَمَّا ابى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَن يخالله قَالَ إِمَّا وَالله لأَمْلَأَنهَا عَلَيْك خيلا حمرا ورجالا سمرا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامر بن الطُّفَيْل فَلَمَّا خَرجُوا من عِنْده قَالَ عَامر لأربد وَيلك يَا أَرْبَد ايْنَ مَا كنت وصيتك بِهِ وَالله مَا كَانَ على وَجه الأَرْض رجل هُوَ اخوف على نَفسِي مِنْك وَايْم الله لَا اخافك بعد الْيَوْم أبدا قَالَ لَا تعجل عَليّ لَا أَبَا لَك وَالله مَا هَمَمْت بِالْأَمر الَّذِي أَمرتنِي بِهِ مرّة إِلَّا دخلت بيني وَبَينه حَتَّى مَا أرى غَيْرك أفأضربك بِالسَّيْفِ فَقَالَ عَامر
بعث الرَّسُول بِمَا يرى فَكَأَنَّمَاعمدا أَسد على المعايب عارا
وَلَقَد وردن بِنَا الْمَدِينَة شزباوَلَقَد قبلن بجوها الابصار
وَلما خَرجُوا من عِنْد رَسُول الله ﷺ قَالَت عَائِشَة من هَذَا يَا رَسُول الله قَالَ هَذَا عَامر ابْن الطُّفَيْل وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو اسْلَمْ واسلمت بَنو عَامر
لزاحمت قُريْشًا فِي منابرها ثمَّ دَعَا رَسُول الله ﷺ وَقَالَ يَا قوم إِذا دَعَوْت فَأمنُوا ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اهد بني عَامر واشغل عني عَامر بن الطُّفَيْل بِمَا شِئْت وَكَيف شِئْت وانى شِئْت وَخَرجُوا رَاجِعين إِلَى بِلَادهمْ حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض الطَّرِيق نزل عَامر بِامْرَأَة من بني سلول فَبعث الله على عَامر بن الطُّفَيْل الطَّاعُون فِي عُنُقه فَقتله فَجعل عَامر يَقُول يَا بني عَامر أغدة كَغُدَّة بعير وَمَوْت فِي بَيت سَلُولِيَّة
وَجعل يشْتَد وينزو إِلَى السما وَيَقُول يَا موت آبرز الي حَتَّى أَرَاك وَكَانَ يَوْم مَاتَ ابْن بضع وَثَمَانِينَ سنة وَكَانَ مولده قبل مولد النَّبِي ﷺ بِسبع عشرَة سنة
وابو برَاء ملاعب الاسنة عَامر بن مَالك هُوَ عَم عَامر هَذَا وَلما قدم اربد ارْض بني عَامر قَالُوا لَهُ مَا وَرَاك قَالَ لقد دَعَانَا مُحَمَّد إِلَى عبَادَة شَيْء لوددته عِنْدِي الان فأرميه بنبلي هَذَا فَأَقْتُلهُ فَخرج بعد مقَالَته هَذِه بيومين مَعَه جمل يَبِيعهُ فَأرْسل الله عَلَيْهِ وعَلى جمله صَاعِقَة واحرقتهما مكانهما ونصبت بَنو عَامر على قبر عَامر نِصَابا ميلًا فِي ميل حمى على قَبره وَكَانَ جَبَّار بن سلمى غَائِبا فَلَمَّا قدم قَالَ مَا هَذِه الانصاب قَالُوا حمى على قبر عَامر قَالَ ضيقتم على أبي عَليّ أَن أَبَا عَليّ فضل على النَّاس بِثَلَاث كَانَ لَا يعطش حَتَّى يعطش الْبَعِير وَلَا يضل حَتَّى يضل النَّجْم وَلَا يجبن حَتَّى يجبن السَّيْل
عبد الله بن مُحَمَّد بن نَاجِية بن نجبة أَبُو مُحَمَّد الْبَرْبَرِي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ كَانَ ممتعا بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ وَكَانَ ثِقَة ثبتا توفّي ﵀ عَن سنّ عالية سنة احدى وثلاثمائة سمع أَبَا معمر الهذيلي وسُويد بن سعيد وَعبد الْوَاحِد بن غياث وَأَبا بكر بن أبي شيبَة وَعبد الاعلى بن حَمَّاد وطبقتهم وروى عَنْهُمَا أَبُو بكر الشَّافِعِي والحبابي وابو الْقَاسِم بن النّحاس واسحاق النقال
عبد الله بن احْمَد الْبَلَدِي النَّحْوِيّ
كَانَ اعور فاعتلت عينه الصَّحِيحَة حَتَّى اشرف مِنْهَا على الْعَمى فَقَالَ وَأَنا اسْتغْفر الله مِمَّا قَالَه
أَن قلت جورا فَلَا تلمنيبِأَن رب الورى الْمَسِيح
أَرَاك تعمي وَذَاكَ يبريفَهُوَ اذن عِنْدِي الصَّحِيح
وَمن شعره أَيْضا
لِلْحسنِ فِي وَجهه شُهُوديشْهد انا لَهُ عبيد
كَأَنَّمَا خَدّه وصالوصدغه فَوْقه صدود
يَا من جفاني بِغَيْر جرماقصر فقد نلْت مَا تُرِيدُ
أَن كَانَ قد رق ثوب صبريعَنْك فثوب الْهوى جَدِيد
عُبَيْدَة السَّلمَانِي الْمرَادِي ابْن سلمَان بن نَاجِية أَبُو عَمْرو من كبار الْفُقَهَاء بِالْكُوفَةِ اسْلَمْ زمن الْفَتْح وَلم يلق النَّبِي ﷺ اخذ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَتُوفِّي ﵀ سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين لِلْهِجْرَةِ وروى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَهُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء ثَانِي الْحُرُوف
ودال مهمة قد عده ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ فِي العوران فِي تلقيح فهوم الاثر
عتبَة بن أبي سُفْيَان
شهد يَوْم الدَّار مَعَ عُثْمَان ﵁ وداره بِدِمَشْق بدرب الحبالين ولي الْمَدِينَة وامرة الْحَج وَتُوفِّي فِي حُدُود الْخمسين من الْهِجْرَة وَقد عده ابْن الْجَوْزِيّ فِي جملَة العوران فِي كِتَابه تلقيح الاثر
عُثْمَان بن جني
أَبُو الْفَتْح النَّحْوِيّ الْأَمَام الْعَلامَة كَانَ من احذق النُّحَاة وَكَانَ اكمل علومه التصريف وَلم يتَكَلَّف أحد وَلم يتَكَلَّم ادق من كَلَامه فِي التصريف ومولده قبل الثَّلَاثِينَ والثلاثمائة وَتُوفِّي ﵀ سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلاثمائة وَخلف من الْأَوْلَاد عليا وعاليا والْعَلَاء وَكلهمْ ادباء فضلاء قد خرجهم والدهم وسمعهم وَحسن خطوطهم وهم معدودون فِي صحيحي الضَّبْط وَحسن الْخط
وَكَانَ ابوه مَمْلُوكا روميا لِسُلَيْمَان بن فَهد الْموصِلِي وَكَانَ أَبُو الْفَتْح اعور
اجتاز أَبُو عَليّ الْفَارِسِي بالموصل فَمر بالجامع وابو الْفَتْح يقْرَأ النَّحْو وَهُوَ شَاب فَسَأَلَهُ أَبُو عَليّ مَسْأَلَة فِي التصريف فقصر فِيهَا أَبُو الْفَتْح فَقَالَ لَهُ زببت قبل أَن تحصرم فلازمه من يَوْمئِذٍ مُدَّة اربعين سنة واعتنى بالتصريف وَلما
مَاتَ أَبُو عَليّ تصدر ابْن جني مَكَانَهُ بِبَغْدَاد واخذ عَنهُ الثمانيني وَعبد السَّلَام الْبَصْرِيّ وابو الْحسن السمسمي وَجرى بَينه وَبَين أبي نصر بشر بن هَارُون كَلَام فِي معنى العدار والعدار إِذا لَقِي انسانا وطأه فَقَالَ لَهُ ابْن جني بودك لَو لقيك فَإِنَّهُ كَانَ لأمنيتك دَوَاء
فَقَالَ أَبُو نصر
زعمت أَن العدار خدنيوَلَيْسَ خدنا لي العدار
عفر من الْجِنّ أَنْت أولىبِهِ ففيهم لَك افتخار
فالجن جن وَنحن انسشتات هَذَانِ يَا حمَار
وَنحن من طِينَة خلقنَامَا خلق الْجِنّ مِنْهُ نَار
العر والعار فِيك تماوالعور التَّام والعوار
وَكَانَ يَوْمًا يتحدث بِحَضْرَة أبي الْحُسَيْن القمي الْكَاتِب وَكَانَ لأبي الْفَتْح عَادَة إِذا تكلم أَن يمِيل بشفتيه وَيُشِير بيدَيْهِ فَبَقيَ القمي شاخصا اليه فَقَالَ أَبُو الْفَتْح مَالك تحدق الي وتكثر التَّعَجُّب مني قَالَ شبهت مولَايَ الشَّيْخ اطال الله بَقَاءَهُ وَهُوَ يتحدث وَيَقُول ببوزه وَيَده كَذَا بقرد رَأَيْته الْيَوْم عِنْد صعودي إِلَى دَار المملكة وَهُوَ على شاطئ دجلة يفعل مَا يَفْعَله مَوْلَانَا فامتعض أَبُو الْفَتْح وَقَالَ مَا هَذَا القَوْل اعزك الله وَمَتى رَأَيْتنِي امزح مَعَك فتمزح معي بِمثل هَذَا فَلَمَّا رَآهُ أَبُو الْحُسَيْن قد استشاط غَضبا قَالَ المعذرة اليك ايها الشَّيْخ عَن اشبهك بالقرد وانما شبهت القرد بك فَضَحِك أَبُو الْفَتْح وَقَالَ مَا أحسن مَا
اعتذرت وَعلم إِنَّهَا نادرة تشيع وَكَانَ أَبُو الْفَتْح يتحدث بهَا دَائِما واجتاز يَوْمًا بِأبي الْحُسَيْن الْمَذْكُور فِي الدِّيوَان وَبَين يَدَيْهِ كانون فِيهِ نَار وَالْبرد شَدِيد فَقَالَ لَهُ أَبُو الْفَتْح تعال ايها الشَّيْخ إِلَى النير فَقَالَ اعوذ بِاللَّه
وَقَالَ ابْن الزمكدم يهجو ابْن جني
يَا أَبَا الْفَتْح قد اتيناك للتدريسوَالْعلم فِي فنائك رحب
فَوَجَدنَا فتاة بَيْتك أنحىمِنْك والنحو مُؤثر مُسْتَحبّ
قدماها مَرْفُوعَة وَهِي خفضقلم الاير فَاعل وَهُوَ نصب
وَوجد بِخَط ابْن جني على ظهر كتاب الْمُحْتَسب فِي علل الْقرَاءَات الشاذة اخبرني بعض من كَانَ يعتادني للْقِرَاءَة عَليّ والاخذ عني قَالَ رَأَيْتُك فِي مَنَامِي جَالِسا على حَال كَذَا وبصورة كَذَا وَذكر من الجلسة الشارة جميلا وَإِذا رجل لَهُ رواء ومنظر وَظَاهر ونبل وَقدر وَقد اتاك وَحين رَأَيْته اعظمت مورده واسرعت الْقيام لَهُ فَجَلَسَ صدر مجلسك وَقَالَ لَك اجْلِسْ فَجَلَست فَقَالَ كَذَا شَيْئا ذكره ثمَّ قَالَ لَك اتمم كتاب الشواذ الَّذِي عملته فَإِنَّهُ كتاب يصل الينا ثمَّ نَهَضَ فَلَمَّا ولى سَأَلت بعض من كَانَ مَعَه عَنهُ فَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وكرم وَجهه ذكر هَذِه الرُّؤْيَا لي وَقد بقيت من نواحي هَذَا الْكتاب إِلَى اميكنة تحْتَاج إِلَى معادة نظر وَأَنا على الْفَرَاغ مِنْهَا بعضه مُلْحق فِي الْحَاشِيَة بِخَطِّهِ ثمَّ عاودتها فَصحت بلطف الله وفضله
وَلما مَاتَ ابْن جني رثاه الشريف الرضي بقصيدة عدتهَا بَيْتا مِنْهَا
لتبك أَبَا الْفَتْح الْعُيُون بدمعهاوألسننا من قبلهَا بالمناطق
إِذا هَب من تِلْكَ الغليل بدامعتسرع من هَذَا الْغَمَام بناطق
طوى مِنْهُ بطن الأَرْض مَا تستعيدهعلى الدَّهْر منشورا بطُون المهارق
مضى طيب الاردان يأرج ذكرهكريح الصِّبَا تندى لعرنين باسق
وَمَا احْتَاجَ بردا غير برد عفافهوَلَا عرف طيب غير تِلْكَ الْخَلَائق
ترقرق مَاء الود بيني وَبَينهوطاح القذى عَن سلسل الطّعْم رائق
سقاك وَهل يسقيك إِلَّا تعلةلغير الردى قطر الغيوم الروائق
من المزن حمحام إِذا التج لجةاضاءت تواليه زناد البوارق
وَمَا فرحي أَن جاورتك حديقةوقبرك مَمْلُوء بغر الحدائق
تصانيف ابْن جني ﵀
كتاب الخصائص وَهُوَ كتاب نَفِيس إِلَى الْغَايَة فِيهِ لباب النَّحْو وَكتاب سر الصِّنَاعَة وَهُوَ من احسن مَا صنفه وجوده وَكتاب تَفْسِير اشعار هُذَيْل مِمَّا اغفله السكرِي وَكتاب تَفْسِير تصريف الْمَازِني وَشرح مستغلق الحماسة واشتقاق أَسمَاء شعرائها وَشرح الْمَقْصُور والممدود لِابْنِ السّكيت وتعاقب الْعَرَبيَّة قَالَ ابْن جني واطرف بِهِ
وَشرح ديوَان المتنبي شرحين كَبِيرا وصغيرا وَكتاب اللمع وَكتاب مُخْتَصر التصريف وَكتاب مُخْتَصر الْعرُوض والقوافي والحروف المهموزة وَكتاب فِي اسْم الْمَفْعُول المعتل الْعين من الثلاثي وَكتاب تأييد التَّذْكِرَة لابي عَليّ الْفَارِسِي وَكتاب محَاسِن الْعَرَبيَّة وَكتاب النَّوَادِر الممتعة فِي الْعَرَبيَّة ألف ورقة وَكتاب مَا احضره الخاطر من الْمسَائِل الْمَشْهُورَة وَكتاب الْمُحْتَسب فِي تَعْلِيل الْقرَاءَات الشاذة وَهُوَ جيد إِلَى الْغَايَة وَكتاب تَفْسِير ارجوزة أبي نواس وَكتاب تَفْسِير العلويات وَهِي ارْبَعْ قصائد للشريف الرضي وَكتاب الْبُشْرَى وَالظفر صنعه لعضد الدولة مِقْدَاره خَمْسُونَ ورقة فِي تَفْسِير بَيت وَاحِد من شعر عضد الدولة وَهُوَ قَوْله
أَهلا وسهلا بِذِي الْبُشْرَى ونوبتهاوباشتمال سرايانا على الظفر
ورسالة فِي مد الاصوات ومقادير المدات وَكتاب الْمُذكر والمؤنث وَكتاب المنتصف ومقدمات ابواب التصريف وَكتاب النَّقْض على ابْن وَكِيع فِي شعر المتنبي وتخطئته والمعرب فِي شرح القوافي وَكتاب الْفَصْل بَين الْكَلَام الْخَاص وَالْكَلَام الْعَام
وَكتاب الْوَقْف والابتداء وَكتاب الْفرق وَكتاب الْمعَانِي الْمُجَرَّدَة وَكتاب الْفَائِق وَكتاب الْخَطِيب وَكتاب مُخْتَار الارجيز وَكتاب الْعد فِي النَّحْو وَكتاب شرح الفصيح وَكتاب الْكَافِي فِي القوافي وَكتاب التَّنْبِيه على اعراب الحماسة وَكتاب الْمُهَذّب وَكتاب التَّبْصِرَة
يُقَال أَن الشَّيْخ أَبَا اسحاق الشِّيرَازِيّ اخذ مِنْهُ أَسمَاء كتبه فَإِنَّهُ لَهُ التَّنْبِيه والمهذب واللمع والتبصرة
وَمن شعر ابْن جني
فَإِن اصبح بِلَا نسبفعلمي فِي الورى نسبي
على أَنِّي اؤول إِلَىقروم سادة نجب
قياصرة إِذا نطقواارْمِ الدَّهْر ذُو الْخطب
اولاك دَعَا النَّبِي لَهُمكفى شرفا دُعَاء نَبِي
وَمِنْه أَيْضا
تحبب أَو تذرع أَو تأبىفَلَا وَالله لَا ازْدَادَ حبا
ملكت بِبَعْض حسنك كل قلبِيفَإِن رمت الزِّيَادَة هَات قلبا
وَمِنْه أَيْضا
غزال غير وَحشِيحكى الوحشي مقلته
رَآهُ الْورْد يجني الْورْدفاستكساه حلته
وشم بِأَنْفِهِ الريحانفاستهداه زهرته
وذاقت رِيحه الصَّهْبَاءفاختلسته نكهته
عدي بن حَاتِم بن عبد الله بن سعد أَبُو طريف الطَّائِي ولد حَاتِم الْجُود وَفد على رَسُول الله ﷺ فَأكْرمه وَكَانَ ذَلِك فِي شعْبَان سنة عشر ثمَّ قدم على أبي بكر بصدقات قومه فِي حِين الرِّدَّة وَمنع قومه وطائفته من الرِّدَّة بِثُبُوتِهِ على الْإِسْلَام وَحسن رَأْيه وَكَانَ سريا شريفا فِي قومه خَطِيبًا حَاضر الْجَواب فَاضلا كَرِيمًا قَالَ مَا دخل وَقت صَلَاة قطّ إِلَّا وَأَنا اشتاق اليها وَقَالَ مَا دخلت على النَّبِي ﷺ قطّ إِلَّا وسع لي أَو تحرّك وَدخلت يَوْمًا عَلَيْهِ فِي بَيته وَقد امْتَلَأَ من اصحابه فَوسعَ لي حَتَّى جَلَست إِلَى جنبه وَشهد الْجمل مَعَ عَليّ وصفين والنهروان وفقئت عينه يَوْم الْجمل وروى عَنهُ جمَاعَة كَثِيرُونَ من الْبَصْرَة والكوفة
واتاه سَالم بن دارة الْغَطَفَانِي يمدحه فَقَالَ لَهُ عدي امسك عَلَيْك يَا اخي اخبرك بِمَالي فتمدحني على حَسبه لي ألف صافنة والفا دِرْهَم وَثَلَاثَة اعبد وفرسي هَذِه حبس فِي سَبِيل الله فَقَالَ
