١أَيَدري الرَبعُ أَيَّ دَمٍ أَراقا
وَأَيَّ قُلوبِ هَذا الرَكبِ شاقا
الواحدي: يقول هذا الربع هل يدري ما فعل من إراقة دمي وحمل قلبي على الشوق وهذا استفهام انكار واستعظام لما فعله الربع من قتله بشوقه إلى أحبته وذلك أن الربع هيج له شوقا وجدد له ذكر الأحبة وكان من حق ترتيب الكلام أن يقدم في الإرادة.
٢لَنا وَلِأَهلِهِ أَبَداً قُلوبٌ
تَلاقى في جُسومٍ ما تَلاقى
الواحدي: يقول لنا وللذين كانوا أهل هذا الربع قلوبٌ تتلاقى في جسومٍ ما تتلاقى يعني نحن نذكرهم وهم يذكروننا فكأننا نتلاقى بالقلوب كما قال ابن المعتز، إنا على البعاد والتفرقِ، لنلتقي بالذكر إن لم نلتقِ،
٣وَما عَفَتِ الرِياحُ لَهُ مَحَلّاً
عَفاهُ مَن حَدا بِهِمِ وَساقا
الواحدي: يقول لم تعف الرياح لهذا الربع مهنزلا فلا ذنب للريح في دروس منازله إنما عفاه الحادي بسكانه والسائق لأنهم لو لم يخرجوا منه لما درس الربع وهذا قريب من قول أبي الشيص، ما فرق الألف بعد الله إلا الإبل، والناس يلحون غراب البيت لما جهلوا، وما إذا صاح غراب في الديار احتملوا، ولا على ظهرِ غراب البيت تطوي الرحلُ، وما غراب البيت إلا ناقةٌ أو جملُ،
٤فَلَيتَ هَوى الأَحِبَّةِ كانَ عَدلاً
فَحَمَّلَ كُلَّ قَلبٍ ما أَطاقا
الواحدي: أي ليت هوى الأحباب كان عادلا في فعله فكان يحمل على كل قلب بقدر طاقته وفي هذا اشارة إلى أنه اعشق العشاق وإن الهوى حمله ما لا يطيقه جورا عليه.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِن الْهوى جَار عَلَيْهِ فَحَمله مَا لَا يطيقه فَلَو عدل فى حكمه وأنصف من نفسة حمل كل قلب مَا يطيقه من الْحبّ وأودعه مَا يسْتَقلّ بِهِ من الصبابة والوجد حَتَّى يكون الْمُحب والمحبوب سَوَاء وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه أعشق العشاق وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر (فيا رَبّ قَدْ حَمَّلْتَنِى فَوْقَ طاقَتِى ... مِنَ الحُبّ حِمْلاً قاتِلى فَوْقَ مَا بِيا) (وَإلَاّ فَساوِ الحُبَّ يَا رَبّ بَيْنَنا ... يَكُون سَوَاءً لَا عَلىَّ وَلا لِيا)
٥نَظَرتُ إِلَيهِمُ وَالعَينُ شَكرى
فَصارَت كُلُّها لِلدَمعِ ماقا
الواحدي: أي نظرت إلى الأحبة عند ارتحالهم والعين ممتلئة بالماء فسال الماء من جميع جوانبها لامتلائها بالماء حتى كان جميع الجوانب مآقٍ لسيلان الدمع منها.
العكبري: الْغَرِيب الْعين الشكرى الممتلئة بالدمع واشتكر ضرع النَّاقة إِذا امْتَلَأَ لَبَنًا والماق طرف الْعين مِمَّا يلى الْأنف وَهُوَ مخرج الدمع من الْعين الْمَعْنى يَقُول قد نظرت إِلَيْهِم عِنْد رحيلهم وَالْعين ممتلئة بدمعها فَصَارَت كلهَا مخرجا للدمع لكثرته فِيهَا وَشدَّة الْحَرَارَة مِنْهَا يخبر عَن غَلَبَة الْبكاء من ألم الْفِرَاق
٦وَقَد أَخَذَ التَمامُ البَدرُ فيهِم
وَأَعطاني مِنَ السَقَمِ المُحاقا
الواحدي: أي الحبيب الذي هو كالبدر أخذ التمام في الحسن والنور وأنا لسقمي كأنه اعطاني المحاق والمعنى أنه كان في الحسن كالبدر ممتلئا نورا وبهاء وكنت أنا في الدقة كالقمر في المحاق ومن هذا أخذ قوله من قال، يا من يحاكي البدر عند تمامهِ، أرحم فتًى يحكيه عند محاقه،
العكبري: الْغَرِيب التَّمام الْكَمَال والمحاق بِضَم الْمِيم وَكسرهَا النُّقْصَان والسقم والسقم لُغَتَانِ الْمَعْنى يَقُول لما ارتحلوا أَخذ الْبَدْر فيهم الْكَمَال فى حسنه وجماله وأعطانى المحاق من السقم والنحول من الوجد بِهِ والتضاؤل بعد الْفَقْد لَهُ وطابق بَين المحاق والتمام وَمثله (يَا مَنْ يُحاكى البَدْرَ عِنْدَ تَمامِهَ ... اِرْحُمْ فَتى يَحْكِيهِ عندَ مَحاقِهِ)
٧وَبَينَ الفَرعِ وَالقَدَمَينِ نورٌ
يَقودُ بِلا أَزِمَّتِها النِياقا
الواحدي: لما جعله بدرا والبدر لا يخص النور بعضه وصفه بأنه من فرقه إلى قدمه نور ون نياق الركب تهتدي بنوره فكأنه يقودها بلا أزمتها ويجوز أن يريد بالنور وجهه وذلك أنه أراد أن يذكر تفصيل المحاسن التي بين شعره وقديمه فذكرها واحدا واحدا وبدا بالوجه ثم ثنى بالطرف.
العكبري: الْغَرِيب الْفَرْع الشّعْر والنياق جمع نَاقَة يُقَال نَاقَة ونوق ونباق وأنوق وناقات الْمَعْنى لما جعله بَدْرًا والبدر لَا يخص النُّور بعضه وَصفه بِأَنَّهُ كُله نور من فَرعه إِلَى قدمه فَجعله كَامِلا وَهُوَ يَقُود النياق بِلَا أزمة وَالْمعْنَى أَنه أَرَادَ بِالنورِ وَجهه لضيائه وَحسنه وَقد ذكر محاسنه وَاحِدًا وَاحِدًا فَبَدَأَ بِالْوَجْهِ ثمَّ ثنى بالطرف وَذكر محاسنه وَالضَّمِير فى أزمتها للنياق وَجَاز تَقْدِيم الضَّمِير لِأَنَّهُ مُؤخر فى الرُّتْبَة وَنظر إِلَى قَول أَبى الْعَتَاهِيَة (وَلَوْ أنَّ رَكْبا يَمَّمُوكَ لَقادَهُمْ ... نَسِيمُكَ حَتَّى يَسْتَدِلَّ بهِ الرَّكبُ) وَإِلَى قَول الآخر (وأخْفَوْا عَلى تِلكَ المَطايا مَسِيرَهُمْ ... فَنَمَّ عَلَيْهِمْ فِى الظَّلامِ التَّبَسُّمُ)
٨وَطَرفٌ إِن سَقى العُشّاقَ كَأساً
بِها نَقصٌ سَقانيها دِهاقا
العكبري: الْغَرِيب سقى وأسقى لُغَتَانِ فصيحتان جَاءَ الْقُرْآن بهما فى قَوْله تَعَالَى ﴿لأسقيناهم مَاء غدقا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وسقاهم رَبهم شراب طهُورا﴾ بِغَيْر خلاف وَاخْتلف فى قَوْله ﴿نسقيكم﴾ فى النَّحْل وَالْمُؤمنِينَ فَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو بكر فى الْمَوْضِعَيْنِ بِفَتْح الننون وَالْبَاقُونَ بضَمهَا والدهاق الملأى الْمَعْنى وَله لحظ فاتر وطرف سَاحر إِذا سقى المغرمين بِهِ كأسا ناقصه سقانيها مترعة يُرِيد أَنه أعشق العشاق لَهُ وَينظر إِلَى قَول الْقَائِل (وَما لَبِسَ العُشَّاقُ مِنْ حُلَلِ الهَوَى ... وَلا أخْلَقُوا إلَاّ الثِّيابَ الَّتِى أُبْلِى) (وَلا شَرِبُوا كأْسا مِنَ الحُبّ حُلْوَةً ... وَلا مُرَّةً إلَاّ شَرَابُهُمُ فَضْلِى)
٩وَخَصرٌ تَثبُتُ الأَبصارُ فيهِ
كَأَنَّ عَلَيهِ مِن حَدَقِ نِطاقا
الواحدي: قال ابن حنى أي تؤثر الأبصار في خصره لنعمته وبضاضته يقول تأثر خصره بالنظر إليه فكأن عليه نطاقا من آثار الأحداق قال ابن فورجة كيف تؤثر العين في الخصر وهي لا تصل إليه لأن الخصر لايتجرد من الثياب وأيضا فالخصر لا يوصف بالنعومة والرقة إنما يوصف بها الخدود والوجنات وأراد المتنبي أن الأبصار تثبت في خصره استحسانا له وتكثر عليه من الجوانب حتى تصير كالنطاق عليه وهذا منقول من قول بشار، ومكللاتٍ بالعيون طرقننا ورجعن ملسا، يريد أنهن لحسنهن تعلوا الأبصار إلى وجوههن ورؤسهن حتى كأن لهن أكليلا من العيون هذا كلامه وهو صحيح وقد نقل أبو الطيب العين إلى الخصر والإكليل إلى النطاق والسري الموصليّ كشف عن هذا المعنى في قوله، أحاطت عيون العاشقين بخصرهِ، فهن له ون النطاق نطاق،
العكبري: الْغَرِيب النطاق كل مَا شددت بِهِ وسطك وتقويت بِهِ وفى الْمثل (من يَطُلْ هَنُّ أَبِيه ينتطق بِهِ ... ) أى من كثر بَنو أَبِيه فَهُوَ يتقوى بهم وَمثله المنطقة وَقَالَ أهل اللُّغَة النطاق هُوَ شقة تلبسها الْمَرْأَة وتشد وَسطهَا ثمَّ ترسل الْأَعْلَى على الْأَسْفَل إِلَى الرّكْبَة والأسفل ينجر على الأَرْض وَلَيْسَ لَهَا حجزة وَلَا نيفق وَلَا ساقان وَالْجمع نطق وَكَانَت أَسمَاء بنت أَبى بكر رضى الله عَنْهُمَا زوج الزبير بن الْعَوام تسمى ذَات النطاقين لِأَنَّهَا سقت نطاقها نِصْفَيْنِ فشدت سفرة رَسُول الله عِنْد هجرته إِلَى الْمَدِينَة وتمنطقت بِالنِّصْفِ الآخر فسماها رَسُول الله ذَات النطاقين الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تُؤثر الْأَبْصَار فى خصره لنعومته وبضاضته أى تُؤثر فى خصره بِالنّظرِ إِلَيْهِ كَأَن عَلَيْهِ من آثَار الأحداق نطاقا وَقَالَ أَبُو على كَيفَ تُؤثر الْأَبْصَار فى خصره وهى لَا تصل إِلَيْهِ لِأَن الخصر لَا يتجرد من الثِّيَاب والخصر لَا يُوصف بالنعومة وَإِنَّمَا يُوصف بهَا الوجنات والخدود والذى أَرَادَ أَبُو الطّيب أَن الْأَبْصَار تثبت فى خصره اسْتِحْسَانًا لَهُ وتكثر عَلَيْهِ من الجوانب حَتَّى تكون كالنطاق عَلَيْهِ وَهَذَا مَنْقُول من قَول بشار (وَمُكَلَّلاتٍ بالْعُيُو ... نِ طَرَقْنَنا وَرَجَعْنَ مُلْسَا) يُرِيد أَنَّهُنَّ لحسنهن تعلو الْأَبْصَار إِلَى وجوههن ورءوسهن كَأَن بهَا إكليلا من الْعُيُون وَقد نَقله أَبُو الطّيب إِلَى الخصر والإكليل إِلَى النطاق وَقد كشفه السرى الموصلى بقوله (أحاطَتْ عُيُونُ النَّاظِرِينَ بِخَصْرِهِ ... فَهُنَّ لَهُ دونَ النِّطاقِ نِطاقُ) وَقد نقل الشريف هبة الله بن الشحرى كَلَام ابْن فورجة فى أَمَالِيهِ حرفا حرفا وَمعنى الْبَيْت أَن خصره دَقِيق تثبت الْأَبْصَار فِيهِ وتتردد لحسنه عَلَيْهِ وتكثر الْإِعْجَاب مِنْهُ حَتَّى كَأَن عَلَيْهِ نطاقا يَشْمَلهُ ووشاحا يعمه
١٠سَلي عَن سيرَتي فَرَسي وَسَيفي
وَرُمحي وَالهَمَلَّعَةِ الدِفاقا
الواحدي: الهملعة الناقة السريعة والدفاق والدفاق المتدفقة في السير يقول للمرأة سلى عن حال سيري هذه الأشياء يعني أ، هـ كان وحده ولم يصحبه غير ما ذكر فلا يستخبر عن سيره غير الفرس والرمح والسيف والناقة.
العكبري: الْغَرِيب السِّيرَة الْمَذْهَب وَالْعَادَة والطريقة والهملعة النَّاقة الْخَفِيفَة القوية والدناق السريعة المتدفقة فى السّير الْمَعْنى يُخَاطب المحبوبة وَيَقُول سلى عَن طريقى هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِى ذكرت فإنى لَا يصاحبنى فى الْأَهْوَال سواهَا إِشَارَة إِلَى أَنه شُجَاع فى الْإِقْدَام على الْأَهْوَال وَالْقُوَّة على الْأَسْفَار والنفاذ فى الفلوات
١١تَرَكنا مِن وَراءِ العيسِ نَجداً
وَنَكَّبنا السَماوَةَ وَالعِراقا
الواحدي: السماوة قرية معروفة يقول ملنا عن طريق السماوة وطريق العراق وخلفنا نجدا وراءنا يعني في القصد إلى الممدوح.
العكبري: الْغَرِيب العيس الْإِبِل الْبيض والسماوة فلاة بَين الشأم وَالْعراق ونجد أَرض بَين الْعرَاق والحجاز أَولهَا من أَرض العذيب وَآخِرهَا سميراء ذ تبعد عَن الْكُوفَة بِخمْس عشرَة لَيْلَة ونكبنا أى عدلنا نكب عَن الطَّرِيق إِذا عدل عَنهُ الْمَعْنى يَقُول تركنَا نجدا والسماوة من وَرَائِنَا لقصدنا هَذَا الممدوح
١٢فَما زالَت تَرى وَاللَيلُ داجٍ
لِسَيفِ الدَولَةِ المَلِكِ اِئتِلافا
الواحدي: الائتلاق البريق يقال ائتلق البرق وتألق إذا لمع يقول لم تزل العيس ترى نور وجهه سيف الدولة في ظلمة الليل وهذا من قول عبد بن الحسحاس، إذا نحن أدلجنا فأنت أمامنا، كفى لمطايانا بوجهك هاديا، ومثله قول أبي الطمحان القيني، أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم، دى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه،
العكبري: الْغَرِيب الداجى المظلم والائتلاق البريق واللمعان وتألق الْبَرْق إِذا لمع الْمَعْنى يَقُول لم تزل العيس ترى فى ظلمَة اللَّيْل نور وَجه سيف الدولة يُرِيد ترى لسيف الدولة ضِيَاء يقتادها ونورا يسطع لَهَا وَهَذَا يُشِير إِلَى مَا يظْهر فى أرضه من فَضله ويشرق فِيهَا من أنوار مجده وَهُوَ مَنْقُول من قَول سحيم (إذَا نحْنُ أدْلَجْنا وأنْتَ أمامَنا ... كَفَى لِمَطايانا بِوَجْهِكَ هادِيا) وَمثله لأبى الطمحان (أضَاءَتْ لَهُمْ أحْسابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ ... دُجَى اللَّيلِ حَتَّى نَظَّمَ الجزِعْ ثاقِبُهُ)
١٣أَدِلَّتُها رِياحُ المِسكِ مِنهُ
إِذا فَتَحَت مَناخِرَها اِنتِشاقا
الواحدي: يقول أدلة العيس في طريقها إلى سيف الدولة انتشاقها رياح المسك منه إذا فتحت مناخرها وهذا من قول أبي العتاهية، ولو أن ركبا أمموك لقادهم، نسميك حتى يستدل بك الركب،
العكبري: الْمَعْنى يَقُول دليلها إِلَى الممدوح ريَاح الْمسك تنشقها من قبله وَهُوَ من قَول أَبى الْعَتَاهِيَة (وَلَوْ أنَّ رَكبا يَمَّمُوكَ لَقادَهُمْ ... نَسِيمُكَ حَتَّى يَستدلَّ بهِ الرَّكْبُ) وَمن قَول ابْن الرومى (فَهَدَتْ عُيُونَهُمُ لَهُ أضْوَاؤُهُ ... وَهَدَتْ أَنُوفَهُمُ لهُ أرْوَاحُهُ) وَمن قَوْله أَيْضا (إنْ جَاءَ مَنْ يَبْغِى لَنا مَنْزِلاً ... فَقُلْ لَهُ يَمْشىِ وَيسْتَنْشِقُ) وَمن قَول أَبى مُسلم (أرَادُوا لِيُخْفُوا قبرَهُ عَنْ عَدُوّهِ ... فَطِيبُ تُرابِ القَبْرِ دَلَّ عَلى القَبْرِ)
١٤أَباحَكِ أَيُّها الوَحشُ الأَعادي
فَلِم تَتَعَرَّضينَ لَهُ الرِفاقا
الواحدي: ويروي أباحك أيها الوحش الأعادي التعرض القصد يقول للوحش قد أباحك أعداءه بأن قتلهم فلم تقصدين الرفاق التي تسير إليه والتقدير فلم تتعرضين له أي رفاق وهي جمع رفقة وهي الجماعة في السفر.
العكبري: الْإِعْرَاب يرْوى أباحك أَيهَا الْوَحْش الأعادى ويروى يَا وَحش بِرَفْعِهِ على التَّخْصِيص وَخَصه بالنداء فَصَارَ كالمعرفة كَقَوْل الْأَعْشَى (وَيْلِى عَلَيْكَ وَوَيْلى مِنْكَ يَا رَجُلُ ... ) الرفاق يُقَال رَفِيق ورفاق ورفقة الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة قد أَبَاحَ الْوَحْش أعداءه بِأَن قَتلهمْ وَجعل أَجْسَادهم أكلا لَك فَلم تقصدين الرفاق الَّتِى تسير إِلَيْهِ والركاب الَّتِى تَعَمّده وَهُوَ إِشَارَة إِلَى كَثْرَة إِيقَاعه بِمن يُخَالِفهُ وَشدَّة استظهاره على من يعرضه وَيُقَال لم وَلم بِسُكُون الْمِيم وَفتحهَا وَالْوَقْف عَلَيْهَا بِالْهَاءِ وَلذَلِك وقف البزى عَن ابْن كثير فى مثل هَذَا بِالْهَاءِ
١٥وَلَو تَبَّعتِ ما طَرَحَت قَناهُ
لَكَفَّكِ عَن رَذايانا وَعاقا
الواحدي: الرذايا المهازيل من الإبل واحدها رذية وتبع بمعنى اتبع يقول للوحش لو تتبعت ما طرحت رماحه من القتلى لكفك ذلك عن مطايانا ولكان لك فيه كفاية عن التعرض لنا.
١٦وَلَو سِرنا إِلَيهِ في طَريقٍ
مِنَ النيرانِ لَم نَخَفِ اِحتِراقا
الواحدي: يقول نحن آمنون في طريقنا إليه حتى لو سرنا في النيران ما قدرت على احراقنا يذكر أمن السالكين في طرق لاويته.
العكبري: الْمَعْنى لسنا نَخَاف أَيهَا الْوَحْش من سطوتك وَلَا نَخَاف على رِكَابنَا من مضرتك لِأَن مَا يُحِيط بِنَا من سَعَادَة الممدوح يعوذنا وَمَا نقلب فِيهِ من إقباله يعوقك فَلَو سلكنا إِلَيْهِ فى طَرِيق من النيرَان لعادت ببركته بردا وَسلَامًا لَا نحذرها وَأمنا وعافية لَا نتألمها وَمثله للطائى (فَمَضَى لَوَ أنَّ النَّار دونَكَ خاضَها ... بالسَّيْفِ إلَاّ أنْ تَكُونَ النَّارَا) يُرِيد جَهَنَّم ولأبى حَيَّة النميرى (لَوْ أنَّ جَمْرَ النَّارِ دونَ بِلادِهمْ ... لَعَلِمْتَ أنِّى جَمْرَها مُتَخَوّضُ)
١٧إِمامٌ للِائمَّةِ مِن قُرَيشٍ
إِلى مَن يَتَّقونَ لَهُ شِقاقا
الواحدي: يقول هو إمام للخلفاء يتقدمهم إلى من يخالفهم كتقدم الإمام للمتقديمن وقوله يتقون له شقاقا يعني عدوا يحذرون خلافه ويتقدمون إليه ليكفيهم ذلك العدو ثم فسر هذه الإمامة فقال
العكبري: الْإِعْرَاب إِمَام خبر مبتدإ مَحْذُوف أى هُوَ إِمَام الْمَعْنى يَقُول هُوَ إِمَام الْخُلَفَاء يتقدمهم إِلَى من يخالفهم كتقدم الإِمَام للْمُتَقَدِّمين وَالْمعْنَى أَن سيف الدولة لجلالته وعلو قدره وارتفاع أمره يَتَّخِذهُ الْخُلَفَاء من قُرَيْش وهم أَئِمَّة النَّاس إِمَامًا فى حروبهم يقدمونه إِلَى من يحذرون شقاقه ويتوقعون خِلَافه
١٨فَلا تَستَنكِرَنَّ لَهُ اِبتِساماً
إِذا فَهِقَ المَكَرُّ دَماً وَضاقا
الواحدي: الفهق الامتلاء والمتفيهق الذي يفهق فمه بالكلام يقول لا تنكر تبسمه في أهوال ساعة الحرب وهو عند ضيق المكر بازدحام الأبطال وامتلائه بالدم ثم ذكر علة ترك الإنكار لتبسمه فقال.
