من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
حنين المؤلف إلى الزاوية الدلائية
وكنت لما نزلت بخلفون على أم ربيع ذكرت من كان معنا في الزاوية الدلائية من المعارف والأحباب، وكانوا يومئذ قد شرقوا لناحية تلمسان فقلت:
سلام على الأحباب غير مضيعلذي شرف ذكراً ولا لوضيع
سلام محب لا يزال أخا هوىإلى جلة قد شرقوا ونزوع
ومن يسأل الركبان عني فإننيحللت ببيتي حول أم ربيع
فألفيته يحكي زفيري زفيرةبقلب كقلبي بالفراق صديع
ويسعدني في عبرتي غير أنهيخالفني في مهبط وطلوع
فتجري إلى مَهْفى الجنوب دموعهوتجري إلى مَهْفى الشمال دموعي
ولما كنت بمدينة مراكش - حرسها الله تعالى - " سنة ثلاث وتسعين وألف " وقد بقيت الأملاك في خلفون والكتب وما معها في مكناسة وبقيت العلائق في جبال فازاز والقبيلة في ملوية " قلت ":
تشتت قلبي في البلاد فقسمةبمراكش منه على رجل طائر
وأخرى بخلفون وأخرى مقيمةبمكناسة الزيتون حول الدفاتر
وأخرى بفازاز وأخرى تجزأتبملوية الأنهار بين العشائر
وأخرى بذاك الغرب بين أحبتيبأهل البوادي منهم والحواضر
فيا رب فاجمعها فإنك قادرعليها وما غير الإله بقادر
ويا رب فأجعلها بأوطانها فماعُبَيدك للبنين المشت بصابر
لك الفضل والإحسان بدءاً وآخراًوإني لما أوليتني جِدُّ شاكر
فمُنَّ بإنعام وجُد لي بحاجتيورفق بقلب للهموم مسامر
فمالي إلاّ بابك الرحب ملجأوما طلب الحاجات منك بضائر
ومالي إلاّ جودك الجمّ شافعوحسبي بفيض منه أغزر وافر
وصفوتك المبعوث للناس رحمةبشيراً شفيعاً مظهراً بالبشائر
صلاة وتسليم عليه مدى المدىوعترته والصّحب أهل البصائر
وجرى يوماً ذكر البيتين اللذين أنشدهما سيدنا بلال ﵁ وهما قوله:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةبواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوماً مياه مَجَنّةٍوهل يبدون لي شامة وطفيل
فهاج لي إلى الأوطان اشتياق، فقلت نحو هذا المساق:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةبسهب الشنين أو بسهب بني ورا
وهل تعبرن نهر العبيد ركائبيوهل تتركن داياً وأدواءَها ورا
وهل أردن عسلوج يوماً فأشربنمياهاً به يحكي رحيقاً وكوثرا
وهل تمرحن حيلي بذروة آمناًوبُطنانها من قبل أن يحفر الثرى
وهل أكحلن يوماً جفوني بنظرةإلى الأرزات الفارعات فتبصرا
وهل أدفعن جيش الهموم ببسطةمع الحي في تلك الديار فتقصرا
ونهر العبيد " هو " وادي العبيد المعروف، ومدينة داي هي المعروفة اليوم بالصومعة في تادلا، وإنما قال أدواؤها أي أمراضها لأنها كثيرة الأمراض والوخم.
ومن غريب ما اتفق لي في هذا البلد أنني مررت به حين سافرت إلى ناحية مراكش في طلب العلم فأصابتني الحمى منه، وذلك أول حمى أصابتني في عمري ثم بقيت في تلك النواحي عدة سنين فلما رجعت ومررت به أصابتني أيضاً، وكأنها كانت تنتظرني، ولذا كان من جملة التمني أن أترك هذه البلدة وأمراضها ورائي بالمجاوزة إلى وطني.
وكنا ذات مرة في بساتين خارج الحضرة المراكشية، ثم سرينا ليلة لقصد زيارة بعض الصالحين وركبت فرساً، فما استويت " عنه " وبرد الليل وكنت أستحب السري فانبسطت نفسي وتمنيت أن لو كنت على أعتق من ذلك الفرس، وذكرت الأوطان فقلت ارتجالاً أو شبه ارتجال:
يا سرية لو كنت أسريها علىنهد أغر محجل يعبوب
ينسابُ من تحتي كأن ذميلهجريان ماء في الصفا مصبوب
ما بين خلاد فخوخات إلىنهر الرمال فمقطع فجبوب
فإذا فصلت من السلام عليكمُوهفت صباً في الجو ذات هبوب
فهناك تنشقني الحجاز وشيحهوتتم عرفاً من شذا محبوب
صلى الإله عليه ما وكف الحيافي الروض من وبل ومن شؤبوب
وعلى الأماجد آله وصحابهما حنّ محبوب إلى محبوب
يا رب أنت رجاؤنا في نيْل مانرجو فكن لعبيدك المربوب
لا رب نرجوه سواك أممكنوجدان آلهة لنا وربوب؟
فامنن عليها واسقنا إنا لفيظمأ على شحط النوى وذبوب
واجمع بصفوتك الأجلة شملنامع اخوة ومعارف وحبوب
واختم لنا معهم بدين قيميتعلق وتشوّق مشبوب
فالدين والخرات أعود مقتنىأبداً لكل مشمر ملبوب
وجرى " يوماً " ذكر قصيدة ابن الخطيب التي أولها:
سلا هل لديها من مخبرة خبروهل أعشب الوادي ونم به الزهر
فسما أيضاً شوق وحزن، وعاود الفؤاد ذكر الوطن والسكن فقلت:
شم برقها أعلى أجارع ذي أضاوكفّت فأترعت الجداول والأضا
واحجب عليَّ وميضه فلقد حشاوسط الحشا جمر الغضا لما أضا
فكأنه مذ لاح في تلك الرباما بين أحشائي حُسام مُنْتَضى
ما زال يذكرني معاهد جيرتيوعشيرتي ومعارفي مذ أومضا
" هذا على أن لست قط بمغفللعهودهم ما حان منها أو مضى "
أم ساقها لجيوب ذروة سحرةفسقى بها قيصومها والعرمضا
وأدار فوق نجودها كاس الحياوهْناً فأصبح كل نشز مبرِضا
" خلعت أكف السحب أردية الكلاومطارف الزهر النضير على الفضا "
وأفاضت الغدران حتى عاقرتأيدي الروابي الشم جريال الفضا
ما شئت من روض تراه مُذهبافيها ومن روض تراه مفضّضا
بلد صحبت العيش فيه أخضرانضراً ووجهَ الدهر أبيضا
درت علي به الأماني حُفّلاًوهمَتْ عليَّ غيوث بر فُيَّضا
ولبست فضفاض النباهة سابغاًوركبت صهوة كل فضل رَيّضا
وأسمتُ سرحي في المطايب مُمْرِعاًورميت صيدي في المآرب معرضا
في فتيةٍ قد كان شربي فيهمصفو الودادِ وكل خلْقٍ مرتضى
تَخِذوا المروءة والسماحة والنداوالبر والإكرام ديناً مقتضى
وتألفوا كالماء والصهباء فيكأس وكلٌّ ذو سجايا ترتضى
لله الأمر من قبل ومن بعد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع