تجاوز إلى المحتوى

من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» لابن الخطيب قاسم (ت ٩٤٠هـ)

الروضة الحادية عشرة في السماء والسحاب والثلج والمطر والرّيح والحرّ والبرد

عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، ﵃، أنّ العرش غير الكرسي. وعن الحسن: العرش والكرسي واحد. عن النبيّ ﷺ: «اهتزّ العرش لموت سعد بن معاذ ». أبو حازم: لا يكون ابن آدم في الدنيا على حال وإلا ومثاله في العرش على تلك الحال، فلو نظرت إليك عيون أهل الأرض لأحببت أن يروك على ما تحبّ لا على ما تكره، فكيف بربّ العزة الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟. رابعة القيسية: ما سمعت الأذان إلا ذكرت منادي يوم القيامة، وما رأيت الثلوج إلا ذكرت تطاير الكتب، وما رأيت الجراد إلا ذكرت الحشر. في المثل: لا يضرّ السحاب نباح الكلاب.

أنس ﵁: «أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر فخرج فحسر ثوبه عنه حتى أصابه، فقلنا: يا رسول الله، لم صنعت هذا؟ فقال: لأنه حديث عهد بربّه». عمّار ﵁، يرفعه: «مثل أمتي كالمطر، يجعل الله في أوّله خيرا وفي آخره خيرا». أبو هريرة ﵁، يرفعه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الريح من روح الله».

الصبا موصوفة بالطيّب والرّوح، لانخفاضها عن برد الشمال، وارتفاعها عن حرّ الجنوب. كان للمتوكل بيت يسميه بيت مال الشّمال، فكلما هبّت الريح شمالا تصدّق بألف درهم. وكيع: لولا الريح والذباب لأنتنت الدنيا. أبو الفتح البستي:

سبحان من خصّ الفلزّ بعزّةوالناس مستغنون عن أجناسه
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «سبحان من خص الفلز بعزة»
وأذلّ أنفاس الهواء، وكلّ ذينفس فمفتقر إلى أنفاسه
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «سبحان من خص الفلز بعزة»

أبو بكر بن عيّاش: لا تخرج من السحاب قطرة حتى تعمل فيه الرياح الأربع:

فالصبا تهيّجه، والجنوب تدرّه، والدبور تلقحه، والشمال تفرّقه. عبد الله بن عمرو: أربع من الرياح رحمة: الناشرات والمبشرات واللواقح والذاريات، وأربع عذاب: الصرصر والعقيم في البرّ والعاصف والقاصف في البحر. وتقول العرب في أحاديثها: إنّ الجنوب قالت للشمال: إنّ لي عليك فضلا، أنا أسري وأنت لا تسرين. فقالت الشمال: الحرّة لا تسري. هبّت ريح شديدة فصاح الناس: القيامة القيامة. فقال مزبد: هذه قيامة على الريق بلا دابة ولا دجال.

عليّ ﵁: توقّوا البرد في أوّله وتلقّوه في آخره، فإنه يفعل بالأبدان كفعله بالأشجار، أوّله يحرق، وآخره يورق. يقال: الحرّ يؤذي الرجل والبرد يقتله. سئل رجل عريان عما يجد في يوم قرّ فقال: ما عليّ كثير مؤنة منه، قيل: كيف؟ فقال: دام بي العري فاعتاد بدني ما تعتاد وجوهكم. قيل لأعرابيّ: ما أعددت للبرد؟ قال: طول الرّعدة. ويقال: إن برد الربيع مونق، وبرد الخريف موبق. أبو صفوان: وضوء المؤمن في الشتاء يعدل عبادة الرهبان

كلّها. يحيى بن ذي الشامة المعيطيّ:

جاء الشتاء وليس عندي درهموبمثل ذلك قد يصاب المسلم
لبس العلوج خزوزها وفراءهاوكأنّني بفناء مكة محرم

يقال في وصف يوم بارد: يوم قد تعذّر فيه الخروج، لتراكم الثلوج. يوم يجمد خمره، ويخمد جمره. يوم فيه جمد الراح في الأقداح، كالأقداح في الراح. في ديوان المنظوم:

شتاء تقلص الأشداق منهوبرد يجعل الولدان شيبا
وأرض تزلق الأقدام فيهافما تمشي بها إلّا دبيبا

وقيل:

بلاد إذا ما الصيف أقبل جنّةولكنّها عند الشتاء جحيم

غانم العاصميّ:

يشتهي الإنسان في الصيف الشتافإذا جاء الشّتا أنكره
فهو لا يرضى بحال واحدقُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ

القاضي عياض في صيف بارد:

كأنّ كانون أهدى من ملابسهلشهر تموز أنواعا من الحلل
أو الغزالة من طول المدى خرفتفما تفرّق بين الجدي والحمل

محمد بن عبد العزيز: البرد عدوّ للدين. ابن عباس ﵄، يرفعه: «إنّ الملائكة تفرح بذهاب الشتاء رحمة للمساكين». أنس، يرفعه:

«استعينوا على قيام الليل بقائلة النهار، واستعينوا على صيام النهار بسحور الليل، واستعينوا على حرّ الصيف بالحجامة، واستعينوا على برد الشتاء بأكل التّمر والزّبيب».

الخدري، يرفعه: «إذا كان يوم حارّ فإذا قال الرجل: لا إله إلا الله، ما أشدّ حرّ هذا اليوم، اللهم أجرني من حرّ جهنم. قال الله تعالى لجهنم: إنّ عبدا من عبيدي استجارني من حرّك وأنا أشهدك أني قد أجرته. وإذا كان اليوم شديد البرد، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشدّ برد هذا اليوم، اللهمّ أجرنى من زمهرير جهنم. قال الله تعالى لجهنم: إن عبدا من عبيدي استجارني من زمهريرك، وإني أشهدك أني قد أجرته. قالوا: وما زمهرير جهنّم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتميّز من شدّة برده».

جلس عيسى ﵇ في ظلّ خباء عجوز، فقالت: من الذي جلس في ظلّ خبائنا؟ قم يا عبد الله. فقام وقعد في الشمس، فقال: لست أنت أقمتني، إنما أقامني الذي لم يرد أن أصيب من الدنيا شيئا. لما خلع المستعين قيل له:

اختر بلدا تحلّه، فاختار البصرة، فقيل: حارّة، فقال: أترونها أحرّ من فقد الخلافة؟. جاء قزوينيّ من بغداد في الصيف، فسئل: ما فعلت في بغداد؟

فقال: فعلت عرقا. المأمون: من مروءة الرجل أن توجد منه رائحة الطّرفاء أيام الشتاء. قيل: رائحة الطّرفاء رائحة الظّرفاء. والله ﷾ أعلم.

النص من طبعة دار القلم العربي بحلب (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.