من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
ذم المعاصرين ومدح المتقدمين
واعلم أن هذا الطبع مركوز في طينة الآدمي منذ كان غير مخصوص بأهل زمان، وإن كانت بعض الأزمنة يخصها الله بغير ما يكون في غيرها من خير أو شر " لعارض " غير أن الناس لما دهتهم هذه الداهية من تأذي بعضهم ببعض وعدم الظفر بالغرض من الغير جعل كل يستنقص أهل وقته لمشاهدة وعدم الجدوى فيهم ويمدح من مضى، أما من لم يدركه فلتوهمه أنه على خلاف من رأى وأما من أدركه فلانقطاع شره ووقوع الاستراحة منه مع بقاء بعض الجدوى في الوهم ونزوع النفس إلى الإلف المألوف فلا تسمع إلاّ فسد الزمان وذهب الناس، فمن ذلك قول بشار:
فسد الزمان وساد فيه المقرفوجرى مع الطرف الحمار الموكف
وقول الآخر:
ألا ذهب التكرّم والوفاءوباد رجاله وبقى الغُثاء
وأسلمني الزمان إلى أناسكأمثال الذئاب لهم عُواء
صديق كلما استغنيت عنهموأعداء إذا نزل البلاء
أقول ولا ألام على مقاليعلى الإخوان كلهم العفاء
وقول الآخر:
ذهب الذين إذا رأوني مقبلاًهشوا وقالوا مرحباً بالمقبل
وبقيت في خلْفٍ كأن حديثهمولغ الكلاب تهارشت في منهل
وقول الآخر:
ذهب الذين أحبهموبقيت فيمن لا أحبه
إذ لا يزال كريم قومٍ فيهم كلب يسبه
وقال منصور الفقيه:
يا زماناً ألبس الأحرار ذلاً ومهانهْ
لست عندي بزمانإنما أنت زمانَه
وقول الآخر:
مضى دهر السماح فلا سماحولا يرجى لدى أحد فلاح
رأيت الناس قد مسخوا كلاباًفليس لديهم إلاّ النباح
وأضحى الظرف عندهم قبيحاًولا والله إنهم القباح
سلام أهل ابليد عليكمفإن البين أوشكه الرواح
نروح فنستريح اليوم منكمومن أمثالكم قد يستراح
إذا ما الحر هان بأرض قومفليس عليه في هرب جناح
وقول الآخر:
مضى الجود والإحسان واجتث أهلهوأحمد نيران الندى والمكارم
وصرت إلى ضرب من الناس آخريرون العلى والمجد جمع الدراهم
كأنهم كانوا جميعاً تعاقدواعلى اللؤم والإمسَاك في صلب آدم
" وللإمام الشافعي ﵁:
صديق ليس ينفع يوم باسقريب من عدو في القياس
وما يبقى الصديق بكل عصرولا الإخوان إلاّ للتآسي
عمرت الدنيا متلمساً بجهديأخا ثقة فأكداني التماسي
تنكرت البلاد عليَّ حتىكأن أناسها ليسوا بناس
وقال غيره:
هذا زمان تجاهل وتسامحوتغافل عن أهله فسد الورى
فإذا سمعت فكن كأنك ما سمعت وإن رأيت فكن كأنك ما ترى
واجهد بنفسك في التخلص منهمفعساك تنجو إن نجوت وما أرى
أو لا فكن في قعر بيتك لا ترىإن كنت ترغب في النجاة وبالحرى
وقال أيضاً:
عم الفساد جميع الناس ويحهميا ليتَ شعريَ ماذا بعد ينتظر
إن وعدُوا أخلفوا أو حدثوا كذبواأو عهدوا غدروا أو خاصموا فجروا
أو ائتمنتهم خانوا فكن رجلاًمنهم على حذر قد ينفع الحذر
وقال غيره:
ما في زمانك هذا من تصاحبهولا صديق إذ حان الزمان وفى
فعش فريداً ولا تركن إلى أحدفقد نصحتك نصحاً بالغاً وكفى
وقال الأرجاني:
تطلعت في يومَيْ رخاء وشدةوناديت في الأحياء هل من مساعد
فلم أرَ فيما ساءني غير شامتولم أرَ فيما سرني غير حاسد
وقال غيره:
خبرت بني الأيام طراً فلم أجدصديقاً صَدُوقاً مسعداً في النوائب
وأصفيتهم منّي الودادَ فقابلواصفاء ودادي بالقَذى والشوائب
وما اخترت منهم صاحباً وارتضيتهوأحمدته في فعله والعواقب
وقال آخر:
نحن والله في زمان غشوملو رأيناه في المنام فزعنا
أصبح الناس فيه من سوء حالحقّ من مات منهم أن يهنّا "
وقول الآخر:
أنعى إليك خلال الخير قاطبةلم يبقَ منهنّ إلاّ دارس العلم
أنعى إليك مواساة الصديق وماقد كان يرعى من الأخلاق والذمم
أين الوفاء الذي قد كان يعرفهقوم لقوم وأين الحفظ للحُرم
أين الجميل الذي قد كان يلبسهأهل الوفاء وأهل الفضل والكرم
أيسر وأنت صديق الناس كلهمثمَّ ابلُ سرّهم في حالة العدم
فإن وجدت صديقاً عند نائبةفلست من طرقات الحزم في أمم
لما أناخ عليَّ الدهر كلكلهوخانني كل ذي ود وذي رحم
ناديت ما فعل الأحرار كلهمأهل الندى والهدى والبعد في الهمم
قالوا حدا بهم ريب الزمان فسلأجداثهم عنهم تخبرك عن رمم
وقول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب
وتمثلت به أم المؤمنين عائشة ﵂ ثم قالت: وكيف لو أدرك لبيد زماننا؟ فقال عروة: كيف لو أدركت عائشة زماننا؟ ولما بلغ ابن عباس قول عائشة هذا قال: رحم الله لبيداً ورحم الله عائشة، لقد أصيب باليمن سهم في خزائن عاد كأطول ما يكون من رماحكم هذه مفَوَّق مَرِيش مكتوب عليه: " هذا ":
ألا هل إلى أبيات منقطع اللوىلوى الرمل من قبل الممات معاد
بلاد بها كنا وكنا منَ أهلهاإذِ الناس ناس والبلاد بلاد
أي فهذا العاديّ " في زمانه " يستنقص زمانه ويشير إلى أن الناس الأفاضل قد مضوا وأن الأرض تغيرت فكيف حال زمان لبيد ومن بعده كزمان عائشة.
وقد تحصل من هذا ما قررنا في صدر الكلام " من " أن الدنيا لم تزل هكذا، والناس هم الناس مند خلقوا. " ولقد أحسن القائل:
قل لمن لا يرى المعاصر شيئاًويرى للأوائل التقديما
إن هذا القديم كان جديداًوسيبقى هذا الجديد قديماً "
فالأكمل للإنسان التسليم بل الرضى بوقته فإنه بذلك يفوز بالأدب مع الله تعالى الحكيم العليم الذي هو رب الأولين والآخرين ويفوز بشكره وحمده وبراحة قلبه والسلامة من التشوف والتطلع وسلامة الصدر لأهل زمانه والقيام بحقوقهم واعتقاد الخير في أهله والانتفاع بهم ورؤية المحاسن الوقتية والتغافل عن المساوي وغير ذلك.
ولقد منح الله تعالى الصحابة الزمان الفاضل، فكانوا يذكرون ما مضى لهم في الأزمنة السالفة من صنوف الشر من عبادة الأوثان وارتكاب القبائح والجهد الجهيد فيحمدون الله تعالى ويشكرونه، وهكذا ينبغي للمؤمن أن ينظر إلى ما منحه الله تعالى من الخير في زمانه ديناً ودنيا وإلى ما أنجاه الله تعالى " منه " من الشرور الحالية والماضية فيحمد الله على ذلك.
وقد جرت على لساني في هذا المعنى أبيات فقلت " مناقضاً لما تقدم من الأشعار ":
نحمد الله وقتُنا وقتُ خيربذَّ ما قبله من الأوقات
غير وقت النبي صلى عليه الله والصحب والتُّلاة الهداة
ديننا سالم من البدع العُمي وعشنا بطيّب الأقوات
لم تكن كالشرَاة نغشى المعاصيلتفوز بالخلد في الغُرُفات
ضيعوا الدين بالمروق ودنياهم بوقع الظبّات في السبدات
لا ولا كالجبري والقدري النجس ولا سائر الجفاة الغواة
والذي قد نلقى من المُرّ في الدنيا عسى أن نرقى به درجات
وبنو الدهر هم بنو الدهر قِدْماًهم نبات ينمو بإثر
والطباع الطباع لست ترى فيها نُبُوّاً ولا اختلاف
ومن اختصه الإله بخيرفهو فيه من دارج أو آت
نعم لا بأس بذكر الماضي من صلحاء الإخوان، والحنين إلى الأوطان، وإن ذلك يعد من حسن العهد، وفي الحديث أنه ﷺ دخلت عليه امرأة فأكرمها وقال: " إنَهَا كَانَتْ تَأتينَا أيّامَ خَدِيجَة، وإنَّ حُسْنَ العَهْدِ مِنَ الإيمَانِ ".
وكانت عائشة ﵂ تقول: ما غِرْت على امرأة ما غِرت على خديجة، وذلك من كثرة ما كان يذكرها ﷺ.
وقيل لبعض الحكماء: بمَ تعرف وفاء الرجل وذمام عهده دون تجربة واختبار؟ فقال بحنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وتلهفه على ما مضى من زمانه.
وعن الأصمعي قال: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل وذِمام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه وكان سيدنا بلال ﵁ ينشد:
ألا ليت شعري هل أبيتَنَّ ليلةبوادٍ وحولي إذْخِر وجليل
وهل أردنْ يوماً مياه مَجَنّةٍوهل يبدون لي شامة وطَفيل
وقد تقدم شيء من هذا قبل.
وقال أبو العباس بن العريف ﵁:
ما زلت مذ سكنوا قلبي أصون لهملحظي وسمعي ونطقي إذ هم أنسي
حلوا الفؤاد فما أندى ولو قطنواصخراً لجاد بماء منه منبجس
وفي الحشا نزلوا والوهم يجرحهمفكيف قروا على أذكى من القبس
لأنهضنّ إلى حشري بحبهملا بارك الله فيمن خانهم فنسي
" وقال غيره:
جسمي معي غير أن الروح عندكمفالجسم في غربة والروح في وطن
فليعجب الناس مني أن لي بدناًلا روح فيه ولي روح بلا بدن
وقال آخر:
راحوا فباتت راحتي من راحتيصفر وأضحى حبهم لي راحا
فتحوا على قلبي الهموم وأغلقواباب السرور وضيعوا المفتاحا
وقال غيره:
يا راحلاً وجميل الصبر يتبعههل من سبيل إلى لقياك يتفق
ما أنصفتك جفوني وهي داميةولا وفى لك قلبي وهو يحترق
وقال غيره:
ليكفكم ما فيكم من جوى ألقىفمهلاً بنا مهلاً ورفقاً بنا رفقا
وحرمة ودي لا سئمت هواكمولا رمت لي منه فكاكاً ولا عتقا
سأزجر قلباً رام في الحب سلوةوأهجره إن لم يمت فيكم عشقا
وقال غيره:
ما ناح في أعلى الغصون الهزارإلاّ تشوقت لتلك الديار
ولا سرى من نحوكم بارقإلاّ وأجريت الدموع الغزار
وا أسفي أين زمان الحمى؟وأين هاتيك الليالي القصار؟
واحر قلبي فمتى نلتقيوتنطفي من داخل القلب نار
وأنظر الأحباب قد واصلواويأخذ الوصل من الهجر ثار
أقول للنفس ابشري باللقاقد واصل الحب وقر القرار "
وذكر في التشوف عن أبي شعيب السارية ﵁ قال: كان إذا وقف على قبر شيخه أبي علي المسطاسي يقول: أي رجل دفن هاهنا! ما رأيت مثله وأنشد:
أسفاً لأيام وإخوان مضواومنازل فارقتها مغلوبا
قلبت قلبي جمرة من بعدهمولبست عيشي بعدهم مقلوبا
طالبت بعدهم الزمان بمثلهمفأجابني هيهات لا مطلوباً
وحكي أيضاً عن أبي عمران الهسكوري الأسود أنه كان لا ترقأ له دمعة، فربما سئل عن كثرة بكائه فيقول: إنما أبكي على فقد من أدركته من الإخوان في الله ﷿.
ويحكى أيضاً عن أبي جعفر الأسود صاحب تاغزوت أنه كان يقول: أدركت ببلاد تادلا ثلاثمائة وسبعين رجلاً صالحاً كلهم يزارون، وأنشد:
فآهاً من الربع الذي غير البلىوواهاً من القوم الذين تفرقوا
أصون تراب الأرض كانوا حلولهاوأحذر من مري عليها وأفرق
ولم يبق عندي للهوى غير أننيإذا الركب مروا بي على الدار أشهق
تنبيه على حكم ما وقع من استنقاص الزمان واستنقاص أهله وسبهما يحسب النظر الشرعي أصلاً وفرعاً: فأما الزمان ويقال أيضاً الدهر فجرت عادة الشعراء وغيرهم قديماً وحديثاً بالتشكي منه والتبرم به ونسبة الإذاية والجور إليه. وقد يكون فيهم من يعتقد ظاهر ذلك " وهو مشرك، وقد يكون من لا يعتقد ذلك لكونه موحداً " بل إما غفلة وَجرياً على أسلوب من قبله من التعبير وإما مجازاً بطريق المقارنة لما يقع فيه من الأحداث والكوائن، والفاعل هو الله تعالى، فلا معنى حينئذ للتشكي منه ولا لسبه ولا استنقاصه فإن ذلك سوء أدب مع الله تعالى من جهتين: إحداهما أنه هو المتصرف في الكل، ولذا ورد في الخبر: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " أي ما ترونه فالله تعالى هو فاعله.
ثانيهما أنه يجب على المؤمن اعتقاد كل ما برز في كل زمان من التصرفات فذلك هو الصالح في ذلك الوقت الجاري على الحكمة سواء لاءم الطباع أو لا، ومن اعتقد خلاف ذلك فهو جاهل بالله تعالى جاهل بحكمته وقدرته، ولو ولي وال بلدة لم يتصرف فيها إلاّ بالحكمة والمصلحة إلاّ ما خرج عن علمه وطوقه، والله ﵎ حكيم، قاهر فوق عباده، غالب على أمره لا يتعالى عن قدرته مقدور، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة.
ثم الزمان بمعزل عن العيب والنقص، فإنما ذلك في الناس، وما يقع منهم أو يقع لهم فهم أحق بالانتقاص كما قيل:
يقول أناسٌ دهر سوء ليعذرواوهم عيبه عندي ولا عيب للدهر
وأما استنقاص أهل الزمان كما مرّ فلا شك أنه لا يحرم إذ لا يدخل في الغيبة المحرمة حيث لا يكون التعيين.
وقد استشعر محيي الدين ابن العربي في رسالة القدس ذلك حيث وقع في متصوفة زمانه فأجاب بنحو ذلك ونزع بما وقع لعائشة ﵂ من ذم أهل زمانها كما مرّ وغيرها من أهل الدين، ولكن الأولى الإمساك عن ذلك لما قررنا قبلُ، ولأنه لا يكاد يحصل من ذلك طائل غير إتعاب المرء قلبه ولسانه وتعرضه لمثل ذلك.
ومن ظنّ ممن يعاني الحروببأن لا يصاب فقد ظن عجزا
نعم ذكر ما يقع منهم من المناكر بالتنصيص بقصد الاحتراز مع الإنصاف كما فعل أبو العباس زروق في النصح الأنفع، وفي عمدة المريد نافع مفيد غير أنه صعب مفتقر إلى تحقيق في المدارك وتضلع في العلوم وتجربة تامة، فإن الأمور قليل منها ما يكون أمراً حقيقياً يذم من كل وجه أو يمدح، وأكثرها إضافي اعتباري يختلف باختلاف الأشخاص والمقاصد والأزمنة والأمكنة والأحوال فافهم.
لله الأمر من قبل ومن بعد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع