تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

أبو علىّ البصير وشىء من أدبه

وشتم بعض الطالبيين أبا علىّ الفضل بن جعفر البصير، فقال أبو علىّ: والله ما نعيا عن جوابك، ولا نعجز عن مسابّك؛ ولكنّا نكون خيرا لنسبك منك، ونحفظ منه ما أضعت؛ فاشكر توفيرنا ما وفّرنا منك، ولا يغرّنّك بالجهل علينا حلمنا عنك.

وسأل أبو على البصير بعض الرؤساء حاجة ولقيه؛ فاعتذر إليه من تأخّرها؛ فقال أبو علىّ: فى شكر ما تقدّم من إحسانك شاغل من استبطاء ما تأخّر منه.

وأبو علىّ أحد من جمع له حظّ البلاغة في الموزون والمنثور، وهو القائل:

ألمّت بنا يوم الرحيل اختلاسةفأضرم نيران الهوى النّظر الخلس
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
تأبّت قليلا وهي ترعد خيفةكما تتأبّى حين تعتدل الشمس
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
فخاطبها صمتى بما أنا مضمروأنبست حتى ليس يسمع لى حسّ
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
وولّت كما ولى الشباب لطيّةطوت دونها كشحا على يأسها النفس
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة

وقال يصف بلاغة الفتح بن خاقان وشعره:

سمعنا بأشعار الملوك؛ فكلّهاإذا عضّ متنيه الثّقاف تأوّدا
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
سوى ما رأينا لامرئ القيس؛ إننانراه- متى لم يشعر الفتح- أوحدا
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
أقام زمانا يسمع القول صامتاونحسبه إن رام أكدى وأصلدا
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
[فلما امتطاه راكبا ذلّ صعبهوسار فأضحى قد أغار وأنجدا]
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة

والفتح بن خاقان يقول:

وإنى وإياها لكالخمر، والفتىمتى يستطع منها الزيادة يزدد
للشاعر أبو الحسين الكاتب، من قصيدة «رماني أخ أصفي له الود جاهداً»
إذا ازددت منها زاد وجدى بقربهافكيف احتراسى من هوى متجدّد

وكتب إلى أبى الحسن عبيد الله بن يحيى: وإن أمير المؤمنين لمّا استخلصك لنفسه، وائتمنك على رعيّته؛ فنطق بلسانك، وأخذ وأعطى بيدك، وأورد وأصدر عن رأيك، وكان تفويضه إليك بعد امتحانه إياك، وتسليطه الحقّ على الهوى فيك، وبعد أن مثّل بينك وبين الذين سموا لمرتبتك، وجروا إلى غايتك، فأسقطهم مضاؤك، وخفّوا في ميزانك، ولم يزدك- أكرمك الله- رفعة وتشريفا إلّا ازددت له هيبة وتعظيما، ولا تسليطا وتمكينا، إلا زدت نفسك عن الدنيا عزوفا وتنزيها، ولا تقريبا واختصاصا، إلا ازددت بالعامة رأفة وعليها حدبا، لا يخرجك فرط النصح له عن النظر لرعيّته، ولا إيثار حقّه عن الأخذ بحقّها عنده، ولا القيام بما هو له عن تضمين ما هو عليه، ولا يشغلك معاناة كبار الأمور عن تفقّد صغارها، ولا الجدّ في صلاح ما يصلح منها عن النظر في عواقبها؛ تمضى ما كان الرّشد في إمضائه، وترجىء ما كان الحزم في إرجائه، وتبذل ما كان الفضل في بذله، وتمنع ما كانت المصلحة في منعه، وتلين في غير تكبّر، وتخصّ في خير ميل، وتعمّ في غير تصنّع، لا يشقى بك المحقّ وإن كان عدوّا، ولا يسعد بك المبطل وإن كان وليّا؛ فالسلطان يعتدّ لك من الغناء والكفاية، والذّبّ والحياطة، والنّصح والأمانة، والعفّة والنزاهة، والنصب فيما أدّى إلى الراحة، بما يراك معه- حيث انتهى إحسانه إليك- مستوجبا للزيادة وكافة الرعية- إلا من غمط منهم النّعمة- مثنون عليك بحسن السيرة، ويمن النقيبة، ويعدّون من مآثرك أنك لم تدحض لأحد حجّة؛ ولم تدفع حقّا

لشبهة؛ وهذا يسير من كثير، لو قصدنا لتفصيله، لأنفدنا الزمان قبل تحصيله، ثم كان قصدنا الوقوف دون الغاية منه وله إلى عبيد الله بن يحيى: يقطعنى عن الأخذ بحظّى من لقائك، وتعريفك ما أنا عليه عن شكر إنعامك، وإفرادى إياك بالتأميل دون غيرك، نخلفى عن منزلة الخاصّة، ورغبتى عن الحلول محلّ العامة، وأنى لست معتادا للخدمة ولا الملازمة، ولا قويّا على المغاداة والمراوحة؛ فلا يمنعك ارتفاع قدرك، وعلو أمرك، وما تعانيه من جلائل الأحوال الشاغلة، من أن تتطوّل بتجديد ذكرى، والإصغاء إلى من يحضّك على وصلى وبرّى، ويزغبك في إسداء حسن الصنيعة عندى.

وله إليه آخر فصل من كتاب: وأنا أسأل الله الذى رحم العباد بك، على حين افتقار منهم إليك، أن يعيذهم من فقدك، ولا يعبدهم إلى المكاره التي استنقذتهم منها بيدك.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.