من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» لابن الخطيب قاسم (ت ٩٤٠هـ)
الروضة التاسعة في الرزق والحرمان وتبدّل الأحوال والتفاوت
ثوبان، عن النبي ﷺ: «إنّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب الذي يصيبه، ألا ترى أن آدم ﵇ كان في الجنة في عيش رغد، فأخرج منها إلى الدنيا بالمعصية التي كانت منه؟». عليّ ﵁: إذا غضب الله على أمّة غلت أسعارها، ولم تربح تجّارها، ولم تزك ثمارها، ولم تغزر أنهارها، وحبس عنها أمطارها، وغلبها شرارها. أرسطو: جحد الإنعام يوجب الحرمان. موسى ﵇، قال في مناجاته: لم ترزق الأحمق وتحرم العاقل؟ فقال: ليعلم العاقل أنه ليس في الرزق حيلة لمحتال. أبو بكر محمد بن سابق:
فكم قويّ قويّ في تقلّبهمهذّب الرأي، عنه الرزق ينحرف
وكم ضعيف ضعيف في تقلبهكأنه من خليج البحر يغترف
هذا دليل على أن الإله لهفي الخلق سرّ خفيّ ليس ينكشف
ابن الراوندي:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبهوجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرةوصيّر العالم النّحرير زنديقا
وأجاب عنه من قال:
نكد اللبيب وطيب عيش الجاهلقد أرشداك إلى حكيم كامل
عليّ كرّم الله وجهه:
كم من أديب فهم عقلهمستكمل العقل مقلّ عديم
ومن جهول مكثر مالهذلك تقدير العزيز العليم
أبو جعفر:
المرء يرزق لا من حسن حيلتهويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
فيلسوف: إفراط العقل مضرّ بالجدّ. بزرجمهر: وكّل الله الحرمان بالعقل والرزق بالجهل، ليعلم أن لو كان الرزق بالحيلة لكان العاقل أعلم بوجوه مطلبه والاحتيال بمكسبه. أبو الطيب:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهوأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم
ابن ميكال:
العقل في طلب المطالب عقلةعجبا لأمر العاقل المعقول
وأخو الدراية والرواية متعبوالعيش عيش الجاهل المجهول
المتقدّم في الحذق متأخر في الرزق. يقال: حرفة الأدب أعدى من الجرب. ابن دريد: أوضح الدلائل على نقص الرجل في صناعته أن يكون محظوظا منها، لأنك لا تجد متناهيا في حرفته إلّا متناهيا في حرفته.
كم عاقل أخّره عقلهوجاهل صدّره جهله
وقيل:
عذلوني على الحماقة جهلاوهي من عقلهم ألذّ وأحلى
حمقي قائم بقوت عياليويموتون إن تعاقلت هزلا
عبد الخالق:
قلّ الحفاظ فذو العاهات محترموالشهم ذو الفضل يؤذى مع سلامته
كالقوس يحفظ عهدا وهو ذو عوجوينفذ السهم قصدا لاستقامته
الحمدوني:
إنّ المقدّم في حذق بصنعتهأنّى توجّه فيها فهو محروم
وقيل:
تموت الأسد في الغابات جوعاولحم الطير يطرح للكلاب
وخنزير ينام على فراشوذي أدب ينام على التّراب
وقيل:
إن الزمان لتابع للأنذلتبع النتيجة للأخسّ الأرذل
وقيل:
الدهر مع الأنام كالميزانلا يرفع غير صاحب النقصان
شمس المعالي:
قل للذي بصروف الدهر عيّرناهل عاند الدهر إلّا من له خطر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيفويستقرّ بأقصى قعره الدّرر
وفي السماء نجوم غير ذي عددوليس يكسف إلّا الشمس والقمر
الأرّجاني:
لو كنت أجهل ما علمت لسرّنيجهلي كما قد ساءني ما أعلم
كالصّعو يرتع في الرياض وإنماحبس الهزار لأنه يترنّم
أبو إسحاق الغزيّ:
لا غرو أن تجني عليّ فضائليسبب احتراق المندليّ دخانه
الشيخ عبد القاهر:
كبّر على العقل يا خليليومل إلى الجهل ميل هائم
وكن حمارا تعش بخيرفالسعد في طالع البهائم
الباخرزي:
لو علم الوالد أنّ ابنهيحرم بالآداب ما علّمه
يرزق ذا الجهل على جهلهوذا الحجا من حذقه أحرمه
لقمان: كسدت اليواقيت في بعض المواقيت. التقى ملكان فتساءلا، فقال أحدهما: أمرت بسوق حوت اشتهاه فلان اليهوديّ. وقال الآخر: أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد. قالت أمّ الإسكندر في دعائها له: رزقك الله حظّا يخدمك به ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوي الحظوظ.
الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى:
لو كان بالحيل الغنى لوجدتنيبنجوم أقطار السماء تعلّقي
لكنّ من رزق الحجا حرم الغنىضدّان مفترقان أيّ تفرّق
ومن الدليل على القضاء وكونهبؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
المأمون: سمعت الرضيّ يقول: ثلاثة موكّل بها ثلاثة: تحامل الأيام على ذوي الأدوات الكاملة، واستيلاء الحرمان على المتقدّم في الصنعة، ومعاداة العوامّ لأهل المعرفة.
الحسين المغربي:
أرى الناس في الدنيا كراع تنكّرتمراعيه حتى ليس فيهنّ مرتع
فماء بلا مرعى، ومرعىّ بغير ماوحيث يرى ماء ومرعى فمسبع
أرسطاطاليس: حركة الإقبال بطيئة، وحركة الإدبار سريعة، لأنّ المقبل كالصاعد من مرقاة إلى مرقاة، والمدبر كالمقذوف به من علو إلى سفل.
بعضهم:
إذا أقبلت جاءت تقاد بشعرةوإن أدبرت ولّت تقدّ السلاسلا
إذا ولّت دولة زلّت أمّة.
عليّ كرّم الله وجهه:
أقول لدهر قد توالت صروفهأليس لهذا يا زمان زوال؟
فقال: اصطبر كم دولة قد تغيّرتلكلّ زمان دولة ورجال
كتب مفلس على خاتمه: اصبر فالدهر دول. الأستاذ أبو إسماعيل:
لا تسهرنّ إذا ما الرزق ضاق ونمما دمت في ظلّ أمن ساكن البال
فبين غفوة عين وانتباهتهايقلّب الدهر من حال إلى حال
جابر بن ثعلبة:
كأنّ الفتى لم يعر يوما إذا اكتسىولم يك صعلوكا إذا ما تمولا
ولم يك في بؤس إذا بات ليلةيناغي غزالا ساجي الطّرف أكحلا
إذا جانب أعياك فاعمد لجانبفإنّك لاق في البلاد معوّلا
سئل بزرجمهر: كيف اضطربت أمور آل ساسان وفيهم مثلك؟ قال: استعانوا بأصاغر العمّال على أكابر الأعمال، فآل أمرهم إلى ما آل. مالك بن دينار:
مررت على قصر تضرب فيه الجواري بالدفوف ويقلن:
ألا يا دار لا يدخلك حزنولا يذهب بساكنك الزمان
ثم مررت عليه بعد حين وهو خراب، وثمّة عجوز فقالت: يا عبد الله، والله قد دخلها الحزن وذهب بأهلها الزمان. عبد الملك بن عمير: رأيت رأس الحسين ﵁ بين يدي ابن زياد في قصر الكوفة ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار، ثم رأسه بين يدي مصعب، ثم رأسه بين يدي عبد الملك، قال سفيان: فقلت: كم بين أوّل الرؤوس وآخرها؟ قال: اثنتا عشرة سنة.
المدائنيّ: رأيت رجلا يطوف بين الصّفا والمروة على بغلة، ثم رأيته راجلا في سفر، فقلت له: لم تمشي ويركب الناس؟ فقال: ركبت حيث يمشي الناس فكان حقا على الله أن يرجّلني حيث يركب الناس.
أبو العتاهية:
لئن كنت في الدنيا بصيرا فإنمابلاغك منها مثل زاد المسافر
إذا أبقت الدنيا على المرء دينهفما فاته منها فليس بضائر
المغربي رحمه الله تعالى:
أقول لقوم شامتين بنكبتيرويدا فقد يغني عن الكسر جابر
لئن سلبوا مالي فعرضي سالموإن نقصوا كتبي ففضلي وافر
وقيل:
من كان فوق محلّ الشمس منزلهفليس يرفعه شيء ولا يضع
وقيل:
وما رفعتي في عسجد أستفيدهولكنّه في مفخر أستجيده
الأستاذ أبو إسماعيل رحمه الله تعالى:
وإن علاني من دوني فلا عجبلي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولا ضجرفي حادث الدهر ما يغني عن الحيل
كان رسول الله ﷺ إذا نظر إلى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل قرأ:
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
. لأنهما من خيار الصحابة وأبواهما أعدى عدوّ لله ورسوله. أحمد بن سهل: الرجال ثلاثة: سابق ولا حق وما حق، فالسابق الذي يسبق أباه بفضله، واللاحق الذي يلحق بأبيه في شرفه، والماحق الذي محق
شرف آبائه. ولد عمر بن أبي ربيعة في الليلة التي قبض فيها عمر ﵁، فسمي باسمه، وكان الناس يقولون: أيّ حقّ رفع وأيّ باطل وضع؟
عسى فرج يأتي به الله إنهله كلّ يوم في خليقته أمر
غيره:
عسى الكرب الذي أمسيت فيهيكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفكّ عانويأتي أهله النائي الغريب
النص من طبعة دار القلم العربي بحلب (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع