تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)

انهزام الدلائيين في معركة بطن الرمان

كان الرئيس أبو عبد الله محمد الحاج بن محمد بن أبي بكر قد ملك المغرب سنين عديدة، واتسع هو وأولاده واخوته وبنو عمه في الدنيا، فلما قام الشريف السلطان رشيد بن الشريف ولقي جيوشهم ببطن الرمان فهزمهم وذلك أوائل المحرم فاتح سنة تسع وسبعين وألف فدخلنا عليه وكان لم يحضر في المعركة لعجزه من كبر سنّه فإذا بالفَلّ يدخلون فدخل عليه أولاده واخوته وأظهروا جزعاً شديداً وضيقاً عظيماً، فلما رأى منهم ذلك قال لهم: ما هذا؟ إن قال لكم حسبكم فحسبكم، يريد الله تعالى، وهذا كلام عجيب، وإليه يساق الحديث، والمعنى: إن قال الله تعالى لكم حسبكم من الدنيا فكفوا راضين مسلمين، والإشارة بهذه إلى أن الله تعالى وضع في الدنيا مائدة لعباده وجعلها دُوَلاً كما قال تعالى: " وَتِلْكَ الأيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ " فكل من جلس على هذه المائدة وتناول منها ما قسم له فلا بد أن يقام عنها بالموت أو العزل ليجلس غيره، ولا تدوم لأحد، بل لا يقام عنها من أقيم غالباً إلاّ بمرارة وعنف، ولذا قال ﷺ: " في الولاية "؛ نِعْمَتِ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ ".

ثم من الناس من لم يشعر بهذا المعنى ولم يتنبه له، فهو يسعى إليها عجباً بأوائل زبرجها وانخداعاً بظاهر زينتها، كما قيل:

الحرب أول ما تكون فتيةتسعى بزينتها لكل جهول
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «الحرب أول ما تكون فتية»
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامهاعادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطا تنكّر لونها وتغيرتمكروهة للشمّ والتقبيل

ومن الناس من علم ذلك وتنبه له، ثم من هؤلاء من نفعه الله بعمله فأوجب له أحوالاً محموده إما قبل ولوجها بالزهد فيها والفرار عنها علماً بغايتها ديناً وتقوى أو حزماً في الدنيا، وأما بعد الولوج بالتعفف والعدل والإحسان والرفق ومجانبة البغي والجور إما ديناً وحذاراً من المطالبة في الآخرة، وإما حزماً دنيوياً وحذار من اختلالها واضمحلالها.

لله الأمر من قبل ومن بعد.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.