من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من أوصاف النساء
وقول أبى الفتح: «ملء البنان...... البيت» نظير قول على ابن العباس الرومى يصف هن امرأة:
يسع السبعة الأقاليم طرّاوهو في أصبعين من إقليم
كضمير الفؤاد يلتهم الدنياوتحويه دفّتا حيزوم
وإنما أخذه ابن الرومى من قول بعض الشعراء يذكر كاتبا
فى كفه أخرس ذو منطقبقافه واللام والميم
شبر إذا قيس، ولكنهفى فعله مثل الأقاليم
محذّف الرّأس ومسودّهكإبرة الرّوق من الرّيم
وهذا البيت الأخير مقلوب من قول عدى بن الرقاع العاملى، وقد وصف قرن ريم، وشبهه بقلم عليه مداد، وذكر ظبية.
ترجى أغنّ كأنّ إبرة روقهقلم أصاب من الدّواة مدادها
وقلب المعنى إذا تمكن الشاعر من إخفائه لا يجرى مجرى السرقة.
وقد ترى تكثير الشعراء من تشبيه أوراك النسوان بالرّمل والكثبان، قال الشاعر:
وبيض نضيرات الوجوه كأنماتازّرن دون الأزر رملات عالج
خدال الشّوى لا تحتشى غير خلقهاإذا الرّسح لم يصبرن دون المنافج
يذرن مروط الخزّ ملأى كأنهاقصار وإن طالت بأيدى النّواسج
وهذا المعنى متداول متناقل في الجاهلية والإسلام، فأغرب ذو الرمة في قلبه وأحسن، فقال يصف رملا:
ورمل كأوراك العذارى قطعتهوقد جلّلته المظلمات الحنادس
وكذلك مدحهم ضمور الكشح، وجولان الوشح، وصموت القلب والخلخال، وامتناع الخدام من المجال؛ قال خالد بن يزيد بن معاوية، وذكر رملة بنت الزبير بن العوام:
تجول خلاخيل النساء، ولا أرىلرملة خلخالا يجول ولا قلبا
أحبّ بنى العوّام طرّا لحبهاومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
وقال النابغة:
على أنّ حجليها وإن قلت أوسعاصموتان من ملء وقلة منطق
وقال الطائى:
مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانسقنا الخطّ إلّا أنّ تلك ذوابل
من الهيف لو أنّ الخلاخيل صيّرتلها وشحا جالت عليها الخلاخل
وقال ابن أبى زرعة الدمشقى:
استكتمت خلخالها ومشتتحت الظلام به فما نطقا
حتى إذا ريح الصّبا نسمتملأ العبير بسيرها الطّرقا
وقال المتنبى:
وخصر تثبت الأبصار فيهكأنّ عليه من حدق نطاقا
قلب هذا كله أبو عثمان الناجم، فقال يهجو قينة:
مسلولة الكلّ غير بطنمثقّل فهى عنكبوت
حجولها الدّهر في اصطخابووشحها كظّم صموت
وقال أبو عثمان يمدح قينة:
محسنة في كلّ ألحانهالا كالتى تحسن في النّدره
ثم قلبه في هجاء، فقال:
عجبت منها ويحها كيف لاتخطئ بالإحسان في النّدره
وهذا مأخوذ من قول محمد بن مناذر يهجو خالد بن طليق، وكان قد تقلد قضاء البصرة:
يا عجبا من خالد كيف لايخطئ فينا مرّة بالصواب
كان قضاة الناس فيما مضىمن رحمة الله، وهذا عذاب
وهذا أيضا من قلب الهجاء مديحا، والمديح هجاء؛ كما قال مسلم بن الوليد يهجو قوما:
قبحت مناظرهم فحين خبرتهمحسنت مناظرهم بقبح المخبر
قلبه أبو الطيب المتنبى فقال:
وأستكثر الأخبار قبل لقائهفلمّا التقينا صغّر الخبر الخبر
وقال أبو تمام:
عبأ الكمين له فضلّ لحينهوكمينه المخفى عليه كمين
قلبه البحترى فقال:
لا ييأس المرء أن ينجيهما يحسب الناس أنه عطبه
وقال أبو تمام:
وحشيّة ترمى القلوب إذا غدتوسنى فما تصطاد غير الصّيد
قلبه البحترى فقال:
على أننى أخشى على دار أمنهافوارس يصطاد الفوارس صيدها
وقال أبو تمام:
يشنأ الغيث وهو جدّ حبيبربّ حزم في بغضة الموموق
قلبه البحترى فقال:
يسرّنى الشىء قد يسوءكمنوّه يوما بخامل لقبه
قال أبو الفضل أحمد بن أبى طاهر: المعنى في المصراع الأول أبين منه في الثانى؛ ألا ترى أنه لو قال: إنه ليسوءك الشىء قد يسر، كان مثل ذلك المعنى مستويا، إلا أنه قلبه لحاجته.
قال ابن الرومى يهجو مغنية:
قينة ملعونة من أجلهارفض اللهو معا من رفضه
فإذا غنّت ترى في حلقهاكلّ عرق مثل بيت الأرضه
فقلبه ابن المعتز فقال يصف أرضة أكلت له كتابا.
تثنى أنابيب لها فيها سبلمثل العروق لا ترى فيها خلل
وهذا كثير يكتفى منه باليسير.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع