من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
جملة من شعر أبى الفتح كشاجم في لأوصاف
قال يصف أجزاء من القرآن:
من يتب خشية العقاب فإنىتبت أنسا بهذه الأجزاء
بعثتنى على القراءة والنّسك وما خلتنى من القرّاء
حين جاءت تروقنى باعتدالمن قدود وصيغة واستواء
سبعة أشبهت لى السبعة الأنجم ذات الأنوار والأضواء
كسيت من أديمها الحالك اللّون غشاء أحبب به من غشاء
مشبها صبغة الشّباب ولمّات العذارى ولبسة الخطباء
ورأت أنها تحسن بالضدّفتاهت بحلية بيضاء
فهى مسودّة الظهور، وفيهانور حقّ يجلود جى الظّلماء
مطبقات على صحائف كالرّيطتخيّرنّ من مسوك الظباء
وكأنّ الخطوط فيها رياضشاكرات صنيعة الأنواء
وكأنّ البياض والنّقط السّود عبير رششته في ملاء
وكأن العشور والذّهب الساطع فيها كواكب في سماء
وهي مشكولة بعدّة أشكال ومقروءة على أنحاء
فإذا شئت كان حمزة فيهاوإذا شئت كان فيها الكسائى
خضرة في خلال حمر وصفربين تلك الأضعاف والأثناء
مثل ما أثّر الدّبيب من الذّرّعلى جلد بضّة عذراء
ضمّنت محكم الكتاب كتاب اللهذى المكرمات والآلاء
فحقيق علىّ أن أتلو القرآن فيهنّ مصبحى ومسائى
وقال يصف التخت الذى يضرب عليه حساب الهند:
وقلم مداده ترابفى صحف سطورها حساب
يكثر فيها المحو والإضرابمن غير أن يسوّد الكتاب
حتى يبين الحقّ والصوابوليس إعجام ولا إعراب
فيه ولا شكّ ولا ارتياب
وقال يصف بركارا استهداه:
جدلى ببركارك الذى صنعتفيه يدا قينه الأعاجيبا
ملتئم الشّعبتين معتدلماشين من جانب ولا عيبا
شخصان في شكل واحد قدراوركّبا بالعقول تركييا
أشبه شيئين في اشتكالهمابصاحب لا يزال مصحوبا
أوثق مسماره وغيّب عننواظر الناقدين تغييبا
فعين من يجتليه يحسبهفى قالب الإعتدال مصبوبا
قد ضمّ قطريه محكما لهماضمّ محبّ إليه محبوبا
يزداد حرصا عليه مبصرهما زاده بالبنان تقليبا
ذو مقلة بصّرته مذهبهلم تأله رقّة وتهذيبا
ينظر فيها إلى الصواب فمابها يزال الصواب مطلوبا
لولاه ما صحّ خطّ دائرةولا وجدنا الحساب محسوبا
[الحق فيه فإن عدلت إلىسواه كان الحساب تقريبا]
لو عين إقليدس به بصرتخرّ له بالسجود مكبوبا
فابعثه واجنبه لى بمسطرةتلف الهوى بالثناء مجنوبا
وقال يصف بيكاتا:
روح من الماء في جسم من الصّفرمولّد بلطيف الحسّ والنظر
مستعبر لم يغب عن طرفه سكنولم يبت من ذوى ضغن على حذر
له على الظهر أجفان محجّرةومقلة دمعها جار على قدر
تنشا له حركات من أسافلهكأنها حركات الماء في الشجر
وفي أعاليه حسبان يفصّلهللناظرين بلا ذهن ولا فكر
إذا بكى دار فى أحشائه فلكخافى المسير وإن لم يبك لم يدر
مثرجم عن مواقيت يخبّرنابها فيوجد فيها صادق الخبر
تقضى به الخمس في وقت الوجوب وإنغطّي على الشمس ستر الغيم والمطر
وإن سهرت لأوقات تؤرّقنىعرفت مقدار ما ألقى من السّهر
محدّد كلّ ميقات تخيّرهذوو التّخيّر للأسفار والحضر
ومخرج لك بالأجزاء ألطفهامن النهار وقوس الليل والسّحر
نتيجة العلم والتفكير صورتهيا حبّذا أبدع الأفكار في الصور
وقال يصف اسطرلابا:
ومستدير كجرم البدر مسطوحعن كلّ رافعة الأشكال مصفوح
صلب يدار على قطب يثّبتهتمثال طرف بشكر الحذق مكبوح
ملء البنان وقد أوفت صفائحهعلى الأقاليم من أقطارها الفيح
تلفى به السبعة الأفلاك محدقةبالماء والنار والأرضين والريح
تنبيك عن طائح الأبراج هيئتهبالشمس طورا، وطورا بالمصابيح
وإن مضت ساعة أو بعض ثانيةعرفت ذاك بعلم فيه مشروح
وإن تعرّض في وقت يقدرهلك التشكك جلّاه بتصحيح
مميز في قياسات الضلوع بهبين المشائم منها والمناجيح
له على الظهر عينا حكمة بهمايحوى الضياء وتنجيه من اللوح
وفي الدواوين من أشكاله حكمتنقّح العقل فيها أىّ تنقيح
لا يستقلّ لما فيه بمعرفةإلّا الحصيف اللطيف الحسّ والرّوح
حتى ترى الغيب فيه وهو مغلقالأبواب عمن سواه جدّ مفتوح
نتيجة الذهن والتفكير صوّرهذوو العقول الصحيحات المراجيح
وكان أبو شجاع فناخسرو عضد الدولة قد نكب أبا إسحاق الصابى، على تقدمه في الكتابة، ومكانه في البلاغة، واستصفى أمواله من غير إيقاع به في نفسه، فأهدى إليه في يوم مهرجان اسطرلابا في دور الدرهم، وكتب إليه:
أهدى إليك بنو الحاجات واحتشدوافى مهرجان عظيم أنت تعليه
لكنّ عبدك إبراهيم حين رأىسموّ قدرك عن شىء يساميه
لم يرض بالأرض يهديها إليك، فقدأهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع