من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
تأملات المؤلف في النعيم والعذاب
كنت في هذه السفرة التي كتبت فيها هذه الأوراق سافرت زمن البرد، فلما انفصلت منم البلد قلت:
أيا رب البرايا يا رحيمويا مولى العطايا يا حفيظ
أجرنا من عذابك وامتحانتجيش النفس منه أو تفيظ
ومن وعثاء في سفر وسوءومن صُرَدٍ وسائر ما يغيظ
يقال فاظت نفسه إذا مات، والوعثاء بعين مهملة وثاء مثلثة المشقة، فلما أمسينا وضعت بين أيدينا فاكهة الشتاء فنعمنا بها، فلما رأيت ذلك قلت: سبحان الله من جعل رحمته في عذابه أي النار، وجعل عذابه في رحمته أي المطر، ثم نظمت هذا المعنى فقلت:
سبحان من يقدر أن يرحمابما به يعذب المجرما
وأن يعذب بما يرحمالعبد به يوماً إذا أنعما
فظهر اقتداره واعتلىفي كلّ أمر شأنه واستمى
وظهرت حكمته في الذيركب في الدنيا وما أحكما
فمُرُّها لم يخل من حلوهاوحلوها قد أشرك العلقما
في أبيات أخرى أنسيتها الآن، وتقرير هذا المعنى من وجهين: أحدهما أن هذه الأمور التي يباشرها الإنسان ذات وجهين: نافع وضار، ألا ترى أن النار مثلاً تدفئ من البرد وتحرق، والمطر مثلاً ينبت الزرع والنوار، ويخلف المياه الغزار، ولكن يخرب الديار، ويقطع المسافر عن التسيار، وهكذا، والحكمة في ذلك التركيب المشار إليه في الدنيا لما مرّ من الدلالة على ما في الآخرة من النعيم والعذاب والترغيب والترهيب وغير ذلك مما يطول تتبعه.
ثانيهما أن كل ما هو نافع فالله تعالى قادر أن يجعله ضاراً وبالعكس، وذلك لما تقرر في العقيدة من أن ما يوجد في هذه الحوادث من الفوائد والخواص ليس ناشئاً عنها لا باختيار ولا علة ولا طبع، بل عن الفاعل المختار تعالى بقدرته ومشيئته، وليس ثم ارتباط عقلي، فيجوز وجود ذلك وعدمه، فلله تعالى أن يجعل النار مثلاً محرقة مرة، ثم يجعلها غير محرقة، وأن يجعل الخبز مثلاً مقتاتاً ثم يجعله غير مقتات كالحجر، وهكذا، ولكن أجرى الله تعالى عادته بما وقع لما مر من الحكمة وكثيراً ما يخرق ذلك وقد مر كل ذلك.
لله الأمر من قبل ومن بعد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع