من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
مداراة الناس صدقة
مما اتفق لي وينتظم في سلك الملح مع تضمن فائدة أني كنت خرجت من مدينة فاس - حرسها الله تعالى - أيا مالحصار، وأتينا على جبل بني زروال، ومعي جموع من الناس من طلبة وفقراء وتجار، فوافينا به رجلاً من أهل محبتنا، فكان ينصرف لي في أموري وفي أمور من معي من الناس يحسب تفقدهم وإنزالهم منازلهم. وربما نتردد فيريد أن يكشف لي عن رأيه في ذلك فيدنو مني ويناجيني، وكان ساقط الأسنان، لا يكاد يفهم كلامه، وكان مع ذلك كلام أهل تلك البلاد منغلقاً عنا لا نكاد نفهمه، ثم يخفت بصوته لئلاّ يسمعه من حضر، فيتكلم ولا أكاد أسمع من كلامه حرفاً واحداً، حتى إذا فرغ من حديثه رفع رأسه إلي وقال: هكذا يكون الكلام مفصحاً بها، فكنت في هذا أباسط أصحابي فأقول لهم: إن هذه الجملة الأخيرة من كلامه وقع فيها حكم بطريق القصر، وهو موقوف على أشياء قبله لم يحصل واحد منها، الأول سماع اللفظ فإنه مقدمة الفهم، الثاني معرفة الوضع فإنه شرط، الثالث فهم الألفاظ مفردة، الرابع فهم التركيب، الخامس فهم النسبة تصوراً، السادس فهم الحكم مطلقاً " أي من غير قصر " السابع فهمه مقصوراً، ثم إن الأخير أعني الحصر محتاج إلى دليل لأنه بسبيل المنع، ولم يحصل شيء من ذلك كله، وما توقف على ما لم يحصل فهو غير حاصل، ثم إني مع ذلك أستبشر عند حديثه، وربما أحرك رأسي موهماً أني قد حصلته، وأني قد استصوبت رأيه، وذلك أنه لم يمكني في الوقت غير ذلك، فإني إن راجعته ليبين لم يبين إلاّ بخفية كما فعل أولاً، فلا يحصل طائل، وقد علمت أن ليس في عدم تبين مقاصده مهمٌّ يفوت، لأن كل ما ينحو إليه من الرأي ويتشوف إليه من المصلحة فعندي بحمد الله ما يكفي فيه، فكنت أساهله وأتركه بحاله رفقاً به وجبراً لخاطره وتقللاً من الشغب وعندي على هذا النحو مذهب، وأرى كثيراً من الناس يَنْبُون عنه، وللتنبيه عليه مع التلميح السابق سطرت هذه القصة، وذلك أني أتغافل عما لا حاجة إليه، ولا أتتبع ما فيه تكلف ولا تدعو الضرورة إليه وإن ذلك عندي هو أسلم وأبعد عما يخشى من ارتكاب الفضول أحياناً، وتجاوز الحدّ أحياناً، وإحراج الصدر أحياناً واستثارة الشر أحياناً وأقرب إلى مكارم الأخلاق، وأدخل في المداراة المطلوبة، وأبعد عن الملاحاة المذمومة.
وفي الحديث: " مُدَارَاةُ النّاسِ صَدَقَة " وفي حديث آخر: " رَأسُ العَقْلِ بَعْدَ الإيمَانِ بِاللهِ التَوَدُّدُ إلى النّاسِ " وفي خبر آخر: " التَوَدُّدُ إلى النّاسِ نِصْفُ العَقْلِ، وَحُسْنُ التَدْبِيرِ نِصْفُ المَعِيشَةِ، وَمَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ " وقال الشاعر:
ومن لا يغمض عينه عن صديقهوعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهداً كل عثرةيجدها ولا يسلم له الدَّهر صاحب
وقال الآخر:
أغمض عيني عن صديقي تغافلاًكأني لما يأتي من الأمر جاهل
وما بي جهل غير أن خليقتيتطيق احتمال الكرهِ فيما تحاول
ونحوه قول الآخر:
أغمض للصديق عن المساويمخافة أن أعيش بلا صديق
وقال غيره:
إذا كنت في كلّ الأمور معاتباًصديقك لا تلقى الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنهمقارف ذنب مرة ومجتنبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذىظمِئت وأي الناس تصفو مشاربه؟
ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها؟كفى المرء نبلاً أن تُعَدَّ معايبه
وقال غيره:
إذا ما الصديق أسا مرةوقد كان فيما مضى مجلا
ذكرت المقدم من فعلهفلم ينسني الآخر الأولا
وقال غيره:
وأغفر عوراء الكريمِ ادِّخارهوأعرض عن شتم اللئيمِ تكرّما
وقال غيره:
احرص على حفظ القلوب من الأذىفرجوعها بعد التنافر يعسر
إنَّ القلوب إذا تنافرت وُدّهامثل الزجاجة كسرها لا يجبر "
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ خلال المكارم عشر تكون في الرجل ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في سيده، يقسمها الله لمن أحب: صدق الحديث، ومداراة الناس، وصلة الرحم، وحفظ الأمانة، والتذمم للجار، وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع، وقرى الضيف، والوفاء بالعهد، ورأسهن كلهن الحياء.
وقال الشاعر:
أحب مكارم الأخلاق جهديوأكره أن أعيب وأن أعابا
وأصفح عن سباب الناس حلماًوشر الناس من يهوى السِّبابا
ومن هاب الرجال تهيبوهومن حقر الرجال فلن يهابا
وقال غيره:
ولقد أمر على اللئيم يسبنيفأجوز ثم أقول: لا يعنيني
وقال غيره:
إن المكارم أخلاق مطهرةفالعقل أولها والدين ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابِعهاوالجود خامسها والعرف ساديها
والبر سابعها والصبر ثامنهاوالشكر تاسعها واللين عاشيها
والنفس تعلم أني لا أصدقهاولست أرشد إلاّ حين أعصيها
والعين تعلم في عيني محدثهامن كان من حزبها أو من أعاديها
وقال غيره:
اترك مكاشفة الصديق إذاغطى على هفواته ستر "
وفي الحكمة: اللبيب العاقل، هو الفطن المتغافل، وفي قوله تعالى:) عَرَّفَ بَعْضَه وَأعْرَضَ بَعْضَه وَأعْرَضَ عَنْ بَعْضِ (مشرب في هذا المعنى، ويقال: ما استقضى كريم قط، وفي الحديث: " لَمّا أُسْرِيَ بي كَانَ أوَّلَ مَا أمَرَني بهِ رَبِّي أنْ قال: إيّاكَ وَعِبَادَةَ الأوْثَانِ، وَشُرْبَ الخَمْرِ، وَمُلاحَاة الرِّجَالِ " وفي حديث آخر: " احْذَرُوا جِدَالَ كُلَّ مَفْتُونٍ، فَإنَّهُ يُلَقَّنُ حُجَّتَهُ إلى انْقِطَاعِ مُدَّتِهِ " وقال الشاعر:
إني محضتك يا كدام نصيحتيفاسمع لقول أب عليك شفيق
أما المزاحة والمراء فدعهماخلقان لا أرضاهما لصديق
وقال الآخر:
اترك مكاشفة الصديق إذاغطى على هفواته ستر
وهذا باب واسع مشهور، وفيما ذكرنا منه كفاية.
لله الأمر من قبل ومن بعد استقراء المؤلف لهجة ريفية من جملة ما اتفق لي في هذه السفرة إلى جبال الزبيب وسفرات أخرى لزيارة الشيخ عبد السلام بن مشيش ﵁ أني سمعت لغة لأهل تلك الجبال: يكسرون آخر الموقوف عليا استقراء فتتبعتها فوجدتها لها ضابط، وقد رأيت غيرهم من أهل الآفاق يسمعون عنهم ذلك فيحكونه على غير وجه وينسبون إليهم ما لا يقولون جهلاً منهم بضوابطها، فإنهم لا يكسرون إلاّ الفتحة بعدها ألف، أما الألف المقصورة كالدنيا، أو الممدودة كالسماء والطلباء والشرفاء، والأصلية كالماء، أو المقلوبة عن هاء التأنيث في مجرى العرف كالبقرة والشجرة والصفحة فإن العوام من غيرهم يقولون في الوقف على هذه: البقرا والشجرا بألف، وهؤلاء يكسرون فيقولون: البقري والشجري وتنقلب الألف ياء، وهذا كله في الوقف فإن وصلوا نطقوا بالألف كغيرهم، وإن لم يكن الفتح ولا الألف كالشجر والبقر مراداً به الجنس وقفوا بالسكون كغيرهم، وأني لما تأملت ذلك من كلامهم وحققته في أقرب مدة اتضح عندي معنى الاستقراء في نحو هذا بالمشاهدة، وعلمت كيف كان أئمة العربية القدماء يستقرئون النحو واللغة من أفواه العرب ويضبطون لغة كل قبيلة في ذلك، وتبين أن ذلك أمر صحيح بيّن، وللتنبيه على هذا حكيت هذه القصة، فلا يقل جاهل: ما لنا ولهذه اللغة؟ فلتعرف أو لا تعرف، هذا مع أن معرفة الشيء خير من جهله، فالجاهل بالشيء أعمى فيه وفي ظلمة عنه، والعالم به بصير به وفي نور فيه،) وَهَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ (والعلم ذخر يجده صاحبه عاجلاً أو آجلاً، وحجة ينتصر بها في الخطوب أيضاً.
لله الأمر من قبل ومن بعد.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع