تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)

الاعتزال عن الخلق طلباً للسلامة

حدثني الأخ الفاضل أبو عبد الله محمد بن مسعود العيسوي العرفاوي قال: سافرت إلى بلاد القبلة ذات مرة فمررت بالمرابط الخير أبي عبد الله محمد بن أبي بكر العياشي فدخلت لأزوره فلما قعد مني قريباً ثم أنشدني " متمثلاً " قول الشاعر:

جفوت أناساً كنت آلف وصلهموما بالجفا عند الضرورة من باس
فلا تعذلوني في الجفاء فإننيوجدت جميع الشر في خلطة الناس

والمراد من الشعر ومن التمثل به الاعتزال عن الخلق طلباً للسلامة لا ما يفهم من لفظ الجفاء، وفي الحديث: " خَيْرُ النّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ أخَذَ بعِنَانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللهِ يُخِيفُ العَدُوَّ وَيُخِيفُونَهُ وَفي رِوَايَةٍ: حَتّى يَمُوتَ أوْ يُقْتَلَ ". والذي يليه رجل معتزل في شِعْبٍ من الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور الناس.

وعن أمير المؤمنين عمر ﵁ قال: الطمع فقر، واليأس غنى، والعزلة راحة من جليس السوء، وفريق الصدق خير من الوحدة.

وقال أبو الدرداء ﵁: كان الناس ورقاً لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه.

وقال بعض الأئمة: العزلة عن الناس توفي العرض، وتبقي الجلالة، وترفع مئونة المكافأة في الحقوق اللازمة، وتستمر الفاقة.

وقد أولع الشعراء قديماً وحديثاً من هذا المعنى بالتبرم بالناس والاستيحاش من الخلق وذم الزمان وأهله، فمن ذلك قول أبي العتاهية:

بَرِمْتُ بالناس وأخلاقهمفصرت أستأنس بالوحدة
ما أكثر الناس لعمري وماأقلهم في حاصل العِدّه

ونحوه قول الآخر:

ما أكثر الناس بل ما أقلهموالله يعلم أني لم أقل فَنَدا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم»
إني أفتح عيني حين أفتحهاعلى كثير ولكن لا أرى أحدا

وقول الآخر:

مخالط الناس في الدنيا على خطروفي بلاء وصفو شِيبَ بالكدر
كراكب البحر إن تسلم حُشاشتهفليس يسلم من خوف ومن حذر

وقول الآخر:

قد لزمت السكون من غير عيّألزمت الفراش من غير عله
وهجرت الإخوان لما أتانيعنهم كل خصلة مضمحله

وقول الآخر:

إن بني دهرنا أفاعليس آمن ساوَرَتْ طبيبُ
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
فلا يكن فيك بعد هذالواحد منهم نصيب
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

وقول الآخر ويعزى للإمام الشافعي ﵁:

ليت السباع لنا كانت مجاورةوليتنا لا نرى مما نرى أحدا
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
إن السباع لتهدا في مرابضهاوالناس ليس بهادٍ شرهم أبدا
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
فاهرب بنفسك وأستأنس بوحدتهاتعش سليماً إذا ما كنت منفردا
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

وقول طرفة بن العبد:

كل خليل كنت خاللتهلا ترك الله له واضحه
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أسلمني قومي ولم يغضبوا»
كلهمُ أروع من ثعلبما أشبه الليلة بالبارحه

وقول امرئ القيس:

كذلك جدي ما أصاحب صاحباًمن الناس إلاّ خانني وتغيرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

وقول الآخر:

وزهدني في الناس معرفتي بهموطول اختباري صاحباً بعد صاحب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وزهَّدني في الناس معرفتي بهم»
فلم تُرِني الأيام خلا تسرنيمباديه إلاّ خانني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع مُلِمّةٍمن الدهر إلاّ كان إحدى المصائب

" وقال أبو فراس:

بمن يثق الإنسان فيما ينويهومن أين للحر الكريم صِحاب
وقد صار هذا الناس إلا أقلهمذئاباً على أجسادهنّ ثياب
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أما لجميل عندكن ثواب»

وقال محمد بن تميم:

لك الخير كم صاحبت في الناس صاحباًفما نالني منه سوى الهم والعنا
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة
وجربت أبناء الزمان فلم أجدفتى منهم عند المضيق ولا أنا
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