تحن قلوصي فِي معد وانماتلاقي الرّبيع فِي ديار بني ثعل
وابقى اللَّيَالِي من عدي بن حَاتِمحساما كلون الْملح سل من الْخلَل
ابوك جواد مَا يشق غبارهوانت جواد لَيْسَ تعذر بالعلل
فَإِن تتقوا شرا فمثلكم اتَّقىوان تَفعلُوا خيرا فمثلكم فعل
وَسكن الْكُوفَة وَبهَا توفّي ﵁ سنة سبع وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ وَهُوَ ابْن ماية وَعشْرين سنة وروى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وابو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه ﵃ اجمعين
عَطاء بن رَبَاح
اسْلَمْ أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ مولى قُرَيْش أحد الْأَئِمَّة الاعلام من التَّابِعين كَانَ اسود اعور افطس اشل اعرج ثمَّ عمي اخيرا وَقد تقدم ذكره فِي كتابي نكت الْهِمْيَان فِي نكت العميان فأغنى عَن ذكره الان
عَطاء الْمقنع الْخُرَاسَانِي
وَقيل اسْمه حَكِيم كَانَ فِي مبدأ امْرَهْ قصارا من أهل مرو وَكَانَ يعرف شَيْئا من السحر والنيرنجيات فَادّعى الربوبية من طَرِيق التناسخ وَقَالَ لاشياعه وَالَّذين اتَّبعُوهُ أَن الله تحول إِلَى صُورَة آدم وَلذَلِك اسجد لَهُ الْمَلَائِكَة فسجدوا إِلَّا بليس فَاسْتحقَّ بذلك السخط ثمَّ انه تحول من صُورَة آدم إِلَى صُورَة نوح ثمَّ إِلَى صُورَة وَاحِد فواحد من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام والحكماء حَتَّى حصل فِي صُورَة أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي ثمَّ انْتقل مِنْهُ اليه فَقبل قوم قَوْله ودعواه وعبدوه وقاتلوا من دونه مَا عاينوا من عَظِيم ادعائه وقبح صورته لانه كَانَ مُشَوه الْخلقَة اعور الْكن قَصِيرا وَكَانَ لَا يسفر عَن وَجهه بل اتخذ وَجها من ذهب وتقنع بِهِ وَكَانَ من جملَة مَا أظهر لَهُم صُورَة قمر يطلع وَيَرَاهُ النَّاس من مَسَافَة
شَهْرَيْن ثمَّ يغيب عَنْهُم فَعظم اعْتِقَادهم فِيهِ وَلما اشْتهر امْرَهْ ثار عَلَيْهِ النَّاس وقصدوه فِي قلعته الَّتِي اعْتصمَ بهَا وحصروه وَلما تَيَقّن بِالْهَلَاكِ جمع نِسَاءَهُ وسقاهن سما فمتن جَمِيعًا ثمَّ تنَاول بَاقِيه فَمَاتَ
وَدخل الْمُسلمُونَ قلعته وَقتلُوا من فِيهَا من اشياعه واتباعه وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وماية وَقطع رَأسه وَبعث بِهِ إِلَى الْمهْدي وَكَانَ بِمَا وَرَاء النَّهر وَكَانَ الَّذِي ندب لقتاله سعيد الحرسي وَأول ظُهُور عَطاء فِي سنة احدى وَسِتِّينَ وماية واليه اشار المعري بقوله
افق إِنَّمَا الْبَدْر الْمقنع رَأسهضلال وغي مثل بدر الْمقنع
وَابْن سناء الْملك أَيْضا فِي قَوْله
اليك فَمَا بدر الْمقنع طالعاباسحر من الحاظ بَدْرِي المعمم
عَليّ بن رَبَاح اللَّخْمِيّ الْمصْرِيّ
قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين الذَّهَبِيّ ﵀ اسْمه عَليّ لكنه صغر وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري كَانَت بَنو امية إِذا سمعُوا بمولود اسْمه عَليّ قَتَلُوهُ فَبلغ ذَلِك رباحا فَقَالَ هُوَ عَليّ قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين الذَّهَبِيّ هَذَا لَا يَسْتَقِيم لَان عليا هَذَا ولد فِي زمن عُثْمَان أَو قبل ذَلِك بِقَلِيل وَكَانَ فِي زمن بني امية رجلا لَا
مولودا سمع من عَمْرو بن الْعَاصِ وَعقبَة بن عَامر وَأبي هُرَيْرَة وَأبي قَتَادَة وفضالة بن عبيد وعدة من الصَّحَابَة وَعمر ماية سنة إِلَّا قَلِيلا وَتُوفِّي ﵀ سنة ارْبَعْ عشرَة وماية وروى لَهُ مُسلم وابو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ يحيى بن معِين أهل الْعرَاق يَقُولُونَ عَليّ وَأهل الْبَصْرَة يَقُولُونَ عَليّ
قلت الْعِرَاقِيُّونَ يصغرونه والبصريون يكبرونه وَقَالَ اللَّيْث بن سعد سَمِعت مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح يَقُول من قَالَ لي مُوسَى بن عَليّ لم اجْعَلْهُ فِي حل وَولد سنة خَمْسَة عشر عَام اليرموك وَكَانَ اعور ذهبت عينه يَوْم ذِي الصراير من الْبَحْر مَعَ عبد الله بن سعد سنة ارْبَعْ وَثَمَانِينَ وَكَانَت لَهُ من عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان منزلَة وَهُوَ الَّذِي زف أم الْبَنِينَ ابْنة عبد الْعَزِيز إِلَى الْوَلِيد بن عبد الْملك ثمَّ عتب عَلَيْهِ عبد الْعَزِيز فأغزاه افريقية فَلم يزل بإفريقية إِلَى أَن توفّي فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم
عَليّ بن قيران علائي الدّين أَبُو الْحسن الكركي السكزي بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْكَاف وَالزَّاي الْمُعْجَمَة الدِّمَشْقِي الجندي ثمَّ الصُّوفِي نزيل الْقَاهِرَة سمع الْكثير سنة سَبْعَة عشر فِي الكهولة واخذ عَن جمَاعَة من أَصْحَاب ابْن الزبيدِيّ وَحدث وَنسخ قَلِيلا قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين سمع مني وَولد سنة ثَمَان وَخمسين وستماية وَتُوفِّي ﵀ فِي شهر رَمَضَان لأربعة واربعين
وسبعماية بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ يكْتب أَسمَاء السامعين فِي الميعاد وَسمع معي على جمَاعَة وَكَانَ مخلا ﵀
عَليّ بن الْمُنْذر أَبُو الْحسن الطريفي الازدي الْكُوفِي العلاف الاعور
قَالَ النَّسَائِيّ شيعي مَحْض ثِقَة وَتُوفِّي ﵀ سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ روى عَنهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه
أَبُو عَليّ المنطقي
قَالَ ياقوت الرُّومِي الْحَمَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي مُعْجم الادباء لم اظفر باسمه وَقَالَ الخالع هُوَ من اهل الْبَصْرَة تنقل فِي الْبِلَاد ومدح عضد الدولة وَابْن عباد وَانْقطع مُدَّة من الزَّمَان إِلَى نصر بن هَارُون ثمَّ إِلَى أبي الْقَاسِم الْعَلَاء بن الْحسن الْوَزير وَكَانَ جيد الطَّبَقَة فِي الشّعْر والادب عَالما بالْمَنْطق قوي الرُّتْبَة فِيهِ جمع ديوانه فَكَانَ نَحْو الفي بَيت ومولده سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَتُوفِّي ﵀ بشيراز بعد سنة تسعين وَثَلَاث ماية وَكَانَ ضَعِيف الْحَال محارفا ضيق الرزق وَكَانَ مزاحا طيب الْعشْرَة حاد النادرة اصيب بِعَيْنِه آخر عمره وَله فِي ذَلِك اشعار وَمن شعره
يَا ريم وجدي فِيك لَيْسَ يريمبَين الضلوع وان رحلت مُقيم
لَا تحسبي قلبِي كربعك خَالِيافِيهِ وان عفت الرسوم رسوم
تبلى الْمنَازل والهوى متجددوتبيد خيمات وَيبقى الخيم
وَمِنْه أَيْضا
اكفكم تُعْطِي ويمنعنا الحياواقلامكم تمْضِي وتنبو الصوارم
وان أَبَا الْعَبَّاس أَن يَك للعلاجنَاحا فانتم للجناح قوادم
مضى وبقيتم ابحرا وَاهِلَةوزهر الرِّبَا يبْقى وتمضي الغمائم
وَمِنْه أَيْضا
وقهوة مثل رقراق السراب غَداحبب المزاج عَلَيْهَا غير مزرور
تختال أَن بَث فِيهَا المَاء لؤلؤهمَا بَين عقدين منظوم ومنثور
سللتها مثل سل الْفجْر صارمهواحجم اللَّيْل فِي اثواب موتور
كَأَنَّهَا إِذْ بَدَت والكأس تحجبهاروح من النَّار فِي جسم من النُّور
إِذا تعاطيت مخزونا ابارقهالم يعدني كل مفروح ومسرور
امسي غَنِيا وَقد اصبحت مفتقراكَأَنَّمَا الْملك بَين اليم والزير
وَمِنْه أَيْضا
كَأَن دبيبها فِي كل عُضْودَبِيب النّوم فِي اجفان سَار
صدعت بهَا رِدَاء الْهم عنيكَمَا صدع الدجى وضح النَّهَار
وَمِنْه أَيْضا
صافيت فضلك لَا مَا أَنْت باذلهوعاشق الْفضل يغرى كلما عذلا
أَي أُعِيذك من قولي لسائلهأَنِّي حدوت وَلَكِن لم أجد جملا
وَمِنْه أَيْضا
لقد سهلت بك الايام حَتَّىلقَالَ النَّاس لم تكن الوعور
وَكَيف أَخَاف دهرا أَنْت بينيوَبَين صروفه أبدا سفير
عمَارَة بن حَمْزَة الْكَاتِب
من ولد عِكْرِمَهْ مولى ابْن عَبَّاس ﵄ توفّي فِي حُدُود الثَّمَانِينَ وَالْمِائَة وَكَانَ أَعور ذَمِيمًا إِلَّا انه كَانَ كَاتبا صَدرا مُعظما تياها جوادا ممدحا شَاعِرًا ولي مناصب عدَّة ولايات فَكَانَ الْمَنْصُور وَالْمهْدِي يعظمانه ويحتملان اخلاقه لفضله وبلاغته وكفاءته وَوُجُوب حَقه جمع لَهُ بَين ولَايَة الْبَصْرَة وَفَارِس والاهواز واليمامة والبحرين وَالْعرض وَكَانَ يَقُول مَا أعجب قَول النَّاس فلَان رب الدَّار إِنَّمَا هُوَ كلب الدَّار يخبز فِي دَاري كل يَوْم الْفَا رغيف يُؤْكَل مِنْهَا ألف وتسع ماية وَتسْعُونَ رغيفا حَلَالا وآكل أَنا مِنْهَا رغيفا وَاحِدًا حَرَامًا
وَأَرَادَ الْمَنْصُور يَوْمًا أَن يعبث بِهِ فَأمر بعض خدمه أَن يقطع حمائل سَيْفه لينْظر ايأخذه أم لَا فَفعل بِهِ ذَلِك وَسقط السَّيْف فَمضى عمَارَة وَلم يلْتَفت وَكَانَ من تيهه إِذا أَخطَأ يمْضِي على خطئه ويتكبر عَن الرُّجُوع وَيَقُول نقض وإبرام فِي سَاعَة وَاحِدَة الْخَطَأ أَهْون من هَذَا
وَكَانَ يَوْمًا يمشي مَعَ الْمهْدي فِي أَيَّام الْمَنْصُور وَيَده فِي يَده فَقَالَ لَهُ رجل من هَذَا ايها الامير فَقَالَ أخي وَابْن عمي فَلَمَّا ولى الرجل ذكر الْمهْدي ذَلِك لعمارة كالمازح فَقَالَ عمَارَة إِنَّمَا انتظرت أَن تَقول مولَايَ فانفض وَالله يَدي من يدك فَضَحِك الْمهْدي وَبلغ مُوسَى الْهَادِي حَال بنت جميلَة لعمارة فراسلها فَقَالَت لأَبِيهَا فَقَالَ لَهَا قولي لَهُ ليَأْتِي اليك وضعيه فِي مَوضِع يخفي أَثَره فَأرْسلت اليه فَحَضَرَ اليها فأدخلته حجرَة لَهُ قد أعدت بالفرش الْجَمِيل فَلَمَّا صَار فِيهَا دخل اليه عمَارَة فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك ايها الامير مَاذَا تصنع هَا هُنَا اتخذناك ولي عهد فِينَا أَو فحلا لنسائنا ثمَّ أَمر بِهِ فبطح وَضرب عشْرين درة خَفِيفَة ورده إِلَى منزله فحقد عَلَيْهِ الْهَادِي وَلما ولي الْخلَافَة دس عَلَيْهِ رجلا يدعى انه غصبه الضَّيْعَة الْفُلَانِيَّة بِالْكُوفَةِ وَكَانَت قيمتهَا ألف ألف دِرْهَم فَبينا الْهَادِي ذَات يَوْم جَالس للمظالم وَعمارَة بِحَضْرَتِهِ إِذْ وثب الرجل وتظلم مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الْهَادِي قُم واجلس مَعَ خصمك أَرَادَ اهانته فَقَالَ أَن كَانَت الضَّيْعَة لي فَهِيَ لَهُ وَلَا اساوي هَذَا النذل فِي الْمجْلس ثمَّ قَامَ وَانْصَرف مغضبا وَكَرِهَهُ أهل الْبَصْرَة لتيهه وعجبه فَرفع أهل الْبَصْرَة إِلَى الْمهْدي انه اختان مَالا كثيرا فَسَأَلَهُ الْمهْدي عَن ذَلِك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالله لَو كَانَت هَذِه الْأَمْوَال الَّتِي ذكروها فِي جَانب بَيْتِي مَا نظرت اليها فَقَالَ الْمهْدي صدقت وَلم يُرَاجِعهُ فِيهَا وَقيل انه كَانَ لَهُ ألف دواج بوبر سوى مَا لَيْسَ لَهُ وبر وَكَانَ الْفضل بن يحيى بن برمك شَدِيد الْكبر عَظِيم التيه فعوتب على ذَلِك فَقَالَ هَيْهَات هَيْهَات هَذَا شَيْء حملت عَلَيْهِ نَفسِي لما رَأَيْته من عمَارَة بن حَمْزَة فَإِن أبي ضمن فَارس من الْمهْدي فَحل عَلَيْهِ ألف ألف دِرْهَم فَأمر الْمهْدي أَبَا عون عبد الله بن يزِيد
بمطالبته وَقَالَ لَهُ أَن أدّى اليك المَال قبل أَن تغرب الشَّمْس من يَوْمنَا هَذَا وَألا فأتني بِرَأْسِهِ وَكَانَ مغضبا عَلَيْهِ وَكَانَت حيلته لَا تبلغ المَال فَقَالَ يَا بني أَن كَانَت لنا حِيلَة فَلَيْسَ إِلَّا من قبل عمَارَة بن حَمْزَة وَألا فَأَنا هَالك لَا محَالة فَامْضِ اليه فمضيت اليه فَلم يعرني الطّرف ثمَّ تقدم يحمل المَال فَحمل الينا فَلَمَّا مضى شَهْرَان جَمعنَا المَال فَقَالَ أبي امْضِ إِلَى الشريف الْحر الْكَرِيم فأد اليه مَاله فَلَمَّا عَرفته الْخَبَر غضب وَقَالَ وَيحك اكنت قسطارا لأَبِيك فَقلت لَا وَلَكِنَّك احييته ومننت عَلَيْهِ وَهَذَا المَال قد اسْتغنى عَنهُ فَقَالَ هُوَ لَك فعدت إِلَى أبي فَقَالَ لَا وَالله مَا تطيب بِهِ نَفسِي لَك وَلَكِن لَك مِنْهُ مايتا ألف دِرْهَم فتشبهت بِهِ حَتَّى صَار خلقا لَا أَسْتَطِيع أَن أفارقه وَبعث أَبُو ايوب الْمَكِّيّ بعض وَلَده إِلَى عمَارَة فَأدْخلهُ الْحَاجِب قَالَ وأدناني إِلَى ستر مُسبل فَقَالَ أَدخل فَدخلت فَإِذا هُوَ مُضْطَجع محول وَجهه إِلَى الْحَائِط فَقَالَ الْحَاجِب سلم فَسلمت فَلم يرد السَّلَام عَليّ فَقَالَ الْحَاجِب اذكر حَاجَتك فَقلت جعلني الله فدَاك أَخُوك أَبُو ايوب يقريك السَّلَام وَيذكر دينا بهضه وَستر وَجهه وَيَقُول لَك لولاه لَكُنْت مَكَان رَسُول يسْأَل امير الْمُؤمنِينَ قَضَاهُ عني فَقَالَ وَكم دين ابيك فَقلت ثَلَاثمِائَة ألف دِرْهَم فَقَالَ أَو فِي مثل هَذَا اكلم امير الْمُؤمنِينَ يَا غُلَام احملها مَعَه وَلم يلْتَفت الي وَلم يكلمني بِغَيْر هَذَا وَقَالَ الْفضل بن الرّبيع كَانَ أبي يَأْمُرنِي بملازمة عمَارَة بن حَمْزَة فاعتل عمَارَة وَكَانَ الْمهْدي يسيء الرَّأْي فِيهِ فَقَالَ أبي يَوْمًا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَاك عمَارَة بن حَمْزَة عليل وَقد افضى إِلَى بيع فرشه وَكسوته فَقَالَ غفلنا عَنهُ وَمَا كنت اظن أَن حَاله بلغت إِلَى هَذَا احْمِلْ اليه خمس ماية ألف دِرْهَم واعلمه أَن لَهُ عِنْدِي بعْدهَا مَا يحب قَالَ فحملها أبي اليه من سَاعَته وَقَالَ اذْهَبْ بهَا عمك عمَارَة قَالَ فَأَتَيْته وَجهه إِلَى الْحَائِط فَسلمت فَقَالَ من أَنْت قلت ابْن اخيك الْفضل بن الرّبيع
