تجاوز إلى المحتوى

من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» لابن الخطيب قاسم (ت ٩٤٠هـ)

الروضة التاسعة عشرة في الحياء والسكوت والعزلة والوحدة والاختلاط

عن النبيّ ﷺ: «لكلّ دين خلق، وخلق الإسلام الحياء». وعنه ﷺ:

«الحياء شعبة من الإيمان». عليّ ﵁: من كساه الحياء ثوبه، لم ير الناس عيبه. أعرابيّ: لا يزال الوجه كريما ما غلب حياؤه، ولا يزال الغصن نضيرا ما بقي لحاؤه.

يعيش المرء ما استحيا كريماويبقى العود ما بقي الّلحاء
وما في أن يعيش المرء خيرإذا ما المرء فارقه الحياء

قيل: الوجه المصون بالحياء، كالجوهر المكنون في الوعاء. الإمام الشافعيّ ﵁، زار الإمام أبا حنيفة ببغداد، قال: فأدركتني صلاة الصبح وأنا عند ضريحه، وصلّيت الصبح فلم أجهر بالبسملة ولا قنتّ حياء من أبي حنيفة ﵁. الربيع: ما دخل الشافعيّ بغداد إلا ومشى إلى قبر أبي حنيفة وزاره ودعا عنده فقضيت حاجته. أرسطاطاليس: من استحيا من الناس ولم يستحي من نفسه فلا قدر لنفسه عنده. وهب: إذا كان في الصبيّ خلقان الحياء والرهبة، طمع في رشده. عليّ ﵁: لا تعمل الخير رياء، ولا تتركه حياء.

عن النبيّ ﷺ: «رحم الله امرأ أمسك فضل لسانه، وبذل فضل ماله».

عليّ ﵁: إذا تمّ العقل نقص الكلام. قيل: من كثر لغطه كثر غلطه.

النخعيّ: إنما يهلك الناس فضول الكلام وفضول المال. وهيب بن الورد: بلغنا أنّ الحكمة عشرة أجزاء، تسعة من الصمت والعاشر العزلة. لقمان: يا بنيّ إذا افتخر الناس بحسن كلامهم فافتخر أنت بحسن صمتك. قيل: الصمت زين العاقل وستر الجاهل. كان رجل يحضر مجلس أبي يوسف كثيرا ويطيل السكوت، فقال له يوما: مالك لا تتكلّم ولا تسأل عن مسألة؟ فقال: أخبرني أيها القاضي متى يفطر الصائم؟ فقال: إذا غابت الشمس. قال: فإن لم تغب إلى نصف الليل؟ فتبسّم وتمثّل ببيت جرير:

وفي الصمت زين للغبيّ وإنماصحيفة لبّ المرء أن يتكلّما

قال: ما دلّ على الأحوال كالأقوال، ولا هتك قناع العقول مثل سماع المقول. عائشة ﵂، رفعته: «عجبت من ابن آدم وملكاه على نابيه، فلسانه قلمهما وريقه مدادهما، كيف يتكلم فيما لا يعنيه؟». لقمان:

لكلّ شيء دليل، ودليل العقل الفكر، ودليل الفكر الصمت. لما خرج يونس ﵇ من بطن الحوت طال صمته، فقيل: ألا تتكلم؟ فقال: الكلام صيّرني في بطن الحوت. قيل: يقول اللسان كل صباح ومساء للجوارح: كيف أنتنّ؟ فيقلن: بخير إن تركتنا. فيثاغورس: أكثر الآفات تعرض للحيوانات من عدم الكلام، وللإنسان من قبل الكلام. وعنه: ينبغي أن يعرف الوقت الذي يحسن فيه الكلام من الوقت الذي يحسن فيه السكوت.

حكيم: إن أعجبك الكلام فاصمت، وإن أعجبك الصمت فتكلّم. يقال:

الكلمة أسير في وثاق الرجل فإذا تكلّم بها صار أسيرا في وثاقها. عليّ ﵁: بكثرة الصمت تكون الهيبة. وعنه ﵁: لا خير في الصمت عن

الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل. تحدّثوا عند الأوزاعيّ وفيهم أعرابيّ لا يتكلم، فقيل له: لم لا تتحدّث. فقال: إنّ الحظّ للمرء في أذنه، وإنّ الحظّ في لسانه لغيره. فقال الأوزاعيّ: لقد حدّثكم فأحسن. النخعيّ: كانوا يتعلّمون السكوت كما يتعلّمون الكلام.

قيل لعروة بن مالك: ألا تحدّثنا ببعض ما عندك من العلم؟ قال: أكره أن يميل قلبي باجتماعكم عندي إلى حبّ الرياسة فأخسر الدارين. وكان قتادة يقول:

لولا حبّ الحسن الرياسة لمشى على الماء. قيل للأحنف: بأيّ شيء سدت قومك؟ فقال: لو عاب الناس الماء البارد ما شربته. الربيع بن الخيثم: تفقّهوا ثم اعتزلوا وتعبّدوا. أراد الحسن الحجّ فطلب ثابت البنانيّ أن يصاحبه فقال له:

ويحك دعنا نتعايش بستر الله تعالى، إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه. فضيل: كان يقال: من استوحش من الوحدة واستأنس بالناس لم يسلم من الرياء. شقيق بن إبراهيم: اصحب الناس كما تصحب النار، خذ منفعتها واحذر أن تحرقك. الجنيد: سمعت من السّريّ السقطيّ قال: إنّ شيخي أبا جعفر السّماك دخل عليّ يوما فرأى عندي جماعة فرجع وقال: يا سريّ صرت مناخ البطّالين. ولم يستحسن اجتماعهم. عمر ﵁: في العزلة راحة عن خلطاء السوء.

رأى سفيان بن عيينة سفيان الثوريّ في المنام فقال له: أوصني، فقال: أقلل من معرفة الناس، ثلاث مرات. عن النبيّ ﷺ: «أحبّ العباد إلى الله تعالى الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا شهدوا لم يقرّبوا، أولئك أئمة الهدى ومصابيح الظّلم». مالك بن دينار قال لراهب: عظني. فقال: إن استطعت أن تجعل بينك وبين الناس سورا من حديد فافعل. قيل لسقراط: لم لا تعاشر الملوك؟ فقال: وجدت الانفراد بالخلوة، أجمع لدواعي السّلوة. قيل

لرجل: ما تجد في الخلوة؟ فقال: الراحة من مداراة الناس، والسلامة من شرّهم. قيل: توحّد ما أمكنك، فمن وطئته الأعين وطئته الأرجل. حكيم:

العاقل مستوحش من زمانه، منفرد عن إخوانه. حاتم الأصمّ: الزم بيتك فإن أردت الصاحب فالله يكفيك، وإن أردت الرفيق فرفيقاك يكفيانك والقرآن يؤنسك، وذكر الموت يعظك. الشافعيّ رحمه الله تعالى:

فطوبى لنفس وطّنت قعر دارهامغلّقة الأبواب مرخى حجابها

عبد المحسن الصّوري:

أنست بوحدتي حتى لو انيرأيت الأنس لاستوحشت منه
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «أنست بوحدتي حتى لو أني»
ولم تدع التجارب لي صديقاأميل إليه إلّا ملت عنه
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «أنست بوحدتي حتى لو أني»

وقيل:

ولا عيش إلّا في الخمول مع الغنىوعافية تغدو بها وتروح

ابن فارس اللغوي:

إذا ازدحمت هموم القلب قلناعسى يوما يكون لها انفراج
نديمي هرّتي، وأنيس نفسيدفاتر لي، ومعشوقي السراج
للشاعر أحمد بن فارس، اقرأ القصيدة

وقيل:

عفا الله عن هذا الزمان فإنهزمان عقوق لا زمان حقوق
وكلّ رفيق فيه غير موافقوكلّ صديق فيه غير صدوق

وقيل:

إن شئت أن يسودّ ظنك كلهفاجعله في هذا السّواد الأعظم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نثرت فريد مدامع لم ينظم»
ليس الصديق بمن يعزّك ظاهرامتبسّما من باطن متجهّم

أبو إسماعيل رحمه الله تعالى:

أعدى عدوّك أدنى من وثقت بهفحاذر الناس واصحبهم على دخل
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجتمسافة الخلف بين القول والعمل
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»

وقيل:

مضى الأحرار وانقرضوا جميعاوخلّفني الزمان على العلوج
وقالوا لي: لزمت البيت جدّافقلت: لفقد فائدة الخروج

أبو بكر ﵁: استراحة المؤمن في خموله. وقيل: استوحش من الناس كما تستوحش من السبع. قيل: ما بقي من الناس إلا حمار رامح أو كلب نابح، أو أخ فاضح. أبو الدرداء: احذروا الناس فإنهم ما ركبوا بعيرا إلا أدبروه، ولا ظهر جواد إلا عقروه، ولا قلب مؤمن إلّا خرّبوه. قيل: استعذ من شرار الناس، وكن من خيارهم على حذر. قيل: اصطلح الناس على سقم السّريرة وزور العلانية. حكيم كتب إلى أخ له: يا أخي إياك والإخوان الذين يكرمونك بالزيارة ليغصبوا لك يومك فإنك إنما تنال الدنيا والآخرة بيومك، فإذا ذهب يومك فقد خسرت الدنيا والآخرة. عابد: إن الله غيور لا يحبّ أن يكون في قلب المؤمن أحد غير الله. عليّ ﵁: طوبى لمن شغله عيبه عن

عيوب الناس، وطوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، واشتغل بطاعته، وبكى على خطيئته، فكان من نفسه في شغل، والناس منه في راحة. في الحديث:

«المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس». قيل: أجهل الناس من استأنس بالوحدة وتكثّر بالخلوة. قيل: إياكم والعزلة فإنّ في ملاقاة الناس معتبرا نافعا ومتّعظا واسعا. قيل: البيت رمس ما لزمته. ولقد أحسن الذي قال:

وحدة العاقل خيرمن جليس السوء عنده
وجليس الخير خيرمن جلوس المرء وحده

الحكيم: ينبغي للعاقل أن يتخيّر جليسه كما يتخيّر مأكوله ومشروبه، وفي تخيّرهما صلاح البدن، وفي تخيّر الجليس صلاح النفس. قيل:

ما ضاع من كان له صاحبيقدر أن يصلح من شانه
للشاعر علي بن مهدي الطبري، اقرأ القصيدة
وإنما الأرض بسكّانهاوإنما المرء بإخوانه

قال رجل لابن عباس ﵄: ادع الله أن يغنيني عن الناس.

فقال: إنّ حوائج الناس متصل بعضها ببعض كاتصال الأعضاء فمتى يستغني المرء عن بعض جوارحه؟ ولكن قل: أغنني عن شرار الناس. سمع عمر ﵁ رجلا يقول: اللهم أغنني عن الناس، فقال: أراك تسأل الموت، قل:

اللهم أغنني عن شرار الناس. والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار القلم العربي بحلب (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.