١٩فَقَد ضَمِنَت لَهُ المُهَجَ العَوالي
وَحَمَّلَ هَمَّهُ الخَيلَ العِتاقا
الواحدي: يقول لا كلفة عليه في الحرب لأن الرماح ضمنت له أرواح الأعداء فإزهاقها في ضمان الأرماح وإذا هم بأمرٍ أدركه على ظهور خيله وهي حاملة همه وقد فسر هذا في قوله
العكبري: الْغَرِيب الْمَكْر مجَال الضَّرْب والفهق الامتلاء والمتفهق الذى يتفهق فَمه بالْكلَام الْمَعْنى يَقُول لَا ننكر تبسمه فى أهوال سَاعَة من الْحَرْب وَهُوَ ضيق الْمَكْر بازدحام الْأَبْطَال وامتلائه وَقد ذكر عِلّة الْإِنْكَار لتبسمه بقوله فِيمَا بعده (فقَدْ ضَمِنَتْ لهُ المُهَجَ الْعَوَالى ... ) وَهُوَ من قَول البحترى (ضَحوكٌ إِلَى الأبْطالِ وَهْوَ يَرُوعُهُمْ ... وللسَّيْفِ حَدٌّ حِينَ يَسْطُو وَرَوْنَقُ)
٢٠إِذا أُنعِلنَ في آثارِ قَومٍ
وَإِن بَعُدوا جَعَلنَهُمُ طِراقا
الواحدي: الطرق نعل تحت نعل يقول إذا أنعلت خيله لقصد قوم أدركتهم فداستهم بحوافرها حتى تصير جلودهم ولحومهم طراقا لنعالها وإن بعد المطلوبون.
العكبري: الْغَرِيب إنعال الْخَيل تصفيح أياديها بالحديد والطراق تَضْعِيف جلد النَّعْل الْمَعْنى يَقُول إِذا أنعل خيله فى آثَار قوم وحاول غزوهم وَقصد أَرضهم وَإِن بعدوا بجهدهم وتحرزوا بطاقتهم أسرعت تِلْكَ الْخَيل فى طَلَبهمْ فاستباحت حرمهم وعادت أَجْسَادهم بعد الْقَتْل كالطراق تدوسها الحوافر وتطؤها الْأَقْدَام وَمثله للحمانى (لَمْ تشْكُ خَيلُهُمْ الوَجَى مِن رَوْحَةٍ ... إلَاّ انْتَعَلْنَ مِنَ الدّماءِ قَتِيلا)
٢١وَإِن نَقَعَ الصَريخُ إِلى مَكانٍ
نَصَبنَ لَهُ مُؤَلَّلَةً دِقاقا
الواحدي: النقع ذهاب الصوت وبعده والصريخ المستغيث ههنا ومعنى نقع الصريخ نقع صوت الصريح فحذف المضاف والمؤللة المحددة يريد آذانها وآذان الخيل توصف بالدقة يقول إذا سمعن صوت الصريخ نصبن آذانها لاستماعه لأنهن تعودن إجابة الصريخ وإن كان يدعو الصريخ غيرهن وهو معنى قوله إلى مكان يعني إلى مكان سوى مكانهن.
العكبري: الْغَرِيب النَّقْع رفع الصَّوْت وَبعده والصريخ المستغيث والمؤللة المحددة والدقاق الرقَاق وهى صفة للآذان وآذان الْخَيل تُوصَف بالدقة الْمَعْنى يَقُول إِذا نقع صَوت الصَّرِيخ نصبت الْخَيل آذانها لاستماعه لِأَنَّهَا تعودت إِجَابَة الداعى وَإِن كَانَ الصَّرِيخ يَدْعُو غَيْرهنَّ وَلذَلِك قَالَ إِلَى مَكَان يُرِيد إِلَى مَكَان سوى مكانهن وَهُوَ من قَول الآخر (يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْبَطِرّ النقْعِ دَامِيَةً ... كأنَّ آذَانها أطْرَافُ أقْلامِ)
٢٢فَكانَ الطَعنُ بَينَهُما جَواباً
وَكانَ اللَبثُ بَينَهُما فُواقا
الواحدي: الفواق والفواق قدر ما بين الحلبتين ويضرب مثلا في السرعة واللبث القليل والفواق أيضا الشهقة الغالبة للانسان يقول تجيب خيله الصريخ بالطعان من غير لبث في اجابته فتجعل الطعن جوابا وقدر اللبث بين الإجابة وبين دعاء الصريخ قدر فواق ناقة أو فواق إنسان يعني لا لبث بينهما.
العكبري: الْغَرِيب الفواق قدر مَا بَين الحلبتين وَيضْرب مثلا فى السرعة واللبث الْقَلِيل والفواق أَيْضا الشهقة الْعَالِيَة للْإنْسَان الْمَعْنى يَقُول خيله تجيب الصَّرِيخ بالطعان من غير لبث فى إجَابَته فتجعل الطعْن جَوَابا وَقدر اللّّبْث بَين الْإِجَابَة وَبَين دُعَاء الصَّرِيخ قدر فوَاق نَاقَة أَو فوَاق إِنْسَان يُرِيد لَا لبث بَينهمَا وَأَن جَوَاب الصَّرِيخ يطعن هَذِه الْخَيل فى نحور الطارقين وَقد استبان ظفرها بفر الْأَعْدَاء عَنْهَا ناكصين وبتوليهم عَنْهَا منهزمين وَمثله لِسَلَامَةِ بن جندل (كُنَّا إذَا مَا أَتَانَا صَارِخٌ فَزِعٌ ... كانَ الجَوَابُ لهُ قَرْعَ الظَّنابِيبِ)
٢٣مُلاقِيَةً نَواصيها المَنايا
مُعَوَّدَةً فَوارِسُها العِناقا
الواحدي: أي تقابل نواصي خيله المنايا وتعاود فوارسها معانقةً الأبطال وهي آخر حالة في الحرب وأولها الملاقاة من بعيد ثم المراماة بالسهام ثم المنازلة بالرماح ثم المنازلة إلى الأقران ثم المعانقة وانتصب ملاقية ومعاودة على الحال من الخيل والعامل فيها المصدر في قوله وكان الطعن.
العكبري: الْإِعْرَاب من رفع ملاقية ومعودة أضمر لَهما ابْتِدَاء وَمن نصب جَعلهمَا حَالا وَالْعَامِل فيهمَا الْمصدر من قَوْله فَكَانَ الطعْن الْمَعْنى يَقُول خيل الممدوح تلقى نَوَاصِيهَا المنايا مُقَدّمَة ة عَلَيْهَا بوجهها مسرعة إِلَيْهَا وَقد اعتادت فوارسها معانقة الأقران فى الْحَرْب وَالْحَرب لَهَا حالات أَو لَهَا الملاقاة من بعيد ثمَّ المراماة ثمَّ المطاعنة ثمَّ المجالدة ثمَّ المعانقة
٢٤تَبيتُ رِماحُهُ فَوقَ الهَوادي
وَقَد ضَرَبَ العَجاجُ لَها رِواقا
الواحدي: يريد بالهوادي اعناق الخيل يقول تبيت رماحه فوق اعناقها أي لا ينزل بالليل أخذا بالحزم وكأنها من العجاج تحت رواق.
العكبري: الْغَرِيب الهوادى جمع هادية وهى أَعْنَاق الْخَيل الْمَعْنى يَقُول تبيت رماحه فَوق أَعْنَاق خيله فى سراه إِلَى عدوه وَالْعرب تعرض الرماح على أَعْنَاق الْخَيل فى السّير وتسددها فى الْحَرْب وَمَا تئيره من العجاج كالرواق عَلَيْهَا يُشِير أَنه يسير إِلَى أعدائه ويدرع اللَّيْل نحوهم أخذا بالحزم وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الرومى (وإعْمالى إلَيْكَ بِها المَطايا ... وَقَدْ ضَرَبَ العَجاجُ بِها رُوَاقا)
٢٥تَميلُ كَأَنَّ في الأَبطالِ خَمراً
عُلِلنَ بِها اِصطِباحاً وَاِغتِباقا
الواحدي: أي تميل رماحه في الأبطال كأنها علت الخمر صبوحا وغبوقا فهي لسكرها تميل وميلانها إنما هو للينها وهذا من قول البحتري، يتعثرن في النحور وفي الأوجه سكراً لما شربن الدماءا،
العكبري: الْغَرِيب الاصطباح والاغتباق مستعملان فى الشّرْب عِنْد الصَّباح والعشى الْمَعْنى تميل رماح هَذِه الفرسان كَأَن بهَا خمارا وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تميل من لينها فَكَأَن تِلْكَ الْخمر تَتَكَرَّر عَلَيْهَا اغتباقا واصطباحا وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه كثير الغارات لَا تفتر خيله جائلة غدوا وعشيا وَهَذَا مثل قَول البحترى (يَتَعَثَّرْنَ فِى النُّحورِ وفِى الأوْ ... جُهِ سُكْراً لَمَّا شَرِبْنَ الدّماءَ)
٢٦تَعَجَّبَتِ المُدامُ وَقَد حَساها
فَلَم يَسكَر وَجادَ فَما أَفاقا
الواحدي: أي شرب الخمر فلم تغلبه الخمر على عقله حتى تعجبت حين لم تقدر على عقله وذلك لقوته ومتانته ولما جاد بالمال لم يفق من سكر الجود. أقام الشعر ببابه منتظرا لعطائه فلما فاقت عطاياه الأمطار في الكثرة فاق الشعر الأمطار أيضا يعني كثرت عطاياه وكثرت الأشعار في مدحه.
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَنه لما جاد وَأعْطى لم يفق من سكر الْجُود وَشرب الْخمر فَلم يسكر فتعجبت الْخمر لِأَنَّهَا لم تقدر على إِحَالَة ذهنه وَقصرت عَن مغالبة عقله وَاسْتولى عَلَيْهِ جوده فَلم يفق من طربه وَلَا صَحا من ارتياحه بِهِ وَالْأَحْسَن فى هَذَا قَول البحترى (تَكَرَّمْتَ مِنْ قبلِ الكُئُوسِ عَلَيْهِمُ ... فَما اسْطَعْنَ أنْ يُحْدِثْنَ فيكَ تكرُّما)
٢٧أَقامَ الشِعرُ يَنتَظِرُ العَطايا
فَلَمّا فاقَتِ الأَمطارَ فاقا
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أَقَامَ الشّعْر ينْتَظر أَوَان العطايا فَلَمَّا ظهر لَهُ مَا فاق الأمطار بكثرته فاق الأمطار الشّعْر أَيْضا بمدحه يُرِيد كَثْرَة الْأَشْعَار فى مدحه
٢٨وَزَنّا قيمَةَ الدَهماءِ مِنهُ
وَوَفَّينا القِيانَ بِهِ الصَداقا
الواحدي: إنما قال هذا لأنه أعطاه فرسا وجارية فقا لوزنا قيمة الفرس من الشعر وبذلنا مهر الجارية منه أي ملكنا الجارية الفرس بالشعر وسمى قيمة الجارية صداقا لأن القيمة للأمة كالصداق للحرة حيث تستحل الأمة بالثمن كما تستحل الحرة بالمهر.
العكبري: الْغَرِيب القيان جمع قينة وهى الْجَارِيَة الْمُغنيَة وَغير الْمُغنيَة أوقع الْجمع موقع الْوَاحِد وَإِنَّمَا أعطَاهُ جَارِيَة والدهماء أَرَادَ الْفرس الَّتِى أَعْطَاهَا إِيَّاهَا وَالصَّدَاق بِكَسْر الصَّاد وَفتحهَا وَالْفَتْح اخْتِيَار الْكُوفِيّين وَهُوَ مهر الْمَرْأَة وَيُقَال صدَاق وَصدقَة وَصدقَة الْمَعْنى يَقُول وزنا من الشّعْر قيمَة الدهماء بريد أَنه بعث إِلَى سيف الدولة مَا كافأه بِثمن الدهماء وهى الْفرس الَّتِى كَانَ أهداها لَهُ ووفى صدَاق الْقَيْنَة الَّتِى أهداها لَهُ وَهَذَا يُشِير إِلَى أَنه قايض جوده بِشعرِهِ وكافأ هِبته بمدحه وسمى قيمَة الْجَارِيَة صَدَاقا لِأَن الْقيمَة للْأمة كالصداق للْحرَّة لِأَنَّهَا تستحل بِالثّمن كَمَا تستحل الْحرَّة بِالْمهْرِ
٢٩وَحاشا لِاِرتِياحِكَ أَن يُبارى
وَلِلكَرَمِ الَّذي لَكَ أَن يُباقى
الواحدي: استدرك في هذا البيت ما ذكره في البيت الأول من وزن قيمة الفرس وصداق الجارية من الشعر لأنه جعل شعره في مقابلة عطائه فقال في هذا البيت لا يباري ارتياحك للعطاء بشيء لأنه أكثر من أن يعارضه شيء وكرمك لا يباهي بالبقاء لأنه أبقى من كرم غيرك وحاشا كلمة توضع للاستثناء والتبعيد للشيء ويجوز أن يكون هذا البيت غير متعلق بما قبله يخبر فيه عن ارتياحه الذي هو أكثر من ارتياح غيره وكرمه الذي هو أبقى من كرم غيره.
العكبري: الْغَرِيب حاشا بِمَعْنى الإعاذة والتنزيه ويبارى يجارى ويباقى يفاعل من الْبَقَاء الْمَعْنى استدرك مَا كَانَ قَالَه فى الْبَيْت الْمُتَقَدّم من مكافاته بالشعر وَهُوَ قَوْله وزنا قيمَة الدهماء مِنْهُ وَأَنه جعل الشّعْر فى مُقَابلَة عطائه فَقَالَ حاشا لجودك أَن يجازى بشئ لِأَنَّهُ أَكثر مِمَّا يعاوضه شئ وكرمك لَا يباهى فى الْبَقَاء لِأَنَّهُ أبقى من كرم غَيْرك وَمعنى الْبَيْت أَن كرمك أَكثر وَأبقى من كرم غَيْرك
٣٠وَلَكِنّا نُداعِبُ مِنكَ قَرماً
تَراجَعَتِ القُرومُ لَهُ حِقاقا
الواحدي: هذا البيت يؤكد الوجه الأول في البيت الذي قبله والمداعبة الممازحة والقرم الفحل الذي ترك من العمل للفحلة والحقاق جمع حقة وهي التي دخلت في السنة الثالثة فاستحقت الركوب والحمل يقول قولي وزنا قيمة الدهماء مداعبة ونحن نداعب منك سيدا كل سيد عنده كالحقاق عند القروم
٣١فَتىً لا تَسلُبُ القَتلى يَداهُ
وَيَسلُبُ عَفوُهُ الأَسرى الوَثاقا
الواحدي: يقول إذا قتل قتيلا لم يأخذ سلبه ترفعا عن ذلك وعفوه يسلب أسراه اغلالهم وقيودهم يعني يعفو عنهم ويطلقهم.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول هُوَ يقتل الْقَتْلَى وَلَا يسلبهم وَيُطلق الأسرى بعفوه فعفوه يسلب الأسرى أغلالهم وقيودهم وَهَذَا من قَول عنترة (يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الْوَقِيعَةَ أنَّنِى ... أغْشَى الوَغَى وأعِفُّ عنْدَ المَغْنَمِ)
٣٢وَلَم تَأتِ الجَميلَ إِلَيَّ سَهواً
وَلَم أَظفَر بِهِ مِنكَ اِستِراقا
الواحدي: يقول لم تحسن إلى غفلة منك بل عن علمٍ وتجربةٍ احسنت إليّ ولم أظفر باحسانك من غير استحقاق كمن يسرق شيئا.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إحسانك إِلَى لم يكن عَن غَفلَة مِنْك بل عَن علم وتجربة أَحْسَنت إِلَى وَلم اظفر بإحسانك من غير اسْتِحْقَاق كمن سرق شَيْئا يُرِيد فَمَا ظَفرت بِهِ مِنْك ظفر المسترق وَلَا قبله قبُول المختلس ولكنى كنت أَهلا لما أسديته وَكنت مصيبا فِيمَا أوليته قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول بلعام (بضَرْبَةٍ لمْ تَكُنِ مِنِّى مُخَلَّسةً ... وَلا تَعجَّلْتُها جُبْنا وَلا فَرَقا)
٣٣فَأَبلِغ حاسِدِيَّ عَلَيكَ أَنّي
كَبا بَرقٌ يُحاوِلُ بي لَحاقا
الواحدي: يقول هؤلاء الذي يحسدونني عليك أبلغهم أنهم لا يلحقونني فإن البرق على سرعته إذا طلب اللحاق بي كبا على وجهه وإذا لم يلحقني البرق فمتى يلحقونني ويقال لحقته ولحقت به ومن روى لي كان المعنى لحقا لي وتحميله الممدوح الرسالة إلى أعدائه قبيح لولا قوله عليك.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول الْبَرْق إِذا حاول لحاقى كبا لوجهه أى عثر وَسقط فأبلغ من يحسدنى عَلَيْك أَنى السَّاق الذى لَا يدْرك والمقدم الذى لَا يلْحق فَإِذا كَانَ الْبَرْق لَا يلْحق بى فَمن يلْحق بى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِن قيل لم جعل الممدوح رَسُولا مبلغا عَنهُ وَهَذَا قَبِيح قيل إِنَّمَا حسن ذَلِك لقَوْله (حاسدى عَلَيْك ... )
٣٤وَهَل تُغني الرَسائِلُ في عَدوٍّ
إِذا ما لَم يَكُنَّ ظُبىً رِقاقا
الواحدي: هذا استفهام انكار يقول الحاسد لا يكفي أمره الرسائل إنما يكفي أمره المناصل والمعنى ليس يشفيني منهم الرسالة إنما يشفيني منهم القتل بالسيف.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَا تغنى الرسائل فى عَدو الْأَقْوَال فِيهِ غير مجدية إِلَّا إِذا كَانَت الرسائل فَمَا مَاضِيَة والزواجر أفعالا وَاقعَة مَاضِيَة
٣٥إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ
فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا
الواحدي: يقول معرفتي بالناس أكثر من معرفة اللبيب المجرب لأني كالآكل وهو كالذائق والآكل أتم معرفةً بالمأكول من الذائق.
العكبري: الْمَعْنى معرفتى النَّاس أَكثر من معرفَة اللبيب المجرب لأنى آكل وَهُوَ ذائق والذائق لَيْسَ فى الْمعرفَة كالآكل لِأَن الْآكِل أتم معرفَة من الذائق وَذَلِكَ لتمكنى فى اختيارهم وإحاطتى بمعرفتهم
٣٦فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً
وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا
الواحدي: يقول إنهم يخادعون بودهم لا يصدقون فيه ودينهم النفاق لا الإخلاص.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لم أر مَا يتجاورون فِيهِ من الود إِلَّا الخداع والمكاذبة وَمَا يبدونه من الدّين إِلَّا نفَاقًا وَلَا يخلصون دينهم وَلَا ودهم
٣٧يُقَصِّرُ عَن يَمينِكَ كُلُّ بَحرٍ
وَعَمّا لَم تُلِقهُ ما أَلاقا
الواحدي: الأق امسك ومنه قول الشاعر، كفاك كف ما تليق درهما، يقول كل بحر دون يمينك وما أمسك من مائه على كثرته دون ما لم تمسكه مما بذلته.
العكبري: الْغَرِيب ألاق أمسك وَمِنْه (كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا ... جُوداً وأُخْرَى تُعْطِ بالسَّيفِ الدَّما) الْمَعْنى كل بَحر دون يَمِينك وَمَا أمْسكهُ من مَائه على كثرته دون مَا لم تمسكه مِمَّا بذلته وَالْمعْنَى يقصر مَا أمْسكهُ الْبَحْر عَمَّا لم تمسكه وجدت بِهِ
٣٨وَلَولا قُدرَةُ الخَلّاقِ قُلنا
أَعَمداً كانَ خَلقُكَ أَم وِفاقا
الواحدي: لولا أن الله تعالى قادر على ما يريد يخلق ما يشاء لقلنا أن خلقك وفاق أم عمد لبعد الوهم أن يكون مثلك خلق في جودك وكرمك.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا قدرَة الله تَعَالَى وَأَنه قَادر على مَا يُرِيد يخلق مَا يَشَاء لقلنا إِن خلقك وفَاق أَو عمد لبعد الْوَهم أَن يكون مثلك خلق فى جودك وكرمك لما قد اجْتمع فِيك من ضروب الْخَيْر وتكامل لَك من صنوف الْفضل
٣٩فَلا حَطَّت لَكَ الهَيجاءُ سَرجاً
وَلا ذاقَت لَكَ الدُنيا فِراقا
الواحدي: وقال يمدحه ويرثي أبا وائل تغلب بن داود في جمادي الأولى سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
العكبري: الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ يَقُول لاحطت لَك الْحَرْب سرجا بفقدها لَك وَلَا زلت مَالِكًا لتدبيرها وَلَا ذاقت الدُّنْيَا فراقك وَلَا زلت مُدبرا لأمورها وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحترى (حُطَّتْ سُرُوجُ أَبى سَعِيدٍ وَاغْتَدَتْ ... أسْيافُهُ دُونَ العَدُوّ تُشامُ)
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.