فَقَالَ مرْحَبًا بك فَقلت لَهُ اخوك يقرؤك السَّلَام وَيَقُول لَك ذكرت امير الْمُؤمنِينَ امرك فَاعْتَذر من غفلته عَنْك وَأمر لَك بِهَذَا المَال فَقَالَ لي قد كَانَ طَال لزومك لنا وَكُنَّا نحب أَن نكافئك على ذَلِك وَلم يمكنا قبل ذَلِك انْصَرف بِالْمَالِ فَهُوَ لَك قَالَ فرهبته أَن ارد عَلَيْهِ فَتركت النِّعَال على بَابه وانصرفت إِلَى أبي واعلمته الْخَبَر فَقَالَ يَا بني خدها بَارك الله لَك فِيهَا فَلَيْسَ عمَارَة مِمَّن يُرَاجع وَدخل عمَارَة على الْمهْدي فأعظمه فَلَمَّا قَامَ قَالَ لَهُ رجل من أهل الْمَدِينَة من القرشيين يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من هَذَا الَّذِي اعظمته هَذَا الاعظام كُله فَقَالَ لَهُ هَذَا عمَارَة بن حَمْزَة مولَايَ فَسمع عمَارَة كَلَام الْمهْدي فَرجع اليه وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ جَعَلتني كبعض خبازيك وفراشيك إِلَّا قلت هَذَا عمَارَة بن حَمْزَة بن مَيْمُون مولى عبد الله بن عَبَّاس ليعرف النَّاس مَكَاني مِنْك
وأخرجت اليه يَوْمًا أم سَلمَة عقدا لَهُ قيمَة جليلة وَقَالَت للخادم اعلمه انني أهديته اليه فَأَخذه بِيَدِهِ وشكر أَبَا الْعَبَّاس وَوَضعه بَين يَدَيْهِ ونهض فَقَالَت أم سَلمَة لأبي الْعَبَّاس إِنَّمَا أنسيه فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس للخادم الْحَقْهُ بِهِ وَقل لَهُ هَذَا لَك فَلم خلفته فَلَمَّا لحقه قَالَ مَا هُوَ لي فاردده فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ لَك فَقَالَ أَن كنت صَادِقا فَهُوَ لَك فَانْصَرف الْخَادِم بِالْعقدِ فاشترته أم سَلمَة من الْخَادِم بِعشْرين ألف دِينَار واخباره فِي الْمَكْر المفرط والتيه الزَّائِد كَثِيرَة وَهَذَا نموذج مِنْهَا وَله تصانيف مِنْهَا كتاب رِسَالَة الْخَمِيس الَّتِي تقْرَأ على بني الْعَبَّاس وَكتاب رسائل الْمَجْمُوعَة وَكتاب الرسَالَة الماهانية مَعْدُودَة فِي كتب الفصاحة الجيدة وَقَالَ فِيهِ بعض شعراء أهل الْبَصْرَة شعر
أَرَاك وَمَا ترى إِلَّا بِعَينوعينك لَا ترى إِلَّا قَلِيلا
وَأَنت إِذا نظرت بملء عينفَخذ من عَيْنك الْأُخْرَى كَفِيلا
كَأَنِّي قد رَأَيْتُك بعد شهربِبَطن الْكَفّ تلتمس السبيلا
وَمن شعر عمَارَة بن حَمْزَة
لَا تشكون دهرا صححت بِهِأَن الْغَنِيّ فِي صِحَة الْجِسْم
هبك الْأَمَام اكنت مُنْتَفعابغضارة الدُّنْيَا مَعَ السقم
عَمْرو بن اللَّيْث الصفار
اخو يَعْقُوب بن اللَّيْث السجسْتانِي الْملكَيْنِ كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ صفارين بسجستان يصنعان النّحاس وَقَالَ بَعضهم أَن عمرا كَانَ مكاري حمير قَالَ عبيد الله بن طَاهِر عجائب الدُّنْيَا ثَلَاث جَيش الْعَبَّاس بن عَمْرو الغنوي يؤسر الْعَبَّاس وَيسلم وَحده وَيقتل جَمِيع جَيْشه وَكَانُوا عشرَة آلَاف قَتلتهمْ القرامطة وجيش عَمْرو بن اللَّيْث يؤسر عَمْرو وَحده وَيَمُوت فِي سجن الْخَلِيفَة وَيسلم جَمِيع جَيْشه وَكَانُوا خمسين الْفَا وَأَنا أترك فِي بَيْتِي بطالا ويولي ابْني أَبُو الْعَبَّاس واما عَمْرو الْمَذْكُور فَإِنَّهُ تغلب على مملكه فَارس بعد موت اخيه بالقولنج سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَجَرت لَهما امور يطول شرحها وتنقلت بهما الاحوال إِلَى أَن بلغا دَرَجَة السلطنة بعد الصَّنْعَة فِي الصفر وَكَانَ عَمْرو جميل السِّيرَة فِي جَيْشه وَكَانَ فِي خدمَة زَوجته ألف وَسبع مائَة جَارِيَة وَدخل فِي طَاعَة الْخُلَفَاء وَولي للمعتضد امرة خُرَاسَان واسره أَصْحَاب اسماعيل بن احْمَد مُتَوَلِّي
مَا وَرَاء النَّهر لما أَن حاربه وَتُوفِّي فِي حُدُود التسعين وَمِائَتَيْنِ وَلما تولى الْأَمر عَمْرو بعد أَخِيه يَعْقُوب احسن السياسة وَالتَّدْبِير وَذكر السلَامِي فِي إِخْبَار خُرَاسَان كثيرا من نهضته وكفايته وقيامه بقواعد الْولَايَة وَذكر انه كَانَ ينْفق فِي الْجَيْش كل ثَلَاثَة اشهر مرّة ويحضر هُوَ بِنَفسِهِ على ذَلِك وينادي الْمُنَادِي اولا باسم عَمْرو بن اللَّيْث فَيقدم دَابَّته إِلَى الْعَارِض فيتفقدها ويتفقد جَمِيع آلتها وَيَأْمُر بِوَزْن ثَلَاثمِائَة دِرْهَم فَتحمل اليه فِي صرة فَيَأْخُذ الصرة ويقلبها وَيَقُول الْحَمد لله الَّذِي وفقني لطاعة امير الْمُؤمنِينَ حَتَّى اسْتَوْجَبت مِنْهُ الرزق ثمَّ يَضَعهَا فِي خفه فَتكون لمن ينْزع خفه ثمَّ يدعى بعد ذَلِك بأصحاب الرسوم على مَرَاتِبهمْ فيستعرضون بآلاتهم التَّامَّة ودوابهم الفره ويطالبون بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج اليه الْفَارِس والراجل صَغِير آله وكبيرها فَمن أخل بإحضار شَيْء مِنْهَا حرمُوهُ رزقه فَاعْترضَ يَوْمًا فَارِسًا وَكَانَت دَابَّته فِي غَايَة الهزال فَقَالَ عَمْرو مَا هَذَا تَأْخُذ رزقنا فتنفقه على امْرَأَتك فتسمنها وتهزل دابتك الَّتِي تحارب عَلَيْهَا وَبهَا تَأْخُذ الرزق اذْهَبْ فَلَيْسَ لَك عِنْدِي رزق فَقَالَ الجندي جعلت لَك الْفِدَاء لَو عرضت امْرَأَتي لاستسمنت فرسي فَضَحِك عَمْرو وَأمر بإعطائه وَقَالَ لَهُ استبدل بدابتك وَلما عزل رَافع بن هرمة عَن خُرَاسَان تولاها عَمْرو بن اللَّيْث وَبَقِي رَافع بِالريِّ ثمَّ انه هادن الْمُلُوك المجاورين لَهُ ليستعين بهم على عَمْرو بن اللَّيْث فَلَمَّا تمّ لَهُ ذَلِك خرج إِلَى نيسابور فواقعه عَمْرو بن اللَّيْث فِي شهر ربيع الاخرة سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ فَهَزَمَهُ عَمْرو وَتَبعهُ إِلَى ابيورد فَدخل إِلَى نيسابور فَأَتَاهُ عَمْرو وحاصره فَانْهَزَمَ رَافع أَيْضا هُوَ وَأَصْحَابه وَوصل إِلَى خوارزم على الجمازات فَقتله امير خوارزم وحز رَأسه وَحمله إِلَى عَمْرو وَهُوَ بنيسابور فانفذ عَمْرو وَرَأسه
إِلَى المعتضد فَأمر بنصبه فِي الْجَانِب الشَّرْقِي إِلَى الظّهْر وحول إِلَى الغربي بَقِيَّة النَّهَار وصفت خُرَاسَان إِلَى شط جيحون وَسَأَلَ عَمْرو أَن يوليه عمل مَا وَرَاء النَّهر مثل مَا كَانَ رسم عبد الله بن طَاهِر فوعده بذلك وَأرْسل اليه المعتضد هَدَايَا وَهُوَ بنيسابور فَأبى قبُولهَا دون الْوَفَاء بِمَا وعده فَكتب اليه الرَّسُول بذلك فَكتب لَهُ المعتضد الْعَهْد وَحمله اليه مَعَ الْهَدَايَا وَكَانَ فِيهَا سبع دسوت خلع فَوضعت بَين يَدي عَمْرو بن اللَّيْث وأفاض الرَّسُول عَلَيْهِ الْخلْع وَاحِدَة بعد أُخْرَى وَكلما لبس خلعة صلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ وضع الْعَهْد قدامه فَقَالَ مَا هَذَا قَالَ الَّذِي سَأَلته فَقَالَ عَمْرو وَمَا أصنع بِهِ فَإِن اسماعيل بن احْمَد لَا يسلم ذَلِك إِلَّا بِمِائَة ألف سيف قَالَ أَنْت سَأَلت فشمر الان وباشر عَمَلك فَأخذ الْعَهْد وَقَبله وَوَضعه بَين يَدَيْهِ وانفذ عَمْرو إِلَى الرَّسُول وَمن مَعَه سبع مائَة ألف دِرْهَم وجهز إِلَى اسماعيل بن احْمَد جَيْشًا فَعبر اليهم اسماعيل نهر جيحون وَقتل بَعضهم وَهزمَ البَاقِينَ وَعَمْرو بن اللَّيْث فِي نيسابور وَرجع اسماعيل إِلَى بُخَارى وَكَانَ عَمْرو قد جهز اليه مُحَمَّد بن بشير فَقتل وحز رَأسه كَانَ اسماعيل بن احْمَد قد كتب إِلَى عمر انك قد وليت دنيا عريضة وَأَنا فِي يَدي ثغرما وَرَاء النَّهر فاقنع بِمَا فِي يدك واتركني مُقيما بِهَذَا الثغر فَأبى عَلَيْهِ وحاربه وَكَانَ اسماعيل قد ذكر لَهُ أَمر بَلخ وَشدَّة عبوره وَقَالَ عَمْرو لَو شِئْت اسكره بالبذر من الْأَمْوَال وعبرته فَلَمَّا يئس اسماعيل مِنْهُ جمع من مَعَه من الابناء والدهاقين وَعبر النَّهر إِلَى الْجَانِب الغربي وَجَاء عَمْرو فَترك
بَلخ واخذ اسماعيل عَلَيْهِ النواحي وَلم يكن بَينهم قتال كثير حَتَّى هزم عَمْرو وَولى هَارِبا وَمر بأجمة فِي طَرِيقه قيل لَهُ إِنَّهَا اقْربْ فَقَالَ عَمْرو لعامة من مَعَه امضوا فِي الطَّرِيق الْوَاضِح وَمضى فِي نفر يسير فَدخل الاجمة فوجلت بِهِ دَابَّته وَوَقعت بِهِ وَلم يكن لَهُ فِي نَفسه حِيلَة وَمضى من مَعَه وَلم يلووا عَلَيْهِ وَجَاء أَصْحَاب اسماعيل فَأَخَذُوهُ اسيرا فَلَمَّا بلغ ذَلِك المعتضد فَرح بِهِ ومدح اسماعيل وذم عمرا وَقَالَ يُقَلّد أَبُو إِبْرَاهِيم اسماعيل كلما فِي يَد عَمْرو وَتوجه اليه الْخلْع ثمَّ أَن اسماعيل خير عمرا بَين أَن يُقيم عِنْده اميرا وَبَين أَن يُوَجه بِهِ إِلَى امير الْمُؤمنِينَ فَاخْتَارَ أَن يُوَجه إِلَى امير الْمُؤمنِينَ واحضرا ثيناس يحمل عمرا إِلَى بَغْدَاد فسلمه اسماعيل اليه وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ قد قيد عمرا وأرسله إِلَى الْخَلِيفَة والى جَانِبه وَاحِد من اصحاب اسماعيل وَبِيَدِهِ سيف وَقَالَ لعَمْرو أَن تحرّك فِي أَمرك أحد رمينَا رَأسك اليه فَلم يَتَحَرَّك أحد وَوصل النَّهر وَفك قيد عَمْرو وَركب الْجند للقائه وَعَمْرو فِي قبَّة قد ارخى جلالها عَلَيْهِ وَلما بلغ إِلَى بَاب السَّلَام انْزِلْ من الْقبَّة والبس دراعة ديباج وبرنس السخط وَحمل على جمل لَهُ سنامان يُقَال لَهُ إِذا كَانَ على هَذِه الصُّورَة الفالج وَكَانَ هَذَا الْجمل مِمَّا اهداه عَمْرو إِلَى الْخَلِيفَة والبس الْجمل الديباج وحلي بذوايب وارسان مفضضه وادخل بَغْدَاد وشقها فِي الشَّارِع الاعظم إِلَى دَار الْخَلِيفَة وَعَمْرو رَافع يَدَيْهِ يَدْعُو ويتضرع دهاءا مِنْهُ فرقت لَهُ الْعَامَّة وامسكت عَن الدُّعَاء عَلَيْهِ ثمَّ ادخل على الْخَلِيفَة وَقد جلس لَهُ واحتفل بِهِ فَوقف بَين يَدَيْهِ سَاعَة وَبَينه وَبَينه قدر خمسين ذِرَاعا فَقَالَ لَهُ هَذَا عَاقِبَة بغيك يَا عَمْرو ثمَّ اخْرُج من بَين يَدَيْهِ إِلَى حجرَة قد أعدت لَهُ ثمَّ أَن المعتضد توفّي وَتَوَلَّى الْأَمر بعده وَلَده المكتفي فَدخل بَغْدَاد من الرقة وامر ثَانِي يَوْم بهدم المطامير الَّتِي
كَانَ ابوه اتخذها لأهل الجرائم وَكَانَ المعتضد عِنْد مَوته لما امْتنع من الْكَلَام أَمر بقتل عَمْرو بن اللَّيْث بالايماء والاشارة فَوضع يَده على رقبته وعينه أَي اذبحوا الاعور وَكَانَ عَمْرو اعور فَلم يفعل ذَلِك صافي الخرمي لعلمه أَن المعتضد يَمُوت وَلما دخل المكتفي بَغْدَاد سَأَلَ الْقَاسِم بن عبد الله عَن عَمْرو بن اللَّيْث احي هُوَ قَالَ نعم فسر بحياته وَقَالَ أُرِيد أَن احسن اليه وَكَانَ عَمْرو يهدي إِلَى المكتفي ويبره برا كثيرا أَيَّام مقَامه بِالريِّ فِي حَيَاة ابيه فَيُقَال أَن الْقَاسِم كره هَذَا القَوْل من المكتفي ودس على عَمْرو من قَتله وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الآخر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت مُدَّة ملك عَمْرو اثْنَيْنِ وَعشْرين سنة تَقْرِيبًا قَالَ بَعضهم كنت عِنْد أبي عَليّ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الْفَهم الْمُحدث فَدخل رجل من أهل الحَدِيث فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَليّ رَأَيْت عَمْرو بن اللَّيْث الصفار امس على جمل فالج من الْجمال الَّتِي كَانَ عَمْرو اهداها إِلَى الْخَلِيفَة مُنْذُ ثَلَاث سِنِين فانشد أَبُو عَليّ شعر
وحسبك بالصفار نبْلًا وَعزةيروح وَيَغْدُو فِي الجيوش اميرا
حباهم بأجمال وَلم يدر انهعلى جمل مِنْهَا يُقَاد اسيرا
وَقَالَ فِي ذَلِك عَليّ بن مُحَمَّد بن نصر بن بسام الشَّاعِر
ايها المغتر بالدنياأما ابصرت عمرا
أركب الفالج بعدالْملك والعزة قسرا
وَعَلِيهِ برنس السخطةاذلالا وقهرا
رَافعا كفيه يَدعو الله اسرارا وجهرا
أَن ينجيه من الْقَتْلوان يعْمل صفرا
عَمْرو بن معدي كرب
أَبُو ثَوْر الزبيدِيّ قدم على رَسُول الله ﷺ فِي وَفد زبيد فَأسلم سنة تسع وَقيل سنة عشر قَالَ ابْن عبد الْبر اقام بِالْمَدِينَةِ بُرْهَة ثمَّ شهد عَامَّة الْفتُوح بالعراق وَشهد مَعَ أبي عُبَيْدَة بن مَسْعُود ثمَّ مَعَ سعد وَقتل يَوْم الْقَادِسِيَّة بل مَاتَ عطشا يَوْمئِذٍ وَكَانَ فَارس الْعَرَب مَشْهُورا بالشجاعة وَقيل مَاتَ سنة احدى وَعشْرين بعد أَن شهد وقْعَة نهاوند مَعَ النُّعْمَان بن مقرن وَشهد فتحهَا وَقَاتل يَوْمئِذٍ حَتَّى كَانَ الْفَتْح واثخنته الْجِرَاحَات يَوْمئِذٍ فَحمل فَمَاتَ فِي قَرْيَة روذة من قرى نهاوند
فَقَالَ بعض شعرائهم
لقد غادر الركْبَان يَوْم تحملوابروذة شخصا لَا جَبَانًا ولاغمرا
فَقل لزبيد بل لمذحج كلهَارزئتم أَبَا ثَوْر قريعكم عمرا
وَقَالَ شُرَحْبِيل بن الْقَعْقَاع سَمِعت عَمْرو بن معدي كرب يَقُول
لبيْك تَعْظِيمًا إِلَيْك عذراهذي زبيد قد أتتك قصرا
يعدو بهَا مضمرات شذرايقطعن خبثا وجبالا وعرا
(قد تركُوا الاوثان خلوا صغرا ...)
فَنحْن وَالْحَمْد لله نقُول الْيَوْم كَمَا علمنَا رَسُول الله ﷺ
لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لبيْك لَا شريك لَك لبيْك أَن الْحَمد وَالنعْمَة لَك لَا شريك لَك فِي حَدِيث طَوِيل ذكره وَوجه رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب وخَالِد بن سعد بن الْعَاصِ إِلَى الْيمن وَقَالَ إِذا اجتمعتما فعلي امير وان افترقتما فَكل وَاحِد مِنْكُمَا امير فاجتمعا وَبلغ عَمْرو بن معدي كرب مكانهما فَأقبل فِي جمَاعَة من قومه فَلَمَّا دنا مِنْهُمَا قَالَ دَعونِي حَتَّى آتِي هَؤُلَاءِ الْقَوْم فَإِنِّي لم اسْم لأحد قطّ الا هابني فَلَمَّا دنا مِنْهُمَا نَادَى أَبُو ثَوْر انا عَمْرو بن معدي كرب فَابْتَدَرَهُ عَليّ وخَالِد وَكِلَاهُمَا يَقُول لصَاحبه ويفديه بِأَبِيهِ وَأمه فَقَالَ عَمْرو إِذْ سمع قَوْلهمَا الْعَرَب تفزع بِي واراني لهَؤُلَاء جزرا فَانْصَرف عَنْهُمَا وَقد عده ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ من العور فِي كِتَابه تلقيح فهوم أهل الاثر
وَمن شعره عَمْرو بن معدي كرب
اعاذل عدتي بدني ورمحيوكل مقلص سَلس القياد
أعاذل إِنَّمَا أفنى شَبَابِياجابتي الصَّرِيخ على الْمُنَادِي
مَعَ الابطال حَتَّى سل جسميوأقرح عَاتِقي حمل النجاد
وَيبقى بعد حلم الْقَوْم حلميويفني قبل زَاد الْقَوْم زادي
تمنى أَن يلاقيني قييسوددت وأينما مني ودادي
فَمن ذَا عاذر من ذِي سفاهيرود بِنَفسِهِ شَرّ المُرَاد
أُرِيد حَيَاته وَيُرِيد قَتْلِيعذيرك من خَلِيلك من مُرَاد
وَمن شعره القصيدة الْمَشْهُورَة
أَمن رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيعيؤرقني واصحابي هجوع
سباها الصِّحَّة الْجُشَمِي غصباكَأَن بَيَاض غرتها صديع
وحالت دونهَا فرسَان قيستكشف عَن سواعدها الدروع
إِذا لم تستطع شَيْئا فَدَعْهُوجاوزه إِلَى مَا تَسْتَطِيع
حرف الْغَيْن الْمُعْجَمَة
غَالب بن صعصعة بن نَاجِية
وَبَاقِي نسبه مَعْرُوف هَذَا هُوَ أَبُو الفرزدق الشَّاعِر الْمَشْهُور كَانَت لَهُ مَنَاقِب مَشْهُورَة وَمَكَارِم مَذْكُورَة مِنْهَا انه اصاب أهل الْكُوفَة مجاعَة وَهُوَ بهَا فَخرج اكثر النَّاس إِلَى الْبَوَادِي وَكَانَ هُوَ رَئِيس قومه وَكَانَ سحيم بن وثيل الريَاحي رَئِيس قومه واجتمعوا بمَكَان يُقَال لَهُ صوأر بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَبعدهَا همزَة وَرَاء فِي أَطْرَاف السماوة من بِلَاد كلب على مسيرَة يَوْم من الْكُوفَة فعقر غَالب لأَهله نَاقَة وصنع لَهُم طَعَاما وَأهْدى إِلَى قوم من بني تَمِيم لَهُم جَلَاله جفانا من ثريد وجهز إِلَى سحيم جَفْنَة فكفأها وَضرب بهَا الَّذِي أَتَى بهَا وَقَالَ انا مفتقر إِلَى طَعَام غَالب إِذا نحر نَاقَة تحرت أُخْرَى فَوَقَعت المنافسة وَنحر سحيم لأَهله نَاقَة فَلَمَّا كَانَ من الْغَد نحر غَالب ناقتين فعقر سحيم ناقتين فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث نحر غَالب ثَلَاثًا فَنحر سحيم ثَلَاثًا فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الرَّابِع نحر غَالب مائَة نَاقَة وَلم يكن عِنْد سحيم هَذَا الْقدر فَلم يعقر شَيْئا واسرها فِي نَفسه فَلَمَّا انْقَضتْ المجاعة وَدخل النَّاس الْكُوفَة قَالَ بَنو ريَاح لسحيم جررت علينا عَار الدَّهْر هلا نحرت كَمَا نحر وَكُنَّا نعطيك مَكَان كل نَاقَة
ناقتين فَاعْتَذر اليهم أَن ابله كَانَت غَائِبَة وَنحر ثَلَاثمِائَة نَاقَة وَقَالَ للنَّاس شَأْنكُمْ والاكل وَكَانَ ذَلِك فِي خلَافَة عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فاستفتي فِي حل الاكل مِنْهَا فَقضى بتحريمها وَقَالَ هَذِه ذبحت لغير مأكلة وَلم يكن الْمَقْصُود مِنْهَا إِلَّا الْمُفَاخَرَة والمباهاة فألقيت لحومها على كناسَة الْكُوفَة فَأكلهَا الْكلاب والعقبات والرخم ونظم الشُّعَرَاء فِي ذَلِك فَمن ذَلِك قَول جرير يهجو الفرزدق
تَعدونَ عقر النيب أفضل مجدكمبني ضو طري لَوْلَا الكمي المقنعا
وَقَالَ آخر
وَقد سرني أَن لَا تعد مجاشعمن الْمجد إِلَّا عقر نَاب بصوأر
وَكَانَ غَالب الْمَذْكُور اعور وتراهن من كُلَيْب نفر ثَلَاثَة على أَن يختاروا من بني تَمِيم وَبكر نَفرا يَسْأَلُونَهُمْ فَأَيهمْ اعطى وَلم يسْأَل عَن نسبهم فَهُوَ افضلهم وَاخْتَارَ كل رجل مِنْهُم رجلا وَالَّذين اختيرو عُمَيْر بن السَّلِيل بن قيس بن مَسْعُود الشَّيْبَانِيّ وطلبة بن قيس بن عَاصِم الْمنْقري وغالب بن صعصعة الْمُجَاشِعِي أَبُو الفرزدق فَأتوا ابْن السَّلِيل فَسَأَلُوهُ مائَة نَاقَة فَقَالَ من أَنْتُم فانصرفوا عَنهُ ثمَّ أَتَوا طلبة بن قيس فَقَالَ لَهُم مثل ذَلِك فَأتوا غَالِبا فَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ مائَة نَاقَة وراعيها وَلم يسألهم من هم فَسَارُوا لَيْلَة ثمَّ ردوهَا وَأخذ صَاحب غَالب الرَّهْن وَفِي ذَلِك يَقُول الفرزدق
وَإِذ نحبت كلب على النَّاس أَيهمْأَحَق بتاج الْمَاجِد المتكرم
على نفر هم من نزار ذَوُو الْعلَاوَأهل الجراثيم الَّتِي لم تهدم
فَلم يجل عَن احسابهم غير غَالبجرى بعناني كل أَبيض خضرم
وَتُوفِّي غَالب فِي أَيَّام مُعَاوِيَة وَدفن بكاظمة
وَقَالَ الفرزدق يرثيه
لقد ضمت الاكفان من آل دارمفَتى فائض الْكَفَّيْنِ مَحْض الترائب
حرف الْقَاف
قبيصَة بن أبي ذُؤَيْب أَبُو سعيد الْخُزَاعِيّ الْمدنِي الْفَقِيه
يُقَال انه ولد عَام الْفَتْح وَتُوفِّي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ لِلْهِجْرَةِ وَأتي بِهِ بعد موت ابيه إِلَى النَّبِي ﷺ ليدعو لَهُ روى عَن أبي بكر وَعمر وَأبي الدَّرْدَاء وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وبلال وَعبادَة بن الصَّامِت وَتَمِيم الدَّارِيّ وَكَانَ آثر النَّاس عِنْد عبد الْملك بن مَرْوَان وَكَانَ على الْخَاتم والبريد وَكَانَ يقْرَأ الْكتب إِذا وَردت ثمَّ يدْخل بهَا على عبد الْملك وَكَانَ ثِقَة مَأْمُونا كثير الحَدِيث وَقيل أَن وَفَاته سنة ثَمَان
وروى البُخَارِيّ وَمُسلم وابو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَقد عده ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ من العوران فِي كتاب تلقيح فهوم أهل الاثر
وَذَهَبت عينه يَوْم الْحرَّة
قَتَادَة بن النُّعْمَان بن زيد بن كَعْب
وَكَعب هُوَ ظفر بن الْخَزْرَج بن عمر بن مَالك بن اوس الانصاري يكنى
أَبَا عَمْرو وَقيل أَبَا عمر قيل أَبَا عبد الله يمني شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا قَالَ بَعضهم قلعت عينه يَوْم بدر وَقيل يَوْم الخَنْدَق قَالَ ابْن عبد الْبر رَحمَه الله تَعَالَى الصَّحِيح إِنَّهَا اصيبت يَوْم أحد قَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عمَارَة أَن قَتَادَة رميت عينه يَوْم أحد فسالت حدقته فَأتى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَنِّي لي امْرَأَة احبها وان هِيَ رَأَتْ عَيْني خشيت أَن تقذرني فَردهَا رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ فَكَانَت اقوى عَيْنَيْهِ واصحها وَفِي رِوَايَة فَرفع حدقته بِيَدِهِ حَتَّى وَضعهَا موضعهَا ثمَّ غمزها براحته وَقَالَ اللَّهُمَّ اكسهه جمالا فَمَاتَ وانها احسن عَيْنَيْهِ وَمَا مَرضت بعد
ووفد رجل على عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ مِمَّن الرجل فَقَالَ شعر
انا ابْن الَّذِي سَالَتْ على الخد عينهفَردَّتْ بكف الْمُصْطَفى احسن الرَّد
فَعَادَت كَمَا كَانَت بِأول أمرهَافيا حسن مَا عين وَيَا حسن مَا رد
فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁
تِلْكَ المكارم لَا قعبان من لبنشيبا بِمَاء فعادا بعد ابوالا
وَكَانَت مَعَه يَوْم الْفَتْح راية بني المظفر وَكَانَ من فضلاء الانصار وَتُوفِّي ﵁ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَقيل سنة ارْبَعْ وَعشْرين وَهُوَ ابْن خمس وَسِتِّينَ سنة وَصلى عَلَيْهِ عمر بن الْخطاب وَنزل فِي قَبره أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ وَهُوَ اخوه لامه
قُتَيْبَة بن مُسلم بن عَمْرو بن الْحصين الْبَاهِلِيّ
امير خُرَاسَان كَانَ من الشجَاعَة والرأي والحزم بمَكَان وَهُوَ الَّذِي فتح
بُخَارى وخوارزم والري وسمرقند وفرغانة وَالتّرْك سمع من عمرَان بن حُصَيْن وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَلما مَاتَ الْوَلِيد نزع الطَّاعَة فَلم يُوَافقهُ اكثر النَّاس وَكَانَ قد عزل وَكِيع بن حسان بن قيس الغراني عَن رياسة تَمِيم فحقد عَلَيْهِ ثمَّ وثب عَلَيْهِ فِي أحد عشر من اهله فَقَتَلُوهُ فِي بَيته فِي ذِي الْحجَّة الْحَرَام سنة سِتّ وَتِسْعين لِلْهِجْرَةِ وَكَانَ قُتَيْبَة قد تولى بعد يزِيد بن الْمُهلب بن أبي صفرَة وَكَانَ قُتَيْبَة اعور فَقَالَ النَّاس هَذَا بدل اعور فَصَارَت مثلا كَمَا تقدم وَكَانَ ابْن مُسلم كَبِير الْقَوْم عِنْد يزِيد بن مُعَاوِيَة وَقَالَ أهل التَّارِيخ بلغ قُتَيْبَة فِي غَزْو التّرْك والتوغل فِي بِلَاد مَا وَرَاء النَّهر وافتتاح القلاع واستباحة الْبِلَاد واخذ الاموال وَقتل الفتاك مَا لم يبلغهُ الْمُهلب بن أبي صفرَة وَلما فتح خوارزم وسمرقند فِي عَام وَاحِد دَعَا ابْن توسعة شَاعِر الْمُهلب وَقَالَ لَهُ ايْنَ قَوْلك فِي الْمُهلب
إِلَّا ذهب الْغَزْو المقرب للغنىوَمَات الندى والجود بعد الْمُهلب
افغزو هَذَا فَلَمَّا سمع ذَلِك نَهَار بن توسعة قَالَ بل هَذَا حشر وَأَنا الَّذِي اقول
وَلَا كَانَ مذ كُنَّا وَلَا كَانَ قبلنَاوَلَا هُوَ فِيمَا بَعدنَا كَابْن مُسلم
أَعم لأهل التّرْك قتلا بِسَيْفِهِواكثر فِينَا مقسمًا بعد مقسم
وَفِي قتل قُتَيْبَة يَقُول جرير
ندمتم على قتل الاغر بن مُسلموانتم إِذا لاقيتم الله اندم
لقد كُنْتُم من غَزوه فِي غنيمَةوانتم لمن لاقيتم الْيَوْم مغنم
على انه افضى إِلَى جود ربهوتطبق بالبلوى عَلَيْكُم جَهَنَّم
وَقَالَ قُتَيْبَة يَوْمًا لهبيرة بن مسروح أَي رجل أَنْت لَو كَانَ اخوالك من غير سلول فَلَو بادلت بهم فَقَالَ اصلح الله الامير بادل بهم من شِئْت من الْعَرَب وجنبني باهلة وَكَانَت الْعَرَب تستنكف من الانتساب إِلَى باهلة حَتَّى قَالَ الشَّاعِر
وَمَا ينفع الأَصْل من هَاشمإِذا كَانَت النَّفس من باهلة) وَقَالَ الآخر
وَلَو قيل للكلب يَا باهليعوى الْكَلْب من لؤم هَذَا النّسَب
وَقيل لأبي عُبَيْدَة يُقَال أَن الاصمعي دعِي فِي النّسَب إِلَى باهلة
فَقَالَ هَذَا مَا يُمكن فَقيل وَلم قَالَ لَان النَّاس إِذا كَانُوا من باهلة تبرأوا مِنْهَا فَكيف يَجِيء من لَا هُوَ مِنْهَا ثمَّ انه ينتسب اليها وَيُقَال أَن الاشعث بن قيس الْكِنْدِيّ قَالَ لرَسُول الله ﷺ تَتَكَافَأ دماؤنا فَقَالَ نعم وَلَو قتلت رجلا من باهلة لقتلتك بِهِ
ويحكى أَن اعرابيا لَقِي شخصا فِي الطَّرِيق فَسَأَلَهُ مِمَّن أَنْت فَقَالَ من باهلة فرثى لَهُ الاعرابي فَقَالَ لَهُ ذَلِك الشَّخْص وازيدك أَنِّي لست من صميمهم وَلَكِن من مواليهم فَأقبل الاعرابي يقبل يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ فَقَالَ وَلم ذَلِك فَقَالَ لِأَن الله تَعَالَى مَا ابتلاك بِهَذِهِ الرزية فِي الدُّنْيَا إِلَّا ويعوضك الْجنَّة فِي الاخرة
وَقيل لبَعض الاعراب ايسرك أَن تدخل الْجنَّة وَأَنت باهلي فَقَالَ نعم بِشَرْط أَن لَا يعلم أهل الْجنَّة أَنِّي باهلي
وَفِي قُتَيْبَة يَقُول الشَّاعِر
إِذا مَا قُرَيْش علا ملكهَافَإِن الْخلَافَة فِي باهلة
لرب الحرون أبي صَالحوَمَا تِلْكَ بِالسنةِ العادله
قيس بن المكشوح أَبُو شَدَّاد
وَاخْتلف فِي اسْم المكشوح فَقيل هُبَيْرَة بن هِلَال وَهُوَ الاكثر وَقيل
عبد يَغُوث بن هُبَيْرَة بن هِلَال يَنْتَهِي إِلَى كهلان بن سبأ البَجلِيّ حَلِيف مُرَاد وعداده فيهم قيل لَا صُحْبَة لَهُ وَقيل لَهُ صُحْبَة باللقاء والرؤية قَالَ ابْن عبد الْبر وَلَا اعْلَم لَهُ رُؤْيَة وَمن قَالَ لَا صُحْبَة لَهُ قَالَ انه لم يسلم إِلَّا فِي ايام أبي بكر ﵁ وَقيل فِي ايام عمر وَهُوَ أحد الصَّحَابَة الَّذين شهدُوا مَعَ النُّعْمَان بن مقرن فتح نهاوند وَله ذكر صَالح فِي الفتوحات بالقادسية وَغَيرهَا زمن عمر وَعُثْمَان وَهُوَ أحد الَّذين قتلوا الاسود الْعَنسِي وهم قيس بن المكشوح وذادويه وفيروز الديلمي وَقَتله الاسود الْعَنسِي يدل على إِسْلَامه لانه كَانَ فِي زمن النَّبِي ﷺ ثمَّ قتل قيس فِي صفّين مَعَ عَليّ وَكَانَ يَوْمئِذٍ صَاحب راية بجيلة
وَكَانَت فِيهِ نجدة وبسالة وَهُوَ شَاعِر فَارس وَهُوَ ابْن اخت عَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ وَكَانَ يناقضه فِي الْجَاهِلِيَّة
وَكَانَا فِي الْإِسْلَام متباغضين وَهُوَ الْقَائِل لعَمْرو بن معدي كرب
فَلَو لاقيتني لاقيت قرناوودعت الحبائب بِالسَّلَامِ
لَعَلَّك موعدي ببني زبيدوَمَا قامعت من تِلْكَ اللئام
وَمثلك قد قرنت لَهُ يَدَيْهِإِلَى اللحميين يمشي فِي الخطام
قَالَ لَهُ بَنو بجيلة يَا أَبَا شَدَّاد خُذ رايتنا الْيَوْم فَقَالَ غَيْرِي خير لكم فَقَالُوا مَا نُرِيد غَيْرك فَقَالَ وَالله أَن اعطيتمونيها لَا انتهي بكم دوس صَاحب الترس الْمَذْهَب وَكَانَ على رَأس مُعَاوِيَة رجل قَائِم مَعَه ترس مَذْهَب يستر بِهِ مُعَاوِيَة من الشَّمْس
فَقَالُوا اصْنَع مَا شِئْت فاخذ الرَّايَة وزحف حَتَّى انْتهى إِلَى صَاحب الترس وَكَانَ فِي خيل عَظِيمَة فاقتتل النَّاس هُنَالك قتالا عَظِيما وَشد قيس بِسَيْفِهِ على صَاحب الترس فعارضه رومي لمعاوية دونه فَضرب قدمه فقطعها وضربه قيس فَقتله واسرعت اليه السيوف فَقتل يَوْمئِذٍ ﵁ وَكَانَ قد اصيبت عينه فِي بعض الحروب
حرف اللَّام
لَاحق بن حميد السدُوسِي الْبَصْرِيّ
أَبُو مجلز بِالْمِيم وَالْجِيم وَاللَّام وَالزَّاي الاعور سمع جُنْدُب بن عبد الله البَجلِيّ وَمُعَاوِيَة وَابْن عَبَّاس وَسمرَة بن جُنْدُب وانس بن مَالك قَالَ شُعْبَة تجيئنا احاديث عَن أبي مجلز كَأَنَّهُ شيعي وتجيئنا عَنهُ احاديث كَأَنَّهُ عثماني وَتُوفِّي ﵀ سنة سِتّ وَمِائَة وروى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وابو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه ﵃ اجمعين
حرف الْمِيم
مَالك بن الْحَارِث
هُوَ الاشتر النَّخعِيّ خطيب بليغ شرِيف كَبِير الْقدر حضر صفّين مَعَ عَليّ ﵁ وَكَانَ يظْهر على مُعَاوِيَة فَحمل عَلَيْهِ أَصْحَاب عَليّ لما رَأَوْا الْمَصَاحِف على الاسنة وَلما انْصَرف عَليّ من صفّين بعث الاشتر النَّخعِيّ على مصر فَمَاتَ ﵁ فِي الطَّرِيق مسموما سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ وَلما كَانَ يَوْم الْجمل كَانَ عبد الله بن الزبير مَعَ خَالَته عَائِشَة ﵂ وَهُوَ من الابطال وَكَانَ الاشتر مَعَ عَليّ ﵁ فتماسك ابْن الزبير هُوَ والاشتر وَصَارَ كل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا قوي على صَاحبه جعله تَحْتَهُ وَركب صَدره ففعلا ذَلِك مرَارًا وَابْن الزبير ينشد فِي اثناء ذَلِك
اقتلاني ومالكاواقتلا مَالِكًا معي
وَقَالَ ابْن الزبير لاقيت الاشتر يَوْم الْجمل فَمَا ضَربته ضَرْبَة إِلَّا ضَرَبَنِي سِتا أَو سبعا ثمَّ اخذني برجلي وادلاني فِي الخَنْدَق وَقَالَ وَالله لَوْلَا قرابتك من رَسُول الله ﷺ مَا اجْتمع مِنْك عُضْو إِلَى عُضْو واعطت عَائِشَة ﵂ لمن بشرها بسلامة ابْن الزبير من الاشتر عشرَة الاف دِرْهَم وَدخل عَلَيْهَا بعد الْجمل فَقَالَت لَهُ يَا أشتر أَنْت الَّذِي اردت قتل ابْن اختي يَوْم الْوَقْعَة فانشدها شعر
اعائش لَوْلَا انني كنت طاوياثَلَاثًا لألفيت ابْن اختك هَالكا
غَدَاة يُنَادي والرماح تنوشهبآخر صَوت اقتلاني ومالكا
فَنَجَّاهُ مني اكله وشبابهوخلوة جَوف لم يكن متماسكا