وقول الآخر:

دَع الإخوان إنْ لم تلق منهمصفاء واستعِنْ واستغْنِ باللهْ
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «دع الإخوان إن لم تلق منهم»
أليس المرء من ماء وطِينوأي صفا لهاتيك الحبِلَّه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «دع الإخوان إن لم تلق منهم»

ومثله:

ومن يكُ أصلهُ ماء وطيناًبعيد من جِبِلَّتِه الصفاء

ونحوه:

لا تثق من آدميّفي وداد بصفاء
كيف ترجو منه صفْواًوهو من طين وماء

وقال أبو العلاء:

جربت أهلي وأصحابي فما تركتليَ التجاربُ في ود امرئ غرضا

وقول أبي الطيب:

إذا ما الناس جربتهم لبيبفإني قد أكلتهم وذاقا
فلم أرَ وُدَّهم إلاّ خداعاًولم أرَ دينهم إلاّ نفاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

وأنشد أيضاً:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرىعدواً له ما من صداقته بد
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «فقدت شبابي وهو لي خير صاحب»
قيل إنه لما تنبأ قيل له: ما معجزتك؟ قال: قوليوأنشد البيت: وقول الآخر:
تصفحت أبناء الزمان فلم أجدسوى من غدا واللؤم حشو ثيابه
فجردت من سيف القناعة مُرْهَفاًقطعت رجائي منهم بذُبابه
فلا ذا يرني واقفاً في طريقهولا ذا يراني واقفاً عند بابه

وقول الآخر:

أردت من الدنيا صديقاً مؤاتياًوفياً بما أرضاه يرضى وينشرح
فإذ لم أجد أغضيت عن كل كائنوقلت لقلبي قد خلا الكون فاسترح

وقال غيره:

ألام على التفرد كل حينولي فيما إلامُ عليهِ عذر
وكل أذى فمصبور عليهوليس على قرين السوء صبر

وقال محمد بن تميم:

من كان يرغب في حياة فؤادهوصفائه فلينأَ عن هذا الورى
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة
فالماء يصفو إن نأى فإذا دنامنهم تغير لونه وتكدرا

وقول الآخر:

كن من الناس جانباوارض بالله صاحبا
قَلِّبِ الناس كيف شئت تجدهم عقاربا

وأما أبو العلاء المعري فقد سلى نفسه عن عماه بقوله:

قالوا العمى منظر قبيحقلت بفقدانكم يهون
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
والله ما في الوجود شيءتأسى على فقده العيون "
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

وقال غيره:

الناس داء دفين لا دواء لهتحير العقل فيهم فهو منذهل
إن كنت منبسطاً رأوك مسخرةأو كنت منقبضاً قالوا به ثقل
وإن تخالطهم قالوا به طمعوإن تجانبهم قالوا به ملل
وإن تعففت عن أبوابهم كرماقالوا غني وأن تسألهم بخلوا

ونحوه قول الآخر:

لا تُعِدَّنَّ للزِمان صديقاًوأعِدّ الزمان للأصدقاء
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وقول الآخر:

ورب أخٍ ناديته لملمةفألفيته منها أجلّ وأعظما

وقول الآخر:

وإخوان اتخذتهم دروعاًفكانوها ولكن للأعادي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وإخوانٍ اتخذتهمُ دروعاً»
وخلتهم سهاماً صائباتٍفكانوها ولكن في فؤادي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وإخوان تخذتهم دروعا»
وقالوا قد صفت منا قلوبلقد صدقوا ولكن من ودادي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وإخوان تخذتهم دروعا»
وقالوا قد سعينا كل سعيلقد صدقوا ولكن في فسادي

وقال الآخر:

لقاء الناس ليس يفيد شيئاًسوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلاّلأخذ العلم أو إصلاح حال

وقول الآخر:

لا تعرفنْ أحداً فلست بواجدأحداً أضر عليك ممن تعرف

وقول الآخر:

وما زلت مذ لاح المشيب بمفرقيأفتش عن هذا الورى وأكشف
فما إن عرفت الناس إلاّ ذممتهمجزى الله بالخيرات من لست أعرف

ومثله قول الآخر:

جزى الله بالخيرات من ليس بينناولا بينه ود ولا متعرف
فما نالني ضيم ولا مسّني أذىمن الناس إلاّ من فتى كنت أعرف

ويقال: كتب رجل من أهل الري على بابه جزى الله خيراً من لا يعرفنا ولا نعرفه ولا جزى الله أصدقاءنا خيراً فإنا لم نُؤتَ إلاّ منهم.

وينسب للإمام الغزالي ﵁ أيام سياحته:

قد كنت عبدا ً والهوى مالكيفصرت حراً والهوى خادمي
للشاعر الغزالي، من قصيدة «قد كنت عبدا والهوى مالكي»
وصرت بالوحدة مستأنساًمن شر أصناف بني آدم
للشاعر الغزالي، من قصيدة «قد كنت عبدا والهوى مالكي»
ما في اختلاط الناس خير ولاذو الجهل في الأشياء كالعالم
يا لائمي في تركهم جاهلاًعذري منقوش على خاتمي
للشاعر الغزالي، من قصيدة «قد كنت عبدا والهوى مالكي»

قالوا وكان نقش خاتمه:) وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (.

وقول الآخر:

من أحسن الظن بأعدائهتجرع الهمّ بلا

قال بعضهم: لو كنت ناظما لهذا البيت لقلت: من أحسن الظن بأحبابه ولا أقول بأعدائه.

واعلم " أن تبرم " الناس بالناس واستيحاش بعضهم من بعض واستنقاص البعض للبعض هو أن الإنسان لما فيه من سبعية مؤذ بالطبع من يلقاه إما بيده أو بلسانه شتماً أو نميمة أو غيبة، وكل من يتأذى منه يستوحش منه ويستنقصه، ولما فيه من الشهوة يتقاضى حظوظه ويضايق عليها غيره لاتساع الشهوة وضيق الدنيا فيثور البغض والحسد وسائر الشر، ثم قد يطمع أن يستحصل حظوظه أو بعضها من الغير، والغير في شغل عنه بحظوظه فيستنقصه، ومن الأول ينشأ العجب بالغني واحتقار الفقير، ومن الثاني ينشأ عدم الوفاء بالوعد والعهد، وذلك أن الإنسان ليس له على التحقيق اختيار، أما باطناً فلأنه في قبضة الله تعالى، وكيف يتأتى وفاء أو عقد أو حل للعبد دون سيده؟ وأما ظاهراً فلأنه أسير شهوته وسمير نهمته، وقد قلت في وصف طباع الناس من قصيدة:

ألم ترَ أن الدهر حبلى أنيَّةولادتها يوماً وإن لم تكن تدري
فمن منَحٍ تُسلي ومن محنِ تُسينتائجها صغرى على المرء أو كبرى
ولا تأمنَنْ أبناءه إن تحببواإليك فمن يُشبه أباه فقد برا
وكل بني دهر بأشباه دهرهمعلى ما قضى الله الحكيم وما أجرى
متى ما ارتجوا رَغباء منك تقربواإليك وأبدو خالص الود والبرا
وأخفوا ذميماً كان فيك وأظهرواجميلاً وقالوا ذو محاسن لا تمرى
فذلك أحرى أن يجلوا وينصتواإليك رشاداً كان قولك أو ثبرا
وإن لم يرجّوا منك خيراً رأيتهمجفاء وإعراضاً يولّونك الظَّهْرا
وينثون عنك المزريات وإن رأواجميلاً أعاروه الغشاوة والوَقْرا
فلا تُصْغ سمعاً للذي ذم منهمولا الذي أبدى الجميل وإن أطرى
فإن بني الدنيا عبيدُ هَواهُمعلى مركز الأهواء دَورتهم طُرّا
وإنَّ هواهم حيث ترتقب الغنىوليس هواهم حيث ترتقب الفقرا
إذا ما رأوا ذا الوفر لاذوا بذيلهوإن لم ينالوا من سحائبه قطرا
وإنْ بصروا بالمملق اهتزءوا بهومدوا إليه طرفهم نظراً شزرا
وقالوا بغيض إن نأي ومتى دنايقولوا ثقيل مبرم أدبر الفقْيرا
فإن غاب لم يفقد، وإن علَّ لم يُعَدْوإن مات لم يشهد وإن ضاف لم يقرا
وفي اللهِ للمَرْءِ اللبيب كفايةعن الناس والمحروم من حرم الأجرا

لله الأمر من قبل ومن بعد

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.