وَقَالَ زجر بن قيس دخلت مَعَ عبد الله بن الزبير الْحمام فَإِذا فِي رَأسه ضَرْبَة لَو صبَّتْ فِيهَا قَارُورَة لاستقرت فَقَالَ اتدري من ضَرَبَنِي هَذِه الضَّرْبَة قَالَ لَا قَالَ ابْن عمك الاشتر النَّخعِيّ وَكَانَ الاشتر اعور ﵀
ماهان أَبُو سَالم الْحَنَفِيّ الاعور الْكُوفِي
يُقَال لَهُ المسبح بِالْمِيم وَالسِّين وَالْبَاء الْمُوَحدَة والحاء الْمُهْملَة كَانَ لَا يفتر عَن التَّسْبِيح وروى عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره وصلبه الْحجَّاج فِي حُدُود التسعين لِلْهِجْرَةِ
متمم بن نُوَيْرَة بن حَمْزَة الْيَرْبُوعي التَّمِيمِي
اسْلَمْ هُوَ وَأَخُوهُ مَالك قَالَ ابْن عبد الْبر واما متمم فَلم يخْتَلف فِي
إِسْلَامه وَكَانَ شَاعِرًا محسنا لم يكن لأحد مثل مراثيه لاخيه مَالك حكى صَاحب الاغاني عَن الرياشي قَالَ صلى متمم ابْن نُوَيْرَة مَعَ أبي بكر ﵁ الصُّبْح ثمَّ انشده شعرًا
نعم الْقَتِيل إِذا الرِّيَاح تناوحتتَحت الازار قتلت يَا ابْن الازور
الابيات ثمَّ بَكَى حَتَّى سَالَتْ عينه ثمَّ انخرط على سية قوسه مُتكئا أَي مغشيا عَلَيْهِ
وَقَالَ قيل لمتمم مَا بلغ من وَجدك على اخيك فَقَالَ اصبت بِإِحْدَى عَيْني فَمَا قطرت مِنْهَا قَطْرَة مُنْذُ عشْرين سنة فَلَمَّا قتل أخي استهلت فَمَا ترفأ
وَقيل لَهُ انكم أهل بَيت قد تفانيتم فَلَو تزوجت عَسى أَن ترزق ولدا تكون فِيهِ بَقِيَّة مِنْكُم فَتزَوج امْرَأَة بِالْمَدِينَةِ فَلم ترض اخلاقه لشدَّة حزنه على اخيه وَقلة حفله بهَا وَكَانَت تؤذيه فَطلقهَا وَقَالَ شعر
اقول لهِنْد حِين لم ارْض فعلهَااهذا دلال الْحبّ أم فعل تَارِك
أم الصرم مَا تبغي فَكل مفارقيسير علينا فَقده بعد مَالك
مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن يُوسُف الْأَمَام الْفَاضِل تَاج الدّين ابْن المراكشي الشَّافِعِي
مولده سنة ثَلَاث وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ لَازم الشَّيْخ الْأَمَام اثير الدّين أَبَا حَيَّان والعلامة قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ وَالشَّيْخ عَلَاء الدّين القونوي من اشياخ عصره واشتغل ودأب وَكَانَ لَهُ مشاركات جَيِّدَة فِي عدَّة فنون وَعِنْده نكت غَرِيبَة فِي الْفِقْه والاصول والعربية وَغير ذَلِك لكنه كَانَت تقعد بِهِ أخلاقه لانه كَانَ ضيق العطن قَلِيل الِاحْتِمَال لَا يحابي احدا وَلَا يتحاشاه فأذاه لذَلِك قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين الْقزْوِينِي أول دُخُوله الْقَاهِرَة وَلم يرجع عَمَّا هُوَ فِيهِ فَشَاور عَلَيْهِ السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فرسم باخراجه من الْقَاهِرَة إِلَى الشَّام
اظن ذَلِك فِي أَوَاخِر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة إِلَى دمشق واقام بهَا وَحصل لَهُ تدريس الْمدرسَة المسرورية بِبَاب الْبَرِيد واقام على ذَلِك وَله بَيت فِي دَار الحَدِيث الاشرفية وَكَانَ كثير الِاشْتِغَال إِمَّا يقرئ الطّلبَة واما يطالع لَهُ النَّاس مَا يختاره وَيُعْطِي الدَّرَاهِم لمن يقْرَأ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ مطموس الْعَينَيْنِ إِلَّا أَن احديهما يرى بهَا قَلِيلا وَكَانَ كثير الثَّنَاء على الشَّيْخ ركن الدّين ابْن القويع يعظمه تَعْظِيمًا كثيرا إِلَى الْغَايَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ كتابي شرح لأمية الْعَجم من اوله إِلَى آخِره وَبَلغنِي انه اثنى عَلَيْهِ وَلما كَانَ فِي سنة احدى وَخمسين وَسَبْعمائة تورع عَن تدريس المسرورية وَحضر دَار الْعدْل وَقَالَ قد وجدت وَاقِف المسرورية شَرط فِي الْمدرس أَن يكون يعرف الْخلاف يُرِيد بِهِ الجبت وَأَنا لَا اعرفه وَلَا اعرف هَذَا الشَّرْط فِي أحد إِلَّا فِي قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ وَقد نزلت عَنْهَا لَهُ
فتولاها قَاضِي الْقُضَاة واقام تَاج الدّين الْمَذْكُور على حَاله فِي الطّلب وَالْعَمَل لَا يمل من ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ فَجْأَة يَوْم الاحد آخر النَّهَار ثَالِث عشر جمادي الاخرة سنة اثْنَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة رحمهمَا الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن ارغون بن ابغا بن هولاكو بن جنكزخان المغلي السُّلْطَان القان
غياث الدّين خد بندا كَذَا يَقُول الْعَوام وانما خداي بندا مَعْنَاهُ عبد الله كَانَ صَاحب الْعرَاق واذربيجان وخراسان ملك بعد أَخِيه غازان وَكَانَت دولته ثَلَاثَة عشر سنة وَكَانَ شَابًّا مليحا لكنه كَانَ اعور جوادا لعابا محبا للعمارة أنشأ مَدِينَة جَدِيدَة باذربيجان وَهِي مَدِينَة سلطانية حاصر الرحبة سنة اثْنَتَيْ عشر وَسبع ماية واخذها بالامان فِي شهر رَمَضَان وَعَفا عَن اهلها وَلم يسفك فِيهَا دَمًا وَبَات بهَا لَيْلَة الاربعاء الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَسَبْعمائة فَمَا اصبح وَترك لأهل الرحبة اشياء كَثِيرَة من اثقال المناجيق وَغَيرهَا وَكَانَ مَعَه يَوْمئِذٍ قرا سنقر والافوم وَسليمَان بن مهنا وَكَانَ اهلها قد حلفوا لخزابندا فَلَمَّا ارتحل عَنْهَا وَاسْتقر الْأَمر التمس قاضيها ونائبها والطائفة حَلَفت لَهُ عزلهم من السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون لمَكَان الدّين لخزابندا فعزلهم وَكَانَ سنيا فَمَا زَالَت بِهِ الامامية إِلَى أَن رفضوه وَغير شعار الْخطْبَة واسقط ذكر الْخُلَفَاء من الْخطْبَة سوى عَليّ بن أبي طَالب ﵃ وصمم أهل بَاب الأزج على مُخَالفَته فَمَا أعجبه ذَلِك وتنمر ورسم بِإِبَاحَة مَا لَهُم وَدِمَائِهِمْ فعوجل بعد يَوْمَيْنِ بهيضة مزعجة داواه مِنْهَا الرشيد بمسهل منظف فخارت قواه وَتُوفِّي فِي شهر رَمَضَان سنة سِتَّة عشر وَسَبْعمائة وَدفن بسلطانية فِي تربته وَهُوَ فِي عمر الاربعين وَفِي رحيله عَن رحبة مَالك بن طوق قَالَ عَلَاء الدّين الوداعي وَمن خطه نقلت
مَا فر خدابندا عَن الرحبةالْعُظْمَى إِلَى اوطانه شوقا
بل خَافَ من مَالِكهَا انهيلْبسهُ من سَيْفه طوقا
وَلما تشيع خدبندا قَالَ جمال الدّين إِبْرَاهِيم بن الحسام الْمُقِيم بقرية مجدل سَلمَة من بِلَاد صفد يمدحه شعر
أهدي إِلَى ملك الْمُلُوك دعائيوأخصه بمدائحي وثنائي
وَإِذا الورى وآلوا ملوكا غَيرهجهلا فَفِيهِ عقيدتي وولائي
هَذَا خدا بندا مُحَمَّد الَّذِيسَاد الْمُلُوك بدولة غراء
ملك البسيطة وَالَّذِي وَأَنت لَهُاكنافها طَوْعًا بِغَيْر عناء
أغنتك هيبتك الَّتِي أعطيتهَاعَن صارم أَو صعدة سمراء
وَلَقَد لبست من الشجَاعَة حلَّةتغنيك عَن جَيش وَرفع لِوَاء
مَلأ البسيطة رَغْبَة ومهابةفَالنَّاس بَين مَخَافَة ورجاء
من حوله عصب كآساد الشرىلَا يرهبون الْمَوْت دون لِقَاء
وَإِذا ركبت سرى امامك للعدىرعب يقلقل انفس الاعداء
وَلَقَد نشرت الْعدْل حَتَّى انهقد عَم فِي الاموات والاحياء
فليهن دينا أَنْت تنصر ملكهوطبيبه الدَّارِيّ بخسم الدَّاء
نبهته بعد الخمول فَأَصْبَحتتعلو بهمته على الجوزاء
وَبسطت فِيهِ بِذكر آل مُحَمَّدفَوق المنابر ألسن الخطباء
وغدت دراهمك الشَّرِيفَة نقشهاباسم النَّبِي وَسيد الْخُلَفَاء
وَلَقَد حفظت عَن النَّبِي وَصِيَّةوَرفعت قرباه على الْقُرَبَاء
فابشر بهَا يَوْم الْمعَاد ذخيرةيجزيكها الرَّحْمَن خير جَزَاء
يَا ابْن الاكاسرة الْمُلُوك تقدمُواوورثت ملكهم وكل عَلَاء
مُحَمَّد بن أبي سعيد بن احْمَد بن شرف أَبُو عبد الله الجذامي القيرواني
أحد فحول شعراء الْمغرب كَانَ اعور وَله تصانيف مِنْهَا كتاب ابكار الافكار وَهُوَ كتاب حسن فِي الادب يشْتَمل على نظم ونثر من كَلَامه وَيُقَال أَن شرف اسْم امهِ وَاسم ابيه احْمَد فعلى هَذَا لَا ينْصَرف
وروى ابْن شرف عَن أبي حسن الْقَابِسِيّ وَتُوفِّي ﵀ سنة سِتِّينَ واربعمائة أَو فِيمَا قبلهَا وَكَانَت بَينه وَبَين ابْن رَشِيق مهاجاة وعداوة جرى الزَّمَان بعادتها بَين المتعاصرين وَلابْن رَشِيق فِيهِ عدَّة رسائل يهجوه فِيهَا وَيبين اغلاطه وقبائحه مِنْهَا رِسَالَة ساجور الْكَلْب ورسالة قطع الانفاس ورسالة نجح الطّلب ورسالة رفع الاشكال وَدفع الْمحَال وَكتاب نسخ الْملح وَنسخ اللمح
وانشدني بَعْضهَا يَقُول
بني شرف شرف أمكُموَلَيْسَت اباكم فَلَا تكذب
وَلكنهَا ايقظت شيخكمفَأثْبت فِي ذَلِك المنصب
أبينوا لنا امكم اولاوَنحن نسامحكم بالاب
وَقَالَ ابْن شرف وَهُوَ تَشْبِيه مُتَمَكن
كَأَنَّمَا حمامنا فقحةالنتن والظلمة والضيق
كأنني فِي وَسطهَا فيشةألوطها والعرق الرِّيق
فَبلغ ذَلِك ابْن رَشِيق فَقَالَ
وَأَنت أَيْضا اعور اصلعفصادف التَّشْبِيه تَحْقِيق
وَهَذَا فِي غَايَة الْحسن وَمن عَجِيب الِاتِّفَاق وَقَالَ ابْن رَشِيق فِي حَقه فِي كتاب الانموذج لقد شهدته مَرَّات يكْتب القصيدة فِي غير مسودة كَأَنَّمَا يحفظها ثمَّ يقوم فينشدها واما المقطعات فَمَا احصي مَا يصنع مِنْهَا كل يَوْم بحضرتي صَاحِيًا أَو سكرانا ثمَّ يَأْتِي بهَا بعد ذَلِك واكثرها مخترع بديع
وَمن شعر ابْن شرف القيرواني
وَلَقَد نعمت بليلة جمد الحيابالارض فِيهَا وَالسَّمَاء تذوب
جمع العشاءين الْمُصَلِّي وانزوىفِيهَا الرَّقِيب كَأَنَّهُ مرقوب
والكأس كاسية الْقَمِيص كَأَنَّهَالونا وقدا معصم مخضوب
هِيَ وردة فِي خَدّه وبكأسهاتَحت القناني عسجد مصبوب
مني اليه وَمن يَدَيْهِ إِلَى يَديكَالشَّمْسِ تطلع بَيْننَا وتغيب
قلت مَا وَقعت على ارشق من هَذَا الْمَعْنى وَلَا اتم وَهُوَ عِنْدِي اكمل واحسن من قَول أبي نواس حَيْثُ قَالَ شعر
طالعات من السقاة علينافَإِذا مَا غربن يغربن فِينَا
وَمن قَول مُسلم بن الْوَلِيد
ينحسر اللَّيْل عَن دجاهوتطلع الشَّمْس فِي الصواني
وَمِمَّا سَار لَهُ وطار وملأ الاقطار قَوْله
جاور عليا وَلَا تحفل بحادثةوَإِذا ادرعت فَلَا تسْأَل عَن الاسل
فالماجد السَّيِّد الْحر الْكَرِيم لَهُكالنعت والعطف والتوكيد وَالْبدل
سل عَنهُ وانطق وَانْظُر اليه تَجِدملْء المسامع والافواه والمقل
وَمَا أحسن قَوْله من ابيات
لَو كَانَ خلقك لليالي لم يزلجسم الثرى وَعَلِيهِ ثوب ربيع
سلك الورى آثَار فضلك فانثنىمتكلف عَن مَسْلَك مطبوع
ابناء جنسك فِي الحلى لَا فِي الْعلَاواقول قولا لَيْسَ بالمدفوع
أبدا ترى الْبَيْتَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الْمَعْنىويتفقان فِي التقطيع
فتسلق على معنى أبي الطّيب فِي قَوْله
(فَإِن تفق الانام وانت مِنْهُم ... فَإِن الْمسك بعض دم الغزال) واختلسه مِنْهُ اختلاسا خفِيا وأتى بِهِ قمرا بهيا وَقَالَ ابْن شرف القيرواني شعر
احذر محَاسِن اوجه فقدت محَاسِنانفس وَلَو إِنَّهَا اقمار
سرج تلوح إِذا نظرت فَإِنَّهَانور يضيء وان مسست فَنَار
وَقَالَ أَيْضا
قَالُوا تصاهلت الْحميرفَقلت إِذْ عدم السوابق
خلت الدسوت من الرخاخففرزنت فِيهَا البياذق
وَقَالَ فِي عود وَالْمعْنَى مَشْهُور شعر
سقى الله ارضا أنبتت عودك الَّذِيزكتْ مِنْهُ اغصان وَطَابَتْ مغارس
تغني عَلَيْهَا الطير وَهِي رطيبةوغنى عَلَيْهَا النَّاس وَالْعود يَابِس
وَقَالَ فِي الْخِيَار مضمنا شعر
خِيَار يحيينا خِيَار الورى بِهِكأيدي المهافي اخضر الحبرات
لقفن على الايدي الاكمة ستْرَةفأذكرتنا مَا قيل فِي الخضرات
يخبئن اطراف البنان من التقىويطلعن شطر اللَّيْل مُعْتَجِرَات
وَقَالَ أَيْضا
إِذا صحب الْفَتى جد وَسعدتحامته المكاره والخطوب
ووافاه الحبيب بِغَيْر وعدطفيليا ومادله الرَّقِيب
وعد النَّاس ضرطته غناءوَقَالُوا أَن فسا قد فاح طيب
وَقَالَ فِي مليح اسْمه عمر شعر
يَا أعدل الْأمة اسْما كم تجور علىفؤاد مضناك بالهجران والبين
اظنهم سرقوك الْقَاف من قمروابدلوها بِعَين خيفة الْعين
وَقَالَ أَيْضا
يَا ثاويا فِي معشرقد اصطلى بنارهم
أَن تبل من شرارهمعلى يَدي شرارهم
أَو ترم من احجارهموانت فِي احجارهم
فَمَا فتئت جارهمفَفِي هواهم جارهم
وارضهم فِي ارضهمودارهم فِي دَارهم
وَأخذ خمسين بَيْتا مفاريد من قَول أبي الطّيب وَخمسين بَيْتا من اشعار الْعَرَب ونظم معنى الْمِائَة بَيت الْمَذْكُورَة قصيدة على رُوِيَ اللَّام ألف واتى فِي كل بَيت من معنى الْحِكْمَة فِي بَيته هُوَ كَقَوْل طرفَة شعر
ستبدي لَك الايام مَا كنت جَاهِلاويأتيك بالاخبار من لم تزَود
وَقَول النَّابِغَة
وَلست بمستبق أَخا لَا تلمهعلى شعث أَي الرِّجَال الْمُهَذّب
فَقَالَ ابْن شرف شعر
لَا تسْأَل النَّاس والايام عَن خبرهما ينبئانك الْأَخْبَار تطفيلا
وَلَا تعاتب على نقص الطباع اخافَإِن بدر السما لم يُعْط تكميلا
مُحَمَّد بن أبي طَالب شمس الدّين الانصاري الصُّوفِي
الْمَعْرُوف قَدِيما بشيخ حطين ثمَّ بشيخ الربوة أخيرا رَأَيْته بصفد مَرَّات وَاجْتمعت بِهِ مديدة
كَانَ من اذكياء الْعَالم لَهُ قدرَة على الدُّخُول فِي كل علم وجرأة على التصنيف فِي كل فن رَأَيْت لَهُ عدَّة تصانيف حَتَّى فِي الاطعمة وَفِي اصول الدّين على غير طَرِيق الاعتزال والاشاعرة والحشوية لِأَنَّهُ لم يكن لَهُ علم وَإِنَّمَا كَانَ ذكيا قيوما أَجِدهُ وَهُوَ يرى رَأْي الأشاعرة وَيَوْما أرَاهُ وَهُوَ يرى رَأْي الاعتزال وَيَوْما أرَاهُ وَهُوَ يرى رَأْي الحشوية وَيَوْما أرَاهُ وَهُوَ يرى رَأْي ابْن سبعين وينحو طَرِيقه وَكَانَ يتَكَلَّم على الاوقات ويضعها وَيتَكَلَّم على اسرار الْحُرُوف وَيعرف الرمل جيدا وَله فِي كل شَيْء يتَكَلَّم فِيهِ تصنيف وَكَانَ لَهُ نظم لَيْسَ بطائل وَكَانَ رُبمَا عرض عَليّ القصيدة وَطلب مني تنقيحها فأغير مِنْهَا كثيرا وَكَانَ يتَكَلَّم فِي علم الكيمياء وَيَدعِي فِيهِ اشياء وَالظَّاهِر أَنه كَانَ يعرف مِنْهَا مَا يخدع بِهِ الْعُقُول ويلعب بألباب الاغمار وَلَقَد توصل إِلَى أَن طلبه الافرم نَائِب الشَّام ونقق عَلَيْهِ وَدخل مَعَه فِي اشياء واوهمه مِنْهَا امورا فولاه مشيخة الربوة وَهُوَ شيخ النَّجْم الحطيني الَّذِي سمره السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون اوائل قدومه من الكرك فِي الْمرة الثَّانِيَة بِالْقَاهِرَةِ وجهزه مسمرا على جمل إِلَى دمشق لِأَن النَّجْم هَذَا كَانَ شَيْطَانا جَريا قَاتل النَّفس لعب بعقل جولجين جمدار السُّلْطَان واتصل بِهِ بِدِمَشْق لما كَانَ السُّلْطَان بهَا واراه ملحمة عتقهَا وَذكر فِيهَا اسْمه وَاسم ابيه وامه وَذكر شامات فِي جِسْمه وآثار توصل إِلَى مَعْرفَتهَا من غَيره وَقَالَ أَنْت تملك فَاطلع السُّلْطَان على ذَلِك بعد مُدَّة فَقتل جولجين وَمن كَانَ يحادثه فِي ذَلِك وجهز اخذ النَّجْم من حطين شيخ الخانقاه
بهَا فورد عَلَيْهِم امان اضافوه وَأَرَادَ السّفر فِي اللَّيْل وَعلم النَّجْم أَن مَعَه ذَهَبا فَاتبعهُ وَقَتله فبلغت الْقِصَّة الامير سيف الدّين كراي نَائِب صفد إِذْ ذَاك فَاحْضُرْ الشَّيْخ شمس الدّين وضربه على مَا قيل ألف مقرعة وعوقب ثمَّ افرج عَنهُ ولشمس الدّين هَذَا كتاب حسن فِي الفراسة جمع فِيهِ كَلَام الشَّافِعِي ﵁ وَابْن الْعَرَبِيّ وَصَاحب الْمَنْصُور وَكَلَام افلاطون وَكَلَام ارسطو فجَاء حسنا رَآهُ جمَاعَة من الْفُضَلَاء فاعجبوا بِهِ وكتبوه مني مِنْهُم الشَّيْخ شمس الدّين بن الاكفاني وَغَيره وتناولته مِنْهُ بصفد سنة ارْبَعْ وَعشْرين وَسَبْعمائة بعد مَا كتبته بخطي وَكَانَ فكه المحاضرة حُلْو النادرة يتوقد ذكاء ولحقه صمم قوي قبل مَوته بِعشر سِنِين أَو اكثر واضر من عينه الْوَاحِدَة وَتُوفِّي ﵀ فِي بيمارستان صفد سنة خمس وَعشْرين وَسَبْعمائة
مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن رَحِيم
بِضَم الرَّاء الْمُهْملَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعدهَا مِيم الْحَافِظ أَبُو عبد الله الصُّورِي أحد اعلام الحَدِيث سمع على كبر وعني بِالْحَدِيثِ اتم عناية إِلَى أَن صَار فِيهِ رَأْسا وَكَانَ يسْرد الصَّوْم قَالَ الْخَطِيب كَانَ صَدُوقًا كتب عني وكتبت عَنهُ قَالَ السلَفِي كتب الصُّورِي البُخَارِيّ فِي سَبْعَة اطباق ورق بغدادي وَلم يكن لَهُ سوى عين وَاحِدَة وَعنهُ اخذ الْخَطِيب الحَدِيث وَله شعر رائق وَتُوفِّي ﵀ سنة احدى واربعين واربعمائة سمع بِالْكُوفَةِ من اكثر من اربعمائة شيخ وَكَانَ هُنَاكَ يظْهر السّنة ويترحم على الصَّحَابَة فثاروا عَلَيْهِ ليقتلوه فالتجأ إِلَى أبي طَالب بن عمر الْعلوِي فأجاره وَقَالَ لَهُ اقْرَأ عَليّ فَضَائِل الصَّحَابَة فَقَرَأَ عَلَيْهِ فَتَابَ من سبهم وَقَالَ قد عِشْنَا اربعين سنة فِي سبهم اترى اعيش مثلهَا حَتَّى اذكرهم بِخَير
وَكَانَ قسم اوقاته فِي نَيف وَثَلَاثِينَ فَنًّا وَكَانَت لَهُ اخت بصور خلف عِنْدهَا
اثْنَي عشر عدلا من الْكتب فَأَعْطَاهَا الْخَطِيب شَيْئا وَأخذ بعض الْكتب وَكَانَ حسن المحاضرة وَمن شعره
قل لمن عاند الحَدِيث واضحىعائبا أَهله وَمن يَدعِيهِ
أبعلم تَقول هَذَا ابْن ليأم بِجَهْل فالجهل خلق السَّفِيه
أتعيب الَّذين هم حفظوا الدّينمن الترهات والتمويه
والى قَوْلهم وَمَا رددوهرَاجع كل عَالم وفقيه
وَمن شعره فِي أَبْيَات
تولى الشَّبَاب بريعانهوَجَاء المشيب بأحزانه
وان كَانَ مَا جَار فِي سيرهوَلَا جَاءَ فِي غير ابانه
وَلَكِن أَتَى مُؤذنًا بالرحيلفويلي من قرب ايذانه
وَلَوْلَا ذنُوب تحملتهالما راعني حَال اتيانه
وَلَكِن ظَهْري ثقيل بِمَاجناه شَبَابِي بطغيانه
مُحَمَّد بن يزِيد الخزرجي
لقبه عَليّ بن الْمَهْدَوِيّ الكسروي وَأخذ عَنهُ وَهُوَ الْقَائِل
يَا ابْن من يكْتب فِي الاعناقمن غير دَوَاة
لم يكن يكْتب فِيهَاغير خطّ الالفات
يُرِيد أَن اباه حجام وَالله ﷾ أعلم
مَحْمُود بن زِيَاد الماربي
بِالْمِيم والالف وَالرَّاء وَالْبَاء ثَانِيَة الْحُرُوف اليمني كَانَ شَاعِرًا مدح الْملك الْمفضل بن أبي البركات الْحِمْيَرِي فوصله بِأَلف دِينَار فَقَالَ يشكره من قصيدة
فَوهبت لي الْألف الَّتِي لَو إِنَّهَاوزنت بصم الصخر كَانَت أبهرا
وَكَانَ أول من نوره باسمه الشريف عِيسَى بن حَمْزَة بن سُلَيْمَان الحسني صَاحب عثر فَإِنَّهُ وجد عِنْده الاثر وَلما دخلت الغز إِلَى الْيمن وَأخذت الشريف يحيى بن حَمْزَة إِلَى الْعرَاق وَبَقِي اخوه الْأَمِير عِيسَى اميرا فِي الْبِلَاد فَلم يزل يجْتَهد ويكاتب ويبذل الْأَمْوَال حَتَّى افتك اخاه يحيى وَلما عَاد إِلَى عثر دبر على اخيه عِيسَى وَقَتله فَقَالَ مَحْمُود الماربي
خُنْت الْمَوَدَّة وَهِي الام خطةوسلوت عَن عِيسَى ابْن ذِي المجدين
يَا طف عثر أَنْت طف ثَانِييَا يَوْم عِيسَى أَنْت يَوْم حنين
قد كَانَ يشفي بعض مَا بِي من جوىلَو طاح يَوْم الروع فِي الجبلين
هَيْهَات أَن يَد الْحمام قَصِيرَةلَو هز مطرد الكعوب رديني
أبلغ بني حسن وان فَارَقْتهمْلَا عَن قلى وحللت باليمنين
أَنِّي وفيت بود عِيسَى بعدهلَا لَو وفيت قلعت اسود عَيْني
قرت عُيُون الشامتين واسخنتعَيْني على من كَانَ قُرَّة عَيْني
وَكَانَ قد نذر أَن لَا يرى الدُّنْيَا إِلَّا بِعَين وَاحِدَة وَكَانَ يُغطي عينه بِخرقَة فَيرى كَأَنَّهُ أَعور إِلَى أَن مَاتَ
وَلما بلغ الشّعْر إِلَى يحيى الْقَاتِل غضب واقسم فَقَالَ جلدني الله جلدَة
الماربي لأسفكن دَمه فَقَالَ الماربي شعر
نبئت انك قد اقسمت مُجْتَهدالتسفكن على حر الْوَفَاء دمي
وَلَو تجلدت جلدي مَا غدرت وَلَااصبحت ألأم من يمشي على قدم
وهجا الماربي رجلا من سلاطين الْيمن فاعتقله لينْظر فِيمَا ذكر عَنهُ فخافت نفس الماربي أَن تتمّ عَلَيْهِ مكيدة فِي السجْن فَكتب من السجْن إِلَى سُلْطَان آخر وَكَانَ صديقا لَهُ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ شعر
أَسف أَن طَار اوطر أَن سف وَإِنلَان الْفَتى فاقس أَو يقس الْفَتى فَلَنْ
حَتَّى تخلصني من قَعْر مظْلمَةفَأَنت آخر سهم كَانَ فِي قرن
فَركب الرجل وَكسر الْحَبْس وَأخرج الماربي وَسلمهُ إِلَى من مَنعه من قومه ثمَّ أَنه لَقِي السُّلْطَان وشفع فِيهِ وَاعْتذر من كسر الْحَبْس
الْمُخْتَار بن عبيد بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ أَبُو اسحاق
قَالَ ابْن عبد الْبر لم يكن بالمختار وَكَانَ ابوه من جملَة الصَّحَابَة ولد الْمُخْتَار عَام الْهِجْرَة وَلَيْسَت لَهُ صُحْبَة وَلَا رِوَايَة واخباره غير مرضية حَكَاهَا عَنهُ ثِقَات مثل سُوَيْد بن عقله وَالشعْبِيّ وَغَيرهمَا وَذَلِكَ مذ طلب الامارة إِلَى أَن قَتله مُصعب بن الزبير بِالْكُوفَةِ سنة سبع وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ وَكَانَ قبل
ذَلِك معدودا من أهل الْفضل وَالْخَيْر يرائي بذلك ويكتم الْفسق وَظهر مِنْهُ مَا كَانَ يَكْتُمهُ إِلَى أَن فَارق ابْن الزبير وَطلب الامارة وَكَانَ الْمُخْتَار يتزين بِطَلَب دم الْحُسَيْن ﵁ وَيسر طلب الدُّنْيَا والامارة فتأتي مِنْهُ الْكَذِب وَالْجُنُون وَكَانَت امارته سِتَّة عشر شهرا وَكَانَ اعور لَان عبيد الله بن زِيَاد ضرب وَجهه بِسَوْط فَذَهَبت عينه وروى أَبُو سَلمَة مُوسَى بن اسماعيل عَن أبي عوَانَة عَن مُغيرَة عَن ثَابت بن هُرْمُز قَالَ حمل الْمُخْتَار مَالا بِالْمَدَائِنِ من عِنْد عَمه إِلَى عَليّ ﵁ فَأخْرج كيسا فِيهِ خَمْسَة عشر درهما فَقَالَ هَذَا من اجور المومسات فَقَالَ وَيلك مَا لي والمومسات ثمَّ قَامَ وَعَلِيهِ مقطعَة حَمْرَاء فَلَمَّا سلم قَالَ عَليّ ﵁ مَا لَهُ قَاتله الله لَو شقّ عَن قلبه الان لوجد ملآنا من حب اللات والعزى يُقَال انه كَانَ أول امْرَهْ خارجيا ثمَّ صَار زبيريا ثمَّ صَار رَافِضِيًّا وَكَانَ يضمر بغض عَليّ وَيظْهر مِنْهُ احيانا لضعف عقله وَقَالَ رَسُول الله ﷺ يكون فِي ثَقِيف كَذَّاب ومبير فَكَانَ أَحدهمَا الْمُخْتَار كذب على الله وَادّعى أَن الْوَحْي يَأْتِيهِ من الله وَالْآخر الْحجَّاج
وَقتل الْمُخْتَار فِي شهر رَمَضَان مُقبلا غير مُدبر فِي السّنة الْمَذْكُورَة والفرقة المختارية من الرافضة اليه تنْسب كَانَ يَقُول بإمامة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة بعد عَليّ ﵁ وَجوز البداء على الله لانه كَانَ يَدعِي عِنْد أَصْحَاب الْعلم بعواقب الْأُمُور فَكَانَ إِذا اخبرهم بِمَا سيحدث وَلم يحدث قَالَ بدا لربكم وتبرأ مِنْهُ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة لما بلغه من مخاريقه لِأَنَّهُ اتخذ كرسيا وغشاه بالديباج وزينه
بأنواع الزِّينَة وَقَالَ هَذَا من ذخائر أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَهُوَ عندنَا بِمَنْزِلَة التابوت الَّذِي كَانَ فِي بني اسرائيل والبقية وَالْمَلَائِكَة تحمله من فَوْقكُم مددكم وَاتخذ حمامات بيضًا طيرها فِي الْهَوَاء وَقَالَ لاصحابه أَن الْمَلَائِكَة تنزل عَلَيْكُم فِي صور حمامات بيض وَألف اسجاعا بَارِدَة
مُعَاوِيَة بن حديج بن جَفْنَة
ابْن قنبر بن حَارِثَة السكونِي وَقيل الْكِنْدِيّ وَقيل الْخَولَانِيّ وَقيل النجبي وَالصَّوَاب السكونِي أَبُو عبد الرَّحْمَن وَقيل أَبُو نعيم
يعد فِي أهل مصر وَحَدِيثه عِنْدهم روى عَنهُ سُوَيْد بن قيس وَعرْفطَة بن عَمْرو وغزا مُعَاوِيَة افريقية ثَلَاث مَرَّات متفرقات واصيبت عينه فِي مرّة مِنْهَا وَقيل غزا الْحَبَشَة مَعَ ابْن أبي سرح فأصيبت عينه وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن شماسَة الْمهْدي دَخَلنَا على عَائِشَة فسألتنا كَيفَ كَانَ اميركم هَذَا أَو صَاحبكُم هَذَا فِي غزوتكم يَعْنِي مُعَاوِيَة بن حديج فَقَالُوا مَا نقمنا عَلَيْهِ شَيْئا وأثنوا عَلَيْهِ خيرا قَالُوا أَن هلك بعير أخلف بَعِيرًا وان هلك فرس اخلف فرسا وان ابق خَادِم اخلف خَادِمًا فَقَالَت حِينَئِذٍ اسْتغْفر الله اللَّهُمَّ اغْفِر
لي أَنِّي كنت ابغضه من لأجل انه قتل اخي وَقد سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول اللَّهُمَّ من رفق بأمتي فارفق بِهِ وَمن شقّ عَلَيْهِم فاشقق عَلَيْهِ وَتُوفِّي ﵀ فِي حُدُود السِّتين لِلْهِجْرَةِ وَقيل انه الَّذِي قتل مُحَمَّد بن أبي بكر ﵄ وَقد روى لَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه
معتب بن أبي لَهب بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي
لَهُ صُحْبَة واسلم عَام الْفَتْح وَشهد حنينا مُسلما مَعَ رَسُول الله ﷺ هُوَ واخوه عتبَة وفقئت عين معتب يَوْم حنين وَأم معتب هَذَا أم جميل بنت حَرْب بن امية وَهِي حمالَة الْحَطب
الْمُغيرَة بن شُعْبَة بن عَامر بن مَسْعُود بن معتب بن مَالك الثَّقَفِيّ أَبُو عبد الله وَقيل أَبُو عِيسَى
اسْلَمْ عَام الْفَتْح وَقدم مُهَاجرا وَقيل أول مُشَاهدَة الْحُدَيْبِيَة
روى زيد بن اسْلَمْ عَن ابيه أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ لِابْنِهِ عبد الرَّحْمَن وَكَانَ اكتني أَبَا عِيسَى مَا أَبُو عِيسَى فَقَالَ قد اكتنى بهَا الْمُغيرَة على عهد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ عمر للْمُغِيرَة إِمَّا يَكْفِيك أَن تتكنى بِأبي عبد الله فَقَالَ أَن رَسُول الله ﷺ قد كناني فَقَالَ أَن رَسُول الله ﷺ قد غفر لَهُ مَا
تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فَلم يزل يكتني أَبَا عبد الله حَتَّى مَاتَ
وَكَانَ الْمُغيرَة ﵁ رجلا طوَالًا داهية اعور اصيبت عينه يَوْم اليرموك وَتُوفِّي سنة خمسين لِلْهِجْرَةِ ووقف على قَبره مصقلة بن هُبَيْرَة الشَّيْبَانِيّ وَقَالَ
أَن تَحت الاحجار حزما وجوداوخصيما أَلد ذَا معلاق
حَيَّة فِي الوجار دهياء لَا ينفعفِيهَا السَّلِيم نفث الراقي
ثمَّ قَالَ إِمَّا وَالله لقد كنت شَدِيد الْعَدَاوَة لمن عاديت شَدِيد الاخوة لمن آخيت
وروى مجَالد عَن الشّعبِيّ قَالَ دهاة الْعَرَب اربعة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَعَمْرو بن الْعَاصِ والمغيرة بن شُعْبَة وَزِيَاد فَأَما مُعَاوِيَة فللأناة والحلم واما عَمْرو فللمعضلات واما الْمُغيرَة فللمبادهة واما زِيَاد فللكبير وَالصَّغِير
وَقَالَ ابْن عبد الْبر أَن قيس بن عبَادَة لم يكن فِي الدهاء بِدُونِ هَؤُلَاءِ مَعَ كرم كَانَ فِيهِ وَفضل
وَلما قتل عُثْمَان وَبَايع النَّاس عليا دخل عَلَيْهِ الْمُغيرَة وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن لَك عِنْدِي نصيحة قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ أَن اردت أَن يَسْتَقِيم لَك الْأَمر فَاسْتعْمل طَلْحَة بن عبيد الله على الْكُوفَة وَالزُّبَيْر بن الْعَوام على الْبَصْرَة
وَابعث إِلَى مُعَاوِيَة بعهده على الشَّام حَتَّى تلْزمهُ طَاعَتك فَإِذا اسْتَقَرَّتْ لَك الْخلَافَة فأدرها كَيفَ شِئْت بِرَأْيِك
فَقَالَ عَليّ
أما طَلْحَة وَالزُّبَيْر فسأرى رَأْيِي فيهمَا وَأما مُعَاوِيَة فَلَا وَالله لَا يراني الله مُسْتَعْملا لَهُ مستعينا بِهِ على حَاله وَلَكِنِّي ادعوهُ للدخول فِيمَا دخل فِيهِ الْمُسلمُونَ فَإِن أَبى حاكمته إِلَى الله تَعَالَى
فَانْصَرف الْمُغيرَة مغضبا وَلما كَانَ من الْغَد اتاه فَقَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ نظرت فِيمَا قلت لَك بالامس وَمَا جاوبتني بِهِ فَرَأَيْت انك قد وقفت للخير وَطلب الْحق ثمَّ خرج عَنهُ فَلَقِيَهُ الْحسن وَهُوَ خَارج فَقَالَ لِأَبِيهِ مَا قَالَ لَك هَذَا الْأَعْوَر قَالَ اتاني امس بِكَذَا واتاني الْيَوْم بِكَذَا فَقَالَ نصحك الله امس وخدعك الْيَوْم فَقَالَ لَهُ عَليّ أَن اقررت مُعَاوِيَة على مَا فِي يَده كنت متخذ المضلين عضدا
وَقَالَ الْمُغيرَة فِي ذَلِك
نصحت عليا فِي ابْن هِنْد نصيحةفَرد فَلَا يسمع لَهَا الدَّهْر ثَانِيَة
وَقلت لَهُ ارسل اليه بعهدهعلى الشَّام حَتَّى يسْتَقرّ مُعَاوِيَة
وَيعلم أهل الشَّام أَن قد ملكتهفَأم ابْن هِنْد ذَلِك هاوية
وتحكم فِيهِ مَا تُرِيدُ فَإِنَّهُلداهية فارفق بِهِ وَابْن داهية
فَلم يقبل النصح الَّذِي حبيته بِهِوَكَانَت لَهُ تِلْكَ النَّصِيحَة كَافِيَة
والمغيرة أول من حَيا عمر بن الْخطاب بأمير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ أول من خضب بِالسَّوَادِ فِي الْإِسْلَام
وَحكى عَن الشّعبِيّ قَالَ قَالَ الْمُغيرَة أول مَا عَرفتنِي الْعَرَب بالدهاء والحزم أَنِّي كنت فِي ركب من قومِي فِي طَرِيق لنا إِلَى الْحيرَة فَقَالُوا قد اشتهينا الْخمْرَة وَمَا مَعنا إِلَّا دِرْهَم زائف فَقلت هاتوه وهلموا زقين فَقَالُوا وَمَا يَكْفِيك بدرهم زائف زق وَاحِد فَقلت اعطوني مَا طلبت وخلاكم ذمّ فَفَعَلُوا وهم
يهزئون مني فَصَبَبْت فِي أحد الزقين مَاء فَخرجت إِلَى خمار فَقلت لَهُ كل لي ملاء هَذَا الزق فملأه واخرجت الدِّرْهَم الزائف فأعطيته فَقَالَ مَا هَذَا امجنون أَنْت فَقلت انا رجل بدوي فَظَنَنْت أَن ذَلِك يصلح فَإِن صلح وَألا فَخذ شرابك فاكتال مني مَا كاله وَبَقِي من الشَّرَاب بِقدر مَا كَانَ فِيهِ من المَاء فافرغته فِي الزق الآخر وَحَمَلته على ظَهْري وَخرجت فَصَبَبْت فِي الزق الآخر مَاء وَدخلت إِلَى خمار آخر فَقلت أَنِّي أُرِيد مِنْك ملْء هَذَا الزق خمرًا فَانْظُر إِلَى مَا معي مِنْهُ فَإِن كَانَ عنْدك مثله فاعطني فَنظر اليه واردت أَن لَا يستريب فِي مَا إِذا رددت الْخمر عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ عِنْدِي اجود مِنْهُ فَقلت هَات فَاخْرُج شرابًا فاكتلته فِي الزق الَّذِي فِيهِ المَاء ثمَّ دفعت الدِّرْهَم الزائف اليه فَقَالَ مثل قَول صَاحبه فَقلت خُذ خمرك فاخذ مَا كال لي وَهُوَ يرى أَنِّي خلطته بِالشرابِ الَّذِي أريته اياه وَخرجت فَجَعَلته مَعَ الْخمر الأول فَلم أزل افْعَل ذَلِك بِكُل خمار فِي الْحيرَة حَتَّى مَلَأت زقي الأول وَبَعض الآخر وَرجعت إِلَى اصحابي فوضعتهما بَين ايديهم ورددت الدِّرْهَم فَقَالُوا وَيحك أَي شَيْء صنعت فحدثتهم فَجعلُوا يتعجبون وشاع ذكري بالدهاء بَين الْعَرَب إِلَى الْيَوْم
واما حَدِيث الشَّهَادَة على الْمُغيرَة بِالزِّنَا وَمَا جرى لَهُ مَعَ عمر بن الْخطاب فقد ذكرت ذَلِك مُسْتَوْفيا فِي تاريخي الْكَبِير فِي تَرْجَمَة الْمُغيرَة
وَقد روى للْمُغِيرَة بن شُعْبَة البُخَارِيّ وَمُسلم وابو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ نَافِع احصن الْمُغيرَة بن شُعْبَة فِي الْإِسْلَام ثَلَاثمِائَة امْرَأَة وَقَالَ ابْن وضاح غير نَافِع يَقُول ألف امْرَأَة وَالله اعْلَم
الْمُقَلّد بن الْمسيب بن رَافع بن الْمُقَلّد بن جَعْفَر بن عَمْرو بن المهنا عبد الرَّحْمَن بن زيد يَنْتَهِي إِلَى هوَازن الْعقيلِيّ حسام الدولة صَاحب الْموصل كَانَ أَخُوهُ أَبُو الذؤاد مُحَمَّد بن الْمسيب أول من تغلب على الْموصل وملكها من هَذَا الْبَيْت سنة ثَمَانِينَ وثلاثمائة وَتزَوج بهاء الدولة أَبُو نصر بن بويه الديلمي ابْنَته فَلَمَّا مَاتَ أَبُو الذؤاد سنة سبع وَثَمَانِينَ قَامَ اخوه الْمُقَلّد من بعده وَكَانَ اعور وَله سياسة وَفِيه عقل وَحسن تَدْبِير فغلب على شقي الْفُرَات واتسعت مَمْلَكَته ولقيه الْقَادِر بِاللَّه وكناه وَنفذ اليه اللِّوَاء وَالْخلْع فلبسها بالانبار واستخدم من الديلم والاتراك ثَلَاثَة آلَاف رجل وأطاعته خفاجة وَكَانَ فِيهِ رفض قَتله غُلَام تركي لَهُ سَمعه يُوصي حَاجا أَن يسلم على النَّبِي ﷺ ويقوله لَهُ قل لَهُ لَوْلَا ضجيعاك لزرناك فَوَثَبَ عَلَيْهِ فِي مجْلِس انس بالانبار فَقتله سنة احدى وَتِسْعين وثلاثمائة ورثاه الشريف الرضي بقصيدتين دالية وعينية واما الدالية فاولها شعر
اعامر لَا لليوم أَنْت وَلَا الْغَدتقلدت ذل الدَّهْر بعد الْمُقَلّد
فَإِن سَار للاعداء غَيْرك فاربعيوان قَامَ للعلياء غَيْرك فَاقْعُدْ
وَقل للعدى امنا على كل جَانبمن الأَرْض أَو نوما على كل مرقد
فقد زَالَ من كَانَت طلائع خَوفهتعارضكم فِي كل مرعى وفدفد
واما العينية فَهِيَ طنانة واولها
إِلَّا نَاشِدًا ذَاك الجناب الممنعاوجروا يناقلن الوشيح المزعزعا
وَمن يملك الايام بَأْسا ونائلاوتثنى لَهُ الاعناق خوفًا ومطمعا
هُوَ الْقدر الاقوى الَّذِي يقصف القناويلوي من الْجَبَّار جيدا وأخدعا
يرى الظفر الْمَاضِي الشباة قلامةإِذا غَالب الاقدار والباع اصبعا
تصاممت حق ابلغ النَّفس عذرةوَمَا نطق الناعون إِلَّا لأسمعا
بِأَن أَبَا حسان كبت جفانهوأهمل نيران الْقرى يَوْم ودعا
علا الْحزن بِي حَتَّى كَأَن لم أر الردىيخط لجنب قبل جَنْبك مُضْطَجعا
لقد صغر الارزاء رزؤك قبلهَاوهون عِنْدِي النَّازِل المتوقعا
وَهَذِه القصيدة طَوِيلَة وَكلهَا جَيِّدَة
الْمُهلب بن أبي صفرَة الازدي الْعَتكِي
أحد امراء الْبَصْرَة واشرافهم وفرسانهم ودهاتهم ولد عَام الْفَتْح فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ وروى عَن سَمُرَة بن جُنْدُب والبراء وَابْن عمر وَابْن عَمْرو وَولي قتال الْخَوَارِج وَقتل من الازارقة فِي وقْعَة وَاحِدَة اربعة آلَاف وثمان ماية وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَثَمَانُونَ لِلْهِجْرَةِ وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ أهل دبا اسلموا فِي عهد رَسُول الله ﷺ ثمَّ ارْتَدُّوا بعده وَمنعُوا الصَّدَقَة فَوجه اليهم أَبُو بكر بِعِكْرِمَةَ بن أبي جهل المَخْزُومِي فَهَزَمَهُمْ واثخن فيهم الْقَتْل فتحصن كل مِنْهُم فِي حصن لَهُم فحصدهم الْمُسلمُونَ ثمَّ نزلُوا
على حكم حُذَيْفَة بن الْيَمَان فَقتل مِنْهُم مائَة من اشرافهم وسبا ذَرَارِيهمْ وبعثهم إِلَى أبي بكر وَفِيهِمْ أَبُو صفرَة غُلَام لم يبلغ فَأعْتقهُمْ أَبُو بكر ﵁ وَقَالَ اذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُم فَتَفَرَّقُوا وَكَانَ أَبُو صفرَة مِمَّن نزل الْبَصْرَة
قَالَ ابْن قُتَيْبَة هَذَا الحَدِيث بَاطِل اخطأ فِيهِ الْوَاقِدِيّ لِأَن أَبَا صفرَة لم يكن فِي هَؤُلَاءِ وَلَا رَآهُ أَبُو بكر قطّ وانما وَفد إِلَى عمر وَهُوَ شيخ ابيض الرَّأْس واللحية فَأمره أَن يخضب فَخَضَّبَ فَكيف يكون غُلَاما فِي زمن أبي بكر وَقد ولد الْمُهلب وَهُوَ من اصاغر وَلَده قبل وَفَاة النَّبِي ﷺ بِسنتَيْنِ وَقد كَانَ فِي وَلَده قبل وَفَاة النَّبِي ﷺ بِثَلَاثِينَ سنة
وَكَانَ الْمُهلب من اشجع النَّاس وَحمى الْبَصْرَة من الْخَوَارِج وَله مَعَهم وقائع مَشْهُورَة بالاهواز استقصى الْمبرد فِي كِتَابه الْكَامِل اكثرها فَهِيَ تسمى بصرة الْمُهلب لذَلِك
وَكَانَ سيدا جَلِيلًا نبيلا رُوِيَ انه قدم على عبد الله بن الزبير فَخَلا بِهِ عبد الله يساوره فَدخل عَلَيْهِ عبد الله بن صَفْوَان بن خلف فَقَالَ من هَذَا الَّذِي شغلك الْيَوْم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أَو مَا تعرفه قَالَ لَا قَالَ هَذَا سيد الْعرَاق قَالَ فَهُوَ الْمُهلب بن أبي صفرَة قَالَ نعم قَالَ الْمُهلب من هَذَا يَا امير الْمُؤمنِينَ قَالَ هَذَا سيد قُرَيْش قَالَ فَهُوَ عبد الله بن صَفْوَان قَالَ نعم
وَلم يكن الْمُهلب يعاب شَيْء إِلَّا بِالْكَذِبِ وَقيل فِيهِ رَاح يكذب قَالَ ابْن قُتَيْبَة كَانَ الْمُهلب اتَّقى لله واشرف وانبل من ان يكذب وَلكنه كَانَ مجربا وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ الْحَرْب خدعة
وَكَانَ يُعَارض الْخَوَارِج بِالْكَلِمَةِ ويوري بهَا عَن غَيرهَا ويرهب بهَا الْخَوَارِج وَكَانُوا يسمونه الْكذَّاب وَيَقُولُونَ رَاح يكذب وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَرَادَ حَربًا ورى بغَيْرهَا وَفِي الْمُهلب قَالَ بعض الْخَوَارِج
أَنْت الْفَتى كل الْفَتىلَو كنت تصدق مَا تَقول
وأخبار الْمُهلب كَثِيرَة وتقلبت بِهِ الاحوال وَآخر مَا ولي خُرَاسَان من جِهَة الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ وَكَانَ امير الْعرَاق وَضم اليه عبد الْملك بن مَرْوَان خُرَاسَان وسجستان فَاسْتعْمل الْحجَّاج الْمُهلب على خُرَاسَان فورد عَلَيْهَا واليا فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَكَانَ قد اصيبت عينه على سمر قند لما فتحهَا سعيد بن عُثْمَان بن عَفَّان فِي خلَافَة مُعَاوِيَة وَلم يزل واليا على خُرَاسَان إِلَى أَن توفّي ﵀ وعهد إِلَى وَلَده يزِيد واوصاه بقضايا مِنْهَا قَالَ يَا وَلَدي اسْتعْمل الْحَاجِب واستظرف الْكَاتِب فَإِن حَاجِب الرجل وَجهه وكاتبه لِسَانه
ورثاه الشُّعَرَاء واكثروا من ذَلِك قَول نَهَار بن توسعة شعر
إِلَّا ذهب الْغَزْو المقرب للغنىوَمَات الندى والجود بعد الْمُهلب
اماما بمرو الروذ لم يبرحا بِهِوَقد قعدا من كل شَرق ومغرب
وَخلف الْمُهلب عدَّة اولاد نجباء كرماء امجاد اجواد قَالَ ابْن قتيبه يُقَال انه وَقع إِلَى الأَرْض من صلب الْمُهلب ثَلَاثمِائَة ولد وللمهلب عقب كثير بخراسان يُقَال لَهُم المهالبة وَفِيهِمْ يَقُول الشَّاعِر شعر
نزلت على آل الْمُهلب شاتياغَرِيبا عَن الاوطان فِي زمن مَحل
فَمَا زَالَ فِي احسابهم وجميلهموبرهم حَتَّى حسبتهم اهلي
الْمُوفق بن شوحة
الْيَهُودِيّ الطَّبِيب الْمصْرِيّ الملقب بالقيثارة بِالْقَافِ وَالْيَاء آخر الْحُرُوف
والشين الْمُعْجَمَة وَبعدهَا الْألف وَرَاء وهاء كَانَ من اعيان الاطباء الكحالين وَكَانَ ظريفا شَاعِرًا مَاجِنًا خدم السُّلْطَان صَلَاح الدّين فِي الطِّبّ وَكَانَ الشَّيْخ نجم الدّين الخيوساني لَهُ صُورَة عَظِيمَة بِالْقَاهِرَةِ إِذا رأى ذِمِّيا رَاكِبًا قصد قَتله وَكَانَ أهل الذِّمَّة يتحامونه فَرَأى الْمُوفق الْمَذْكُور رَاكِبًا فَضَربهُ بِشَيْء اصاب عينه فقلعها وراحت هدرا وَله قصيدة يهجو فِيهَا ابْن جَمِيع الطَّبِيب ويرميه فِيهَا بالابنة
وَقَالَ للخيوساني لما قلع عينه شعر
لَا تعجبوا من شُعَاع الشَّمْس إِذْ حسرتمِنْهُ الْعُيُون وَهَذَا الشَّأْن مَشْهُور
بل اعجبوا كَيفَ أعمى مقلتي نَظَرِيللشمس وَهُوَ ضئيل الشَّخْص مَسْتُور
وَمن شعره أَيْضا
وروضة جادها صوب الرّبيع فقدجَادَتْ علينا بوشي لم تحكه يَد
كَأَن أصفرها الزاهي وابيضهاتبر وورق وكف الرّيح تنتقد
(وفاح نشر خزاماها بِمَا كتمت ... وباح قمريها شجوا بِمَا يجد) وَأما مَا قَالَه فِي ابْن جَمِيع الطَّبِيب فَهُوَ
يَا أَيهَا الْمُدَّعِي طِبًّا وهندسةاوضحت با ابْن جَمِيع وَاضح الزُّور
أَن كنت بالطب ذَا علم فَلم عجزتقواك عَن طب دَاء فِيك مَسْتُور
تحْتَاج فِيهِ طَبِيبا ذَا معالجةبمبضع طوله شبران مطرور
هَذَا وَلَا تشتفي مِنْهُ فَقل وَاجِبعَن ذِي سُؤال بتمييز وتفكير
يَا هِنْد سياله شكل يهيم بِهِوَلَيْسَ يرغب فِيهِ غير منشور
بجسم اسطواني على أكرتألفت بَين مخروط وتدوير
إِلَّا نصف زَاوِيَة يكونفِيهِ كَمثل الْحَبل فِي البير
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود بن دمرتاش
الدِّمَشْقِي شهَاب الدّين أَبُو عبد الله كَانَ أول أمره جنديا وخدم بحماة وَصَحب صَاحبهَا الْملك الْمَنْصُور ثمَّ ابطل ذَلِك وَلبس زِيّ الْعُدُول وَجلسَ فِي مَرْكَز المرواحية بِدِمَشْق رَأَيْته بهَا سنة ثَمَان عشرَة وَسبع ماية وَكَانَ مخلا بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ انشدني من لَفظه الْعَلامَة اثير الدّين أَبُو حَيَّان قَالَ انشدني ظهير الدّين الْبَارِزِيّ قَالَ انشدني شهَاب الدّين الْمَذْكُور لنَفسِهِ
اقول لمسوال الحبيب لَك الهنابرشف فَم مَا ناله ثغر عاشق
فَقَالَ وَفِي أحشائه حرقة النَّوَىمقَالَة صب للديار مفارق
تذكرت اوطاني فقلبي كَمَا ترىأعلله بَين العذيب وبارق
وانشدني بالسند الْمَذْكُور
وَلما الْتَقَيْنَا بعد بَين وَفِي الحشالواعج شوق فِي الْفُؤَاد تخيم
أَرَادَ اختباري بِالْحَدِيثِ فَمَا رأىسوى نظر فِيهِ الجوى يتَكَلَّم
وأنشدني القَاضِي شهَاب الدّين احْمَد بن فضل الله قَالَ انشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ
ومهفهف الاعطاف معسول اللماكالغصن يعطفه النسيم إِذا سرى
قَالَ اسْقِنِي فَأَتَيْته بزجاجةملئت قراحا وَهُوَ لاه لَا يرى
وتأرجت برضابه وأمدهامن نَار وجنته شعاعا أحمرا
ثمَّ انثنى ثملا وَقد اسكرتهبرضابه وبوجنتيه وَمَا درى
وأنشدني من لَفظه الشَّيْخ نجم الدّين عَليّ بن دَاوُد القحناري قَالَ انشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ من لَفظه شعر
قَالَ لي سَاحر اللواحظ صف ليهيفي قلت يَا مليح القوام
لَك قد لَوْلَا جوارح جفنيكتغنت عَلَيْهِ ورق الْحمام
لَهُ أَيْضا وَمَا نقلت من خطه وَكَانَ يكْتب مليحا إِلَى الْغَايَة
حتام لَا تصل المدام وَقد أَتَتلَك فِي النسيم إِلَى الحبيب وعود
وَالنّهر من طرب يصفق فرحةوالغصن يرقص والرياض تميد
ونقلت من خطّ لَهُ أَيْضا
قد صنت سر هواكم ضنا بِهِأَن المتيم بالهوى لضنين
فوشت بِهِ عَيْني وَلم أك عَالمامن قبلهَا أَن الوشاة عُيُون
ونقلت من خطه لَهُ أَيْضا
روى دمع عَيْني عَن غرامي فأشكلاوَلكنه ودى الحَدِيث مسلسلا
وأسنده عَن واقدي اضالعيفأضحى صَحِيحا بالغرام مُعَللا
ونقلت من خطّ لَهُ
عجبا لمشغوف يفوه بمدحكممَاذَا يَقُول وَمَا عساه يمدح
والكون إِمَّا صَامت فمعظمحرماتكم أَو نَاطِق فمسبح
ونقلت من خطه لَهُ
من لأسير أمست قرينتهفِي الدوح عَن حَاله تسائله
فَهُوَ يُغني مدى الزَّمَان لَهَاوَهِي بأوراقها تراسله
ونقلت من خطه لَهُ
حَتَّى إِذا رق جِلْبَاب الدجى وسرتمن تَحت اذياله مشكية النَّفس
تَبَسم الصُّبْح اعجابا بخلوتناووصلنا الطَّاهِر الْخَالِي من الدنس
ونقلت من خطه لَهُ
أَن طَال ليلِي بعدكم فلطولهعذر وَذَاكَ لما اقاسي مِنْكُم
لم تسر فِيهِ نجومه لَكِنَّهَاوقفت لتسمع مَا أحدث عَنْكُم
ونقلت من خطه لَهُ
بِالروحِ افديك منطقيا علابرتبة النَّحْو على نشوه
مَنْطِقه العذب الشهي اللماقد جذب الْقلب إِلَى نَحوه
ونقلت من خطه لَهُ
جيادك يَا من طبق الأَرْض عدلهوَحَازَ بِأَعْلَى الْحَد أَعلَى المناصب
إِذا سابقتها فِي المهامه غرَّةريَاح الصِّبَا عَادَتْ لَهَا كالجنائب
وَلَو لم تكن فِي ظهرهَا كعبة المنىلما شبهت آثارها بالمحارب
ونقلت من خطه لَهُ
يَا سَيِّدي أوحشت قوما مَا لَهُمعَن حسن منظرك الْجَمِيل بديل
وتعللت شمس النَّهَار وَمَا لَهَامن بعد بعْدك بكرَة واصيل
وَبكى السَّحَاب تفجعا لتوجعيمن طول هجرك والنسيم عليل
ونقلت من خطه لَهُ
انْظُر إِلَى الازهار تلق رؤوسهاشابت وطفل ثمارها مَا أدْركَا
وعبيرها قد ضَاعَ من اكمامهاوَغدا بأذيال الصِّبَا متمسكا
ونقلت من خطه لَهُ
وَلما اشارت بالبنان وودعتوَقد أظهرت للكاشحين تشهدا
طفقنا بنوس الأَرْض نودهم أننانصلي الضُّحَى خوفًا عَلَيْهَا من العدا
ونقلت من خطه
مَا أَبْطَأت أَخْبَار من أحببتهعَن مسمعي بقدومه ورجوعه
إِلَّا جرى قلمي إِلَيْهِ حافياوشكى إِلَيْهِ تشوقي بدموعه) ونقلت من خطه لَهُ
يَقُولُونَ شبهت الغزال بأهيفوَهَذَا دَلِيل فِي الْمحبَّة وَاضح
وَلَو لم يكن لحظ الغزال كلحظهاحورارا لما تاقت اليه الْجَوَارِح
ونقلت من خطه لَهُ
يَقُول لي الدولاب رَاض حَبِيبكالملول بِمَا يهوى من الْخَيْر والنفع
فَإِنِّي من عود خلقت وَهَا أَناإِذا مَال عني الْغُصْن اسقيه من دمعي
وأنشدت لَهُ دوبيت
الصب بك المتعوب والمنعوتوَالْقلب بك المسلوب والمسكوب
يَا من طلبت لحاظه سفك دميمهلا ضعف الطَّالِب وَالْمَطْلُوب
قيل أَن الشَّيْخ صدر الدّين بن الْوَكِيل ﵀ كَانَ يَقُول وددت لَو كَانَ يَأْخُذ مني جَمِيع شعري ويعطيني هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَتُوفِّي ابْن دمرتاش ﵀ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة
حرف النُّون
نباتة الاعور الآبري الْموصِلِي
كَانَ رجلا أُمِّيا بارزيا من بني عَم شرف الدولة بن قُرَيْش وَكَانَ خَبِيث الهجو
قَالَ يهجو شريفا علويا من حلب
شرِيف أَصله اصل حميدوَلَكِن فعله غير الحميد
وَلم يخلقه رب الْعَرْش إِلَّالتنعطف الْقُلُوب على يزِيد
وَقَالَ يهجو ابْن خَمِيس
اقبلت والايام رَاجِعَةوليت والبلوى لنا سَبَب
مَا صرت رَأْسا يُسْتَفَاد بِهِإِلَّا وَعند الْموصل الذَّنب
وَقَالَ فِي بعض رُؤَسَاء الْموصل
فكم فِي سفكات الْفَتى من مضيعإِذا مَا مَشى من فَوْقهَا صرف الْفِعْل
وَلَو سَأَلَ القرنان حيطان بَيتهتجاوبه من كل زَاوِيَة نفل
وَذَاكَ فضول كَانَ مني وخفةاغار على من لَا يغار لَهَا بعل
وَقَالَ يهجو نقيب العلويين بالموصل
رد الميازيب يَا ابْن فَاطِمَةفقلعها والمكب فِي النَّار
واغضب لَهَا كالامام حيدرةلِعَمِّهِ بالمهند الْقَارِي
إِلَّا جحدنا يَوْم الغدير وَقُلْنَاإِنَّمَا الْحق لَيْلَة الْغَار
وَمَال مثلي إِلَى عَتيق وانكرناعليا بِكُل انكار
نعيم بن حَمَّاد بن مُعَاوِيَة الْخُزَاعِيّ الْمروزِي
الاعور الفارض الْحَافِظ الْفَقِيه نزيل مصر رأى الْحُسَيْن وَاقد روى عَنهُ البُخَارِيّ مَقْرُونا وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ وَيحيى بن معِين وَالِد عَليّ وابو زرْعَة الدِّمَشْقِي وابو حَاتِم الرَّازِيّ وَغَيرهم وَكَانَ كَاتبا لأبي عصمَة وَكَانَ أَبُو عصمَة شَدِيد الرَّد على الْجَهْمِية وَمِنْه تعلم وَقَالَ انا كنت جهميا فَلذَلِك عرفت كَلَامهم وَقَالَ احْمَد بن حَنْبَل لقد كَانَ من الثِّقَات وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن مُصعب نعيم بن حَمَّاد الفارض وضع كتبا فِي الرَّد على أبي حنيفَة وناقض مُحَمَّد بن الْحسن وَوضع ثَلَاثَة عشر كتابا فِي الرَّد على الْجَهْمِية وَكَانَ من اعْلَم النَّاس بالفرائض وَحمل إِلَى الْعرَاق مَعَ الْبُوَيْطِيّ فِي امتحان القَوْل بِخلق الْقُرْآن فَأبى أَن يُجيب بِشَيْء مِمَّا ارادوه فحبس بسر من رأى وَمَات فِي السجْن سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ رَحمَه الله
حرف الْهَاء
هَارُون بن مُوسَى النَّحْوِيّ الازدي
مَوْلَاهُم أَبُو مُوسَى الْبَصْرِيّ الاعور صَاحب الْقِرَاءَة والعربية واخذ عَن الاصمعي وَيحيى بن معِين وَتُوفِّي ﵀ فِي حُدُود السّبْعين وَالْمِائَة وروى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم
وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ هَارُون يَهُودِيّا فَأسلم وَطلب الْقِرَاءَة وَكَانَ رَأْسا وَحدث وَحفظ النَّحْو ناظره يَوْمًا انسان فِي مَسْأَلَة فغلب هَارُون فَلم يدر المغلوب مَا يصنع فَقَالَ لَهُ كنت يَهُودِيّا فَأسْلمت فَقَالَ لَهُ هَارُون فبئس مَا صنعت قَالَ فغلبه أَيْضا فِي هَذَا وَكَانَ شَدِيد القَوْل فِي الْقدر وَكَانَ هَارُون أول من تتبع وُجُوه الْقُرْآن وألفها وتتبع الشاذ مِنْهَا وَبحث عَن اسناده
هَاشم بن عتبَة بن أبي وَقاص الْقرشِي الزُّهْرِيّ
ابْن اخي سعد بن أبي وَقاص أَبُو عمر قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين الذَّهَبِيّ ولد فِي زمن النَّبِي ﷺ وَلم تثبت لَهُ صُحْبَة نزل بِالْكُوفَةِ واسلم يَوْم الْفَتْح وَيعرف بالمرقال وَكَانَ من الْفُضَلَاء الاخيار الابطال الْفَهم ففقئت عينه يَوْم اليرموك ثمَّ أرْسلهُ عمر من اليرموك مَعَ خيل الْعرَاق إِلَى سعد فَشهد الْقَادِسِيَّة وابلى فِيهَا بلَاء حسنا وَقَامَ مِنْهُ فِي ذَلِك مَا لم يقم من أحد وَكَانَ سَبَب
الْفَتْح على الْمُسلمين وَهُوَ الَّذِي افْتتح جَلُولَاء وَلم يشهدها سعد وَقيل شَهِدَهَا وَكَانَت جَلُولَاء تسمى فتح الْفتُوح بلغت غنائمها ثَمَانِيَة عشر ألف ألف وَكَانَت سنة سَبْعَة عشر لِلْهِجْرَةِ وَقيل سنة تسع عشرَة وهَاشِم الَّذِي امتحن مَعَ سعيد بن الْعَاصِ زمن عُثْمَان إِذْ شهد فِي رُؤْيَة الْهلَال وافطر وَحده فأقصه من سعيد على يَد سعيد بن الْعَاصِ فِي خبر فِيهِ طول ثمَّ شهد هَاشم مَعَ عَليّ الْجمل وَشهد صفّين وأبلى فِيهَا بلَاء حسنا وَبِيَدِهِ راية عَليّ على الرجالة يَوْم صفّين ويومئذ قتل وَهُوَ الْقَائِل يَوْمئِذٍ
اعور يَبْغِي نَفسه محلاقد عالج الْحَيَاة حَتَّى ملا
(لَا بُد من أَن يفل أَو يفلا ...)
وَقطعت رجله يَوْمئِذٍ فَجعل يُقَاتل من دنا مِنْهُ وَهُوَ بَارك وَيَقُول
الْفَحْل يحمي شوله معقولا
وَفِيه يَقُول أَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة شعر
يَا هَاشم الْخَيْر جزيت الْجنَّةقَاتَلت فِي الله عَدو السّنة
(افلح بِمَا فزت بِهِ من مِنْهُ ...)
هِشَام بن شنبر أبي عبد الله الدستوَائي
صَاحب الْبر الْبَصْرِيّ والدستوا قَرْيَة من اعمال الاهواز ولد فِي حَيَاة الصَّحَابَة الصغار وَكَانَ من كبار الْحفاظ كَانَ يَقُول إِذا فقدت السراج ذكرت الظلمَة وَمَا زَالَ يبكي حَتَّى فَسدتْ عينه وَله مَنَاقِب جمة لكنه رمي بِالْقدرِ قَالَ ابْن سعد حجَّة ثِقَة إِلَّا انه رمي بِالْقدرِ توفّي سنة ثَلَاث وَخمسين وماية وروى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وابو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه
حرف الْوَاو
وَكِيع بن الْجراح بن مليح الْأَمَام أَبُو سُفْيَان الرواسِي الاعور الْكُوفِي
أحد الاعلام ورواس بطن من قيس عيلان ولد سنة تسع وَعشْرين وماية وَتُوفِّي ﵀ سنة سبع وَتِسْعين وماية اصله من خُرَاسَان وَكَانَ ابوه نَاظرا على بَيت المَال بِالْكُوفَةِ أَرَادَ الرشيد أَن يولي وكيعا الْقَضَاء فَامْتنعَ ورث من امة ماية ألف دِرْهَم وَكَانَ يَصُوم الدَّهْر وَيخْتم الْقُرْآن فِي كل لَيْلَة قَالَ ابْن معِين هُوَ كالاوزاعي فِي زَمَانه وَقَالَ احْمَد بن حَنْبَل مَا رَأَيْت احدا أوعى مِنْهُ وَلَا احفظ وَكِيع امام الْمُسلمين وَقد روى عَنهُ غير وَاحِد انه كَانَ يترخص فِي شرب النَّبِيذ وَقَالَ الْجَهْر بالبسملة بِدعَة سَمعهَا أَبُو سعيد الاشج مِنْهُ قَالَ دَاوُد بن يحيى بن يمَان رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي النّوم فَقلت يَا رَسُول الله من الابدال قَالَ الَّذين لَا يضْربُونَ بِأَيْدِيهِم شَيْئا وان وكيعا مِنْهُم حج وَكِيع وَمَات سنة سِتّ وَتِسْعين وماية قَالَه احْمَد وَالصَّحِيح مَا تقدم وترجمته طَوِيلَة وَهَذَا الْقدر كَاف وروى لَهُ البُخَارِيّ وابو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه
حرف الْيَاء
يحيى بن اكثم
قَالَ ابْن خلكان ﵀ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن مُحَمَّد بن قطن بن سمْعَان بن مشيخ أَبُو مُحَمَّد التَّيْمِيّ الاسدي الْمروزِي الْبَغْدَادِيّ القَاضِي من ولد اكثم بن صَيْفِي حَكِيم الْعَرَب كَانَ عَالما بالفقه وبصيرا بالاحكام ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵁ وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ ابْن اكثم سكيما من الْبِدْعَة ينتحل مَذْهَب السّنة سمع عبد الله بن الْمُبَارك وسُفْيَان بن عيينه وَغَيرهمَا وَكَانَ أحد الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين اولي التصانيف قَالَ احْمَد بن حَنْبَل مَا عرفت فِيهِ بِدعَة وَكَانَ يحيى يَقُول الْقُرْآن كَلَام الله فَمن قَالَ انه مَخْلُوق يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَألا ضربت عُنُقه وَقَالَ الْحَاكِم من نظر فِي كتاب التَّنْبِيه ليحيى بن اكثم عرف قدره وتقدمه فِي الْعُلُوم وَكَانَ وَاسع الْعلم بالفقه كثير الادب حسن الْعَارِضَة قَائِما بِكُل معضلة غلب على الْمَأْمُون حَتَّى لم يتَقَدَّم
عَلَيْهِ عِنْده أحد مَعَ براعة الْمَأْمُون فِي الْعلم وَكَانَت الوزراء لَا تعْمل شَيْئا فِي الْملك إِلَّا بعد مُرَاجعَته ومطالعته ولاه الْمَأْمُون الْقَضَاء بِبَغْدَاد وَله عشرُون سنة وَلما ولي الْقَضَاء بِالْبَصْرَةِ استصغروه فَقَالَ أحدهم كم سنّ القَاضِي فَقَالَ انا اكبر من عتاب بن اسيد الَّذِي ولاه رَسُول الله ﷺ على أهل مَكَّة واكبر من معَاذ الَّذِي وَجه بِهِ رَسُول الله ﷺ قَاضِيا على الْيمن وَبَقِي فِيهَا سنة لَا يقبل فِيهَا شَاهدا وَقَالَ يحيى مَا سررت مثل سروري بقول الْمُسْتَمْلِي من ذكرت رَضِي الله عَنْك
وَقد ذكر الْأَمَام احْمَد مَا يرْمى بِهِ فَقَالَ سُبْحَانَ الله من يَقُول هَذَا وَقَالَ أَبُو حَاتِم فِيهِ نظر وَعَن ابْن معِين يكذب
وَقَالَ ابْن رَاهَوَيْه ذَاك الدَّجَّال يتحدث عَن ابْن المبذل
وَقَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن بن الْجُنَيْد كَانَ يسرق الحَدِيث وَقَالَ صَالح جرزه حدث عَن عبد الله بن ادريس باحاديث لم نسمعها مِنْهُ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الازدي يروي عَن الثِّقَات عجائب ووردت عَنهُ حكايات فِي المرد وَكَانَ ميله اليهم فِي الشبيبة والكهولة فَلَمَّا شاخ اقبل على شَأْنه وَبقيت الشناعة عَلَيْهِ
وَلما أَرَادَ الْمَأْمُون أَن يوليه دخل عَلَيْهِ فاستحقره فَعلم يحيى بذلك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن كَانَ الْقَصْد علمي لَا خلقي فسلني فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون ابوان وابنتان لم تقسم التَّرِكَة حَتَّى مَاتَت احدى البنتين وخلفت من فِي الْمَسْأَلَة فَقَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ الْمَيِّت الأول رجل أَو امْرَأَة فَعلم الْمَأْمُون انه قد علم الْمَسْأَلَة فقلده الْقَضَاء وَهَذِه أَن كَانَ الْمَيِّت الأول رجلا تصح المسألتان من اربعة وَخمسين وان كَانَت امْرَأَة لم يَرث الْجد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لِأَنَّهُ أَبُو أم فَتَصِح المسألتان من ثَمَانِيَة عشر سَهْما وَهَذِه الْمَسْأَلَة تعرف فِي الْفَرَائِض بالمأمونية لانه هُوَ الَّذِي سَأَلَهَا
وَقَالَ مُحَمَّد بن مَنْصُور كُنَّا مَعَ الْمَأْمُون فِي طَرِيق الشَّام فَأمر فَنُوديَ بتحليل الْمُتْعَة فَقَالَ يحيى بن اكثم لي وَلأبي العيناء بكرا غَدا وتوجها اليه فَإِن وجدتما لِلْقَوْلِ مساغا وَألا فامسكا إِلَى أَن ادخل فَقَالَ ودخلنا اليه وَهُوَ يستاك وَيَقُول وَهُوَ مغتاظ متعتان كَانَتَا على عهد رَسُول الله ﷺ وعَلى عهد أبي بكر ﵁ وَأَنا انهى عَنْهُمَا وَمن أَنْت يَا جعل حَتَّى تنْهى عَمَّا فعله رَسُول الله ﷺ وابو بكر ﵁ فَأَوْمأ مُحَمَّد بن مَنْصُور إِلَى أبي العيناء رجل يَقُول فِي عمر ﵁ مَا يَقُول فنكلمه نَحْو فأمسكنا وَجَاء يحيى بن اكثم فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا فَقَالَ الْمَأْمُون ليحيى مَا لي أَرَاك متغيرا فَقَالَ هُوَ غم لما حدث فِي الْإِسْلَام يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَمَا حدث فِيهِ قَالَ النداء بتحليل الزِّنَا قَالَ الزِّنَا قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُتْعَة زنا
قَالَ وَمن أَيْن قلت هَذَا قَالَ من كتاب الله ﷿ وَحَدِيث رَسُول الله ﷺ
قَالَ الله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون﴾ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ زَوْجَة الْمُتْعَة ملك الْيَمين قَالَ لَا قَالَ فَهِيَ الزَّوْجَة الَّتِي عِنْد الله تَرث وتورث وتلحق الْوَلَد وَلها شرائطها قَالَ لَا قَالَ فقد صَار متجاوز هذَيْن من العادين وَهَذَا الزُّهْرِيّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ روى عَن عبد الله وَالْحسن ابْني مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة عَن ابيهما عَن عَليّ ﵁ قَالَ أَمرنِي رَسُول الله ﷺ أَن انادي بِالنَّهْي عَن الْمُتْعَة وتحريمها بعد أَن كَانَ أَمر بهَا فَالْتَفت الينا الْمَأْمُون فَقَالَ امحفوظ هَذَا من
حَدِيث الزُّهْرِيّ فَقُلْنَا نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رَوَاهُ جمَاعَة مِنْهُم الْأَمَام مَالك ﵁ فَقَالَ اسْتغْفر الله نادوا بِتَحْرِيم الْمُتْعَة فَنَادوا بهَا
قَالَ أَبُو اسحاق واسماعيل بن اسحاق بن حَمَّاد بن زيد بن دِرْهَم الازدي القَاضِي الْمَالِكِي الْبَصْرِيّ وَقد ذكر يحيى بن اكثم فَعظم امْرَهْ وَقَالَ كَانَ لَهُ يَوْم فِي الْإِسْلَام لم يكن لأحد مثله وَذكر هَذَا الْيَوْم وَكَانَ بَين يحيى بن اكثم وَبَين احْمَد بن أبي دؤاد مناظرات كَثِيرَة وَقيل انه كَانَ يحسده حسدا شَدِيدا وَكَانَ رجلا مفننا وَكَانَ إِذا نظر إِلَى رجل يحفظ الْفِقْه سَأَلَهُ عَن الحَدِيث وَإِذا رَآهُ يحفظ الحَدِيث سَأَلَهُ عَن النَّحْو وَإِذا رَآهُ يحفظ النَّحْو سَأَلَهُ عَن الْكَلَام ليقطعه فَدخل عَلَيْهِ رجل من أهل خُرَاسَان ذكي حَافظ فَرَآهُ مفننا فَقَالَ نظرت فِي الحَدِيث قَالَ نعم قَالَ مَا تحفظ من الاصول قَالَ احفظ عَن شريك عَن أبي اسحاق عَن الْحَارِث أَن عليا ﵁ رجم لوطيا فَأمْسك عَنهُ وَلم يكلمهُ
وَقَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا ليحيى بن اكثم من الَّذِي يَقُول
قَاض يرى الْحَد فِي الزناء وَلَايرى على من يلوط من باس
قَالَ أَولا يعرف ذَلِك امير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَا قَالَ يَقُوله الْفَاجِر احْمَد بن أبي نعيم الَّذِي يَقُول
لَا احسب الْجور يَنْقَضِي وعَلى الْأمةوَال من آل عَبَّاس
فافحم الْمَأْمُون خجلا وَقَالَ ينفى احْمَد بن أبي نعيم إِلَى السَّنَد
وَأول الابيات
انطقني الدَّهْر بعد اخراسلنائبات اطلن وسواسي
يَا بؤس للدهر لَا يزَال كَمَايرفع نَاسا يحط من نَاس
لَا أفلحت أمة وَحقّ لَهَابطول نكس وَطول اتعاس
ترْضى بِيَحْيَى يكون سائسهاوَلَيْسَ يحيى لَهَا بسواس
قَاض يرى الْحَد فِي الزناء وَلَايرى على من يلوط من باس
يحكم للأمرد الغرير علىمثل جرير وَمثل عَبَّاس
فَالْحَمْد لله قد ذهب الْعدْلوَقل الْوَفَاء فِي النَّاس
اميرنا يرتشي وحاكمنايلوط وَالرَّأْس شَرّ مَا راس
لَو صلح الدّين واستقام لماقَامَ على النَّاس كل مقياس
لَا احسب الْجور يَنْقَضِي وعَلى الْأمةوَال من آل عَبَّاس
حكى أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن عبد الله بن سعيد قَالَ كَانَ يحيى بن اكثم القَاضِي صديقا لي وَكَانَ يودني واوده فَمَاتَ يحيى فَكنت اشتهي أَن أرَاهُ فِي النّوم فاقول مَا فعل الله بك فرأيته لَيْلَة فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لي إِلَّا نه وبخني وَقَالَ لي يَا يحيى خلطت فِي دَار الدُّنْيَا فَقلت لَهُ يَا رب اتكلت على حَدِيث حَدثنِي بِهِ أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير عَن الاعمش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ انك قلت أَنِّي لاستحي أَن اعذب ذَا شيبَة بالنَّار فَقَالَ قد عَفَوْت عَنْك يَا يحيى وَصدق نَبينَا مُحَمَّد ﷺ إِلَّا انك خلطت فِي دَار الدُّنْيَا هَكَذَا ذكره أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي الرسَالَة قلت وَقد يدبج هَذَا الحَدِيث من هَذَا الطَّرِيق لِأَن يحيى بن اكثم رَوَاهُ وَهُوَ اعور عَن أبي مُعَاوِيَة وَهُوَ ضَرِير عَن الاعمش فصاروا اعور وضرير واعمش وَسُئِلَ بَعضهم من أهل البلاغة عَن يحيى بن اكثم وَاحْمَدْ بن أبي دؤاد
فَقَالَ كَانَ احْمَد يجد مَعَ جَارِيَته وَابْنه وَيحيى يهزل مَعَ خَصمه وعدوه وَلم تزل الاحوال تخْتَلف على يحيى وتتقلب بِهِ إِلَى ايام المتَوَكل فَلَمَّا عزل مُحَمَّد بن أبي دؤاد عَن الْقَضَاء فوض الْقَضَاء إِلَى يحيى بن اكثم وخلع عَلَيْهِ خمس خلع وَولي فِي رتبته جَعْفَر بن عبد الْوَاحِد الْهَاشِمِي فجَاء كَاتبه إِلَيّ يحيى فَقَالَ سلم الدِّيوَان فَقَالَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ على امير الْمُؤمنِينَ انه امرني بذلك فَأخذ الدِّيوَان قهرا وَغَضب عَلَيْهِ المتَوَكل وامر بِقَبض املاكه والزم منزله ثمَّ حج وَحمل اخته مَعَه وعزم على أَن يجاور فَلَمَّا اتَّصل بِهِ رُجُوع المتَوَكل بدا لَهُ فِي عدم الْمُجَاورَة وَرجع يُرِيد الْعرَاق فَلَمَّا وصل إِلَى الربذَة توفّي بهَا ﵀ يَوْم الْجُمُعَة منتصف ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ واربعين وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة ثَلَاث واربعين وَدفن هُنَاكَ وَكَانَ اعور وَمَات وعمره ثَلَاث وَثَمَانُونَ سنة وَلما عزل فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وصودر اخذ من دَاره مائَة ألف دِينَار واخذ لَهُ من الْبَصْرَة اربعة آلَاف جريب وَقد بسطت تَرْجَمته فِي تاريخي الْكَبِير فِي مَكَانَهُ اكثر من هَذَا
يُوسُف بن مُحَمَّد بن عبيد الله القَاضِي صَلَاح الدّين
كَاتب الدرج السلطاني بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ وَالِده زين الدّين كَاتب انشاء أَيْضا وَكَانَ هَذَا صَلَاح الدّين كَاتبا مَأْمُونا اعْتمد عَلَيْهِ القَاضِي فتح الدّين مُحَمَّد بن عبد الظَّاهِر وَلم يزل مُتَقَدما عِنْد كتاب السِّرّ وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى آخر ايام القَاضِي عَلَاء الدّين بن الاثير فَإِنَّهُ كَانَ يستكتبه فِي الْمُهِمَّات وَكَانَ ملازما ديوانه تطلع لَهُ الشَّمْس وتغرب وَهُوَ فِي الدِّيوَان امام كَاتب درج تَقْديرا خمس وَخمسين سنة واكثر وَكَانَ سَاكِنا خيرا لَيْسَ فِيهِ شَرّ الْبَتَّةَ مُحْتملا أَذَى رفقائه رَأَيْتهمْ
يَسُبُّونَهُ فِي وَجهه ولايتكلم وَهُوَ مَعَ هَذَا مقدم على الْجَمِيع وَكَانَ اسمر اللَّوْن قطط الشّعْر صَغِير الذقن وَلما حصل للْقَاضِي عَلَاء الدّين بن الاثير مبادئ الفالج طلبه السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون ليستكتبه شَيْئا فِي السِّرّ بِنَاء على أَن يكون كَاتب السِّرّ فَلَمَّا أَخذ بِيَدِهِ الامير سيف الدولتين الجاي الدوادار وَدخل فِي دهليز الْقصر أحدث فِي سراويله فاعفي من الدُّخُول وَكبر سنه وعورت عينه وانهدت اركان قواه وَهُوَ ملازم الْخدمَة فاقول لَهُ لَو وفرت نَفسك وَقَعَدت كَانَ خيرا لَك فَكَانَ يَقُول اخاف أَن يقطعوا معلومي وَلم يكن أحد يقدم على ذَلِك لقدم هجرته وَثُبُوت قدمه فِي الْخدمَة وَلَكِن كل ذَلِك من ضعف نَفسه وَكَانَ يكْتب خطا رديئا ضَعِيفا وَلم يزل على حَاله إِلَى أَن توفّي ﵀ فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة واعطي معلومه للْقَاضِي جمال الدّين إِبْرَاهِيم بن القَاضِي شهَاب الدّين مَحْمُود الْكَاتِب
النص من طبعة دار عمار بعمان (١٤٠٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع